على الساحل الكاريبي شمال كولومبيا، تقع مدينتان ساحليتان تتمتعان بأهمية جغرافية وتاريخية بالغة، وهما قرطاجنة وبارانكيا. شكّلت المدينتان على امتداد القرون، مرفأين رئيسيين للحركة التجارية والسفن. كما كانت سواحلهما من أبرز محطات تجارة العبيد خلال الاستعمار الأوروبي لإفريقيا والأمريكتين، حيث بيع آلاف المستعبدين ونُقلوا إلى مناطق مختلفة للعمل. ترك هذا التاريخ أثرًا كبيرًا على النسيج الاجتماعي للمدينتين وتعددهما الثقافي، إذ تشكلت فيهما مجتمعات أغلبها من أصول أفريقية، حملت معها هويتها وإرثها الثقافي، وأسهمت في تطوير أشكال من التعبير الشعبي حتى اليوم.
مع تصاعد حركات النضال ضد العبودية في القرن السابع عشر، فر عدد كبير من المستعبدين إلى منطقة تدعى مونتي دي ماريا، حيث قام بعضهم بتأسيس مدينة سان باسيليو دي يالينكي ، التي اعتبرت أول مدينة حرة في تاريخ الأمريكتين، والواقعة على بعد ٩٠ كيلومترًا جنوب شرقي قرطاجنة. إلا أن محدودية الموارد وفرص العمل في ظل نظام استعماري مدعوم، دفعت الكثير من أحفادهم لاحقًا للعودة إلى قرطاجنة بحثًا عن سبل أفضل للعيش.
ساهمت هذه البيئة بتعقيداتها الاجتماعية والاقتصادية في نشوء ممارسات ثقافية وموسيقية، مثل الفيربينا [/”Mtooltip description=”Verbena]، التي ازدهرت خلال السبعينات والثمانينات. نشأت هذه الموسيقى في مناطق مهمشة بنيويًا وخدماتيًا، حيث اضطر أهلها إلى الاعتماد على مواردهم الذاتية في الإنتاج. أسهم الإرث الثقافي المتعدد الذي حملته المجتمعات ذات الأصول الإفريقية، ورفضها المستمر للاستعمار الإسباني آنذاك، في تشكيل بيئة خصبة لتداول التأثيرات الموسيقية وإعادة إنتاجها محليًا، بعيدًا عن أي مؤسسة أو سلطة رسمية.
يمثّل الربط بين تطور هذا النوع الموسيقي، والبيئة التي مكنته، مدخلًا مهمًا لقراءته اجتماعيًا وتاريخيًا واقتصاديًا. لكن ما أناقشه هنا، هو العلاقة بين الأنظمة السياسية المُهيمنة والإنتاج الموسيقي، واحتكار الثقافة وصناعتها ومنتجيها وواقعهم الاجتماعي. تتمحور تجربة الفيربينا حول أنظمة الصوت المعروفة بالـ بيكو [/”Mtooltip description=”Picó]، التي يصممها ويبنيها محليًا أبناء الأحياء المهمشة التي تستضيف هذه الحفلات [/”Mtooltip description=”في المقال المدرج الذي نُشر في مجلة The Funambulist لإدنا مارتينيز، تُقدم خلفية غنية ودقيقة عن هذه التجربة وفرادتها. تُدار هذه الفعاليات ذاتيًا ومحليًا، وقد بادرت العائلات في هذه الأحياء بإنشائها إلى جانب المجتمع المحلي نفسه. بدأت عن طريق استئجار المنازل، وبيع الكحول، واستخدام أنظمة صوت عالية جدًا، مع اختيارات موسيقية خاصة. قد يبدو هذا مألوفًا، لكنه في الحقيقة مختلف ومتميز. متميز في تكوينه ووظيفته وبنيته.]، والتي انبثقت منها لاحقًا موسيقى التشامبيتا [/”Mtooltip description=”Champeta].
