بتذكر شو مشينا | عصر البلوتوث في ذاكرة البوب الشامي

الملفات - كتابة: عبد الهادي بازرباشي - ٢٠٢٦/٠١/١٥
بتذكر شو مشينا | عصر البلوتوث في ذاكرة البوب الشامي
تحميل...

في ٢٩ نيسان من عام ٢٠٠٩ وقع حادث سير مأساوي في إحدى قرى لبنان، رسم ذروة ظاهرة موسيقية منسيّة ومؤثّرة على صعيد بلاد الشام وبالأخص سوريا، عصر البلوتوث. أصبحت الفتاة ذات الـ ١٩ عامًا التي أودى الحادث بحياتها أيقونة ملحمة رومانسية في خيالات الملايين بفضل الأغنية التي خلدت اسمها، بيسان ، وانتشرت على أمواج البلوتوث كالنار.

حتى اليوم لم يصوَّر فيديو للأغنية ولا تبنتها أو تبنت مغنيها شركة إنتاج كبرى وأدرجتها ضمن ألبوم، لكن ما زالت نسخها المختلفة على يوتيوب تجمع ملايين المشاهدات حتى اليوم، يأتي معظمهم إليها ملبّين نداء الذكرى، ومؤكّدين بعد عقد ونصف أن البلوتوث كان لبضع سنواتٍ ما، خاطفة ومجيدة، أحد أهم منصات البوب.

كانت “حدد وابعات” من أساسيات لقاءات الأصدقاء والأقارب والساعين إلى التعارف و”تطبيق البنات”، أي لفت نظرهن وجذبهن. قم بتحديد كل ما تعتبره يستحق المشاركة، من موسيقى ونكات وفيديوهات طريفة ورنّات، وأرسلها ليستغرق الآخر وقته في الاطلاع عليها، أو تصفحها، ويبقي ما يعجبه ويخبرك برأيه وتجدا بالنتيجة الكثير للحديث عنه، لتقارب الذائقة أو تباعدها.

أيضًا، هناك التعارف فقط عبر موجات البلوتوث، بين الجيران أو طلاب المدرسة أو رواد المقاهي أو حتى المتسوقين في المولات، حيث تُبقي البلوتوث جاهزّأ للتلقي ويصلك ملف ما معنوَن برقم المرسل، ويعتمد احتمال اتصالك بالرقم من عدمه على مدى إعجابك بمحتوى الملف. انفرد البلوتوث بهذا النوع من التأثير على طرق تلاقي الناس غير التقليدية.

يمكنك أن ترسل “حبيبي النهاردا لازم تعرف / حبك عامللي جنان”، إحدى أشهر الرنات، التي أصبحت حالات واتس لاحقًا، بصوت تامر حسني، أو “بدي حبك شو قلتي؟” لـ ملحم زين، وقد تستقبل بفضلها مكالمة، تأمل أنها من متصلة لا متصل. أما إن نقّبت أكثر عن غير الرائج وقتها، مثل “حلف القمر يمين وقللي / يا حلوة ساعة ما شافك / في الحسن لا بعدك ولا قبلك”، وكنت محظوظًا بما يكفي لتكون من أول من أعادوا رواج الأغنية، زادت احتمالية استقبال المكالمة المأمولة. كذلك الأمر لو ذهبت باتجاه أغنية حديثة وغير منتشرة بعد، مثبتًا أنك سمّيع وأنك بذلت جهدًا في اختيار ما تعبّر من خلاله، مثل على بالي لـ آدم، لو حبنا غلطة لـ وائل كفوري، شو سهل الحكي لـ رويدا عطية، أو العشرات من أغاني فضل شاكر.

“معلّم إذا سمّعتك مقطع من غنّيّة بتطلّعلي ياها؟” من أكثر الجمل التي ترددت على أذني خلال خمس سنوات بين ٢٠٠٨ و٢٠١٢، قضيت فيها يومَين لثلاثة من كل أسبوع في محل أخي لبيع السي دي والدي في دي والكاسيتات. حيث تشظّت الأغنية إلى رنّات للدخول في الموضوع مباشرةً: “أنا ما بدي تقللي كلام يدوب قلبي حنين وغرام” و”حبك وجع بعده معي” و”ليلة الـ إلبسلك الأبيض” و”كل القصايد من حلا عينيكي” … إلخ. لكن لأن الأغاني لم تكن تُصنع بعد مع أخذ هذه النقطة في عين الاعتبار، ولأن الناس كانوا ما يزالون يثمّنون الاحتفاظ بأغنية، كان ينتج عن الانجذاب لرنّة البحث عن الأغنية الأصل واقتناؤها.

انطبق الأمر ذاته على العديد من الأغاني الأجنبية من الثمانينات والتسعينات التي أعيد اكتشافها مع مشاع البلوتوث، مثل سوليداد وإندلس لف وشو مي ذَ مينينج، وأغاني مارك أنتوني وإنريكي إيجليسياس، التي أكسبت العديد من الفرق والفنانين جماهيرًا جديدة ومخلصة لهم حتى اليوم بفضل الذكرى، حتى لو اكتشفوهم في وقت أفولهم كما في حالة ثنائي تاتو.

