فارس أنا وابن الجبل | ما أضعناه حين نسينا فهد بلان

الفنانون - كتابة: آنجيلا السهوي - ٢٠٢٦/٠٧/١٢
فارس أنا وابن الجبل | ما أضعناه حين نسينا فهد بلان
تحميل...

هذا المقال هو مشروع تخرّج الكاتبة آنجيلا السهوي من الأكاديمية البديلة للصحافة العربية.


عام ١٩٦٨ وقف فهد بلان على مسرح قبّة المنزه، نظر الى الفرقة الموسيقية والجمهور بعينين ملؤهما السرور، حدثهم وأشار إليهم، وحدّثوه بالمقابل بعفوية. بدا فهد وكأنه يعرف جمهوره، وأصبح المسرح جلسة سمر بين مجموعة أصدقاء وكأن المؤدي مثل الجمهور ينتظر ما سيُعزف.

مسح أنفه بعفوية، ضحك وحدّث قائد الفرقة الموسيقية عبود عبد العال، ثم أخرج منديله من جيبه عاقدًا يديه خلف ظهره، مبتسمًا للجمهور مرة أخيرة قبل أن يستدير نحو الميكروفون، بينما تفاعل الحاضرون مع ألحان الأغنية وسبقه البعض في تلويح المناديل عاليًا. تموج الجمهور وكأنه في عرس ويتوسطهم العريس، يلوحون له علّهم يحثونه على الشروع بالغناء مع الكورس. سكتة موسيقية توقف أنفاس الحاضرين، هنا سيبدأ، لكن ليس بعد، ضحك وعاد الكورس لترديد “يا سالمة.”

يتعمّد فهد تشويق جمهوره. مسح عرقه بمنديله، هزّ كتفيه متلفتًا إلى فرقته الموسيقية، لم تفارق الضحكة وجهه، ثم بإشارة من عبد العال، انطلق بثقة: 

بعيني أنا شفت البنيّة حالمة / تضرب برمش تصيب وتعمل نايمة
كلمتها بالحب قالتلي أنا / ما اعلم طريق الحب وهي عالمة
ياااا يا سالمة يا سالمة

يمكن القول إن فهد بلان استطاع صناعة علامة فارقة في مرحلة زمنية اتسمت بالتنافسية الشديدة، وبالرغم من أن علامته الفارقة كانت محط استغراب وسخرية أحيانًا في أوساط الفنانين والنقّاد، إلا أنها أسرت الجماهير بصدقها وعفويتها. كانت تلك العلامة هي التحرر من الأداء المسرحي الصارم حين لوّح بمنديله وهزّ كتفيه منتشيًا بكلمات ومعاني الأغنية الشعبية الجنوبية المحمّلة بمعاني الشهامة والمروءة والبساطة في كثير من المناسبات.

تلك ال”ها ها ها” التي اشتهر بها سخر منها عمالقة أمثال محمد عبد الوهاب، وسألته عنها ليلى رستم ساخرةً في حوار في برنامج نجوم على الأرض: “قبل ما تشتغل في ال هاهاها” ليجيبها: “ال ها ها ها شغلانة تانية يعني؟” لترد محرجةً: “هذه ال ها ها ها دي الناس مبسوطة منها أوي، ما تغيرهاش.”

النشأة والبداية

السابع عشر من نيسان عام ١٩٣٣، ولد فهد بلّان في قرية الكفر البديعة في الريف الجنوبي  للسويداء. نشأ في ظروف صعبة من الفقر والعوز والحرمان من وجود الأب بسبب طلاق والديه، وترحاله مع أمه وإخوته والتنقل في عدة أقطار عربية هربًا من الأب القاسي وبحثًا عن مصدر رزق. 

لم يدرك الولد حينها أن صوته منجم ذهب كما يقال، حتى حينما عرض سائق على والدته توصيلهم إلى الأردن على متن هودج جمال مقابل غناء الولد طول الرحلة بعد أن سمع صوته مصادفة. كانت تلك إذا صح التعبير أول مرة كسب فيها فهد وعائلته شيئًا من الغناء. روى بلان القصة في حوار متلفز، وروى أيضًا كيف كان يصيح السائق بهم في كل مرة يتوقف فيها فهد عن الغناء مطالبًا الأم بحث ابنها، الذي لم يتجاوز عمره الرابعة عشرة، على الاستمرار في الغناء؛ وهكذا بُحّ صوته من كثر غناء العتابا والهجيني والميجانا طوال الطريق من سوريا إلى الأردن.

اشتغل فهد منذ طفولته في مجالات كثيرة من توصيل الطلبات إلى العتالة (حمل الأمتعة والأغراض) وجباية الأموال في الباصات، وكان كلّما استطاع يغني في حفل زفاف أو مناسبة ما مقابل مبالغ زهيدة. يروي لنا السيد عماد غالب بلان، وهو ابن أخ الفنان: “وصلوا إلى الأردن مع البدو إلى جبل عمان لمنطقة فيها دروز. سكنوا وصاروا يشتغلوا هو وأبي وجدتي …”

اشتغل فهد في أعمال بسيطة بمحال تجارية، كتوصيل البضائع وسواه، بعدها عادت العائلة الصغيرة إلى السويداء ومن ثم انتقلت إلى دمشق إلى حي جنينة النوري. “عمي فهد بطبعه جريء منذ الطفولة، كان الأولاد يدعونه للغناء مقابل سيجارة، فيغني لهم طول الليل.” غنى فهد في صباه الجوفيات والأهازيج الجبلية، وكان يضطر لفتح مجال صوته حتى يسمعه الجميع، “هنا كانت بداية تربية الصوت”، يقول السيد عماد، ويقول إن أبو فهد كان عازف ربابة يجيد الغناء قليلًا، فورث فهد عن أبيه رخامة الصوت، أما المساحة في صوته فتوسعت بسبب غنائه في الأفراح والأعراس في بداياته. كان يجيد الدبكة أيضًا، وهذا ما جعله قويًا في الأداء على المسرح.

عاد أخوه وأمه إلى الأردن للعمل، أما هو فالتحق بالجيش في عمر الثامنة عشرة. خدم لاحقًا فترة بسيطة في القامشلي، وكان يراسل أخاه غير الشقيق عبد السلام في الأردن دومًا، وبالرغم من البعد ظلًت علاقته بالعائلة قوية. 

أنهى فهد الخدمة العسكرية بجيوب فارغة، فاتجه ليعمل عتّالًا في كراج دمشق-الأردن. اشتغل في جباية أجرة الباص بين قرى السويداء، ثم حين عادت العائلة للاستقرار في دمشق تقدم إلى نادي الهواة في مطلع الخمسينات. رسب في المرة التي غنى فيها لفريد الأطرش وحياة عينيكي، لكنه ما لبث أن غاب فترة وعاد للتقديم بأغنية هيّن ضرب السيف، أغنية جبلية لبنانية، فنجح فيها وصار يغني في الكورس براتب ٧٥ ليرة شهريًا. كان يطلب من زوجة أخيه الكبير ربع ليرة أجرة الباص من ركن الدين للإذاعة ورجوعًا، وأحيانًا كان يذهب مشيًا على الأقدام، وكان مديره وقتها هو عبد الفتاح سكر، الملحن وعازف الكونترباص.

انتبه عبد الفتاح سكر إلى شاب يحمل مواصفات متكاملة من الشكل الكاريزماتي الملفت وخفة الدم والحركة والصوت القوي الذي يمتد مساحة أوكتافين، مقومات منجم ذهب بالنسبة لأي مشروع موسيقي، المشروع الذي تنقل بين الأقطار العربية من سوريا إلى لبنان والأردن والخليج ومن ثم إلى مصر. لا أدري إن تراءت لسكّر خيالات الشهرة القادمة لكنه باهتمام شديد دنا من هذا الشاب وبادر يحدّثه: “هات احكيلي شو عندكم أغاني بالجبل؟”

الشخصية الفنية

تعرّف فهد على الملحن سهيل عرفة عندما كان الأخير يمتلك محلًا لتصليح أجهزة الراديو مقابل مقر مجلة الدنيا لصاحبها عبد الغني العطري. نشأت بينهما صداقة حين كان فهد لا يزال مرددًا في كورس الإذاعة، وكان عرفة أيضًا يشقّ طريقه في التلحين.

كانت إذاعتا دمشق وحلب في ذلك الوقت حاضنتا الفن في سوريا، إن لم يكونا الفرصة الوحيدة المتاحة لتسجيل الأغاني.

تتضارب الروايات عن بدايات فهد في حلب، بحسب الباحث السوري معين حمد العماطوري فإن الصداقة التي جمعت سهيل وفهد هي التي جعلتهما يقرران الذهاب إلى حلب بدعوة من الأستاذ توفيق حسن وكان هو مدير إذاعة حلب وقتها، لكنهما فشلا في إثارة إعجاب اللجنة في الإذاعة؛ وبعدما أصابتهما ضيقة مالية عاد سهيل إلى دمشق، أما فهد بقي في حلب ليجرب حظه، فتعرف على شاكر بريخان الذي قدًم الرؤية الأولى لشخصية فهد الفنية.

في رواية عماد بلان يقول إن كورس إذاعة دمشق دعي إلى حلب لإحياء حفل، وفي إحدى السهرات سمع شاكر صوتًا يغني أغنية بدوية ويلقي نكاتًا وطرفات بدوية فسأل عن الشاب ليقولوا له فهد بلان من السويداء مردد في الكورس، فطلبه إلى مكتبه سائلًا إياه: “سمّعني إنت بتغني بدوي؟”، فأجاب فهد: “إي طبعًا”، ليبادر شاكر: “طيب الحقني على غرفة الإدارة.” قال له شاكر “عندي أغنية بدوية لكنها دويتو، بدي تحفظوها إنت وسحر وبالحفلة تغنوها سوا”، وكانت أغنية آه يا قليبي، غنتها معه الفنانة فضيلة مقلة الشهيرة باسم سحر.

المؤكد بحسب الروايتين أن الملحن السوري ومدير الإذاعة شاكر بريخان اكتشف صوت فهد ولحّن له دويتو آه ياقليبي الذي غناه مع سحر عام ١٩٥٤ أو ١٩٥٥.

تدربوا على الأغنية وفي غضون يومين سجلوها وغنوها في الحفلة التي قدمها عبد اللطيف فتحي بقوله: “والآن مع أغنية ثنائية، المطربة سحر ومعها الشاب الصاعد فهد بلان.” نزل فهد من الكورس ليغني مع سحر، وغنوا الأغنية ثلاث مرات، حينها رأى الجمهور شابًا ملفتًا بهيئة بدوية جذابة، يغني شيئًا مختلفًا عما يسمعونه عادة.

في الأغنية، بعد تصريح الاثنين بحبهما يستنكر فهد بنبرة هادئة:

“وليش ماعم يوافق ابوكي، وانا حكيت بالموضوع ابوكي” 

ليضحك الجمهور ويتحول الدويتو إلى مشهد مسرحي، ثم يدخل شخص ثالث يسأل “صبحا”:

“مالك يا صبحا ساكتة ما تنطقي؟ قولي شو قال لأمك أبوكي.”

لفت ذلك الحوار الغنائي الساخر باللهجة البدوية الجمهور وراق لهم، كما اتسق مظهر فهد وملامحه مع الدور، ما دفع كثيرًا من المنتجين والمخرجين لاحقًا لدعوته ليمثل شخصيات بدوية وقروية في عدة أفلام، مثل فيلم القاهرون  ١٩٦٧ مع سميرة توفيق.

مطرب الرجولة

تقول الفنانة لبلبة في لقاء متلفز مع قناة تلفزيون سوريا الثانية: “فهد بلان كان عنده شخصية وكاركتر جديد، وحركاته كانت جديدة بالنسبة للشعب المصري. وقت ما طلع فهد بلان كان كل المطربين رفيعين، زي عبد الحليم، بيحبوا بيقعوا ف الحب بيسهرو الليالي بيناجوا القمر. فهد بلان كان فارع، جسمه زي القبضاي فتوة بيقولوا عندنا، بصوت جبلي جميل. كان حاجة جديدة الناس حبته ومن أول طلعة له كان نجاح غريب … ما طلعش قال البُعد والحُب والهجر والسنين اللي عذبتني، لأ. طلع قال: روح يا نسيم لأرضها، سلملي عاللي بحبها.”

لحّن سهيل عرفة لفهد بضعة أغانٍ في حلب، سجلاها في الإذاعة لكن لم تحقق أي نجاح يذكر، إلى أن سجل مع شاكر بريخان آه يا قليبي وبدأ يدرك شخصيته الفنية التي ستُصقل مع الوقت وتصنع له نجاحًا. يروي سهيل عرفة في حوار مع معين العماطوري: “جاء فهد إلى محلّي في السنجقدار و أسمعني أغنيات شعبية من تراث اليمن مثل بنات المكلا وجس الطبيب، وطلب مني أن أضع لهما إخراجًا موسيقيًا، لكنني رفضت أن أكون متفرغًا لشخص واحد حتى لو كان صديقي.”

بعد أن لحّن عبد الفتاح سكر الأغاني التي طلبها فهد من التراث اليمني، بنات المكلا وجس الطبيب، التي أضاف لها الشاعر الغنائي عمر الحلبي بعض التعديلات على الكوبليهات، من ثم أغنية لركب حدك يالموتور من كلمات رفعت العاقل التي نجحت نجاحًا باهرًا، قدم سهيل عرفة أغنية بالأمس كانت تهوى وجودي من كلمات عمر الحلبي إلى فهد. تقول الأغنية: 

بالأمس كانت تهوى وجودي / واليوم صارت تنسى وعودي
يا ويلها ماذا بها / أتظنني عبدًا لها
أنا لن تهون رجولتي / خابت ظنون دليلتي

ربما كانت من المرات النادرة وقتها التي يغني فيها رجل بصوت محبوب لا تهون عليه كرامته ورجولته في الحب، ويأبى أن يكون “عبدًا” للمحبوبة، بل ويعاند قلبه الذي “يحنو لها” لكن “فوق الغرام كرامتي.”

عندما دعا نجيب حنكش فهد بلان إلى برنامجه الإذاعي الشهير ألوان وطلب منه الغناء غنى بالأمس كانت، وتيمنًا بكلمات الأغنية صاح نجيب حنكش قائلًا: “أنت يا فهد بحق مطرب الرجولة.” من هنا التصق اللقب بفهد ورافقه طيلة حياته؛ ولأن مشروع بلان وسكر تبنّى أغاني تراث الجنوب السوري، ساهمت المفردات في المنطقة في رفد مشروع مطرب الرجولة بالدعم الكافي، فغنى “أنا صياد شارد في البراري”،  مستحضرَا صورة الرجل الذي كان عليه، الذي ترك القهوة ومحماسها في مضافته الواسعة في السويداء وطار نحو دمشق وبيروت والقاهرة، ونظر إلى الضيعة من أعلى، لكنه في السطور التالية وكأنما يعيد تشكيل الرومانسية والهشاشة التي يضعنا مأزق الحب فيها لكن من منظور الرجل القوي من الخارج و”الحنين” من الداخل فيقول:

رمشك والعين ع قليبي هجموا سوية / دربك من وين يا حلوة يا صبية
واصطادوني ياويلي وويل عيوني / وقلبي حب والهوى مش خطية

في مفارقة يبرزها ليس فقط من خلال الكلام بل من خلال الأداء الصوتي، فهو الصياد الماهر الذي نالت منه وصادته عيون المحبوبة، لذا يبتسم حين يقول “يا حلوة يا صبية” ويرق صوته.

في شخصياته السينمائية مثًل فهد صورة الفلاح الذي يحرث أرضه بساعده، ففي فيلم عقد اللولو يغني مع صباح:

أنا فلاح وزنودي قوية / بلادي كتير متكلة علي
المثل قال الفلاح مكفي / بيبقى بضيعته سلطان مخفي
وكل الناس بوجوده غنية / أنا فلاح وزنودي قوية

في عدة مقابلات تحدث فهد عن نشأته الجبلية الفقيرة، فلاحيته التي اعتز بها رغم أنه لم يمسك محراثًا بيده كما فعل والده، وشدد كثيرون ممن تحدثوا معه – أو عنه – على هذه الخلفية. قد يقول بعض المستمعين إن بلان لم يسعه سوى أن يكون الفلاح نفسه، وكأن فلّاحيّته سمة لا يمكنه التخلص منها، وحاول كثيرون الاستخفاف بها واعتبارها مأزقًا لا مفر منه؛ إلا أن فهد، بكل تلقائيته وعفويته، أدرك أن مرجعياته المحملة بالكثير من القيم والاعتبارات يمكن أن تكون نقطة قوة. إذ تتطلب مقامرة صناعة شخصية كهذه في زمن الكرافتات جرأة عالية، ومشروعًا مدروسًا، كللته تسمية مطرب الرجولة بالنجاح. 

ضبطت لمسة أخيرة إيقاع مشروع مزاوجة الغناء الشعبي والتقليدي، لصناعة أغنية ضاربة متوازنة ما بين التحديث وأصالة الغناء العربي، وهي خبرة عبد الفتاح سكر. استطاع سكر التقاط طرف الخيط لهذا المشروع، فنجد مثلًا في لركب حدك يالموتور، ذات الموضوع الشعبي البسيط يبدأ بموال عتابا:

غيابك يا قمر للجسم خلخل / شرابي عالفراق كتير خلخل
طول الوقت بسمع صوت خلخال / اللي بقدمكم هلني هل عالغياب
يابا يابا يااي يابا ياي

وفي نسخ أخرى:

يا حليوة يا حليوة حاكميني وانصفي / وادفعي شرط المحبة وانصفي
نذرًا علي إن راق كاسي وإن صفي / لَابني لك جوات قلبي مسكنا

استطاع الموال في البداية أن يشد المستمع، نال ثقته، أمسك بيده وأخذه إلى الجديد، ثم قال:

لركب حدك يا الموتور / ركب الطيارة غية
وشوف الضيعة من البللور / وشاور لك يا البنية
لاطير وعلي، علًي فوق / وتمرح من حدي الغيمات

هنا يخيل لنا أن فهد بلان يتحدث عن نفسه، طائرًا في الجو، بطلًا من زمانه.

حاول آخرون مثل شفيق نعمة إطلاق لقب بعبع الغناء عليه، ذلك لأن مشروعه الفني الجديد شكّل حالة رعب للفنانين الكلاسيكيين وقتها، لكنه نجح في استثمار لقب الرجولة وإبعاد لقب البعبع عن اسمه.

اختلط فهد بالفنانين وقدّر تجاربهم متواضعًا أمامها، ودعاهم إلى منزله وحفلاته الباذخة، كما غنى ألحان عمالقتهم مثل سيد مكاوي فحصل على بركته، وحصل على بركة فريد الأطرش وبضعة ألحان منه؛ رغم أنه في اللقاء الأول مع فريد، وحين كان فهد لا يزال في سوريا في الإذاعة، قال له فريد:”أرجوك ابعد عن سكتي.” قصد بسكّته لونه الغنائي، وهذا بالضبط ما فعله فهد، مع أنه أحب أغاني فريد كثيرًا، لكنه فهم أن تلك “السكة” ليست له. كان متواضعًا يعرف إمكاناته، وذكيًا كفاية لتوظيفها في السكة الصحيحة، في الأداء والموضوعات والشخصية الفنية التي قدمها للعالم.

يقول ابن أخيه عنه إن الغناء في الأعراس منذ الطفولة علّمه كيف يطلق العنان ويفتح صوته على مداه (مساحة أوكتافين)، وصقلت حضوره سنوات العمل في الملاهي الليلية وحفلات الجيش التي كان الضباط يستدعونه ليغني فيها مقابل امتيازات زهيدة في سنوات الخدمة كطعام مجاني وسواه. تعلّم فهد الانضباط في أغنيته وهذّب كورس الإذاعة صوته القوي وفتح له مجالات من خلال الاحتكاك بالوسط الفني الذي كانت الإذاعة حاضنته.

لم تكن الأغنية الشعبية السورية وحدها التي غناها بلان في مسيرته الفنية، فحين وضع القاهرة نصب عينيه كهدف جديد، أراد الوصول إليها من خلال مفرداتها، لذلك حين دُعي للغناء في حفل أضواء المدينة، استعان بعبد الجليل وهبي ليكتب له كوبليهات جديدة لمذهب سلم علي لما قابلني؛ وهي أغنية فلكلورية من الصعيد. سمعناها لأول مرة مع ليلى مراد في فيلم الماضي المجهول ولحنها لها سيد مكاوي. تقول الأغنية في نسخة ليلى مراد:

سلم علي لما قابلني وسلم علي
يا ولدي يا ولدي سلم علي
فايتة العروسة على جنينة / الورد قالها يا زينة / لون الخدود غالي علينا
حبيبي
ياعاشق الورد وحسنه / دا الورد مايل على غصنه / ما تهني قلبك بمحاسنه
حبيبي

أما في نسخة فهد بلان:

سلم علي لما قابلني وسلم علي
يا ولدي يا ولدي سلم علي
سلم سلام عاشق ملهوف خايف / عيون حساده تشوف / واني قلت له عالمكشوف
انت حبيبي
أصل الغرام جديد علي / وأنا اللي مدري عنه شي / وحدك حبيبي ونور عيني
يا حبيبي

تشير عدة مصادر إلى أن بليغ حمدي هو من لحّن هذه الأغنية لفهد، لكن في الواقع، لم يكن فهد قد تعرف بعد على بليغ، وما كان ملحن الست ليقبل بتلحين أغنية لفنان ما قبل وصوله إلى مصر وإثبات جدارته للحصول على اللحن، مع أن بليغ حمدي بالفعل لحن نسختين من هذه الأغنية، مرة لليلى مراد ومرة لنجاة الصغيرة؛ وربما يكون هذا سبب اللغط. لم يلحن بليغ لفهد سوى ثلاثة أغانٍ وهي من غير ميعاد وبحري الهوى وعلى كفي، وجميعها لم تحظ بشهرة واسعة لأنها لا تشبه شخصية بلان بل أقرب إلى الشخصية الكلاسيكية في الأغنية الدارجة حينها. أما الأغاني التي أخذها فهد عن فلكلور البلاد العربية مثل يا بنات المكلا من تراث اليمن ويابو الطاقية الشبيكة عن تراث الصعيد أيضًا، فقد عبرت عنه بالفعل وعن قدراته الفنية في تحويل الأغنية الشعبية إلى أغنية دارجة على كل لسان، وسحب تلك الأغاني وتحديدًا السورية منها من الظلال التي اختبأت فيها إلى أضواء المسارح.

كانت من علامات ذكاء فهد وقتها أيضًا الانسجام مع المناخ الوطني السائد، فبدأ بأغنية يا بطل الأحرار من تلحين سهيل عرفة. جرى تسجيلها في إذاعة دمشق وظلت طي النسيان، ووجدنا منها مقطعًا في وثائقي عن الأغنية السياسية. يتحدث سهيل عرفة عن الأغنية التي ألفها احتفالًا بالوحدة وقدمها لفهد بلان، وكانت أولى أغنياته، كتب كلماتها راشد الشيخ وتقول اللازمة:

يا بطل الأحرار / يا مكلل بالغار

بالرغم من أننا لا نستطيع سماع الأغنية كاملة، إلا أنه باستطاعتنا أخذ لمحة عن اللحن وأداء بلان.

لعلّ أجمل الاغاني الوطنية لفهد بلان كانت أغنية ويلك يلي تعادينا من كلمات عبد الجليل وهبي وألحان فيلمون وهبي، غناها في فيلم القاهرون عام ١٩٦٦ أي قبل عام على نكسة حزيران، ثم غناها في حفلاته اللاحقة في الأقطار العربية وأشهرها في حفل في الجزائر بدعوة من وزارة الثقافة الجزائرية. يؤكد سميعة فهد على محبته للجزائريين، فيدعون أن فرسان الأمير عبد القادر الجزائري تدربوا على المبارزة بالسيف عند أبناء السويداء، وكلا الشعبين حاربا الاستعمار الفرنسي بضراوة؛ فيعتزّ أبناء السويداء بقيادتهم الثورة السورية الكبرى كما تعتز الجزائر بثورتها ذات المليون شهيد.

تقول الأغنية:

ويلك ياللي تعادينا ويلك يا ويل / شبه النار تلاقينا بظلام الليل
حنا للسيف للسيف / وحنا للضيف للضيف
وحنا الليل والخيل يا ويل يا ويل

نجد أن الأغنية تحمل مفردات الجبل بلون فهد بلان وشخصيته الفنية. داومت إذاعات عربية مختلفة على بثّ الأغنية في مناسبات وطنية مختلفة، ويتذّكر السميعة سماعها لأول مرة في النكسة، بعد ذلك في حرب أكتوبر وحرب العراق وإيران.

مع ذلك، كثيرة هي أغاني فهد التي لا نجدها اليوم على منصات الموسيقى أو اليوتيوب. بقيت بعض التسجيلات في إذاعة دمشق وطواها النسيان، ولا يزال البعض الآخر في أدراج السميعة القدماء الذين احتفظوا بأشرطة كاسيت له. كما تحتفظ مبادرة أرشيف الكاسيت السوري ببضعة أشرطة للفنان؛ منها أغنية مرت قالت التي يعتقد أنها من تلحين عبد الفتاح سكر، أما المؤلف غير معروف، ويُحتمل أن تكون الكلمات من الفلكلور الجبلي.

كيف ضاع درب فهد

ماذا حدث في آخر أيامه؟ راودني هذا السؤال كثيرًا أثناء بحثي، لماذا لم ينل فهد الخلود الذي ناله صباح فخري؟ بالرغم من أن فهد نقل الموسيقى السورية إلى مكان استطعنا فيه القول أن هنالك أغنية سورية.

كانت هنالك محاولات استقلال موسيقي تلت استقلال الأقطار العربية عن مستعمريها، بمعنى أن الأقطار العربية حاولت – إما من خلال الانظمة أو من خلال النخب الثقافية – أن تجد هويتها وما يميزها عن جيرانها من خلال التفرد الموسيقي. إلا أن سوريا التي استقلت في أواخر الحرب العالمية الثانية تمسكت بقضية الوحدة العربية.

بحسب الباحث فادي العبد الله في مقاله، كيف أثّرَ المسار السياسي على الهوية الموسيقية للدول العربية الناشئة،  تأخر المسار الوطني السوري بسبب الأيديولوجيا العروبية، فاعتبرت النخب سوريا قلب العروبة النابض، وحملت على عاتقها مشروع الوحدة العربية حتى قبل وصول حزب البعث إلى السلطة. نجد هذا التكريس في اندفاع سوريا نحو تجربة الوحدة مع مصر أواخر الخمسينات، وتبعات هذه التجربة، بالإضافة لانعدام الاستقرار السياسي بعدها، ما أثر بالضرورة على مسألة الهوية. يقول فادي العبد الله: “انحسر تمثيل غناء الأطراف كالجزيرة أو اللاذقية إلى عرض شبه كاريكاتوري في زنزانة في مشهد تمثيلي، أو تم تغييبها تمامًا لأسباب أيديولوجية كحال الأكراد. في حين اعتُبرت الموشحات الحلبية إرثًا عربيًا عامًا وقُدِّمَت كعنصر أثري من التاريخ، يرتدي مؤدوها العمائم والعباءات اللا تاريخية بألوان فاقعة مزركشة.” 

رغم مجهود إذاعتي دمشق وحلب على صعيد الإنتاج الموسيقي من خلال برامج الهواة وإفساح المجال للمواهب الجديدة، إلا أن الإذاعة تحولت بفعل النظام البعثي إلى أداة تعبئة؛ ما أدى لاحقًا إلى احتكارها الإنتاج الموسيقي وتفضيل فنانين عن آخرين. ظلًت الإذاعة والتلفزيون مصدر الموسيقى الوحيد – المحكوم من قبل الدولة – إلى أن ظهر الكاسيت وأفسح مجالًا للعوام لتسجيل أغانيهم وأغاني الفنانين وتداولها بحرية، إلى حد ما.

سطع نجم فهد بقوة في سنواته الأولى في مصر، وبعد عودته إلى سوريا كانت الظروف السياسية تغيرت بشكل واضح، فكانت مرحلة ما بعد النكسة مرحلة متعثرة أفرزت حركة إنتاج موسيقي وطني-قومي عروبي يبحث عن بقايا مشروع هوية ناشئ نسفه طيران العدو. واكب فهد متطلبات المرحلة عن طريق عدة أغاني مثل ويلك يلي تعادينا وقدس العرب وغيرها، لكن لم تكن تبعات النكسة والظروف السياسية هي التي عطلت أعمال فهد في القاهرة.

تتضارب الروايات عن تلك المرحلة وعما دفع فهد إلى العودة إلى سوريا بعد أن وصل إلى حلمه وقبلة الموسيقى العربية، فيقال أن حافظ الأسد استدعاه بشكل غير مباشر، ويقال إن فهد تعرض لتهديدات من قبل فنانين وجدوا في مسيرته تهديدًا لأعمالهم، خاصةً بعد أن خُصصت له ثلث ساعة من حفله الأول في مصر تحولت إلى ساعة ونصف نتيجة شدّة هتاف الجمهور له.

تظل أبرز الآراء هي التي صدرت عن نقّاد تلك الفترة، مثل الناقد المصري كمال النجمي الذي نعت بلان بـ مطرب الهاهات وشن عليه حملة نقدية. تجادل كثيرون حول “هاهات” بلان، لكن ذاك الجدل كان سلاحًا ذا حدين، زاد شهرته في مكان وقلل منه في مكان آخر.

أجاد فهد لعبة تحدي النقاد فلا يمكننا الجزم أن نقدًا لاذعًا قد يدفعه لترك مصر، فهو نفسه حين فشل فيلمه حبيبة الكل مع صباح في لبنان اشترى سيارة رولز رايس فارهة بـ ٦٠ ألف ليرة لبنانية، فذاع صيت السيارة وصاحبها مما غطّى على فشل الفيلم. خطةٌ اعترف بها بلان في إحدى مقابلاته مع ليلى رستم، مقرًّا: “الفنان لازم يكون ذكي.”

يروي عماد بلان عن تجربة عمه: “مشكلته ما كان عنده مدير أعمال، كان هو يدير أعماله، ضيع على حاله فرص وضيّع أموال كتير، ما كان يعرف شو فيه بجيبته مصاري.” لذا، حين قلّت فرص الغناء في مصر واشتدت المنافسة وزادت التهديدات واندلعت مواجهات تشرين / أكتوبر، قرر فناننا العودة إلى سوريا.

يجدر بنا الإشارة الى أن تعاون بلان-سكر توقف ما إن قرر فهد البقاء في مصر وقبول ألحان كبارها مثل سيد مكاوي وبليغ حمدي وخالد الأمير، ما جعل طرق الاثنين تفترق، ولا ندري إن كان الفراق على مودة أم بغضاء، لكنه حدث. لم يلحن سكر أيًا من أغاني فهد بعد ذلك، حتى حين عاد إلى سوريا؛ وعندها تعرف على ابن السويداء الملحن سعدو الذيب. لكن ألحان سعدو، بالرغم من رواجها داخل سوريا، لم تثر اهتمام السميعة في الخارج، ما قد يكون ساهم في خبوّ نجم فهد.

لم يستطع سعدو أن يفهم خصوصية بلان، وظنّ أن النمط الشعبي البسيط سيكفي، بل وربما نظر إلى فهد كفنان عظيم سيرفع مسيرته هو، وكثيرًا ما استعان به في التلحين.

غنى فهد بلان لحافظ وباسل الأسد، وللحلم القومي البعثي، لكن شيئًا ما في سيرته الذاتية لم يجعل الدولة تروج له كسفير للأغنية السورية، رغم تقلده مناصبًا في نقابة الفنانين، وتأسيسه فرع النقابة في السويداء، حيث استقر أخيرًا في مزرعته. ربما لأنه مال للمزاج الشعبي الريفي والبدوي، ولأنه غنى مفردات الريف لم يجد سبيله إلى النخب السورية التي وصمته بقرويته. هنا يكمن الخلل الحقيقي، في النخب التي تشكّلت بعد تمسك البعث بالحكم وسيطرته على كافة جوانب الحياة في سوريا، وخصوصًا الموسيقية منها عبر الأغاني التي مجدت الحزب والنضال في سبيل تحقيق القومية والاشتراكية.

قدّم فهد بلان برفقة الملحن الكبير عبد الفتاح سكر أهازيج ولون ومفردات الجنوب السوري إلى الجمهور العربي بلون موسيقي غير متكلف بكلماته وموضوعاته، وخاطب الجمهور بلغة لم يعرف أنه افتقدها إلا حين سمعها من حنجرة بلّان، بعفوية لا تخلو من سوية موسيقية عالية في التلحين والتوزيع وفي خامة صوت فهد التي تنتقل من القرار إلى الجواب بسلاسة لا مثيل لها. لهذا السبب نتجرأ ونسمي بلان رائد الأغنية السورية، التي تشبه منحوتة طينية غير مكتملة الملامح، وضع بلان عجينتها الأولى وشكّل ملامحها من خياله، وظلّت مشروعًا يدنو منه كثيرون؛ وكمن ينحت وجهًا دون مرجع، ظلت الأغنية السورية بلا وجه مميز، وما زالت تنتظر ملامح هويتها.

رغم المآلات الظالمة التي انتهت إليها مسيرة فهد، كان يعلم علم اليقين أنه قدم الأغنية السورية إلى العالم، الأغنية التي ما زالت تتخبط بحثًا عن هويتها المشتتة نفسها ما بين سوريا الكبرى وسوريا سايكس-بيكو، إلى يومنا هذا، وهو الأمر الطبيعي بالنسبة لبلد محكوم بلعنة الجغرافيا والتاريخ.


المراجع

مقابلة الكاتبة مع عماد غالب بلان، ابن أخي فهد بلان.

كتاب فهد بلان الفنان والإنسان  لـ معين حمد العماطوري.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف