رعّاش ما بيهداش | تحولات الأورج الشعبي المصري

مقالات - كتابة: مي المغربي - ٢٠٢٥/١٢/٠٦
رعّاش ما بيهداش | تحولات الأورج الشعبي المصري
تحميل...

استيقظنا ذات يوم لنجد صوت مزمار عبد السلام يطاردنا، لكنه لم يكن عزفًا على مزمار حقيقي، إنما على الأورج. منذ تلك اللحظة أواخر ٢٠١٦ حضر الأورج بشكل مختلف ومسلوخ عن تاريخه. كأنه لا أورج قبل أورج عبد السلام. مع هذا الحضور الجديد، تغيرت ديناميكية الفرقة المصرية الشعبية من عازفين في الخلفية أبعد حدودهم سرقة لحظة صولو من المغني والراقصة، إلى عازف أورج في مقدمة المسرح كنجم الليلة الأوحد، يعزف منفردًا لمدة قد تصل لأربع ساعات ويديه على الرعاش ونوتات البيس بديناميكية إيقاعية وقدم تضغط الدواسة لضبط شدة الصوت. 

يحضر عازفو الإيقاع والدرامز على الهامش، حتى لا يكون المسرح خاليًا ولحشو الفراغات الموسيقية، ويطوف نبطشي حول العازف مجاريًا ومشتبكًا مع موسيقته، سواء عبد السلام أو عادل صانوه أو أوشا أو الدكتورة مها، ومن قبلهم شريف الغمراوي وحمادة محرم وأشرف قدري وإيهاب الديب وحمادة فوزي في التسعينات وأوّل الألفينات.

حتى إن حضر المغني أو المغنية فعليهم أن يخدّموا على ما يخرج من الأورج وأن يستعدوا لغيارات عازف الأورج العنيفة والمفاجئة، لا العكس، ذلك ما يؤمن ليلة حظ جيدة.

لم تكن الدنيا هكذا مليئة باللوبات والعريض والرعاشات والدوامات، يخرجها عازفون بعيدون تمامًا عن المركز وشروطه، منطلقين من صهرجت الكبرى في ميت غمر، والمحلة  وتلا في المنوفية. لم يملك عازفو الأورج قبل منتصف التسعينات المساحة والشجاعة لأكل المسارح والأفراح في الهامش والمتن وفيما بعد اليوتيوب والتيك توك. 

تاريخ الأورج في الأغنية العربية

لم أهتم بالأورج بشكله الرسمي في حياتي، كان بالنسبة لي شبيه البيانو كما أشباه الممثلين، أو خطوة قبل احتراف البيانو، أو بيانو للذين لا يملكون مساحة في بيوتهم لوضع البيانو الحقيقي. إذ لم يتحدث أحد كمجدي الحسيني وهاني مهنا وهاني شنودة عن الأورج سواء على المستوى التقني أو عن إمكانياته. تُختزل الأحاديث في حيز انبهار المغنين كعبد الحليم وعبد الوهاب بتلك الآلة التي تعمل بالكهرباء، وصوتها الغرائبي الجديد، ثم ينتقلون لاستعراض قوتهم في العزف على الأورج في سن صغير دون تفسير، وباقي الكلام يكون عن كواليس الأغنية وأسرار نجوم العصر الذهبي الذين عاصروهم. 

لكن كان هناك محاولة لإعطاء الأورج والجيتار مساحة حتى يتعرف الجمهور على تلك الأصوات الإلكترونية ومحاولة لإيجاد مكان للجديد وسط الآلات الموسيقية الكلاسيكية. نسمع ونرى ذلك في أشهر أغاني السبعينات التي استخدمت الأورج في حفلاتها وخاصة مع الفرقة الماسية. مثل مداح القمر وقارئة الفنجان بعزف مجدي الحسيني، وبعض أغاني وردة الجزائرية مثل وحشتوني، وبعض حفلاتها بعزف هاني مهنا

أيضًا، يشير المذيع على سعفان في تقديمة حفلة مداح القمر في سينما ريفولي سنة ١٩٧١ أن قبل بدء الحفل كان هناك صولو أو حوار بين الأورج والجيتار – يقصد بين مجدي الحسيني على الأورج وعمر خورشيد على الجيتار. لا يوجد تسجيل متاح لتلك اللحظة التي تسبق الحفل؛ لكننا يمكن أن نسمع صولو آخر في فيديو ونبتدي منين الحكاية من عزف مجدي الحسيني وألحان عبد الوهاب على أورج الترانزيستور فارفيسا الإيطالي. كان الموجود فقط وقتها الأورج الغربي.