بين خمسينات وسبعينات القرن العشرين، طغت الإيقاعات الأفرو-كوبية والبوليرو والموسيقى اللاتينية والإيقاعات الكاريبية، إلى جانب الباتشانغا على المشهد الموسيقي المحلي. لكن مع مطلع السبعينات، بدأت التسجيلات الإفريقية تصل إلى المدينة عبر أسطوانات الأسيتات [/”Mtooltip description=”Acetate Records] التي جلبها البحارة وعمال السفن، فحرص مالكو أنظمة البيكو على اقتنائها، سعيًا إلى امتلاك موسيقى جديدة من مختلف أنحاء العالم.

اكتسبت أنظمة البيكو مكانتها بسبب قدرتها على تقديم صوت حصري لا يعرفه أحد، ولا يمكنهم سماعه في مكان آخر، لذلك تحول دورها من أنظمة تشغيل موسيقى إلى أنظمة إنتاج، إذ بدأ المنتجون والموسيقيون بصناعة وتأليف أعمال خصيصًا لها بعيدًا عن شركات الإنتاج أو المؤسسات. بالتالي أصبحت الموسيقى وصوتها ملكًا لمجتمعها المحلي، ينتجها أبناؤه وتلعب داخل حواريه وأحيائه. لم يكن التنافس في أنظمة البيكو قائمًا على الكم، بل على الجودة والثراء وعمق الموسيقى التي تستطيع هذه الفعاليات أن تقدمها.
سمحت الموسيقى ذات الأصول والتأثيرات الأفريقية للسكان الأفرو-كولومبيين بالحفاظ على صلتهم بجذورهم، وتذكيرهم بالعنف الاستعماري الذي مورس بحقهم وبحق معتقداتهم وطموحاتهم. كان أغلب جمهور هذه الحفلات من الطبقة العاملة، مثل الباعة غير الرسميين، والطهاة وعمال الموانئ، إضافةً إلى العاطلين عن العمل. لذلك السبب أيضًا حافظت هذه الثقافة على استقلالها ولم تُدمج ضمن التصورات الرسمية الثقافية أو الهوية الوطنية. أما بالنسبة للنخب السياسية والثقافية، بقيت هذه الممارسات خارج حدود الثقافة المشروعة، ما أسهم في إكمال دائرة التهميش والإقصاء.
ارتبطت موسيقى التشامبيتا، من حيث موضوعاتها، بالواقع اليومي للأحياء الشعبية، فتناولت قضايا مثل الفساد والإجرام والتفاوت الاجتماعي ومشاكل الشباب. يعود اسم الشامبيتا إلى السكين التي كان يستخدمها الصيادون في الموانئ، قبل أن يرتبط لاحقًا بالعصابات المحلية والمشاجرات والخلافات التي كانت تندلع بينهم. وجدت النخب في هذا الارتباط مدخلًا لتكريس صورة دونية عن هذه الموسيقى وعن كل من يسمعها، إذ حولوا دلالة الاسم إلى أداة للوصم الاجتماعي، ونزع الشرعية عن ممارسات وهويات ثقافية، أصبحت بالنسبة للمجتمعات المهمشة، مصدرًا للفخر وتعبيرًا عن الانتماء.
“يُنظر إلى البيكو بشكل متزايد كوسيلة لإنتاج التشامبيتا ونشرها وتوزيعها، والتي تحاول، بوصفها منتجًا صوتيًا، تجسيد روح الجماعات الاجتماعية المهمشة والمضطهدة تاريخيًا.” إدنا مارتينيز
يمتد الإنتاج الفني هنا لصيغ تتجاوز ترجمة الواقع، ويسعى إلى اختراقه من خلال تطوير أفكار نقدية وبدائل تنطلق من الممارسات المحلية. يتيح ذلك نشوء أشكال بديلة للتداول الموسيقي وإنتاج الشرعية الفنية، تتحدى البنى الرسمية وعلاقات التبعية، وتخلق هويات وصورًا وأصواتًا محليّة تستند إلى ظروف مادية ملموسة. في ظل نظام ذي رواسب استعمارية، يعتبر هذا من المحرمات، إذ لا يُعترف بأي بنية خارج البنية الإمبريالية والرأسمالية.
بعد اكتساب هذه الثقافة أهمية اجتماعية وثقافية، رأت النخبة فيها تهديدًا للنظام الطبقي القائم، إذ بدأت مجموعة ما تتحرر من قبضتها الإنتاجية والبنيوية، وتطور وسائلها وتمثيلاتها الثقافية الخاصة. لذلك بدأت محاولات نزع الشرعية عن تجربة الفيربينا والدور الثقافي للبيكو، والمجتمعات المرتبطة به، عبر ترسيخ صورة دونية لها ووصفها بـ المنحرفة والمبتذلة والوضيعة، بالإضافة إلى ربطها بالإجرام وغياب الاحتراف؛ ومن هنا اكتسبت تشامبيتا معنى الأقل شأنًا أو الفن الهابط. خارج السياق الكولومبي، يمكننا تتبع تكرار هذه الآلية في التاريخ الاستعماري، كما تتجلى لغاية اليوم في السياسات الثقافية للدول الحديثة.
إذا انتقلنا إلى ترينيداد وتوباغو في القرن التاسع عشر، يمكن رصد الممارسات نفسها. فبعد أن انتقلت الجزيرتان الكاريبيتان إلى الحكم الاستعماري البريطاني عام ١٧٩٧، إثر اتفاق عقد مع السلطات الإسبانية، استمرت السلطات الاستعمارية في إعادة تشكيل الحياة الاجتماعية والثقافية. في كتابه الماركسية السوداء، يوضح سيدريك روبنسون كيف أسهم “الكريول الأفارقة”، الذين وُلدوا في الأراضي المستعمرة في الحفاظ على راديكالية التقاليد الإفريقية الخاصة بالعبيد، من خلال استخدام مصطلحات لا يفهمها رجال الشرطة أو السلطات الاستعمارية.
ورد في كتاب سيدريك روبنسون أن المهرجانات الموسيقية وغيرها من الأنشطة الثقافية كانت تمثل فضاءات للتنظيم التحرري، ولاستعادة الهويات والتطلعات التي كان يحاول الاستعمار طمسها بعنف. مثلت هذه المهرجانات مساحات مستقلّة للعمّال الذين كانوا يبحثون عن طرق أخرى للاعتماد على أنفسهم وتقليل اعتمادهم على المزارع التي أُجبروا فيها على العمل كعبيد. “كانت مهرجانات مثل كانبولاي [/”Mtooltip description=”Canboulay]وكرنفال الجاميت [/”Mtooltip description=”jamet Carnival]تعبّر بصورة غير مباشر عن تجاهلٍ للأخلاقيات الأنجيليكية والكاثوليكية؛ كما ظهرت طوائف دينية توفيقية ومآتم صاخبة، انعكس ذلك كله في موسيقاهم ورقصهم.

أثارت هذه الممارسات خوف النخب المتأنجلكة والبيض من الطبقات العليا وأشعرتهم بالعداء والصدمة، ما خلق حالة من عدم الارتياح، فبدأت السلطات بتجريم هذه المهرجانات وملاحقة روادها. في عام ١٨٦٨ حُظِرت ممارسة الأوبياه [/”Mtooltip description=”Obeah]، وهي منظومة روحية وعلاجية وسحرية تعود إلى تقاليد الشتات الأفريقي، وكانت إحدى وسائل مقاومة الاستعباد ومحو الهوية سعيًا للتحرر. كما مُنعت رقصات الطبول مثل كاليندا وبوليرو وبونغو في عام ١٨٨٣، ووصفت بأنها غير أخلاقية. كما تعرّضت مهرجانات قتال العصي أو ارتداء الأقنعة للقمع في عامي ١٨٨٤ و١٨٩٥.
امتدت هذه الممارسات الكولونيالية إلى سياسات دول ما بعد الاستقلال أو حتى أطر مؤسساتية تدعي التحرر والاستقلالية، فيما تواصل إنتاج علاقات القوة الموروثة عن الماضي الاستعماري. نرى بوضوح الفرق بين الإنتاج الفني والثقافي الرسمي مقارنةً بالإنتاجات الشعبية، إذ لا تمثل هذه الموسيقى والمجموعات نظامًا سياسيًا أو أيديولوجيا، وليست متعلقة بإطار مؤسساتي أو سوق نيوليبرالي. كما تسفر عن أفكار وحقائق واقعية متنوعة تتطرق للحاضر وليس النوستالجيا؛ الواقع وظروفه غير المرهونة بتمويل مؤسساتي أو رعاية نظام ولا إطار أجنبي يطغى عليها.
إذا توجهنا شرقًا نحو شمال إفريقيا وتحديدًا ليبيا، نجد مثالًا واضحًا في قصيدة تحولت إلى أغنية مجرودة، كتبها الشاعر الليبي سعداوي القطعاني بعنوان مرحب يالتسمع فينا. تكشف الأغنية كيف تحولت سياسات المنع والحظر إلى سياسات تهميشية غير مباشرة في بعض الأحيان، عبر إنتاج مسميات وأوصاف مثل هابط ودوني أو غير منظم أو غير احترافي. تقدّم القصيدة نقدًا مجتمعيًا وثقافيًا واضحًا للظاهرة ومن موقع الشاعر وظروفه:
شاعر ما نعرفش نلابط / فنانين الفن الهابط
غنوا وما وصلوش القمة / ما وصلوش القمة لا لا
ممنوعة عنهم محالة / فالفن الهابط شغالة
هم ما زالوا كيما هما / ما زالوا من غير هوية
فالمسموعة والمرئية / والجمهور الاغلبية
من العالم فيهم من غمة / من العالم في الغمة فيهم
والجمهور يلوم عليهم / ملوية لهجة لسنيم
ما بين الشدة والضمة / ما بين الشدة منعوجة
لهجة لسناهم مفروجة / لكن يا لباس فروجة
يقول: “شاعر ما نعرفش نلابط” بمعنى أنه لا يعرف المنافسة، وهذا رفض صريح للسوق الفنّي وتنافسيته الاستهلاكية، ويُكمل “ما وصلوش القمة / ممنوعة عنهم محالة”، في إشارة إلى أن الفنانين الشعبيين لم يحظوا باعتراف مؤسساتي أو سوقي، فظلّوا يغنون في الساحات الشعبية. أما بالنسبة للتمثيل، فلم يتم ضمهم إلى الثقافة الرسمية ولا التلفزيون ولا أي نوع من النشر والتوزيع.
كما يتطرّق إلى اللهجات واللغات، وكيف تأثرت اللهجة والنظرة الدونية للهجات المحلية، والتي تُلقى على من ينتج هذا الفن. يعكس كل هذا التراتبية الثقافية التي يجري البناء عليها على أساس فنٍّ عالٍ وفنٍّ هابط، ومن هو مثقف وغير مثقف. يصير التمثيل بذلك رهينة للمؤسسات الرسمية المتواطئة والمستفيدة من رواسب الاستعمار، والتي تتجاهل أنماط إنتاج الشعوب المحلية وحاجتها التاريخية. يجري بذلك تهبيط كل ما لا يمُثل الأيديولوجية المُعتمدة سياسيًا وما لا يحقق المكاسب الاقتصادية المطلوبة.
يمكننا أن نرى هذا التهميش أيضًا في المجتمعات البدوية في جنوب الأردن. اللافت في هذه البيئات هو الوعي الذي يتملكه الفنّانون الشعبيون تجاه بيئتهم وطبقتهم المجتمعية وعلاقتهم بالمنظومة الرسمية والسوق. إذ يدركون حدود ما هو متاح لهم، وما يحجب عنهم، من المنصات والمؤسسات الداعمة إلى فرص التمويل والانتشار، وحتى إلى التعتيم الذي قد تمارسه الدولة في حقهم أحيانًا.