يمكن اعتبار حقبة الرنات تيك توكًا مبكّرًا، حيث المصادر غير محدودة بزمن أو بلد إصدار أو مستوى معين من الشهرة، فيعاد إحياء الكلاسيكيات مثل قال جاني بعد يومين وحلف القمر وتنضم إليها أخرى مثل والتقينا بشقرا وكل يوم نقول اليوم وشيٍّ غريب، وتنال شارات المسلسلات، إحدى أهم منصات الموسيقى الرائجة في بلاد الشام، الانتشار والتوثيق الذي تستحقه. إذ لطالما كانت الشارات حاملًا رسميًا لذاكرة مشتركة، ولطالما عانت من جودة صوت كارثية تشبه ضبابية تلك الذاكرة، لعدم الاهتمام بإصدارها بشكل رسمي بجودة عالية، لكن مع البلوتوث تكفّل الجمهور الذي يسجل من تلفزيوناته على الإم بي فور بذلك، وأصبحت تسمع رنات “ألا حبذا حبيبٌ تحمّلت منه الأذى” و”شو ذنبي إذا بتهواني / وأنا محتارة بهواك” و”دوّارة الأيام حدّي“، أو شارة المسلسل التركي سنوات الضياع، بنسختيها الأصلية والمعرّبة. يضاف إلى ذلك طبعًا شارات الكرتون الخالدة، مثل عهد الأصدقاء وريمي وهزيم الرعد وصقور الأرض.

نفهم أهمية ذلك حين نستوعب صعوبة تحديد ما يعنيه مصطلح موسيقى البوب السورية في هذا الوقت، وكون شارات المسلسلات هي النوع الأقرب للطابع الذي توحي به الجملة. لذا اكتشف جيلٌ جديد صوت ميادة بسيليس كأحد أصوات البوب السوري، ومن شاراتها لمسلسلات أمهات وأبناء القهر وحنين تتبعوا نتاجها خارج المسلسلات، وانفجرت شعبية أغنية كذبك حلو مرة أخرى بعد عقد من صدورها. كذلك مع هذه السهولة الجديدة في الانتشار تشجّع نجوم برامج مسابقات المواهب لكسب الجمهور السوري وبالنتيجة جمهور بلاد الشام كاملةً من خلال الشارات، فغنى فيها ملحم زين ورويدا عطية وهادي أسود ومحمد المجذوب، وحتى كبار بوزن ميادة الحناوي وجورج وسوف انضموا للركب بعد أن ضمنوا حياةً أطول للشارات، وكسب الجميع من ذلك، على رأسهم ذاكرة ذلك الجيل. 

كان عصر الإهداء المجيد، والعصر الذي ازدهرت فيه الأغاني المنفردة وأصبحت سببًا إما في إطلاق مسيرات اعتمدت عليها لمحدودية الإنتاج، أو في استمرار مسيرات كادت تنتهي؛ أو في حالة نجوم بوزن وائل كفوري، نافذة جديدة لعمل ضربات سريعة ومحكمة تبقي اسمه حاضرًا حتى ما بين الألبومات. تلقفت موبايلات الملايين أغاني حكم القلب وحبك عذاب ولو حبنا غلطة لوائل لتصبح نجاحات فارقة في مسيرته دون فيديو كليب أو الاندراج ضمن ألبوم ضارب، ولتبدأ عشرات قصص الحب التي انتهت كما بدأت، بأغنية.

كان أيضًا عصر النسخ الجديدة من النجوم الأيقونيين التي ضللت الملايين، تلك أغنية لم تُسمع من قبل لجورج وسوف ليتضح أنها إما لا تنحني لوديع مراد وإما الحب المجنون أو قلبي مات لـ جورج الراسي، وآخرى مسربة لعمرو دياب لنكتشف أنها فاكر زمان لرامي صبري، وكذلك الأمر مع محمد فؤاد وفضل شاكر.

وجد كل هذا طريقه إلى عشرات السيديات التي “طبّقتها”، إذ كانت لم تزل مسجلات السي دي شائعة في السيارات والبيوت، ويريد كل زبون توليف مجموعة سيدياته الخاصة، واحد للسلطنة في سهرة على جبل قاسيون، آخر لجولات السيارة الليلية، سيدي للشعبيات الراقصة، وأخير مخصص لإبهار الآخرين بذائقته الانتقائية ونوادره؛ عدا عن سيديات الإهداء التي حلّت محل رسائل الحب المكتوبة باليد في زمنٍ أسبق، والتي تبقى ذكرى من كل علاقة انتهت بانفصالٍ أو فقد. بالطبع، سيل الأغاني المتدفقة عبر البلوتوث مصدر ممتاز لكل هذه السيديات وعلى رأسها النوادر، حتى إن كانت رنة يتعذر إيجاد أصلها، إذ تمنح شعورًا غامرًا بالإنجاز ما أن يُعثر عليه بفضل سمّيعٍ ما.

بقدر ما كان لهؤلاء السميعة والمؤرشفين فضل، بقدر ما أثارت موجة البلوتوث حفيظة جزء كبيرٍ منهم، إذ حطمت أبواب الكثير من المعابد التي تلذذوا بحراستها. خاصةً أنه، بطبيعة الحال، دخل البلوتوث بيننا بشكل أسرع وأسبق من الإنترنت، واستمر هذا الحال لبضع سنوات فارقة في مدى استعداد السمّيعة لتقديم ما يخبئونه طواعية، فطالما كسر البلوتوث الحصرية وانقضى الأمر، يمكنهم أن يبادروا بالنشر على الإنترنت باسمهم ويتمتعوا بالسبق على الأقل.

أيضًا، تزامن صعود البلوتوث مع صعود الفضائيات، ففُتحت أبواب توسيع خيارات الاستماع على مصراعيها خارج المؤسسات الرسمية، وحصلت الأغاني الشعبية السورية وأخيرًا على منصات وقنوات انتشار لا تتعالى عليها؛ وإن بقي تعالي المجتمع الذي يرفض هذه الأغاني لدى الحديث عنها، بينما تتصدر كل حفلات الأعراس وسهرات المطاعم والجمعات العائلية، من خمس صبايا لوفيق حبيب إلى غرفة عمليات وجمهورية قلبي لمحمد إسكندر إلى غلاك لربيع الأسمر، وقنبلة طلال الداعور، هاجر.

كما تزامن ذلك مع غزو العراق ودخول أعداد كبيرة من العراقيين إلى سوريا، حاملين معهم أرشيفًا صوتيًا غنيًا وجذابًا حوّل أسماء مثل حسام الرسام، صاحب يمّه قرصتني عقربة، إلى أحد المطربين الأكثر انتشارًا في الشارع السوري، وأسهم في صعود أغنيات شعبية ذات طابع مشابه للعراقي، مثل بس اسمع مني التي لم تترك زاوية في بلاد الشام إلا وترددت فيها، حتى قبل أن تُعرف هوية مغنيتها سارية السواس.

طبعًا لم يخل الأمر من حضور قوي للأطراف غير الراضية عن تزايد سهولة انتشار الموسيقى، الذين قضوا عقودًا في محاربتها وتحريمها، لذا صعدت موجة مضادّة قوامها تسجيلات مثل “ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم” و”جاءت سكرة الموت بالحق”، و”أنا العبد الذي سطرت عليه / صحائف لم يخف فيها الرقيبا” ذات الفيديو كليب الذي يصلح ميمًا أيقونيًا اليوم. نافست هذه التسجيلات بالفعل الأغنيات الضاربة، لكن جميعهم في المحصّلة تواجدوا على نفس الهواتف.

اليوم يبدو زمن ازدهار البلوتوث وتأثيره سحيقًا، فيتذكر الناس بيسان ولا يتذكرون كيف سمعوا الأغنية، حتى وهم يعيدون سماعها اليوم على سماعات بلوتوث؛ ولا يعي من كانوا مراهقي ذلك الزمن أنهم أول جيل مراهقين استطاع، بغالبيته، حمل الموسيقى في جيبه. إذ اقتصر استخدام الووكمان على شريحة صغيرة وقتها معظمها من البالغين، بينما سرعان ما صارت الموبايلات في متناول الجميع تقريبًا، فتبلورت ثقافة المراهق الرومانسي الحزين الذي ندب فقد بيسان وكأنها حبه الأول، وقضى ساعات في سماع أحوالي ما تسرش وصار الحكي عن حبنا ممنوع.

ربما كذبت معظم قصص أغنية بيسان، فلا كان المغني حبيبها، ولا كان من طَلب منه أن يرثيها خطيبها، ولا مشهد التشييع التراجيدي الذي صوّرته هو مشهد الوداع الذي حدث في الواقع. لكن القرب الذي تطلّبه استقبال الأغنية عن طريق البلوتوث في ٢٠٠٩ ثم سماع قصتها من المرسل الشغوف حقيقيّ.

كان التفاعل مع ما تستقبله إما آنيًا، وإما مؤجلًا إلى أجلٍّ قريب تنتهي فيه من تصفح كل ما استقبلته، لذا حققت هذه الصورة المبكرة من التيكتوك تأثيرًا أعمق وأكثر ثباتًا في الذاكرة على صعيد الجمهور، وأقل دفعًا للاختزال على صعيد الصناعة، إذ بقي من المهم أن تكون الأغنية التي اقتُطعت منها رنة تستحق أن تُسمع كاملة. بالنتيجة اتسعت ذائقة أطياف شعوب بلاد الشام، وبالأخص سوريا التي سمع أبناؤها أنغام بعضهم واكتشفوا استساغةً شبه فطرية لما منعته عنهم رقابة المؤسسة الرسمية لعقود، وكأنهم، على صعيد الموسيقى على الأقل، طيفٌ واحد.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف