فاكراني يا دنيا | ما بقي من إسماعيل الليثي

الفنانون - كتابة: مهند عبد العظيم - ٢٠٢٥/١١/٢٨
فاكراني يا دنيا | ما بقي من إسماعيل الليثي
تحميل...

بالنسبة لأمي، كان الاستماع إلى الأغاني الشعبية دلالة على ضياعي بعد رحيل أبي، وكانت تحاول قدر الإمكان الحؤول دون “تلوث” أذني بها؛ خصوصًا بعد ما أصبح سعد الصغير نجم الأفراح العامة الأكثر طلبًا، والأكثر ظهورًا في أفلام آل السبكي، وبعدها صعود موجة المهرجانات. 

ازداد الأمر تعقيدًا مع انتشار التوك توك كوسيلة مواصلات وإذاعته هذه الأغاني بصوت عالٍ، ونشرها بالنتيجة أسرع من المعتاد. هنا لم يكن أمام ماما إلا الرضوخ لضياعي المتخيل، الذي بدأ بضياع أذني وفقدها للأبد. كان لعالم الضياع هذا بوابات كثيرة، لكنني أرثي رثاءً متأخرًا بعض الشيء بوابة فقدنا صاحبها منذ أيام قليلة، وهو المطرب الشعبي إسماعيل الليثي الذي توفي إثر حادث يوم ١٠ نوفمبر الجاري.

بينما اجتمع الجمهور على شكل الترند الخاص بمأساة الليثي المتمثلة في فقد ابنه منذ عام، بعد ما اختل توازنه وسقط من الشرفة العالية، ثم وفاته هو، بالإضافة إلى طلاقه ثم زواجه من طليقته، فكرتُ أن أكتب له رثاءً لزمن طويل لم يدم.

من بلكونة منزل متهالك في أقصى ضواحي محافظة الجيزة في منطقة العمرانية الغربية سمعت مواله المنسي، وأول فيديو كليب له تقريبًا، أنا وانت، من توك توك مر بالصدفة. علقت في ذهني منذ وقتها “أنا وانت والزمن طويل / كان لازم يوم أسيبك ما لكش معايا نايب”، ربما لأنني تركت ماما وأكلت نصيبها من سماعه.

كانت هذه الأغنية بوابتي له ولآخرين يغنون الموال، ولو بشكل حداثي باستخدام الدرامز وأجهزة إلكترونية وصاجات إلكترونية، الموال الذي انهار تمامًا عقب الثورة، إذ أصبحت الأغاني الشعبية مقتصرة على دقائق قصيرة للغاية ترتبط بظهور راقصة كتسويق لفيلم عبر فيديو كليب أو مشهد سريع من الفيلم. 

بدأ الليثي يُعرَف من أغنية في فيلم القشاش (٢٠١٣) اسمها فاكراني يا دنيا فاكراني؟، تبعها غناؤه في أكثر من فيلم من أفلام السبكي؛ لكنها لم تكن بتأثير أغنية أو موال حزين قصير اسمه سألت كل المجروحين في مسلسل ابن حلال (٢٠١٤) من بطولة محمد رمضان، أظهرت صوته وموهبته كما هي بلا أي تأثيرات صوتية مزعجة. تلا هذا الموال عدد من الأغاني التي مجدت الجدعنة والشهامة في مسلسلي الأسطورة (٢٠١٦) ونسر الصعيد (٢٠١٨)، والتي أضحت موضة، بالإضافة إلى أغنيتين مع أيتن عامر من فيلم يا تهدي يا تعدي. 

اختفى الليثي بعد نسر الصعيد لفترة انتقل بعدها إلى عالم المهرجانات بأغنية تعد أضعف أغانيه، تمجد أيضًا الجدعنة والشهامة والفردانية والعتب على الأنذال بعنوان عم عشم مات، بالاشتراك مع مغني المهرجانات إسلام الملاح، تبعها موال باسم الفتوة (٢٠٢٠). بقي الليثي منذ ذلك الوقت يتنقل بين الشعبي والمهرجانات.

على مدار العشر سنوات الأخيرة تحولت الأفراح الهاي كلاس في مصر إلى مسارح تدعو العديد من مطربي الصف الأول من نجوم الغناء الشعبي، بعد أن كانت مقتصرة على سعد الصغير ومحمود الليثي فقط؛ لكن برغم هذا الانفتاح غاب عنهم إسماعيل ليصبح نجم الأفراح في الأقاليم والأرياف والمناطق الشعبية، والتي عادة ما تسمح للمطرب بأن يعيد غناء طربيات قديمة لأم كلثوم وغيرها. بدت هذه المساحة ملائمة لمساومة جديدة على ميول إسماعيل الذي مات أبوه في طفولته، واضطر أن يعمل عاملًا في محلات كشري وفي مجال العمارة ليساعد أسرته؛ ففي هذه النوعية من الأفراح لم يستطع أداء أغانيه أو فرض موهبة صوته الحزين عليهم. ربما يكون هذا أيضًا الدافع وراء اختياره غناء المهرجانات خلال السنين الأخيرة، ربما حاول بذلك التنوع زحزحة نفسه لملائمة هذه المساحة. 

ربما المأساة المتجذرة هي التي أضفت على صوته هذه النبرة الحزينة، والتي تظهر وحدها فرادة موهبته فعلًا منذ بداية حياته الفنية، حين كانت الأفراح الشعبية في بدايته وطفولته مساحة للتعبير عن نفسه عبر الموال، قبل أن ينسحب بأغانيه الشعبية ومواويله لصالح طابع مهرجاني أكثر مستجيبًا لطلبات السوق. في الوقت نفسه كان يغني في دار الأوبرا خلف المايسترو سليم سحاب أغاني طربية مثل تلات سلامات وقالولي هان الود عليه، لكن ربما لم تعبر هذه الأداءات عن موهبته، وإن كانت ضرورية لأن يصل إسماعيل إلى أذني بصوته الحزين وهو يغني أنا وانت والزمن طويل.

“ما انا أمي كانت لازم كل يوم تخش كدا بسم الله الرحمن الرحيم عشرين جنيه، عشان إخواتي يأكلوا. اشتغلت في محل كشري واشتغلت في محل فينو، واشتغلت في محل دقيق، كنت بغسل أطباق في محل الكشري وكنت باخد ١٢٫٥ وكيس كشري وانا مروح، وأمي كانت بتاخد منهم ٨. كنت بشتغل شيّال في محل الدقيق باخد ٧٥ جنيه. كنت بشتغل على توك توك عشان أعمل أغنية، عشان أحاسب بتاع الأورج وأحاسب كاتب الأغنية، ما هو انت مين؟” 

سيطرت على مواويل الليثي فكرة التساؤل عن الذات وموقعها من العالم وأيضًا تساؤل حول عنف العالم معه، تساؤل لا يبحث عن إجابة قدر ما يبحث عن استخدام الغناء في تضميد الجرح الذي صدره العالم له؛ كأن الغناء بمختلف الأشكال التي أتقنها إسماعيل بدرجات متفاوتة كان ضمادة روحه.

برغم كل هذه الشهرة اليوم، هناك ألبومٌ كامل من بدايات الليثي أغانيه هي الأقل انتشارًا ويصعب الحصول عليها من معظم منصات الموسيقى، والوحيد الذي ذكره هو إسماعيل نفسه. حتى في صفحته الخاصة على يوتيوب يغيب عنها بعض أغاني الألبوم، اكتب يا قلم، الصادر في ٢٠٠٨؛ رغم أنه الألبوم الوحيد الصادر باسمه والذي تحمل العناء من أجله. تكوّن الألبوم من ثماني أغنيات، يدور بعضُها حول المحبة والهجر، وبعضها مكرّر من زمن الطرب الأسبق مثل حلوين من يومنا وابعد يا حب وكان مالي، وأخرى اسمها قصة موت النبي، وهي أقرب إلى ابتهال لكن بموسيقى شعبية تضم آلات موسيقية إلكترونية وناي.

قناته مقسّمةً على هذا النحو: جديد إسماعيل الليثي / أغاني المسلسلات / أغاني أفلام / أفراح – لايف / أدعية (أقرب إلى الابتهالات). كانت المفاجأة الأكبر بالنسبة لي إتقانه ترديد هذه الأدعية والابتهالات بصوت أكثر حدّة مما هو عليه صوته، أو بجَهورية أكبر، وهذا يظهر في الخمسة الأدعية الموجودة على صفحته وابتهال قصة موت النبي، التي كان يرجو الله فيها بأشكال مختلفة: “إحنا بنطمع في الإحسان / يا رب الخلق يا منّان.” ربما كانت المِنّة التي منَّ الله عليه بها هي الغناء رغم فجيعة المأساة التي عاشها من حياته حتى مماته.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف