كُتب هذا المقال بالتعاون بين ليلى العاجيب وحسن شغيدل.
في ٤ نيسان ٢٠٢٦ توفيت ساجدة عبيد عن عمر ناهز ٦٨ عامًا تاركةً إرثًا غنائيًا شعبيًا كبيرًا؛ صنعته بطريقتها بإعادة الأغاني التراثية العراقية والتميز في أغاني الجوبي والهجع والمواويل. أسدلت الستارة على مسيرة غنائية استمرت لأكثر من خمس عقود من النجاح وبثّ البهجة المستمر من زمن الكاسيت وصولًا لليوتيوب.
بدأ الأمر عندما صدح صوت طفلة تغني على سطح بيت أهلها أثناء مرور إحدى دوريات الشرطة، فتوقفوا وطرقوا الباب مطالبين العائلة باستدعاء المطربة وإيقاف الحَفلة التي يقيمونها. استغربت العائلة وأنكرت وجود حفلة ومطربة، ونادوا ساجدة الطفلة التي كانت تغني. طلب الضابط من الطفلة الغناء بهدف تكذيب رواية الأهل، لكن صوتها جاء أصدق من روايتهم.
ولدت ساجدة بعد أربع أو خمس بنات، هي لا تتذكر، ما تعرفه أن أخوتها من الأولاد اثنان أصغر منها. توفّي أبوها وهي صغيرة فانتقلت للعيش في بيت خالها عبيد، الذي حملت اسمه.
نعرف عن حياتها الشخصية نزرًا بسيط، بسبب قلة لقاءاتها وحواراتها الصحفية، إضافة لقلة ألبوماتها وفيديوهاتها، لذا سنحاول في هذه المادة الحديث عن ساجدة بعين جمهورها، كيف عرفناها ووصلتنا.
ساجدة في بلاد الشام
مع مطلع التسعينات وازدهار سوق الكاسيت، عبرت بعض الأشرطة قبل عبور أصحابها أو حتى دونهم. تبادلت البلدان تسجيلات الفنانين بكثافة من خلال نقلها بصناديق كرتون بريًا مع السائقين العاملين على خطوط السفر، ووصلت أحيانًا نسخ دون اسم المغني أصلًا. هكذا صدح صوت ساجدة في ميكروهات دمشق وغزا دير الزور وحلب والرقة، ومجمعات حافلات الأردن، خصوصًا مجمع الزرقا القديم ومجمع رغدان.
كان صوت ساجدة محيّرًا؛ لم يُعرف هل هو لِشاب صغير صوته رخيم فيه بحة يشبه صوت الإناث، أم هو صوت أنثى مميز. أمر تكرر مع عدة أصوات مثل أبو وديع وديانا حداد وطاهر مصطفى ومنى مرعشلي. لكنه التباس فُك سريعًا، إذ كان يُسأَل أي زائر من العراق عن صوت المطرب في التسجيل، فيجيب هاي ساجدة عبيد.
أتى صوت ساجدة على شكل كوكتيلات مواويل، يُعنونها أصحاب المحال بورقة بيضاء مستطيلة مكتوب فيها: “مواويل عراقية حزينة” أو “مواويل عراقية عن الغدر“، وكل جملة يرونها مناسبة تصف محتويات الشريط. بالنتيجة عُرفت ساجدة في بلاد الشام على أنها مغنية شعبي عراقي مميزة حالها حال عدوية من مصر.
كان جمهورها في هذه المرحلة أبناء الأحياء المتوسطة والفقيرة. صارت كلمات أغانيها الصوت الذي يعبّر عن الهموم في علاقات الحب والصحبة والغدر وقسوة الزمان وظلم العالم وصعوبة الحياة في مدن لا تنصف أبناءها، حيث تكثر العثرات حتى يشعر الإنسان أن الحياة تستهدفه بشكل شخصي. مواجهة دائمة مع الهزائم والخيبات بالصبر وعزة النفس؛ حيث يثبت اللون الشعبي دائمًا أنه الأقدر على تقديم هذه الأفكار ببساطة محببة.
شرّبني الزمان هموم بالكاس
أقسى وأمر من سمّ الثعابين
تجرعت الصبر ما سمّعت ناس
ولجن يا حيف فِضْحَنّي النياشين
أنا الروحي جبل يهدّمها يا فاس
وأنا المرمر تنحت بيه سجاجين
لخلّي جفوني عالدمعات حرّاس
وأگول للعين فنج بعد تبجين
زاد الطلب على كاسيتاتها وأصبحت تأتي مع أغنيات عراقية طربية تتبع الموّال. بهذا ترسخ اسم ساجدة كمطربة شعبية عراقية ظلت محافظة على وجودها ومكانتها رغم وصول بعض المطربين العراقيين إلى نفس الجغرافيا لاحقًا مثل حاتم العراقي ومحمود أنور والعيساوي وغيرهم، ولو أنهم لا يعتبرون من مطربي اللون الشعبي عدا العيساوي، إلا أنهم قدموا مواويل عراقية تشابه ما تقدمه ساجدة.
ساجدة في العراق
كانت ساجدة في العراق مغنية حفلات السهر أو الاحتفال بالمناسبات والرقص، يحبها الجمهور لقدرتها على أداء مختلف الألوان بصوت جميل ولهجة مضبوطة باختلاف لهجات مناطق العراق، ولأنها برعت بأداء المواويل الريفية والبدوية من شرق العراق وغربه، لكن هذه الحالة لم تبدأ إلا مع التسعينات. مع نهاية السبعينات والثمانينات، و كسائر المغنين، لم يحالفها الحظ عند تسجيل أول أغنياتها، وتأخرت بعدها نظرًا للظروف السياسية التي كان وقعها أكبر من أن يُحتمل، في فترة الحرب مع إيران التي ألقت بظلالها على أماكن السهر والغناء الشعبي وناسها بحدّة، واستبدلتها بالمآتم والحزن إثر فقد الأبناء.
في التسعينات ومع بدء الحصار ضاقت هذه المساحات كثيرًا، لم تعد تقام على مستوى البلد، بل اقتصر إحياء الأعراس والمناسبات على أي مطرب متاح في الحي أو المنطقة. عمّ الفقر وصارت الأولوية لإجراءات التكيّف، وجعل هذا حفلات ساجدة تنحصر في نطاق حفلات السلطة والطبقة الغنية المتنفذة. أثبتت ساجدة نفسها أيضًا بصفتها من أهم الأصوات المطلوبة لهذه الحفلات. بالنتيجة صارت على علاقة مع عائلة الرئيس صدام حسين حتى سميت “مطربة القصر”.
يلوم البعض ساجدة ويحسبها على ذلك المحيط. إلا أن هذا النقد غير موضوعي ويتعامل مع الأمر بأثر رجعي. إذ لم يستطع الفنانين أن يفلتوا من العمل مع السلطة، سواء في الإذاعة والتلفزيون أو الحفلات، إلا الذين غادروا العراق. لم تكن ساجدة امرأة ذات توجه سياسي معيّن، فما رأته من السلطة كان الحظوة والترحيب، وبحسب ما يروى من أخطاء ومشاكل حصلت للفنانين، فأقصى ما حصل معها كان تعطيلها عن بعض الحفلات، الأمر الذي اشتكته للرئيس بنفسها وأنصفها.
لا تربط ساجدة مشاعرها وتصريحاتها بمواقف أيديولوجية، ففي نفس الحوار الذي تؤكد فيه محبتها لصدام حسين، بعد سنين من سقوط نظامه، ترفض التدخل بالسياسة؛ الأمرين بالنسبة لها غير مترابطين. كانت ساجدة بسيطة درجة الشجاعة للتعبير عن مشاعرها تجاه شخص تعلم أن مدحه ربما يدمر كل مسيرتها داخل العراق، الأمر بالنسبة لها وفاء لمن رأت أنه أنصفها وساعدها في عملها.
عرفت ساجدة كيف توظّف الكثير من الإرث الغنائي العراقي بذكاء. امتلكت هذه المرأة أذنًا موسيقية حساسة تجعلها تعرف كيف تطوّع اللحن ليناسب صوتها وتؤدي أعظم الأغاني العراقية بأسلوبها الخاص، وكيف تقوم بترتيبها في الحفلات حيث تؤديها بلا فصلات تغير مزاج المستمعين. بالإضافة لجرأتها الاستثنائية في غناء بعض الأعمال لفنانيين لا يجرؤ الجميع على تقديم أغنياتهم، وإن فعلوا، لا يملكون جرأة تغيير أي شيء في الأغنية.
كانت تنتقي ما يحلو لها وتصنع منه نسخةً باسمها، بطريقتها وإمكاناتها الصوتية، تغير أحيانًا في اللحن وأحيانًا أخرى في الكلمات. ألحقت موال أكابر كوه كوه بواحدة من روائع ناظم الغزالي جان الكلب ساليك، وغيّرت في لحن الأغنية ودمجتها مع موال تستطيع ببساطة ملاحظة مناسبته لكلماتها. غناها آخرون بلحن مشابه لأسلوب ساجدة لكنهم لم يُجيدوا مثلها.
قدمت أغنية لقعدلك على الدرب دون أخطاء، لكنها مع صعوبة الخروج من عباءة كاظم حينما يغنيه الآخرين استطاعت وضع قفلات عفوية بشكل شعبي، عكس كاظم الذي غنّاها دون أن يُنسيك أنه مطرب أنا وليلى.
في أغنية حبيب أمك لسعد الحلّي، غيّرت كلمات الأغنية الأكثر عمقًا في واحد من التسجيلات لتصير “وأمك فدوة لأمي” بدل “وأمي فدوة لأمك.” يعتبر هذا السطر أصلًا واحدًا من أكثر الجمل الشعرية الصادمة في الغناء العراقي، إذ أن الكثير من هذا الغناء يظهر أن قدسية الأم لا تُمَس. نشعر بها ثقيلة كلما غنيناها، ربما استشعرت ساجدة ثقلها أيضًا ولم تستطع قولها في لحظة معينة، كونها عادت وغنتها كما هي في حفلة أخرى.
يبدأ مود الاحتفال بمجرد كتابة اسم ساجدة عبيد في البحث، أو سماع أول بضع ثوانٍ من أي أغنية لها، في حال لم تبدأ بموال. إن كنا وحيدين في السيارة أو البيت يمكننا الرقص والمشاركة وكأننا بين الحاضرين.
يصدح صوت الطبلة أو صوت ساجدة لإعلان بدء الحفلة. هذا ما ميزها بين الناس في العراق؛ إذ ارتبط صوتها بالفرح والحماس في كل حفلات العائلة الأعراس وأعياد الميلاد.منحتنا تسجيلات أغانيها في الحفلات، صوت واضح تسمع فيه التحايا وتعليقاتها وتعليقات الجمهور وحديثها معهم ومع الفرقة، إذ تندر تسجيلات ساجدة داخل استوديو أو بمرافقة آلات متنوعة ومنضبطة.
في زمن الكاسيت كان علينا البحث جيدًا للحصول على تسجيلات مناسبة للحفلات تصلح لتشغيلها على المسجّل في الأفراح، إلا أن ساجدة كانت تنقذنا في أغلي تسجيلاتها التي قدّمت فيها وصلة كاملة بكاسيت على الوجهين، وما أن نسمعها تقول يمين يسار فوك تحت، حتى يجن جنون الحاضرين.
في العراق، رغم أنها غنّت كل الأنواع تقريبًا من هجع ومواويل وجوبي عتابا وسويحيلي، لكن لا يُنظر إليهم بوصفهم ألوانها ولا يجري اعتبارهم هويتها الفنية. حتى إن غنت جوز منهم ستجعلك تترنح معها وتتخفف من جدية الأغنية، ربما لأن كثرًا غنوا هذه الأنواع ومتعونا بالطرب والمواويل وأوغلوا في حزننا، رأينا في ساجدة مساحة الفرح التي تقدم أغانينا الجميلة بعد أن تخففها من شلعان القلب.
لم نهتم برؤية ساجدة، نسمعها فقط. لم يحتج الناس الكثير من الصور والفيديو كليبات واللقاءات، ولم نعرف هل غابت ساجدة؟ هل اعتزلت؟ هي حاضرة دائمًا لا نعرف ما جديدها وما قديمها، حجزت مكانها بلا منافسين. لا نعرف نحن أخبارها بدقة ولا تعرف هي مدى نجاحها وشهرتها. لم تملك ساجدة هاتفًا ذكيًا ولا صفحات تواصل اجتماعي، ولم تعرف الجماهير الافتراضيين. بقيت علاقتها مقتصرة على الجمهور الذي يحضر حفلاتها، والذي تستغرب كل مرة تلاحظ كثرتَه وتزايده. مثلما حدث في أستراليا حسب حديث مع أحد المقربين منها إذ يقول: “ساجدة كانت تتفاجأ من الحضور. وتعلق: ’كل ذولة لسه يعرفوني.’”
أُسست لها قناة يوتيوب في عام ٢٠٢٣ وقبلها صفحات تواصل اجتماعي بإدارة عائلتها، كان الهدف منها تكذيب الأخبار التي تتداول حول وفاتها والحصول على بعض الأغنيات التي لا تملك حقوقها.
مع نهاية التسعينات تعرّف جماهير ساجدة في بلاد الشام على ساجدة في العراق. من المطربة العراقية التي تنقل الحزن العراقي ومواويله وأغانيه إلى المطربة التي تحيي حفلات طرب وفرح تغني الجوبي والهجع. من هنا أصبحت تسجيلاتها فقرة أساسية في كل حفلة دي جاي، وغالبًا كانت تقتطع بعض جملها لبدء الحفلة أو نقلها من مود إلى مود آخر. مع زمن الفلاش ميموري ثم الموبايلات التي تخزن أعمالها واليوتيوب، وصلت ساجدة إلى كل مكان.
انتشر رقص الهجع عن طريق انتقال بعض الراقصين والراقصات العراقيين إلى بلدان كثيرة، قدموا فنهم على مسارح عالمية. درّب هؤلاء غيرهم من هواة الرقص على الهجع العراقي، وبالطبع لم يجدوا أفضل من ساجدة للحصول على وصلة غنائية كاملة فيها صوت مضبوط يحفظ الرتم، وواضح في التسجيل ومليء بروح حماسية لِيلقنوا المتدربين حركات الرقص ويدعوهم إلى الجو العراقي. تصدّرت ساجدة هنا أيضًا مرة أخرى دون سعي منها، ودون معرفة جيدة بها، بموهبتها فقط وقدرتها على التغلغل في مود المستمع.
ساجدة عن ساجدة
ظلمت ساجدة مسيرتها، لكن الجماهير أنصفتها في كل مكان. لم تهتم المطربة الشعبية بظهورها الإعلامي ولم تضع خطة لإنتاج الأعمال، هي مطلوبة في الحفلات الخاصة والعامة دائمًا، وما يتسرب من هذه الحفلات يحجز مكانه بين مفضلات الجمهور.
لم تعبّر حتى عن آرائها الاجتماعية، أو ربما لم تُسأل بطريقة صحيحة حولها؛ لكنها بِجملها القليلة تبدو امرأة بسيطة لا تحب التدخل فيما لا يعنيها، وفي المقابلات التي وافقت على الظهور فيها ركز المعدّون والمقدمون على نقاشها في شائعات وقصص تحفظت عن الحديث عنها. رغم هذا، حُمّلت مواقف سياسيّة إضافية بين النسويّة والمناضلة؛ في إسقاط لأفكار وتطلعات فئات من جمهورها على شخصية لم تقل أكثر من أنها تحب الغناء، وترغب بالعيش بأمان وهدوء.
لم تكمل الطفلة الموهوبة دراستها، أخذها الغناء واستمرت به بكل ما أوتيت من عفوية والتزام تجاهه. بالحديث مع الموزع لؤي عامر الذي وزع آخر أغنياتها، أكّد إعجابه بالتزامها وإخلاصها للفن وكان مستغربًا من تسجيلها ثمانية أغنيات وأربع موّالات في ليلة واحدة دون استراحة وبنفس المستوى؛ وهذا شيء غير مألوف مع بقية المطربين.
كل ما احتاجته ساجدة أورج وطبلة وخشبة ليصل صوتها كل بقاع الأرض. لن نجد كثيرين يقولون أنهم من محبي ساجدة عبيد بصفتها مُطربتهم المفضلة، لكنّنا لن نجد أيضًا من يقول أنه لا يحبها. يستنكر البعض إعجابه بها أو حتى الاستماع لها نتيجة الابتعاد عن الشعبي لأسباب استعلاء طبقي أو تصنيفات جامدة مثل فن راقٍ وفن غير راقٍ؛ لكن أشخاص مثل ساجدة وعدوية أثبتوا قصور هذا الطرح. جاء الجيل الجديد بجملة هزلية يثبت بها موقفه ويهدم هذا الجمود معبرًا عن نفسه بشكل أفضل “كافي خوف من المجتمع ساجدة عبيد ذوقي.”
