أشعر وكأنني أتحدث عن زمن سحيق، لكن اسمحوا لي أن أستدعي الذكرى. كنا عام ٢٠٠٣ في الجامعة أثناء تدريس مادة البحوث الإعلامية، وكان يقول الدكتور إن صناع البرامج والأعمال الفنية يجدون صعوبة في معرفة رد فعل الجمهور، يذاع الإنتاج على التليفزيون ولا نعرف مدى تحقيقه لمشاهدات ولا رأي الناس فيه، لذا مهم أن نهتم بالبحوث الإعلامية التي ترصد أعداد المشاهدة وتساعد الفنانين والإعلاميين على تطوير إنتاجهم، وكأنها همزة الوصل التي تربط بين الرسالة غير التفاعلية بالمرسل إليه ليستفيد الراسل. وقتها شاركت في النقاش محاولة رصد الرسائل التي تصمم لتكون تفاعلية، وكان أول ما جاء في بالي الفوازير. كنت أتابع لسنوات الحلقات التي تذاع مرة واحدة في اليوم وأكتب الحلول الثلاثين وأرسلها لمبنى ماسبيرو بالبريد، وأنتظر بعد رمضان عندما تُفتح الصناديق المعبأة بآلاف الرسائل وتذاع أسماء الفائزين الثلاثة.
لم أكن أبدًا من الثلاثة الفائزين، لكن أتذكر جيدًا حماسي للمتابعة وتساؤلاتي لكل الأسرة، مرة عن استكمال المثل ومرة عن الفيلم ومرة عن البلد وهكذا؛ وفي اليوم التالي كان حل الفزورة جزءًا من النقاش الطلابي في المدرسة. لماذا كل هذا الحماس؟ هذا ما سأحاول تتبعه في هذا المقال.
الثقة في عقل الفقير
ليس تأصيلًا تاريخيًا للفوازير، وإنما مقاربة لمحاولة فهم التفكير كوسيلة للتسلية. في موسوعة التراث الشعبي يؤكد محمد الجوهري أن الأحاجي والألغاز من أقدم أشكال الأدب الشعبي التي انتشرت في العديد من الثقافات، ومورست في جلسات السمر.
تعرف الأحجية من قبل حكائي الشوارع على أنها “لغز يتبارى الناس في حله”، وتؤكد نبيلة إبراهيم أن بنية اللغز تتكون من خمسة أجزاء هي: الاستعارة والمجاز، والعنصر الثابت بينهما، والعنصر المتغير بينهما، والصورة الكلية، والإجابة أو الحل ، بينما يرى محمد رجب النجار ثلاثة عناصر أساسية: شيء مجهول، وصف لهذا الشيء، عبارة مضللة، إلى جانب عنصر فرعى رابع هو صيغة اللغز الاستهلالية وصيغة ختامية.
يُعرف اللغز بأسماء عديدة في الوطن العربي، وهو في مصر فزورة أو حزورة. يشير نصر حامد أبو زيد إلى أن الوظيفة الفنية للفزورة هي المتعة التي يثيرها حكيها عند المتلقي، من خلال إثارة الدهشة التي يعقبها لذة الاكتشاف بعد حل اللغز الكامن وراء الفزورة؛ والدهشة قرينة الإثارة التأملية والحث العقلي، واستفزاز الطاقة الذهنية والعقلية من أجل اكتشاف اللغز الذي تنطوي عليه الفزورة .
نجد في التراث الأدبي العربي أن حل الألغاز كان جزءًا من حبكة العديد من القصص والحكايات كعلاء الدين والمصباح السحري، الشاطر حسن، وحتى الحكايات المعربة من ألف ليلة وليلة، وكانت قدرة البطل على حل اللغز تنجيه من الشر أو تفتح له أبواب الثروات أو تكون مهرًا للزواج من الأميرات.
لذا بشكل عام يمكننا القول إن الأدب الشعبي مجّد عقل الجماعة الشعبية، وراهن على الذكاء والنباهة كقدرة إنسانية أو منحة ربانية حين يسقط البطل في السلم الاجتماعي، تعويضًا للعدالة الاجتماعية ومعادلًا دراميًا يضع البطل في صدارة علاقات قوى الدراما.
لا نستطيع أن نحدد بوضوح العلاقة بين الفوازير كامتداد للألغاز والأحاجي، لأن التطورات في إنتاجها ربما أفقدتها عدة سمات فصلتها عن كونها منتج أدب شعبي، فصارت تكتب على أيدي الشعراء المعروفين، وتلقى بأصوات الإعلاميين/ات والممثلين/ات، كما أنها ارتبطت في الأذهان بالاستعراضات والرقصات والملابس الزاهية والموسيقات الأيقاعية.
بالعودة إلى أبو زيد مثلًا نجده ينهى دراسته بـ “إن ما كشفت عنه هذه الدراسة التجريبية لبناء الفزورة ووظيفتها يلفت أذهاننا بشدة إلى تفاهة ما يقدمه التليفزيون في رمضان وعبثتيه.” كما يقيم التجربة على أنها “خالية من المعنى والدلالة المميزتان للفزورة في إطارها كأدب شعبي، منتصرة لغاياتها التجارية المعتمدة على فانتازيا الألوان والرقصات والأغاني، التي تسقط الفزورة في هوة الفجاجة والتسلية الضارة، وتتحول عملية إعادة الإنتاج هذه إلى محاولة مقصودة للتخريب، وذلك بحكم سيطرة الأجهزة العالمية وهيمنتها وقدرتها على استلاب وعي الجماهير، ولكن الصرخة الموجهة من هنا إلى هؤلاء التجار ارفعوا أيديكم عن التراث الشعبي.”
يربط عنصر جوهري واحد فقط بين الفزورة الشعبية والفزورة الفنية، هو التفكير وسيلةً للتسلية وأنها بلغة إعلامية رسالة مفتوحة لا تغلق إلا بمشاركة المرسل إليه. لذلك فهي إن كانت مسموعة أو مرئية أو حتى مقروءة تحتاج إلى الإنصات والتركيز وبذل الجهد في حلها بشكل فردي أو حتى جماعي، ما قد يكون مؤشرًا للنجاح في رمضان الثمانينات وأوائل التسعينات تحديدًا باعتبارها آخر فترة للسلوك الجمعي للمشاهدة التليفزيونية؛ قبل ظهور القنوات المتخصصة وانتشار الموبايل كوسيلة مشاهدة فردية، ثم الإنترنت وانطلاق مواقع التواصل الاجتماعي المعتمدة على بث مقاطع غير المحترفين ثم منصات المشاهدة حسب الطلب.
وسط هذا الزحام الإنتاجي هل تجد الفوازير مكانها؟ لا أعلم لكن سأحاول فهم محددات إنتاج الفوازير، علنا نستطيع الإجابة عن تساؤلات كيف تعود وهل هناك مساحة لعودتها؟
مزج الفنون التجريبية على أقصى حدود التكنولوجيا
بدأت الفوازير في الإذاعة عام ١٩٥٥. قدمتها الإذاعية الكبيرة آمال فهمي وكانت تستضيف الشخصيات الشهيرة في الفن والأدب، ليتحدث الضيف في مجال غير مجاله وعلى المستمع معرفة النجم، وكانت الجائزة ٥ جنيهات.
كتب هذه الفوازير الشاعر الكبير بيرم التونسي ثم صلاح جاهين فيما بعد، وهكذا استفادت الفوازير بالراديو كوسيلة إعلامية جماهيرية واعتمدت على البناء اللغوي لأهم تجربتين شعريتين في العامية المصرية، بعد صراعهما الطويل في فرض الشعر العامي والزجل في ظل سياق يحتفى بالفصحى ويعتبرها لغة الفنون الأولى.
كان أول بث تليفزيوني في ١٩٥١، عندما جاءت إلى مصر الشركة الفرنسية لصناعة الراديو والتليفزيون لإنشاء شركة لبث التليفزيون في القاهرة بمناسبة زواج الملك فاروق من الملكة ناريمان. في العام التالي قامت ثورة يوليو التي وضعت المشروع الثقافي على أولوياتها تنميةً وتدجنةً لصالح المشروع القومي، وبدأ التليفزيون المصري بث برامجه في ١٩٦٠ تحت إدارة وزارة الإعلام المصرية.
كانت أول فوازير تليفزيونية عام ١٩٦٧ وقدمها ثلاثي أضواء المسرح، الضيف أحمد وسمير غانم وجورج سيدهم، التي كانت تجربتهم ملهمة وكتبها بيرم التونسي أيضًا وأخرجها محمد سالم.
منذ بداية الستينات وحتى منتصف السبعينات كنا أمام تجربة فنية تجريبية ممتعة لثلاثي أضواء المسرح، الأصدقاء الثلاثة خريجي كلية الزراعة الذين قرروا دخول عالم الفن، بتجربة ارتجالية اعتمدت على الإنتاج الجماعي لسكتشات واستعراضات، وأغانٍ فكاهية خلقت تيارًا مختلفًا عن السائد في السينما والتليفزيون.
في ١٩٧٤ قرر الرسام فهمي عبد الحميد دخول عالم التليفزيون كمخرج للفوازير، واختار الفنانة نيللي لتقديمها. كانت فكرتها تعتمد على استضافة فناني الرسوم المتحركة في كل حلقة وكانت بعنوان صورة وفزورة. بعدها قدم صورة وفزورتين ثم صورة وثلاث فوازير، ثم أنا وأنت فزورة. إلى أن جاء اللقاء مع صلاح جاهين وأثمر التعاون عن أهم ما قدمت نيللي، فوازير عروستي والخاطبة.
في رأيي كانت تلك المرحلة تطورًا مستقلًا في تاريخ الفوازير، فبعد أن اعتمدت على الكتابة الشيقة والخفة في السكتشات والتنوع التمثيلي في الشخصيات، بدأت الفوازير في الاتجاه نحو مركزية الاستعراض الراقص.
هنا جاء دور مصمم الرقصات الاستعراضية حسن عفيفي كدور محوري في إنتاج هذا الزخم الاستعراضي الراقص للفوازير، ومزج رقصات عالمية كالباليه والفلامنكو والتنوعات اللاتينية مع الرقصات الفلكلورية المصرية، لا لتكون وجبة استعراضية مكثفة فقط، وإنما لتكون قريبة لعين المشاهد المصري والعربي.
أغلب الظن أن عمل حسن عفيفي في فرقة رضا كان من أهم دعائم موهبته في الرقص والتصميم، كما كان اختيار نيللي في محله؛ هي التي تميزت وسط نجمات جيلها بموهبة استعراضية متكاملة، جامعةً بين التمثيل والرقص والغناء بخفة ظل وأداء تلقائي جعلها محبوبة لدى الجمهور.
أتقنت نيللي تقديم الفوازير الرمضانية بأسلوب مبتكر، حيث تنوعت شخصياتها وتجددت أفكارها كل عام، ما أضفى على أعمالها عنصر التشويق. كما امتازت بتعبير بصري قوي وحضور لافت جعلها قادرة على التفاعل مع الكاميرا والجمهور بسلاسة لتقديم هذا الفن الصعب.
بعدها قرر فهمي عبد الحميد تجديد دم الفوازير بعد أن قدمتها نيللي لمدة ٧ سنوات، فالتقى بالمؤلف عبد الرحمن شوقي والفنان سمير غانم؛ ولأن إدراك عبد الحميد لأهمية تطوير أدواته بشكل مستمر وتطويع وإنتاج أدوات جديدة بما يتناسب مع كل فنان، اعتمد بشكل مركزي على الخدع البصرية المرتكزة حول الحوار الدائم بين سمورة (الإنسان) وصديقه (فطوطة) قصير القامة ذي البدلة الخضراء الواسعة والحذاء الضخم. جسد سمير غانم الشخصيتين وظلت تنتج سنويًا في أعوام ٨٢ و٨٣ و٨٤ وحققت نجاحًا جماهيريًا.
بدأ عبد الحميد مشوارًا فنيًا جديدًا مع شريهان لإنتاج فوازير – في رأيي – مثلت مرحلة جديدة في تطور الفوازير. ربما لاعتمادها على القصص الشعبي والأساطير الخيالية، ما انعكس على الديكور والملابس والخدع البصرية، وتطلب فنانة قادرة التلون في التشخيص؛ فكانت شريهان التي تعلمت الرقص التعبيري منذ صغرها في باريس، وعادت لتستطيع وحدها الحفاظ على قيمة الفوازير فنيًا ونجاحها المدوي دون أن تقلد أو تستنسخ من إنتاج نيللي.
في ١٩٨٥ أخرج فهمي عبد الحميد بالتعاون مع شريهان فوازير ألف ليلة وليلة، و في عام ١٩٨٧ فوازير حول العالم، والتي كانت تصف في كل حلقة بلدًا مختلفة بتصاميم ديكور وأزياء ولهجة مختلفة، وعلى المشاهد تخمين اسم البلد. كانت فوازير حول العالم من أصعب التجارب، حيث تطلبت كل حلقة البحث التاريخي والفني عن كل بلد، ومن ثم تصميم الأزياء وإتقان اللهجة والرقصات الشعبية.
ربط ما فعلته شريهان في تطوير الفوازير جمهورها بها، الجمهور الذي صعب عليه استقبال الفوازير في سنين غيابها على إثر حادثة أصابتها بكسر في العمود الفقري في ٢٤ مايو ١٩٨٧.
في السنوات الأخيرة لمشوار فهمي عبد الحميد قدم تجربتين للفوازير مع نجوم مختلفين، لكنها لم تحظ بنفس النجاح. في ١٩٨٨ اختار فهمي عبد الحميد الفنانين يحيي الفخراني وصابرين وهالة فؤاد لتقديم الفوازير عن المناسبات، وجاء التعاون لأول مرة مع الكاتب الساخر يوسف عوف. في ١٩٨٩ انضمت الفنانة ليلى علوي إلى حلقات ألف ليلة وليلة، وكانت منفصلة عن الفزورة التي قدمها الفنانان مدحت صالح وشيرين رضا عن الفنون المختلفة.
رحل فهمي عن عالمنا عام ١٩٩٠ وكأن سر الفوازير دفن معه، قدمت عدة تجارب للفوازير بعده وحاول جمال عبد الحميد ومحمد عبد النبي وأشرف لولي وأحمد صقر وآخرون استكمال المسيرة، حتى مع نفس النجمات. إذ قدمت نيللي فوازير صندوق الدنيا (١٩٩١) ثم فوازير أم العريف (١٩٩٢)، من إخراج محمد عبد النبي، وفي ١٩٩٣ خاض الشاعر الكبير سيد حجاب تجربته الأولى في كتابة الفوازير مع شريهان وقدما سويًا حاجات ومحتاجات من إخراج جمال عبد الحميد.
استمرت المحاولات للاستمرار في الفوازير لكنها لم تحقق نفس الصدى. في ١٩٩٤ جاءت فوازير قيس وليلى في المدن العربية ببطولة عبد العزيز مخيون ومحمد الحلو وشرين وجدي، لكنها بدت أقرب إلى ملحمة شعرية يصعب على الجمهور العادي استيعابها.
في ١٩٩٧ قدمت نادين البالرينا المصرية فوازير منستغناش، ثم ظهرت مع وائل نور في جيران الهنا عام ١٩٩٨. لكنها اعتزلت فيما بعد رغم نجاح تجربتها نسبيًا التي جعلت الجمهور يتعامل معها كامتداد لنيللي. أيضًا، على سبيل محاكاة الفوازير الناجحة، قدمت جيهان نصر الحلو ميكملش التي تشابهت مع الخاطبة في المضمون. أتذكر حينها أمي عندما رأت الفوازير قالت “عمالين يجيبوا ناس شبه نيللي وناس شبه شريهان بس محدش هيوصللهم.”
مع أواخر التسعينات، ظهر اتجاه جديد للفوازير الكوميدية معتمد على السكتشات التمثيلية أكثر مما يعتمد على الاستعراض الغنائي. حيث اجتمع محمد هنيدي وعلاء ولي الدين وأشرف عبد الباقي في فوازير أبيض وأسود بمشاركة دينا، ماجد الكدواني، وغادة عادل، مع المخرج سعيد حامد .
كانت نيللي كريم أملًا جديدًا في وجود فنانة استعرضية تعيد للاستعراض الراقص محوريته في الفوازير، فاشتركت مع صلاح عبد الله في حلم ولا علم التي أخرجها أشرف لولي، لكن التجربة قدمت لعام واحد اتجهت بعدها نيللي للتمثيل. بينما ظهر محمد سعد وياسمين عبد العزيز في فوازير العيال اتجننت من تأليف أيمن بهجت قمر وألحان حسين الإمام، ليعود بعدها مدحت صالح مع غادة عبد الرازق بفوازير فرح.. فرح، عام ٢٠٠٣.
كانت آخر التجارب في ٢٠٠٧ من خلال نسخة قدمتها الإعلامية الكويتية حليمة بولند، لكنها لم تحقق النجاح المرجو. منذ ذلك الحين لم تخرج أي مشاريع جديدة إلى النور، ليظل بريق الفوازير مرتبطًا بالأعمال الكلاسيكية.
الخلطة السحرية صعبة المنال
ربما يخبرنا استعراض تاريخ الفوازير السابق الذكر عن تعقيد اللحظة الفنية التي أنتجت فيها الفوازير واستمرت، وأن المسألة لا تتعلق فقط بميزانية الإنتاج الضخمة التي تحتاجها؛ رغم أن هناك علاقة طردية واضحة بين سنوات صعود الفوازير وتطورها وتمسّك اتحاد الإذاعة والتليفزيون بإنتاجها، بل وخفوتها في ظل انتشار القنوات المتخصصة وتوقف الاتحاد عن الإنتاج، ما أولى الأهمية لإنتاج فنون بصرية أخرى مثل الفيديو كليب.
لكن بالعودة إلى لحظة تجلي الفوازير نجد أنها عمل تجريبي يحتاج إلى خيال خصب وتجارب فنية غير سائدة مثل ثلاثي أضواء المسرح، ومخرجين كفهمي عبد الحميد يستطيع بذل كل المجهود في استخدام كافة التقنيات البصرية لإنتاج مشاهد لا تزيد عن ثوان معدودة، محافظًا على مشروعه الفني بعيدًا عن التكرار والملل، ومجددًا في أدواته الفنية على مستوى الشكل والمضمون.
لم يتأتَّ عبد الحميد هذه الغزارة في الأدوات إلا من خلال كتاب مثل صلاح جاهين، وموسيقيين مثل هاني شنودة وراقصين بخبرة حسن عفيفي، وبالطبع بالاعتماد على فنانات مكتملات الموهبة مثل نيللي وشريهان أو ممثلين كوميدين مثل سمير غانم.
في تلك اللحظة أدرك أن رمضان سينتهي ولن أنتظر بعده حلقة إعلان الفائزين/ات بالفوازير. الأمر مؤسف، ليس فقط لنوستالجيا فنية كنت أستمتع بها، أو لحنين لجلساتنا العائلية لحل الفزّورة، لكن للحظة إبداعية فنية وصلت فيها كل الفنون لذروتها، وبفضل اجتماعها أنتجت الفوازير.
ذهبت الفوازير مع ذهاب الخطط الإنتاجية الجماعية للتلفزيون، حيث فُقدت المعاني التي أتت بها أغنية صلاح جاهين: “التلفزيون كله ثقافة وعلوم وفنون / يجمع حواليه شمل الأسرة ببرامج نادرة وجميلة”، تذكرنا الأغنية بشروط الفرجة الجماعية، الصبر على مشاهدة ما لا تحب، مؤازرة أفراد أسرتك حتى ينتهي برنامجهم المفضل، اقتسام العالم كحل وحيد للتعايش.
أما الآن ومع تفكك الإنتاج فنحن أمام خطة تنافسية فردية من شركات الإنتاج، مبنية على الإبهار ومتعاطية مع فردانية الفرجة. الآن تُبنى خطة الإذاعة على إعادة النشر لمرتين أو ثلاث في اليوم الواحد لضمان استمرارية البث خلال ٢٤ ساعة في اليوم، ثم يأتي دور متخصصي السوشيال ميديا في تشفية العمل التليفزيوني، بمعنى اقتطاع المشاهد المكثفة والمبالغة من كامل السياق، المشاهد المثيرة للأحداث، الإفيهات الأعلى رواجًا، الآراء المثيرة للجدل، فقرات البكاء والتأثر، وحتى مشاهد العنف.
عالم افتراضي فردي، قصير ومكثف ومبالغ، تغرقنا فيه السوشيال في استدعاء ذروة المشاعر دون أي فرصة للتفكير أو التأمل أو فهم السياقات. تتعارض الفوازير مع كل ما سبق لذا تنزوي لصالح ظهور برامج المقالب الدامية، حلقات الدراما المنفصلة أو المتصلة ذات الـ ١٥ حلقة، والبرامج الحوارية الساخنة.
الفوازير خارج السباق ليس لأننا نرفض التفكير في حلولها، ولا لعدم وجود فنانين وفنانات يمكنهم تأديتها، ولا حتى لأنها تحتاج الى ميزانيات إنتاجية ضخمة، بل هي خارج السياق لأنها متراكم ليس فيه لحظات ذروة، لا يمكن تقطيعها لريلز، وبالتالي ستكون خارج الترند، وهي إحداثيات اللعبة الجديدة التي على من لا يجيدها الانزواء.
