كُتب هذا المقال بالاشتراك مع صالح عمر.
في أوائل خمسينات القرن الماضي، كانت مصر الخارجة لتوها من قرابة القرن من الاستعمار تتلمس ملامح جمهوريتها الجديدة. وقتها كان محمود رضا يتردد على سينمات القاهرة المزدهرة بالأفلام الاستعراضية العالمية، يتعلم رقصة من الشاشة، ويجربها بعدها في شوارع شبه معتمة خلف دور العرض. في ليلة من تلك الليالي، وبعد حضوره مع أخيه علي عرضًا لفرقة ألاريا الأرجنتينية، اقترح عليه مدير الفرقة الانضمام إليهم لتعويض إصابة أحد الراقصين. جال رضا معهم بين القاهرة والإسكندرية وروما وباريس، وهناك تسلل السؤال الذي صنع مستقبلًا فنيًا كاملًا: “لماذا لا يرقص المصري رقصته الخاصة؟”
تحول هذا السؤال البسيط الذي بدا خاطرة عابرة لراقص شاب إلى مشروع دولة في زمن جمال عبد الناصر؛ مشروع يبحث عن إجابة جديدة لسؤال قديم: ما المصري؟ من هذا السؤال وُلدت فرقة رضا، ثم وُلد معها تصورٌ جديد للفلكلور بوصفه هوية قابلة للتقديم المسرحي، لا مجرد طقس شعبي يعيش في الساحات والحقول.
بعد عقود، وفي ٢٠٠٩، كانت صابرين حمد وشقيقتها ياسمين – طالبتان في الصفين السادس والخامس الابتدائي – تتلمّسان خطواتهما الأولى نحو فرقة الأقصر للفنون الشعبية، الفرقة الناشئة التي حاولت أن تُعيد إنتاج الطريق ذاته لكن في سياق مختلف تمامًا.
كان الفنان أحمد عبد الرازق، مؤسس الفرقة ومدربها الأول، يجوب القرى والنجوع بحثًا عن وجوه يمكن أن تحمل الفلكلور المحلي إلى خشبة المسرح، ويزور البيوت واحدًا تلو الآخر ليقنع العائلات بالسماح لبناتهن بالانضمام، موفرًا الحماية والالتزام. بالتوازي مع حملة تطوير واسعة في المدينة التاريخية، كان يقودها اللواء سمير فرج أول محافظ للأقصر، وفي قلب رؤيته كان هناك حلم يعيد صدى الفكرة الناصرية نفسها، أن تمتلك الأقصر فرقة فنون شعبية تعبر عنها، كما عبرت فرقة رضا يومًا عن مصر كلها.
هنا سنعود إلى المسار الكامل للفنون الشعبية في مصر، كيف خرجت من ساحات القرى والنجوع إلى خشبات المسارح، وكيف تحولت من ممارسة اجتماعية مرتبطة بالطقس والبيئة إلى أداء مُهندس داخل مؤسسات الدولة، كيف نشأت فرقة رضا في قلب مشروع ثقافي قومي، وكيف تكررت التجربة في المحافظات، وكيف تغير معنى التراث حين انتقل من يد الجماعة إلى يد المؤسسة.
التراث على المسرح | فرقة رضا
في أواخر خمسينات القرن الماضي، كانت مصر الجمهورية تبدو غير قابلة للكسر. حاولت دولة يوليو إعادة تعريف كل شيء، السياسة، الاقتصاد، الجغرافيا، صورة المواطن، وحتى معنى مصر؛ كما احتاجت الدولة الناشئة إلى رموز ثقافية قادرة على تأكيد الانفصال عن الماضي الملكي والاستعماري، وبناء سردية وطنية متجانسة. أتاح ذلك فرصة للفلكلور كي يتحول من مادة محلية مبعثرة إلى أداة لبناء خطاب وطني موحّد.
تمامًا كما مُنحت الموسيقى العربية مكانة رسمية عبر أم كلثوم وعبد الوهاب، احتاجت الدولة إلى شكل أدائي يعبر عن الشعب. في حين كانت الفرق الأوروبية واللاتينية تقدم عروضًا قومية على المسرح منذ بداية القرن العشرين، بدا واضحًا أن مصر تملك خامًا فنيًا ضخمًا غير منظم، الرقصات الزراعية، والتحطيب، والحركات اليومية للصيادين والفلاحين، وأغاني العمل، وطقوس الاحتفال.
لكن تحويل هذه المواد الخام إلى عرض مسرحي محترف أمر آخر؛ يحتاج إلى مصمم، رؤية، إلى أن يقرر أحدهم، ما الذي سنسميه التراث المصري؟ وما الذي سنستبعده؟ هنا دخل محمود رضا.
ينتمي محمود رضا إلى جيل حضري حديث، وُلد في القاهرة عام ١٩٣٠، لعب الجمباز ومثّل مصر في الأولمبياد، كما درس الباليه، وتأثر بشدة بالسينما الاستعراضية الغربية، خصوصًا أعمال جين كيلي وفريد أستير. أي أن تكوينه الفني جاء من الحداثة، لا من التراث.
