في العديد من الأوساط الموسيقية، أصبح الخط الفاصل بين كون شخص ما موسيقيًا وكونه مشهور صغير على إنستجرام مشوّهًا. بات الحضور الرقمي الاعتبار الأساسي، بينما تراجعت جودة الموسيقى والمهارات والذائقة التي تحدد كفاءة الفنان ومدى أهميته إلى اعتبارٍ ثانوي. وصل الأمر إلى درجة أصبحت فيها الموسيقى فكرة ملحقة تُستخدم لدعم العلامة الشخصية للفنان وتبريرها.
لهذا التداخل الضبابي أثرٌ سلبي على الطريقة التي يجري بها تقييم الفنانين وحجزهم في العروض؛ إذ سلك بعض القيّمين والمنظمين طريقًا سهلًا يعتمد على مؤشرات كسولة مثل عدد المتابعين، ومعدلات التفاعل، ومدى انتشار منشور معين؛ متجاهلين تمامًا حقيقة أن منصات مثل إنستجرام منصات بصرية بالدرجة الأولى.
من البديهيات الأخرى التي كثيرًا ما يجري تجاهلها أن جودة الفنان تقاس كالتالي: جودة موسيقاه، ومسار تطور عرضه وتماسك صوته، واختياراته الموسيقية، وجودة أدائه. جرى تهميش هذه المعايير لصالح أكثر اللحظات قابلية للتصوير والمنشورات القادرة على تحقيق الانتشار، تلك التي تغذي نظام الدوبامين الرخيص الذي تطالب به الخوارزمية باستمرار. حيث أن مقطع ريلز "فايرال" سيتفوق دائمًا على التجربة الكاملة للعرض التي تتطلب قدرًا من الانتباه لا يرغب إلا القليلون في إنفاقه؛ ما يؤثر سلبًا على الإبداع ويدفعه إلى ممر ضيق يخلو من التجريد والتطور.
يمكن لمتابعي المشهد الموسيقي خلال السنوات القليلة الماضية ملاحظة نمط ممل؛ يتمثل في اندفاع الدي جايز والمنتجين نحو الأصوات الرائجة. من الأمثلة على ذلك، البايلي فانك، واللاتين كور، والعديد من الأنماط الأخرى. هذه الأصوات التي كانت في الأصل ذات أهمية ثقافية حقيقية للمنتجين الذين ابتكروها وللمستمعين الذين تشرّبوها، إلى جانب المسار التاريخي الذي مرت به تلك الأنواع الموسيقية، ليجري اختزالها إلى إعادة إنتاج باهتة للقالب نفسه.
فجأة أصبح الفنانون ينتجون نسخًا مختلفة من التراك ذاته تقريبًا. قد يظن البعض أن السبب هو انجذابهم بشكل مستقل إلى تاريخ تلك الأنواع وأهميتها الثقافية والأصوات الجديدة التي لم يسبق لهم سماعها، لكن السبب الأكثر بروزًا هو وجود اعتقاد جماعي غير منطقي مفاده: إذا فعلت ما يفعله الجميع، فربما أصبح أنا أيضًا ذا صلة وأهمية. لم يبتعد عن هذا إلا عدد قليل من الفنانين واختاروا أن يشقوا طريقهم الخاص، ما منحهم جمهورًا أصيلًا؛ أشخاصًا يمكنهم بالفعل دعمهم وشراء موسيقاهم.
هناك ظاهرة أخرى أقل تداولًا لكنها تنخر المشهد الموسيقي من الداخل، وهي رأس المال الذي لا يملك أي رهان ثقافي أو فني حقيقي. كيانات مؤسسية، مثل شركات التطوير العقاري والعلامات التجارية الفاخرة التي تدير حملات تسويقية تحت غطاء الرعاية، تدخل إلى المشهد بميزانيات تتجاوز بكثير ما يمكن لأي مجموعة فنية مستقلة أو مساحة فنية أو نادٍ ليلي صغير جمعه، ثم تمنح منصات العروض لمؤدين يضمن عدد متابعيهم حضور نوع محدد من الجمهور، الذي ينشر ستوريز إنستجرام ويولّد المحتوى الذي كانت العلامة التجارية تدفع ثمنه منذ البداية.
أنتج اقتصاد الجماليات هذا فئة جديدة من الفنانين بعيدة تمامًا عمّا جذب معظمنا إلى الموسيقى أصلًا. فنان مزعوم يمتلك ارتباطًا بعلامة تجارية أو طَبعة أزياء، وعدة جلسات تصوير متقنة، ونوعًا محددًا من "الروشنة" يوحي بالمصداقية دون أن يقدّم أي محتوًى موسيقي يبرر المكانة التي يُلمَّح إليها. إلى جانب هذه الجمالية تُباع أيضًا خرافة أخرى مخادعة: أسلوب حياة الوفرة، حيث أن اللغة البصرية التي يستخدمها هذا النوع من الفنانين توحي بحجوزات دولية، وظهور على منصات مهرجانات خارجية، ومحتوى حياة مترفة، بما يلمّح إلى مستوى من العائد المالي لا يعكس واقع معظم الفنانين. فالغالبية بالكاد تغطي تكاليفها، وبعضهم يعمل أصلًا بخسارة.
لذلك، فإن هذه السردية التي تروّج للوفرة، وتقدّم الموسيقى باعتبارها طريقًا سريعًا إلى الشهرة، تجذب أشخاصًا لا يهتمون سوى بالصورة، متجاهلين سنواتٍ من البحث والتنقيب، ودراسة الصوت، وإتقان الحرفة، وكل ذلك العمل الشاق وغير البراق الذي تتطلبه الموسيقى. بما أن الدافع كان غير صادق منذ البداية، فإنهم يدركون لاحقًا أن المعادلة الاقتصادية لا تنجح كما تخيلوا، فيتجهون في النهاية إلى صناعة المحتوى. ينتجون بذلك المزيد من الجماليات البصرية، والضجيج، والمزيد من الشيء ذاته الذي ساهم أصلًا في تمييع الفن والثقافة، ما يضر بشكل خاص بمن دخلوا هذا المجال من أجل الموسيقى نفسها، وخصوصًا الفنانين الذين يأتي دخلهم الأساسي والوحيد من الموسيقى، والذين سيحظون دائمًا بأقصى درجات الاحترام والتقدير والدعم والامتنان منا.
لا نهدف بالتأكيد إلى التقليل من شأن أي شخص يستخدم إنستجرام أو غيره من السوشال ميديا كوسيلة للترويج لأعماله وفنه. في النهاية، تعد طريقة التقديم مهمة دائمًا، والجماليات جزء أصيل من الثقافة الموسيقية، كما أن العديد من الفنانين الموهوبين فعلًا يستخدمون هذه المنصات بذكاء. كذلك، فإن صناعة المحتوى ليست مشكلة في حد ذاتها عندما تكون مدفوعة بهدف حقيقي؛ فالمحتوى التعليمي والترويجي عنصر أساسي في عالم الموسيقى، إذ يوفّر قنوات مهمة للمنتجين لتبادل المعرفة وأساليب العمل، كما يساعد الفنانين على بناء علاقة أقرب مع جمهورهم. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهم من كل شيء آخر.
الموسيقى في جوهرها فن صوتي، كل ما تتطلبه هو الأذن والحضور. لا تحتاج إلى خوارزمية أو راعٍ مؤسسي للحكم على جودتها؛ ولطالما وجدت طريقها للبقاء. ما نحتاجه هو مزيد من الفنانين المستعدين لبذل الجهد، لتعلم الحرفة وإتقانها، وأن يتذكروا دائمًا أنه عندما تنساهم العلامات التجارية، وتصبح جمالياتهم غير رائجة أو جذابة للخوارزمية، فإن الشيء الوحيد الذي سيبقى منهم هو أرشيفهم الموسيقي، وكمية الوقت والجهد الذي استثمروه في حرفتهم.