“إلنا حظ في الساحات وفي الشغل الشعبي، وما إلنا حظ في التلفزيون.” جملة بسيطة تُلخص حالة الموسيقى الشعبية في المنطقة. هذا ما قاله محمد المشاعلة الملقب بأبو جروح وهو مغنٍّ أساسي في فرقة رياح الجنوب الأردنية، والتي قام يزن ملحم بإعداد تقرير عنها على منصة حبر.
تتلخص أهمية تجربة فرقة رياح الجنوب أولًا بأن تقدم فنًا وموسيقى عابرين للحدود الوطنية الحالية، إذ يصعب حصر إنتاجهم في منطقة أو بلد واحد، أو احتكاره من قِبل نظام معين؛ فالغناء الحجازي، “أو ما يعرف شعبيًا بلون الغناء الشمالي نسبة لشمال السعودية، والذي يلعب فيه العود الدور الأساسي”، يشبه المجوز واليرغول في سهل حوران؛ وهي المنطقة الجغرافية التي تضم تحتها ما يعرف حاليًا بتراث الجنوب السوري وشمال الأردن. بحسب التقرير، “تميّزَ العديد من الفنانين والفرق بهذا اللون الغنائي الذي ظل بعيدًا عن التوظيف الرسمي وبعيدًا كذلك عن الظهور الإعلامي إلى حين انتشار الإنترنت، والذي ربط بين محبي هذا الشكل من الغناء في الأردن والخليج وشبه جزيرة سيناء وصولًا إلى ليبيا.”
تكمن الأهمية الثانية في تغييب هذه الفرقة وموسيقاها عن الإعلام والواجهة الثقافية في الأردن. حيث لا يفسح المشهد الثقافي الرسمي المجال لجميع أشكال الإنتاج الموسيقي بالقدر نفسه، بل يمنح حضورًا أكبر لفنانين وأنماط غنائية محددة، وفي حال بعض الأنماط المهمشة، يقوم بنزعها من سياقها أو اجتزائها، ثم يعيد تقديمها لتخدم الهوية الوطنية التي تنسجها السلطة. هكذا تشكلت معظم الهويات الوطنية في المنطقة، في سياق بناء دول بعد الاستقلال، فأصبحت تعكس رؤية النظام السياسي ومصالحه، وتحدد ما يستحق أن يتصدر المشهد الإعلامي والثقافي.
ضمن هذا السياق، لم يكن هناك اهتمام بإبراز الامتدادات والتقاطعات الثقافية التي تتجاوز الحدود الوطنية، حيث جرى تهميش الفنون المشتركة التي تربط المجتمعات بعضها ببعض، مقابل الاحتفاء بأشكال فنية أكثر انسجامًا مع الروايات الوطنية السائدة، أو مع الذائقة التي تتبناها الطبقات المهيمنة.
أما الأهمية الثالثة، فتتمثل في الدور الذي لعبه الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي في إتاحة فضاء بديل لهذه الموسيقى؛ فمن دونهما، كان من الصعب على الفرقة أن تتجاوز نطاق حفلاتها المحلية أو تصل إلى جمهور أوسع. مع ذلك، لم يؤد هذا الانتقال إلى تحرير الفنانين بالكامل؛ إذ سرعان ما وجدوا أنفسهم خاضعين لمنطق جديد، تتحكم فيه جهات التمويل والدعم، وتفرض الخوارزميات فيه حضورها بصورة متزايدة.
إذا نظرنا إلى موسيقى التهريب بين سيناء وغزة، أو بين ليبيا وتونس، وهي موسيقى شعبية خاصة بممارسات التهريب بين الحدود والدول، يمكننا رؤية التداخل الثقافي في المنطقة ورفض التقسيمات الوطنية والهوياتية الاستعمارية، وكيف يتكلم بدو سيناء عن أهل غزة ورفح والعلاقة الوثيقة بينهم. في إحدى أغنيات الفنان الشعبي محمد البصيلي يقول “عبرنا على فلسطين / هربنا سكّر وطحين / قالوا عنا مهربين / ولسا بنهرب كمان.” هناك أغنية أخرى لنفس الفنان لكن بالتعاون مع عمر أبو عيادة الذي يتناول الموضوع من الجانب الآخر؛ وأبو عيادة مغنٍّ في فرقة السبعاوية للدحية – إذ ينحدر السبعاويون من صحراء النقب من الجانب الفلسطيني. تثبت هذه الأغنيات بأن الدول الوطنية غير قادرة فعلًا على محو التداخلات الثقافية التي نشأت بشكل أساسي بسبب اختلاط الأنساب والعائلات التي جرى فصلها بين الدول لاحقًا، أو التشارك في المصالح الاقتصادية والإنتاجية بين أفراد هذه المجتمعات.
ينطبق الأمر نفسه على قبائل الصحراء في شمال إفريقيا، التي عاشت في هذه الجغرافيا قبل قيام الدول الوطنية، وقبل التصنيفات التي فرضتها الأيديولوجيات والأدبيات الاستعمارية. لذلك تبدو الموسيقى المنتجة في هذه البيئات مرتبطة بعلاقتهم التاريخية بجغرافيتهم الصحراوية، وبحرية الحركة فيها. لا يكتمل الحديث عن شمال إفريقيا دون التطرق إلى الأمازيغ، الذين تعرضوا، في ظل أنظمة سياسية مختلفة، سواء في ليبيا أو المغرب أو غيرها، لسياسات همشت موسيقاهم وثقافتهم، ووصلت أحيانًا إلى منع استخدام لغتهم. رغم ذلك، حافظوا على هويتهم، وكانت الموسيقى إحدى أهم الطرق لصون ثقافتهم ونقلها. حتى مع اتساع هامش الاعتراف ببعض الحقوق الثقافية اليوم، ما تزال هذه الممارسات تواجه أحيانًا حملات تكفير أو شيطنة لأنها لا تنسجم مع التصورات الفكرية أو الدينية المهيمنة.
النقابات لها دور في هذا أيضًا، حيث في العديد من الأماكن تُمنع ممارسة الموسيقى، أو الإنتاج أو التنظيم ما لم يقع تحت سيطرة أو ضمن وسائل النقابة نفسها، والتي هي بدورها تكون جزءًا من النظام الحاكم أو تابعة له. رأينا هذا في مصر مع المهرجانات وفي سوريا مع ريم السواس وسارة زكريا. نحن لا نقول أن كل ما تجري تسميته بالفن الهابط كان سينتج تغييرًا مجتمعيًا أو بنية جديدة، الفكرة هنا احتكار الإنتاج الثقافي والهيمنة على التمثيل الثقافي تحت نظام أحادي يقصي الثقافات غير “المناسبة” في نظر السلطات والنخب.
بناءً على كل هذه التجارب المختلفة جغرافيًا والمتشابهة بنيويًا، يمكننا التوصل إلى أن تهميش أو تهبيط نوع موسيقي أو حتى ثقافة كاملة، لا يحدث من تلقاء نفسه. يحتاج الأمر إلى جهود وتوجهات معيّنة ومنظومات متكاملة لتضمن ذلك. لعل المفارقة أن إنتاج فن أو ثقافة تدعي التحرر أو نقد الاستعمار من داخل المؤسسات النخبوية يعيد إلى حد كبير إنتاج العلاقات أو الرواسب نفسها، إذ يصبح التحرر مشروطًا بمخاطبة المستعمر والمستفيدين منه، بلغته ومصطلحاته ووسائله، ما يجرد أي خطاب مهما كانت تطلعاته من محتواه السياسي والتاريخي، وبالتالي يصبح عبارة عن جماليات وسلع قابلة للاستهلاك وإعادة الإنتاج.
ربما تكمن نقطة الانطلاق في إعادة الالتفات إلى أنفسنا، وإعادة النظر في المرجعيات التي ننهل منها ونبني عليها عوالمنا، لتكون مرجعيات أصيلة ومتجذرة وتحاكي ثقافاتنا المحلية، بدلًا من تلك المستعارة والاستعراضية بالدرجة الأولى.