كان هذا التكوين الحداثي جوهريًا في الطريقة التي نظر بها إلى الفلكلور. لم يتعامل معه كمخزون ثابت يُعاد إنتاجه كما هو، بل كمادة خام قابلة لإعادة التشكيل وفق قواعد المسرح الحديث. اللحظة الفارقة، بحسب روايته لأنطوني شاي، جاءت حينما سأل نفسه: لماذا لا يرقص المصري رقصته الخاصة؟
منذ ذلك السؤال بدأ مشروع إعادة صياغة الرقص الشعبي، لا بوصفه ممارسة اجتماعية، بل كنمط أدائي جديد. انطلق رضا إلى القرى باعتباره مصمم رقصات يسعى لاستخلاص حركات وإيقاعات وتكوينات يمكن دمجها داخل بناء مسرحي. هكذا ظهر الرقص الشعبي لأول مرة في صورة جماعية منضبطة، بعيدًا عن الارتجال المفتوح الذي يميز الفضاءات القروية.
التقت رغبة رضا مع الأديب يحيى حقي رئيس مصلحة الفنون حينذاك، لينتجا أوبريت يا ليل يا عين، لكن رغم نجاح كبير في موسكو انصرف حقي عن الفكرة، وافتتح رضا مدرسة باليه كخطوة أولى من مشروعه الكبير.
واجه المشروع عقبة أساسية؛ النظرة الأخلاقية السلبية للرقص في المجتمع المصري آنذاك. إذ كان الرقص الشرقي خصوصًا، مرتبطًا في المخيال العام بالفجور والانحراف. تقول محاسن حسن إحدى عضوات فرقة رضا الأوائل: “أبويا لف العالم وقعد ١٤ سنة بين أوروبا وقعد في إيطاليا وألمانيا أكتر لأنه فنان تشكيلي فهو راجل متفتح جدًا، بس برضه بنته ترقص دي في مصر مشكلة”؛ وهو ما جعل فكرة الرقص القومي تبدو متناقضة في ذاتها.
هنا لعبت فريدة فهمي دورًا محوريًا، فهي بخلاف كونها الراقصة الرئيسية، كانت جسرًا اجتماعيًا خفف حساسية ظهور رقص شعبي مؤسسي أمام الطبقة الوسطى؛ إذ جاءت من عائلة جامعية مرموقة، وتجاوز والدها الأستاذ الجامعي حسن فهمي الحرج الاجتماعي، وتحول إلى الداعم الأول للمشروع. وافق على انضمام ابنتيه، فريدة راقصة الفرقة، ونديدة مصممة أزيائها، وتولى بنفسه مع علي رضا – المخرج والمدير الفني – جزءًا من المسؤوليات الإدارية. بمرور الوقت أصبح حسن فهمي الأب الروحي للفرقة، مانحًا مشروع رضا غطاءً اجتماعيًا ورمزيًا سمح له بالترسخ والنمو.
حرص محمود رضا منذ البداية على اختيار راقصيه من طلاب الجامعات وخريجيها، في محاولة واعية لتغيير البنية الاجتماعية للجسد الراقص. كان يريد جسدًا يمكن للطبقة الوسطى أن تراه دون شعور بالحرج أو الشبهة الأخلاقية. لذلك جاءت العروض الأولى في صيغة منضبطة، رقصات جماعية، ملابس محتشمة، توزيع بصري يمنع تمركز الجسد الأنثوي، وحركة مصممة بعناية لتبدو “بريئة” من أي إيحاء فردي. كانت هذه سياسة واضحة لتأسيس شرعية جديدة للرقص الشعبي داخل المجال العام.
يتجلى هذا الخطاب البصري بوضوح في أعماله السينمائية؛ ففي غرام في الكرنك جرى تحويل الحركات العمالية مثل رفع الأخشاب ودق الشواكيش وشد الحبال إلى تكوينات استعراضية. يذهب أبعد من ذلك في حرامي الورقة، الراقص الذي يعمل في ملهى ليلي ليس شخصية مهمشة أو مثيرة للريبة، بل نموذج للأمانة والالتزام. كما تقول إيناس عبد العزيز، المدير العام للفرقة “دا مقصود. هو محاولة إنه يقدم صورة للراقص باعتباره شخص عنده قيم ومثل عليا.”
ضمن هذا السياق، تستعيد فريدة فهمي الجدل الذي دار في البدايات حول تسمية ما يقدمونه. تروي أن بعض الأصدقاء والأقارب اقترحوا على محمود رضا استبدال كلمة الرقص بتعابير أكثر قبولًا اجتماعيًا، مثل الحركة التعبيرية أو الحركة الإيقاعية، لكنهم رأوا في ذلك التفافًا لغويًا لا يحل الإشكال؛ فكل تفاصيل الحياة مثل المشي والتحية والعمل تحمل إيقاعها الخاص. بالنسبة لهم، لم يكن ما تقدمه الفرقة سوى رقص بالمعنى الكامل للكلمة “لا هي رقص بنحتفل بأجسامنا ونبقى زي ما احنا حلوين كدا” دون اعتذار أو مواربة، وبعيدًا عن وصم اجتماعي حاولت التجربة كلها تفكيكه منذ البداية. بهذا المعنى كانت فرقة رضا تُقدم هوية أخلاقية جديدة لجسد الراقص.
بدأت فرقة رضا معتمدة بالكامل على الجهود الذاتية، في مغامرة أقرب إلى الرهان. تحكي فريدة فهمي: “كنا محوشين شوية فلوس وعلي رضا مضى شيكات من غير رصيد لأنه واثق إن هو هينجح”. جاء النجاح تراكميًا؛ جمهور من الرجال في البداية، ثم دائرة أوسع من المثقفين، قبل أن تبدأ شخصيات من رجال الدولة في الحضور. عند هذه النقطة، كما تصف فهمي، “فرقعت” الفرقة جماهيريًا، بعدما تحول الرقص من مغامرة فردية محفوفة بالمخاطر إلى ظاهرة ثقافية تجد طريقها إلى قلب المجال العام.
في ٦ آب / أغسطس ١٩٥٩، قدمت الفرقة أولى عروضها على مسرح الأزبكية، في لحظة اختبار حقيقي لعلاقة الرقص بالجمهور. تتذكر فريدة فهمي أن الصالة في الليلة الأولى كانت ممتلئة بالرجال فقط، لكن المشهد تغير سريعًا في اليوم التالي، حين عاد هؤلاء أنفسهم مصطحبين زوجاتهم وأطفالهم. كان ذلك، في تقديرها، مؤشرًا مبكرًا على إحساس عام بالأمان، بأن ما يُقدم على الخشبة “حاجة حلوة” يمكن مشاركتها عائليًا دون حرج أو ريبة.
أيضًا، باعتبار الفرقة مشروعًا وليدًا بلا قاعدة جماهيرية راسخة، استعانت في عروضها الأولى بأسماء غنائية معروفة مثل كارم محمود وشهرزاد والثلاثي المرح، لتقديم فقرات تفصل بين اللوحات الراقصة. لم تكن تلك الأغنيات جزءًا من لغة العرض أو منطقه الجمالي، لكنها أدت وظيفة انتقالية واضحة، جسرًا تسويقيًا يخفف رهبة الجمهور من الرقص، ويستدرجه تدريجيًا إلى فضاء مسرحي لم يكن مألوفًا بعد، تصاغ فيه العلاقة بين الجسد الشعبي والمنصة الرسمية.
ما كان ينقص فرقة رضا هو صوت الموسيقى. أراد الأخوان رضا موسيقى خاصّة لفرقتهم، تكون جزءًا من بنية الرقص. هنا ظهر علي إسماعيل، الملحن الذي غير مسار الفرقة وخلق شخصيتها الصوتية. يرى هشام نبوي، مايسترو فرقة رضا، “لولا علي إسماعيل ما كانش فيه حاجة اسمها فرقة رضا.” كما يقول نبيل مبروك، أحد مؤسسي الفرقة، أن إسماعيل “أبدع شكل ما كانش موجود قبل كدا. ألحانه كلها طالعة من الواقع المصري.”
كان علي إسماعيل يعيد بناء الموسيقى من داخل الحركة الشعبية نفسها. كما قال في أحد حواراته “الفكرة بتتاخد من صميم حياتنا الشعبية، والخطوات على قد ما نقدر، وبعدين نطورها، وكذلك الموسيقى.” كانت موسيقى علي إسماعيل إعادة صياغة للفلكلور داخل قالب مسرحي حديث، يوازن بين الذاكرة الشعبية ومتطلبات العرض. بهذا أصبح لفرقة رضا مذاق فني كامل، صوت وإيقاع وبنية، يمكن التعرف عليه من أول جملة موسيقية.
بعد تثبيت شكل العرض وموسيقاه، واجهت فرقة رضا عقبتها التالية: غياب مسرح دائم. حاول محمود رضا مقابلة ثروت عكاشة، وزير الثقافة آنذاك، طلبًا لمكان ثابت، لكن انتظارًا طويلًا في مكتب الوزير انتهى بانسحاب رضا غاضبًا قبل أن يتم اللقاء. تحول الموقف الصغير إلى خلاف شخصي، فأُغلقت المسارح أمام الفرقة.
تقول فهمي “اللي أوحش من قلة الفلوس إن كل المسارح كانت متأممة يعني تبع وزارة الثقافة، وكل مرة نطلب مسرح يقولوا ما عندناش.” عندما اشتكى رضا لعبد الناصر من تعنت الوزارة، ازداد التوتر. بعدها أنشأت الوزارة بقرار عكاشة الفرقة القومية للفنون الشعبية في عام ١٩٦٠، بخبراء سوفييت، في خطوة قرأها البعض استبعادًا غير مباشر لمشروع رضا.
في تلك الفترة، لم تكن الدولة مستعدة لمنح مشروع كهذا أي دعم. كانت صورة الرقص الشعبي محملة بإرث ثقيل من الوصم الأخلاقي، ولم يكن مشروع فرقة رضا امتدادًا لمؤسسة رسمية بل مغامرة شخصية خاضها الأخوان رضا والسيناريست محمود عثمان والدكتور حسن فهمي، بستة راقصين وست راقصات فقط.
وجدت الفرقة في مسرح المهندسين برمسيس ملاذًا مؤقتًا، عرضت عليه فقراتها لشهر واحد، لكن الإقبال الكبير دفع إدارة المسرح إلى توقيع عقد مع فرقة رضا لمدة عشر سنوات. كان ذلك أول اعتراف جماهيري واسع، ومن خارج المؤسسة الرسمية.
جاءت النقلة الحاسمة من الخارج قبل أن تحسم في الداخل؛ فخلال جولة فنية في ألمانيا، شاهد السفير المصري أحد عروض الفرقة، فبادر بالاتصال بجمال عبد الناصر، مثنيًا على ما رآه، ومقترحًا أن تمثل فرقة رضا مصر في المحافل الدولية. تتقاطع هذه الرواية مع ذاكرة فريدة فهمي عن لحظة مفصلية أخرى، حين شاركت الفرقة في حفل أضواء المدينة بحضور عبد الناصر نفسه. تقول: “استنينا دورنا لحد الساعة ١١ بالليل، وبعدين حد قال هنقفل الستارة عشان الريس يتعشى وننقل للإذاعة. علي رضا مسك عصابة التحطيب وقال اللي هيقرب من الستارة هكسر رجله.” دخلت الفرقة وقدمت عرضها، ومنذ تلك اللحظة تغير كل شيء “أول ما شافنا الريس بقى يطلبنا دايمًا.” هكذا وبينما كانت الفرقة لا تزال بلا مسرح ثابت وتعرض أعمالها على مسرح نقابة المهندسين، وجدت نفسها ترقص في دار الأوبرا أمام رئيس الجمهورية، في إعلان غير مكتوب عن انتقالها إلى المجال الرسمي.
مع مغادرة ثروت عكاشة وزارة الثقافة وقدوم عبد القادر حاتم، انفتح الباب بلا مقاومة. سافرت البعثة إلى يوغوسلافيا، رُفعت مرتبات الراقصين من ١٥ إلى ٤٠ جنيهًا وهو ما يعادل مرتب مدير عام وقتها، كما يذكر نبيل مبروك. أخيرًا رأت وزارة الثقافة أن المشروع أصبح مناسبًا لتمثيل “مصر الحديثة” في الداخل والخارج، فقررت ضم الفرقة رسميًا عام ١٩٦١.
بعدها حلّ المنعطف التالي. قدمت الفرقة فيلمها الاستعراضي أجازة نص السنة بإخراج علي رضا، فشاهده مثقفون وسينمائيون كبار ووجدوا فيه ما يشبه صيغة مصرية جديدة. رقص جماعي منضبط، بلا مركزية للجسد الأنثوي، وبلا الإشارات الجنسية التي وُصم بها الرقص طويلًا. بدا الفيلم كأنه يقدم جسدًا وطنيًا يمكن للدولة أن تتبناه دون حرج.
بهذا الانتقال، خرج الرقص الشعبي من الهامش الأهلي إلى قلب المشروع القومي، كأداة رمزية لصياغة صورة الدولة نفسها. هذا هو جوهر مشروع رضا، وجوهر الجدل الأكاديمي حوله، لم يكن الرجل يعيد إنتاج الفلكلور كما هو. كان يبتكر فلكلورًا هجينًا، مصقولًا، مناسبًا للمسرح.
أوضح الأمثلة على هذا المزج حسب ما يراه محمد القذافي مدرب الرقص في فرقة رضا، ما فعله رضا في رقصة حلاوة شمسنا في فيلم غرام في الكرنك. قدم المشهد داخل معبد فرعوني، بينما ترتدي فريدة فهمي زيًا يشبه الغوازي، وتقف خلفها راقصات يرتدين الأزياء النوبية. كان المشهد أشبه بتوليفة مقصودة من فرعوني ونوبي ودلتاوي. رؤية متخيلة لهوية مصرية جامعة.
لفهم الصورة بشكل أفضل من المهم أن نعرف أنه يمكن قراءة الرقص الشعبي في مصر عبر ثلاث بيئات كبرى، لكل منها ذاكرة جسدية مختلفة. أولها البيئة النوبية، حيث تلتقي الزراعة بالملاحة النيلية والحرف اليدوية، وتتجاور تأثيرات أفريقية وعربية طويلة المدى. حافظ النوبيون على أشكالهم الراقصة بفضل العزلة الجغرافية والتهجير القسري وتمسكهم الصارم بالتقاليد. ثانيها البيئة البدوية في الشرق والجنوب، حيث تنتقل الفنون شفهيًا وتُمارس في سياقات احتفالية مباشرة من سباقات وأعراس وعروض فروسية تُجسد قيم الشرف والمهارة. أما ثالثها فهو فضاء وادي النيل في الدلتا والصعيد، حيث تمتزج الموروثات الفرعونية بالشعبية؛ شم النسيم، وفاء النيل، الموالد، والتحطيب؛ ومن تماس البداوة بالريف نشأت رقصة البرجاس فوق ظهر الحصان، بصفتها هجينًا حركيًا يعكس هذا التداخل الطويل.
لم يتعامل رضا مع هذه البيئات باعتبارها قوالب جاهزة. قال صراحة إن فلاحي الدلتا “ليس لديهم تقليد رقص واضح”، فابتكر لهم واحدًا، وأن رقصة الملاية اللف ليست تراثًا إسكندرانيًا قديمًا، بل تصور مسرحي لشخصية نساء المدينة. كذلك عروسة المولد مستوحاة من الحلوى، لا من رقصة موجودة أصلًا.
كانت هذه مقاربة تأويلية لا تسجيلية. مع الوقت، أصبحت التأويلات ذاتها هي التراث في المخيال العام. هكذا أعاد رضا، دون ادعاء توثيق، رسم الخريطة الراقصة لمصر: ماذا نرقص؟ وكيف؟ ولمن؟
مع نجاح الفرقة، أصبحت إحدى أدوات الدبلوماسية المصرية: مؤسسة تضم ١٥٠ عضوًا بين راقصين وموسيقيين ومصممين وفنيين. قدمت أكثر من ٣٠٠٠ عرضًا داخل وخارج مصر، ومثلت مصر في المهرجانات، وترافق الوفود الرسمية وتؤدي دورًا رمزيًا في إظهار وحدة المصريين أمام العالم. هنا يؤدي الفن وظيفة سياسية مباشرة، تقديم مصر كدولة ذات جذور عريقة وشباب حديث في وقت واحد.
رغم نجاح المشروع المذهل، لم يكن بريئًا. أعاد تصنيع تراث جديد يخفي الفوارق الجذرية بين البيئات المحلية، وحول الممارسات الاجتماعية الحية إلى عروض قومية خارج سياقها، وأنتج صورة موحدة للهوية المصرية، تبدو جميلة على المسرح لكنها لا تعكس بالضرورة تشظيات الواقع.
رغم ذلك يبقى هذا المشروع الهجين بكل تناقضاته أحد أهم التحولات في تاريخ الرقص المصري.
من خشبة البساطي إلى مسارح القاهرة
قبل أن يصبح الرقص الشعبي فقرة ضمن برنامج عرض مسرحي، كان جزءًا لا ينفصل عن الحياة اليومية. مورِس داخل الجماعة، في الأفراح والموالد ومواسم الحصاد ومجالس السمر وساحات المبارزة. كانت خشبة البَساطي، تلك المساحة البسيطة المصنوعة من ألواح خشب فوق أرض القرية، هي فضاء العرض الأول، حيث لا فصل بين المؤدي والمتلقي.
رغم أن الثقافة المصرية تمتد لآلاف السنين، نادرَا ما تناولت الدراسات الحديثة الرقص الشعبي، باستثناء أعمال باحثين مثل إيرينا ألكسوفا. يُظهر الخط الزمني أن الرقص كان جزءًا من الطقوس الدينية الفرعونية، ثم انتقل، بعد تراجع سلطة المعبد، إلى الحياة الشعبية، وحافظت عليه الجماعات المحلية عبر القرون، حيث كان التقليد آلية لنقل الخبرة لا تكرارًا جامدًا؛ وعندما تنهار البيئة، ينهار التقليد معها. هكذا اندثرت رقصات فرعونية، وتتهدد بالاختفاء رقصات نوبية وبدوية وصعيدية مع تغير أنماط الحياة.
بعد عام ١٩٥٢، بدأت لحظة فاصلة: انتقال الفنون الشعبية من فضائها المحلي إلى العاصمة. مع تأسيس لجنة الفنون الشعبية بالمجلس الأعلى للفنون عام ١٩٥٧، ثم مركز الفنون الشعبية، دخل التراث للمرة الأولى تحت منطق الدولة الحديثة. كانت الفكرة المعلنة هي الإنقاذ من الضياع، لكن الممارسة الفعلية قامت على الانتقاء لا التوثيق.
اعتمدت عمليات الجمع الأولى على بعثات ميدانية إلى القرى والنجوع والمناطق الحدودية. سجلت الأغاني والحكايات والرقصات وأشكال الأداء المختلفة. غير أن هذه المادة الخام كانت تُصفى وتُعاد صياغتها لتناسب متطلبات العرض، من حيث الزمن، والإيقاع، والتكوين البصري، وعدد المؤدين، وحتى طبيعة الحركة المقبولة على الخشبة.
يشدد الدكتور أحمد مرسي أستاذ الأدب الشعبي على هذا التمييز، مؤكدًا أن ما تقدمه الفرق الاستعراضية هو استلهام للفلكلور، لا الفلكلور ذاته. فالموروث الشعبي – وفق التعريف العلمي – يجب أن يكون مجهول المؤلف، متداولًا شفهيًا، ومعبرًا عن وجدان الجماعة لا عن رؤية فردية.
مع ذلك لا يمكن تجاهل ما أتاحه هذا الانتقال من إمكانات، التوثيق، التدريب المنهجي، استمرار بعض الأشكال التي ربما كانت ستندثر، وإتاحة الفنون الشعبية لجمهور أوسع.
هكذا ولد تراث جديد داخل المسرح؛ مُنقى، مرتب، ومعاد هندسته ليصبح صالحًا للتصدير الثقافي. تراث لا يمكن اعتباره زيفًا كاملًا، ولا أصلًا خالصًا، بل منطقة وسطى بين الذاكرة والتمثيل.
لم يتحقق حلم إنشاء أرشيف قومي متكامل للمأثورات الشعبية إلا بعد مسار طويل من التعثر. ظلت مشاريع التوثيق متقطعة حتى تأسيس الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية عام ٢٠٠١، ثم إطلاق الأرشيف المصري للحياة والمأثورات الشعبية فعليًا عام ٢٠٠٦، بصفته أول محاولة رقمية منهجية لجمع وتصنيف هذا التراث. يمثل الأرشيف اليوم خزانًا مرجعيًا للباحثين والفنانين، لكنه يظل منفصلًا إلى حد كبير عن آليات الإنتاج المسرحي السائدة.
خريطة الفرق الشعبية | التمثيل الرسمي للذاكرة المحلية
بعد أن انتقت الدولة التراث وأعادت تشكيله داخل مؤسساتها، امتد المشروع إلى الأقاليم عبر شبكة واسعة من فرق الفنون الشعبية في المحافظات، التي بدأ تأسيس أغلبها منذ ستينات القرن الماضي تحت مظلة الهيئة العامة لقصور الثقافة. كانت هذه الفرق محاولة لترجمة الهوية الجامعة إلى لهجات جسدية متعددة، بحيث تمتلك كل محافظة فرقتها التي تستلهم بيئتها، وآلاتها، وطقوسها، من البمبوطية في بورسعيد، إلى الحجالة في مطروح، والتحطيب والكف في الصعيد، والرقصات النوبية في أسوان، وصولًا إلى الفنون البدوية في سيناء.
عمليًا، أدت هذه الفرق دور حائط الصد المؤسسي أمام اندثار الفنون الشعبية، لكنها في الوقت نفسه رسخت منطقًا جديدًا للإنتاج، فرقة مكونة من عشرات المؤدين، بعقود مؤقتة، وبروفات منتظمة، وعروض مبرمجة، ومشاركات في مهرجانات محلية ودولية، حيث تحول التراث إلى تابلوه قابل للتنقل والقياس والتحكيم.
تتبع الهيئة العامة لقصور الثقافة اليوم ٢٤ فرقة للفنون الشعبية، يغلب عليها أبناء المحافظات أنفسهم. كما يوضح محمد حجاج، مدير عام الفنون الشعبية، الهدف الرئيس من هذه الفرق إعادة تدوير الموروث الفني في قالب جمالي قادر على الحياة، دون أن يتحول إلى تكرار جامد للماضي. تقول د. سمر سعيد، عميد المعهد العالي للفنون الشعبية، إن الرقص الشعبي في مصر لم يكن يومًا رقصة قومية واحدة، بل فسيفساء جغرافية يصعب اختزالها. الرقص النوبي غير السيناوي، وذاك غير الريفي أو الصحراوي، ما يجعل كل فرقة تحمل جزءًا من خريطة مصر الاجتماعية. يختلف هذا المنهج جذريًا عن التجربة المؤسسة لفرقة رضا، التي سعت منذ نشأتها إلى بناء لغة جسدية موحّدة، قادرة على “تمثيل” مصر بوصفها كيانًا واحدًا أمام جمهور العاصمة والعالم.
على النسق نفسه الذي تشكلت به الفرق الشعبية في لحظة الرعاية الناصرية، ولدت فرقة الأقصر للفنون الشعبية عام ٢٠٠٩، بدعم مباشر من محافظ الأقصر آنذاك سمير فرج، وبمجهود كبير من أحمد عبد الرازق. أتت الفرقة كرهان اجتماعي على إمكانية إدخال الرقص الشعبي إلى فضاء محافظ شديد الحساسية تجاه عمل الفتيات في الفنون. منذ اللحظة الأولى، بدا أن عبد الرازق يدرك أن تأسيس فرقة في الأقصر لا يمر عبر المسرح وحده بل عبر البيوت والعائلات والعرف المحلي.
تحكي صابرين حمدي لمعازف، التي كانت في العاشرة من عمرها وقت التأسيس، أنها بدأت علاقتها بالفرقة مشاهدة قبل أن تصبح إحدى راقصاتها. وكان الهاجس الأول لدى مؤسس الفرقة هو بناء الثقة؛ إذ فرض قواعد صارمة لحركة الفتيات من المنزل إلى البروفات والعودة منها، أحيانًا بمرافقة أحد أفراد الأسرة، ما جعل العائلات تنظر إلى الفرقة بوصفها مساحة آمنة، قبل أن تكون مساحة فنية. خلق هذا الانضباط الأخلاقي والاجتماعي، كما تصفه صابرين، ثقافة احترام متبادلداخل الفرقة ، كانت شرطًا سابقًا على الرقص نفسه.
على المستوى الفني، تولى أحمد عبد الرازق كل شيء تقريبًا: تصميم الرقصات، وإخراج العروض، والعمل المباشر مع الموسيقيين. تقول صابرين “الرقصات كانت الفرعوني وبعدين الصعيدي والفلاحي والنوبي وكان عامل تحطيب وتحطيب غوازي والغوازي دي راح قعد مع بنات مازن وعرف منهم التكنيك وبعدين علمنا.” اعتاد عبد الرازق حضور ليالي مولد أبو الحجاج وفي القرى والنجوع، والجلوس مع ممارسي الفنون أنفسهم لالتقاط التكنيك من مصادره الحية، ثم إعادة صياغته على خشبة المسرح بمنطق خاص.
رافقت هذه العملية علاقة عضوية بين الحركة والموسيقى، حيث جلس عبد الرازق مع الموسيقيين لتأليف أغانٍ ومقطوعات صممت خصيصًا لتخدم الإيقاع الجسدي والتابلوه الراقص، في محاولة لصناعة صوت خاص بالفرقة لا يعتمد على مخزون جاهز. مع كثافة البروفات، التي استمرت ليلاً ونهارًا، ظل المقابل المادي محدودًا، لا يتجاوز عشرين جنيهًا للبروفة وثلاثين للعرض، لكن الحافز الحقيقي كما تروي صابرين كان الشغف وحب السفر، والشعور بالانتماء إلى مشروع جماعي. ما يؤكده أيمن عبد الرحيم، أقدم راقصي الفرقة “كنت من أوائل الراقصين في الفرقة لعشقي للرقص الشعبي الذي يعد لغة تعبير هامة عن تاريخ وتراث ثقافي لم يتبدل بتغير الأحداث.”
وفق تقارير الهيئة العامة لقصور الثقافة، تبدو فرقة الأقصر للفنون الشعبية واحدة من أكثر فرق الأقاليم نشاطًا وحضورًا خلال سنوات قليلة من تأسيسها. من تعامد الشمس على وجه رمسيس الثاني في أبو سمبل، إلى مهرجان دمنهور الدولي للفلكلور، ومن أيام الشارقة التراثية إلى عروض في الصين وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية، تنقلت الفرقة بوصفها سفيرة للجنوب المصري، مقدمة رقصات تحولت إلى علامات ثابتة في برامجها. توج هذا الحضور الخارجي بجوائز دولية، أبرزها جائزة أفضل أداء في مهرجان براي ديون في فرنسا، والجائزة الأولى للموسيقى في مهرجان صباح الدولي في ماليزيا، ما عزز صورة الفرقة ككيان ناجح ومُصدّر ثقافيًا.
خلف هذه الصورة اللامعة، يختبىء واقع أكثر هشاشة وتعقيدًا. تعاني الفرقة اليوم من غياب أبسط مقومات الاستمرارية. خلال محاولتنا التواصل معها، تبين أن فرقة الأقصر قضت أشهرًا كاملة دون بروفات منتظمة، قبل أن تُعاد إلى الحياة فجأة للمشاركة في حفل رسمي بحضور وزير. تبدو الفرقة هنا ككيان بروتوكولي يُستدعى عند الحاجة، ثم يُعاد إلى الظل، أقرب إلى “نيش” يُفتح للضيوف لا أكثر. غير أن الفنون الشعبية، بخلاف الأثاث، كائن حي لا يستقيم وجوده بلا تدريب يومي، ولا يتطور دون صقل مستمر للحركة والموسيقى والزي والأداء الجماعي.
مع تراجع الرعاية المؤسسية عقب رحيل المحافظ سمير فرج، ثم من بعده المحافظ خالد فودة، تغيرت شروط العمل جذريًا. فبعد أن كانت المشاركات الخارجية موردًا حقيقيًا أتاح لبعض الأعضاء بناء حياتهم، باتت تلك الفرص نادرة. تقول صابرين إن عائد السفر إلى الخارج كان كافيًا لمساعدتها على تجهيز نفسها للزواج، “لكن دلوقتي مفيش”. في المقابل، لا يتجاوز المقابل الشهري اليوم ١٨٠ جنيهًا للشاب و١٤٠ جنيهًا للفتيات، ويُصرف على فترات متباعدة وغير منتظمة. يشير عمار يحيى، أحد أعضاء الفرقة، إلى أن الفريق الذي كان يعمل في زمن أحمد عبد الرازق “بيد واحدة” أصبح مفككًا، ما دفع عددًا من أعضائه إلى البحث عن عمل فردي في البواخر والأماكن السياحية، فقط لضمان الحد الأدنى من الاستمرار.
لا تقتصر أزمة الفرق الشعبية في مصر على ضعف التمويل، بل تمتد إلى تحديات اجتماعية أعمق، تمثل صدامًا مباشرًا مع نظرة المجتمع ذاته. يرى الشاعر الشعبي سيد مرسي أن القيود المفروضة على مشاركة الفتيات في المحافظات ليست مسألة ثانوية، بل تمس جوهر المشروع الثقافي نفسه، كيف يمكن تقديم صورة كاملة للتراث بينما يُقصى نصف الجسد الاجتماعي القادر على حمله؟ لا يأتي هذا الإقصاء فقط من العائلة، بل يتغذى كذلك على جمهور جديد تشكّل عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت الصور والفيديوهات إلى أدوات محتملة للتشهير وإعادة الوصم. تحكي صابرين “كنا في عرض في قنا وفي ناس صوروا البنات وكتبوا على الفيديو بدل متروح تشوف الرقاصة الفلانية، جابوهالك هنا ودا عملنا مصيبة كبنات.”
مع غياب الحماية التي كانت توفرها قيادة واعية مثل الراحل أحمد عبد الرازق، بدأت الراقصات في إخفاء ملامحهن، وتغيير هيئاتهن، أو الامتناع عن العمل داخل الأقصر نفسها، هربًا من التعرف والمساءلة الاجتماعية، تقول صابرين “دلوقتي ما فيش بنات جديدة بتيجي لأن لو حد من أهلها عرف هيقولك دي هيشغلوها رقاصة وبعد أسبوع واحد مش بيخلوها تيجي تاني ودا بسبب التيك توك.”
في الوقت ذاته، يتقاطع هذا القمع الاجتماعي مع إحباط مهني عام؛ يتحدث عمار عن تحول الشغف بالسفر والعروض إلى نفور كامل، ما تعتبره فريدة فهمي دائرة مغلقة يُعاد فيها إنتاج التجربة ذاتها بلا أفق صاعد، في ظل غياب نماذج ترى في الفن قيمة تتقدم على الحسابات المادية، كما كان الحال مع محمود رضا وعلي رضا على الصعيد المصري، أو أحمد عبد الرازق على الصعيد الإقليمي.
تكشف أزمة فرقة الأقصر نمطًا متكررًا تعانيه أغلب الفرق الإقليمية للفنون الشعبية في مصر. يتركز الاهتمام المؤسسي في المدن الكبرى، بينما تُهمَّش البيئات الريفية والنائية التي تحمل أصل هذا التراث، ويُستدعى الموروث الشعبي منها بوصفه خامة جاهزة للاستهلاك لا ثقافة حية تحتاج إلى حماية ونقل واعٍ.
يتعمق هذا الخلل مع ضعف التعليم الفني المتخصص؛ فلا مناهج مدرسية أو جامعية جادة تُدرِّس الفنون الشعبية بوصفها معرفة وهوية، ولا معاهد أو مدارس مهنية تُخرّج راقصين ومدربين مؤهلين، ما يترك الفرق تحت إدارة هواة يفتقرون للأدوات العلمية، ويعوضون ذلك بالاقتباس العشوائي من التلفزيون ووسائل الإعلام، فتختلط الرقصات الشعبية بموتيفات دخيلة تُفقدها خصوصيتها. يلفت الدكتور مسعود شومان إلى أهمية وجود باحث مرافق لكل فرقة، ليوفر المادة الميدانية التي يستند إليها المصمم قبل ابتكار أي استعراض جديد. فغياب البحث يؤدي إلى نسخ مكررة من الرقصات ذاتها، وطمس الفروق الدقيقة بين بيئات مصر المتعددة.
في الوقت ذاته، لعب الإعلام دورًا سلبيًا في تعميق الأزمة، عبر تغييب الثقافة الشعبية الجادة، أو اختزالها في صورة نمطية، لصالح أنماط مستوردة لا تراعي السياق المحلي، وهو ما ساهم في خلق قطيعة بين الجمهور وموروثه، وفي ترسيخ نظرة دونية للرقص الشعبي، خاصةً في ظل تحولات اجتماعية ودينية ضاغطة، وانكسار المعنى الذي جعل الفنون الشعبية يومًا مشروعًا للحياة، لا عبئًا عليها.
لا تنفصل هذه الأزمات المؤسسية عن أزمة أعمق في الوعي الاجتماعي نفسه تجاه الرقص الشعبي بوصفه فنًا. فكما يشير الباحث عبد الحميد يونس في كتابه التراث الشعبي، يعود جزء كبير من التدهور إلى نظرة منتقصة ترسخت تاريخيًا، حين جرى التعامل مع الرقص باعتباره فعلًا هامشيًا أو مثيرًا للريبة، لا وسيلة تعبير إنسانية كاملة.
يذكر يونس بأن الرقص، بحكم طبيعته العالمية، قادر على التعبير عن الأحاسيس والأفكار والخلجات الجماعية، ويحتل موقعًا مركزيًا داخل التراث الشعبي. شأنه شأن الأغنية الشعبية، الرقص نابع من الوظائف الحيوية والاجتماعية للجماعة، ومتصل بإيقاع الحياة اليومية وعاداتها. غير أن تجاهل هذا الفهم، واستمرار الحط من قيمة الرقص الشعبي، أسهما في تعميق القطيعة بين الفرق والجمهور، وبين الممارسة الفنية وبيئتها الاجتماعية، ما جعل الفنون الشعبية عرضة للتهميش سواء باسم الأخلاق، أو باسم الحداثة، أو باسم الإدارة الثقافية نفسها.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط توثيق الماضي، بل التفكير في مستقبل يستطيع فيه الرقص الشعبي أن يتنفس من جديد في القرى والمدن وعلى خشبات المسرح، شرط أن يستعيد صلته الأولى بالناس.