جاءت نسخة الأورج في حفلات السبعينات أقرب للبيانو بنكهة سايكدليك بسيطة، بالنسبة للأذن غير المدرّبة. نسخة بدائية مشغولة بمحاكاة الآلات الشرقية من بعيد، فيظهر الأورج كأنه بديل معاصر للبيانو، إذ لا يظهر في تلك الحفلات إمكانيات الأورج بشكل كبير.

تكمن عبقرية مجدي الحسيني في عزفه آلة غربية بلا ربع تون ولا يمكن التعديل عليها وعزفها بأسلوب يلائم الإيقاعات الشرقية ويحاكي طرق عزف الآلات الحقيقية غير الكهربائية. إذ كانت الحلول في تجنب مقامات معينة لا تتطلب وجود الربع تون في سلمها كالكرد أو النهاوند، أو إضافة مفاتيح صغيرة بين المفاتيح البيضاء والسوداء الموجودة في واجهة الأورج لعزف نغمات الربع تون مثل السي نصف بيمول أو المي نصف بيمول مع تعديل الدائرة الكهربية هندسيًا لوضع الربع تون في نظام الآلة .

كان كل ذلك مرهقًا ويخرج ربع تون غير أصيل. لكن أضاف غياب دقة الربع تون في الأورج، أو السنث، طيفًا غرائبيَا على الموسيقى التي تعزف عليه. استثمر عبد الوهاب في الأورج كملحن ومنتج، كما استثمر في السنث، ففي ١٩٧٦ أنتج عبد الوهاب ألبومًا لعمار الشريعي بعنوان موسيقى من الشرق مكون من ست أغانٍ من ألحان وتوزيع عبد الوهاب، ونرى على الغلاف الشريعي هو يعزف على سنث ستلبون إس ٩٠٠ .

بقي السنث في مصر على اسمه الستيني، أورج، بغض النظر عن أي ماركة أو نسخة استخدمت، وهو الاسم المستخدم حتى الآن، أي ما يستخدمه عبد السلام أو عادل صانوه وغيرهم  هو السنث وليس الأورج، سواء من ياماها أو كورج أو جيم ورولاند في التسعينات، أو جالاكسي حاليًا.  

تزايد توظيف السنث في السبعينات وأوائل الثمانينات وفرض حضوره في أمريكا وأوروبا، إذ كان يمكنه تسجيل وتخزين الموسيقى والنغمات على عكس الأورجات، وأيضًا كان يسهل تعديله وإضافة ونحت وقصقصة الصوت. بجانب أنه خلق توزيعات معقدة ومركبة وخلق هياكل وإيقاعات ومشاهد صوتية جديدة، بصوت ضخم ودافئ وأكثر تنوعًا من الأورج الكلاسيكي هذا إلى جانب الفلاتر التي تخفف أو تعمق الصوت. لولا السنث لما وجدت أنواع مثل موسيقى السنث-بوب والهاوس والتكنو وغيرها من أشكال الموسيقى الإلكترونية؛ فقد وفر الأصوات والقدرات الأساسية التي حددت هذه الأشكال الموسيقية الجديدة. 

وصلات وأزرار وكابلات

ربما هذا تحديدًا ما كان يخيف شيوخ الموسيقى العربية، وساهم في تأخر تجريب إمكانيات السنث بحرية وظل يطوف داخل الكلاسيكي مع رشة تجريب. تخيل آلة قد تخطف الأضواء من الأوركسترا، أمر مرعب. 

بدأ ذلك يتخلخل في الثمانينات لدى بلوغ شرائط الكاسيت أوج إنتاجها متحررة من الإنتاج الرسمي للدولة. فُتح المجال للجزارين والمعلمين والمقاولين للإنتاج الفني، بالإضافة إلى مغنين وملحنين شعبيين في لحظة تجريبية حرة. تغيرت شروط الفرق الموسيقية في مصر، وأصبح من السهل الانضمام للمجتمع الموسيقي دون دراسة في معهد الموسيقى، وخارج عائلة آلاتية من شارع محمد علي أو عائلة برجوازية توفر الحماية.

بعد أن كان التعديل في مصر أو الشرق الأوسط عمومًا على السنث بالطرق الهندسية عبر تفكيكه وإعادة ضبط النظام وتعديل برمجته بالمفكات كالتعديل في الغسالة والسخان، جاء دور عمار الشريعي بالتعاون مع شركة ياماها لتصميم سنث يحتوي الربع تون، أي تشريقه / تعريبه.

أكورديون مؤقتًا 

كان السنث في التسعينات بكل روشنته وحتى بعد تشريقه يعزف كل ما هو رصين وخاصةً الشعبي منه. فاستخدم لإعادة إنتاج الموسيقى الكلاسيكية، وعزف في الأفراح دقوا المزاهر، ثم قليلًا من بليغ حمدي ووردة وأغاني أم كلثوم وبعض السلامات ثم بعض أغاني أحمد عدوية. 

شلّت سنين من التقويض لقدرات السنث الخيال قليلًا، لا بمنعه أو تهميشه، لكن عبر الانشغال بإيجاد مساحة كلاسيكية له، ومحاولة موازنة العازفين والملحنين بأن يكون محاكيًا ومقبولًا كما باقي الآلات الموسيقية مع الاحتفاظ بخصائصه. 

اهتز ذلك الانشغال قليلًا مع حسن أبو السعود، إذ فتحت موسيقاه وعزفه على الأكورديون أفقًا جديدة، بالأخص لعازفي السنث الشعبيين الذين استهلكوا في أواخر التسعينات وبداية الألفينات ألحانه وموسيقته التصويرية التي ألفها للأفلام، مع اللعب عليها وفيها. تميزت ألحان أبو السعود، خاصة الشعبية، بالتصاعد اللانهائي وقدرة اللحن على أن يكون لغة تواصل دون الحاجة للكلام، وهي ميزة مستمرة في موسيقى السنث الشعبي حتى الآن.

لنبتعد عن الكلاسيكي ونبدأ في استخدام المزمار

نجد شريف الغمراوي (أو كما يلقب صاحب المصنع) أكثر من استهلك ألحان حسن أبو السعود، لكنه استهلكها باضافات جريئة من السنث فوضع قليلًا من المزمار وبعد دقائق من الالتزام، ترك تمامًا اللحن وانطلق هو بمزماره وطبلته بمعاونة السنث. 

حتى هذه اللحظة، ولدى كل معاصري شريف الغمراوي، كانت الفرقة المصرية الشعبية بشكلها الكلاسيكي حاضرة، حتى أن ضارب الصاجات حاضر ضمن الفرقة، والسنث في الخلف بجانب باقي العازفين؛ لكن كان عازف السنث يحصل على لحظات صولو طويلة نسبيًا وقتها. ما زال الفرح فيه الأغاني التقليدية، لكن نلاحظ بداية استخدام المزمار في التوزيعات سواء عند شريف الغمراوي فى صهرجت الكبرى أو حمادة محرم من المحلة الذي اشتهر في صهرجت أيضًا. الزمن غير محدد نظرًا أنهم غير مشغولين بفكرة التوثيق لكنه يبدو من الفيديوهات أنهم في أوائل الألفية من الملابس ومعدات العزف.

استخدم الغمراوي وحمادة ومن عاصرهم سنث كورونوس من ماركة كورج اليابانية الذي كان ضمن نظامه السمبلة، وهو ما سهّل الأمور أكثر. خلت السنثات الغربية في البداية مثل كورج إم وان ، أو الفلوبي ديسك من قبل من على الكمبيوتر ثم الاستعانة بالميدي لتحميلها على السنث أو عبر استخدام سامبلر إضافي لتسجيل أصواتهم بأنفسهم لكنه كان مكلفًا. 

بعد ذلك أصدرت كورج وياماها موديلات سنثات شرقية، مدمج فيها مكتبة ضخمة من الأصوات غير التي كانت في جيم ورولاند التي باتت بدائية بالمقارنة، لتسمح للعازف بالتوزيع الفوري، وفيها أنماط إيقاعية كثيرة ودقيقة لآلات مثل العود، والقانون، والكمان الشرقي، والناي، والمزهر، والدربكة، والناي، المزمار، الربابة.

كان شريف الغمراوي يستخدم الجديد لكنه في قلب لحظة الارتباك بين الكلاسيكي عبر عزف ألحان أغاني أم كلثوم وبين متعة اختراع توزيعات إلكترونية شعبية معقدة. لكن الأكيد أنه من الأوائل مع حمادة محرم ممن أخذوا خطوة توظيفهم التوزيعات المعقدة والابتعاد عن ما هو مضمون ومقبول في الشعبي. الأهم، أنهم رفعوا عازف السنث إلى مكانة خاصة وأيضًا ألهموا الآخرين ليكونوا مثل شريف الغمراوي. حيث تشتهر ميت غمر بحب السنث نظرًا أنها موقع لمصانع وورش الحلل القصاعي، فيبدو الجو العام خليطًا من الكلام والإيقاعات الحادة. هي أيضًا بلد عبد السلام وأوشا؛ كان السنث بالنسبة لعبد السلام حلمًا، إذ كان يعمل كعازف إيقاع في فرق الأفراح، ساعده ذلك في أن يعلّم نفسه سماعيًا على الأورج، كما ساعده ذلك الانخراط مع الفرق أن يتقرب من عتاولة العازفين وقتها، فنرى له تسجيلات عديدة في بداية احترافه مع الغمراوي وحمادة محرم وهم يلعبون سويًا.

الرعاش اللي مبيهداش

بالإضافة إلى الأصوات الشرقية، احتوت موديلات كورج وياماها الشرقية المخصصة على إمكانية ضبط الربع تون عن طريق عصا التحكم . لم يكن حمادة محرم أو شريف الغمراوي من هواة استخدام عصا التحكم أو ما عرف فيما بعد مع عبد السلام بالرعاش، إذ يشبه الرعاش الماوس أو فتيس السيارات لكن بشكل أكثر حساسية، يحتاج لحدس وذهن حاضر وتدريب سماعي ويد ثابتة وحساسة، ليس فقط لخلق ربع تون ولكن لخلق موجة طويلة من النغمات بين كل نغمة. ذلك ما يميز عبد السلام عن غيره، إحساسه بالموسيقى عبر يديه كما عازفي الآلات الوترية الذين يستخدمون تقنية الرعاش بأصابعهم عن طريق تحريك الإصبع بشكل طفيف وسريع على الوتر أثناء العزف.

إدينا دوامة

اختلف عبد السلام عن ما قبله، ليس فقط لأنه حضر في وقت أُتيحت خلاله السوشيال ميديا وسهّلت الانتشار، لكن لتمتعه بميزتين كفيلتين بجعل العازفين الأولين منسيين. أولهما أنه كان مهتمًا بتوثيق ما يخترعه ويجربه من توزيعات أو يسجله من سمبلة. تجاوز عبد السلام الايقاعات الجاهزة سواء على أورج كورج أو جالاكسي الذي يستخدمه حاليًا إلى تكوين مكتبته الخاصة للنغمات، عبر تسجيل وسمبلة جميع نغمات كل آلة موسيقية، منها المزمار على سبيل المثال، وأيضًا سجل عدة طبقات من نفس النغمة سواء منخفضة شديدة أو متوسطة ليخلق طبقات صوتية منها القرار العريض والجواب الخاص به. بجانب أنه صمم أصوات من الصفر والتي تذكرني بصوت كلاكسات التريلات وعربات الجامبو. 

بالفعل تتشابه ديناميكية عمل الكلاكس مع السنث لأنه يتكون عادةً من ٢ إلى ٥ أبواق أو أكثر بأطوال مختلفة، تكون مصفوفة بجانب بعضها البعض. يمكن للكلاكس عزف النغمات المتعددة التي نسمعها وتُعطي إحساسًا بـ العزف أو الكورد، وهو ما استغله عبد السلام لأنه أصلًا يحب عزف نغمات سريعة ومتتابعة في منطقة القرار العريض ثم الجواب الرفيع. لذا دائمًا ألاحظ  كوردات حادة وسريعة حينما يضغط عبد السلام على مفاتيح متعددة في نفس الوقت بيده اليمنى. هذا يحاكي طريقة عمل كلاكس اللحن المتسلسل الذي يفتح الصمامات / الأبواق بتتابع سريع. 

للكلاكسات أيضًا إيقاعات جاهزة يتم تحملها عبر الميدي من وكلاء يصنعون كوردات خاصة للسفن والتريلات في الشرق الأوسط. عبر استخدام النغمة الثانية الكبيرة ؛ وهي عبارة عن نغمتين متجاورتين يفصل بينهما نغمتان كاملتان (مسافتان على الكيبورد). هذا الكورد شائع في كلاكسات الطوارئ والسفن، ويعطي إحساسًا بالتوتر للفت الانتباه بسرعة؛ وهو ما يعتمده تمامًا عبد السلام في عزف كورداته أثناء استخدامه لصوت العبارة والدوامة وغيره، أو مثلًا الكورد الثلاثي (دو، مي، صول) لإعطاء خلفية صوتية متناغمة. هذا الكورد الثلاثي هو نفسه أشهر كورد كلاكس مستخدم في العالم. نسمع ذلك أيضًا في مزمار آه من اللي نابك لعادل صانوه، في الدقائق الأولى مع بداية المزمار يغَيِّر صانوه المقام، فيضغط على كورد ثلاثي حاد في الجواب، وهذا الصوت هو الأقرب لصوت الكلاكس الهوائي ذي النغمات المتعددة.

عاصفة الغيارات

ثاني نقطة ميزت عبد السلام عن عازفي التسعينات وأوائل الألفية هي الطلعات أو الغيارات الغشيمة، لعمل غارة أو كسر في اللحن؛ سواء عبر الانتقال السريع والمفاجئ من مقام موسيقي إلى مقام مختلف تمامًا في منتصف العزف، أو تغيير الصوت، مثلًا من صوت مزمار لصوت كمان في نفس الدقيقة، أو تغير اللوب نفسه. يحدث ذلك كفرد عضلات وعلى حسب الحالة المزاجية، وعليه أصبحت الغيارات السمة الرئيسية لأي عازف سنث شعبي  في ليالي الحظ. نسمع ذلك مثلًا عند أوشا أيضًا الذي اشتهر بسبب غياراته العنيفة في مزمار متعدد الغيارات.

تقريبًا من ٢٠١٩  بدأ عبد السلام  في تحميل كل ذلك على برنامج كونتاكت الذي يأخذ كل هذه الملفات الصوتية المسجلة، سواء كانت مسجلة في استوديو أو مصنعة ببرنامج آخر، وينظمها ويحولها إلى آلة موسيقية واحدة متماسكة يمكن العزف عليها بلوحة مفاتيح السنث في هذه الحالة. ربما لذلك نحس أن معظم عازفي السنث بعد عبد السلام يشبهون عبد السلام في عزفهم، لاعتمادهم على مكتبته في الأساس أو التعديل عليها؛ إذ أن مجهود السمبلة مرهق فيتخذون مكتبة عبد السلام كأساس ويبنون عليها.

ما اسم كل هذا

من اللحظة التي استيقظنا فيها على صوت مزمار عبد السلام وأنا منشغلة باحساس الانعزال، إذ يبدو عبد السلام منعزلًا عن ما يعزفه، بينه وبين أي شيء حوله مسافة كبيرة، حتى الأورج. رغم احترافيته يحافظ على المسافة بينه وبين الأورج وبينه وبين الفرقة وبينه وبين النبطشي حتى. كعامل مصنع يستطيع تطويع الآلة لكنه يعرف أنها تستطيع شفطه أو أكل يده إن تضافر معها ونسي المسافة الآمنة التي بينهما.

يحاول عبد السلام وببرود أن يحتفظ بكينونته الآدمية عبر معاملة السنث بندية شديدة، لأن لا بطل سوى السنث هنا فهو ما يتكلم ويعزف، بينما العازف دوره هو جسر أو نبي بين شيء غامض داخله وبين الآلة / السنث، يحاول هدهدتها ومسايستها لتخرج لنا نغمة تعجبنا، أو ترقصنا. 

رافق استيقاظنا على صوت المزمار، استيقاظنا على لغة عنيفة لوصف ذلك المزمار، لغة مستعارة من لغة المهرجانات، تلك التي يتنصل منها عازفو السنث الشعبي. لكنها أيضًا لغة منعزلة عن أي وصف للموسيقى نعرفه ونعتمده. هل يبدو وصف أفجر طلعات، أفجر غيارات أكثر دقة وقدرة على فهم تلك الموسيقى؟ حتى الآن يبدو أن العزف الفاجر أدق من كلمة عزف بارد وفوضى منظمة. فيه أيضًا توكيد شديد اللهجة على أن مكانة السنث الكلاسيكية قد انتهت، سواء على مستوى مكانه على جناحي الفرقة الموسيقية فوق المسرح، أو على مستوى اللغة النقدية الرصينة والمحافظة لوصف إنتاجه الموسيقي. حدث ذلك بعد زمن طويل من هدهدة المستمع ومحاولة تنقيطه بصوت السنث حتى يتقبله ويستطعمه.

أرى أن علينا أيضًا العمل على الخروج من كلاسيكية الوصف كما فعلوا هم وخرجوا من كلاسيكية العزف. وأن يكون لنا غياراتنا وغاراتنا، أثناء اشتباكنا مع تلك المساحة الحرة من الكريتة والتجريب في العزف الشعبي. لكنني أنسحل دائمًا في فكرة أن كل ما لا نستطيع وصفه يبقى في مكان آمن، حيث لا يمكن تقويضه، تصنيفه، برمجته، أو تكتيله أو حتى منعه، فهو للجميع ويمكن استهلاكه دون التفكير مرتين في معنى صوت العبارة والدوامة والمزمار.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف