منشوفك ببيروت | برامج المواهب من ستوديو الفن إلى ذا فويس

الملفات - كتابة: ريم مرجي - ٢٠٢٦/٠١/١٥
منشوفك ببيروت | برامج المواهب من ستوديو الفن إلى ذا فويس
تحميل...

ما الذي سَحَرَنا كأطفال قبل أن نغدو مراهقين وجعلنا ننجذب إلى البوب العربي؟ تلك الأغنيات الرائجة التي كانت تقتحم غرفنا وجلساتنا العائلية، فنرقص عليها بلا توقّف أو كلل، ونردّدها بصوت عالٍ كل سهرة خميس أو مساء الجمعة. لم تكن الموسيقى مُتاحة بلمسة شاشة كما هي اليوم؛ إذ كان العثور على أغنية رائجة رحلة شاقة تبدأ بالاستماع إليها صدفةً على الراديو ونحن في المقعد الخلفي للسيارة في طريق عودتنا من المدرسة، أو عند مشاهدة مقطع عابر لها على التلفزيون.

كنا نردّد ما علق في أذهاننا من كلمات، وندوّنها على أقرب ورقة، أو حتى نسجّلها على ظهر دفتر التلفونات، في انتظار اليوم التالي لنسأل أصدقاءنا أو جيراننا: ما اسم هذه الأغنية؟ وهل هناك من سمعها؟ كانت علاقتنا بالموسيقى مبنية على الصدفة، وعلى رغبتنا في ملاحقتها. لذلك، لم تصلنا كل الأغاني؛ ما وصل إلينا وحُفِر في رؤوسنا كان إما جميلًا ومتفردًا بالفعل، أو ما كان مدعومًا بميزانيات ضخمة من شركات الإنتاج التي ضخت أموالًا طائلة لضمان زيادة فرصة أن نسمع الأغنية صدفة ونعثر عليها.

أذكر كم كان التلفزيون عنصرًا محوريًا في تعرّفنا على لبنان كبلد، قبل الإنترنت وقبل سهولة الوصول. بعد فيروز، كان أول اسم فعلي يربطني بلبنان هو طوني أبي جودة، مقدّم برنامج يا ليل يا عين. من خلال هذا البرنامج حفظتُ معظم أغاني البوب، وحتى بعض الكلاسيكيات، دون أن أفهم قصصها أو سياقها.

بدأ بث يا ليل يا عين أواخر التسعينات، واستمر حتى ٢٠٠٦. كنا في كل ليلة خميس نجلس أنا وإخوتي أمام التلفزيون، نتوسّل أمي السماح لنا بالسهر قليلًا فقط للمشاهدة. هنا، لا بد أن أذكر هوس أبي وأمي بمشاهدة التلفزيون، والذي أثر لاحقًا على علاقتنا كأطفال وجعلنا نكتسب هذا الحس الإدماني تجاهه. في المدرسة مثلًا، كنتُ أعتقد أن أغلب زملائي يشاهدون مس ليبانون بنفس الشغف، فأذهب في اليوم التالي بحماس واضح، لأكتشف أن عددًا قليلًا فقط كان يتابع الحفلة أو يعرف تفاصيلها.

أحد أهم العناصر التي عززت شغفنا واندفاعنا تجاه الموسيقى آنذاك هو عامل الوقت. كان علينا الانتظار ما يقارب ثماني ساعات على الأقل قبل أن نتمكن من مناقشة أغنية أو تكوين رأي حولها. منحنا هذا الانتظار مساحة كافية لإعادة التفكير بما شاهدناه وترتيب أفكارنا، حتى وإن كنا صغارًا لا نعرف معنى كلمة معايير بشكل دقيق.

كان يا ليل يا عين ذلك البرنامج الصاخب الذي تعرّفت من خلاله على معنى كلمة إيقاع، ومنه بدأت علاقتي بثقافة البوب. من هم في مثل جيلي أو قريبون منه، وأعني مواليد الثمانينات والتسعينات، يعرفون تمامًا عمّا أتحدث: حواجب رفيعة جدًا، شعر مفرود ناعم أو كيرلي، ملابس ضيقة، بناطيل خصر ساحل، مكياج عيون حاد، وخامات لامعة كالجلد أو الملامس البراقة التي تتلألأ تحت الإضاءة. كانت ثقافة يغمرها الصخب والغنج واللهو والضحك والرقص، ولم يكن مفهوم العيب قد اكتسب بعد شكله الحالي أو حدته التي نعرفها اليوم.

كانت تمثّل هذه الملامح بوضوح المذيعات والمقدّمات في قناة إل بي سي (المؤسسة اللبنانية للإرسال)، اللواتي كن يفتتحن مقدمة الحلقة بابتسامة آخاذة، تليها شاشة سوداء تحمل عبارة: “المؤسسة اللبنانية للإرسال إنترناسيونال والفضائية اللبنانية تقدّمان”، ثم يعلو الصوت المشهور: “يا ليل يا عين، الليلة بدنا نسهر، نغني، نرقص، نهيص، الليلة بدنا نولّعها”، قبل أن تبدأ أغنية “ليل ليل يا ليل يا ليل”.

تزامنت الأغنية مع مشاهد الراقصات اللواتي يرتدين زيًا موحدًا ويؤدّين رقصة جماعية بحيوية على المسرح الدائري، وسط تصفيق حار من الجمهور، ومع ظهور الضيوف الذين يدخلون واحدًا تلو الآخر، مع تعريف بسيط عن كل منهم، ليجلسوا على شكل حلقة حول المسرح. أحيط كل ذلك بأضواء سريعة، لامعة، ما زالت واضحة في ذاكرتي حتى اليوم.

أسرد كل هذه التفاصيل كما حفظتها، قبل أن أعرف لاحقًا أن هذا العالم البرّاق لم يولد في لبنان، بل كان نسخة منقّحة من برنامج لا فيورور دو سامدي سوار الفرنسي، الذي كان يقدّمه آرثر على القناة الفرنسية في منتصف التسعينات، ويُترجم اسمه حرفيًا إلى جنون ليلة السبت . اشترت المؤسسة اللبنانية للإرسال حقوق إنتاج البرنامج، وأسندت مهمة الإعداد إلى جنان ملاط، التي استطاعت إعادة صياغته بما يتناسب مع الذوق العربي، دون التخلي عن البريق الأساسي الذي ميّز النسخة الفرنسية.

تبدأ كل حلقة بتعريف المقدّمين بالضيوف، ثم تنطلق فقرات المسابقات. ما ميّز يا ليل يا عين هو تنوع ضيوفه؛ فالمشهد لم ينحصر بالمغنين فقط، بل ضم ممثلين وملكات جمال ومقدمي برامج وملحنين وخريجي ستوديو الفن واختصاصيي تغذية ومدربين رياضيين ومصوري نجوم. لكل واحد منهم مساحة معروفة في عالم المشاهير؛ ما أعطى البرنامج طابعًا متنوعًا وجاذبًا.

تتعدّد فقرات البرنامج، لكن الفقرة التي شكّلت قلبه، وكنّا ننتظرها بترقّب حقيقي، هي التي تُعرض فيها مجموعة أغنيات ويبدأ المشاركون بالغناء مع الموسيقى، ثم تتوقف فجأة، ليُكملوا الغناء وحدهم. دقيقة واحدة فقط، ثم تعود الموسيقى فجأة، وعلى المشاركين أن يكونوا معها على التكة، ويلتزموا بالإيقاع نفسه لينجحوا، وبالتالي يكسبوا النقاط.

أما نحن المشاهدين فكنا نتابع ذلك بترقّب، بينما تظهر كلمات الأغنية على الشاشة في شريط عريض بلون برتقالي يشبه شريط الأخبار. من المهم الإشارة إلى أن الأغاني لم تكن عربية فقط، إذ تضمّن البرنامج عددًا كبيرًا من الأغاني الفرنسية، انسجامًا مع ترسيخ شريحة واسعة من الطبقات العليا في لبنان الفرنسية كلغتهم الأم وثقافتهم الأساسية، وكأنهم وُلدوا في باريس.

تنوّعت الفقرات الأخرى بين فقرة تخمين الأغنيات، وفقرة مخصصة للفيديو كليب، إذ نشاهد نحن والمشاركون مقطعًا مصورًا، ثم تطرح المذيعة سؤالًا دقيقًا حول تفصيلة معينة فيه. ما جمع كل هذه الفقرات حقًا هو الطاقة المرحة والرقص الذي كان يسود الأجواء: رقص المشاركين، والجمهور، والراقصات اللواتي ينتشرن خلفهم وعلى أطراف المسرح.

وراء كل هذه الحلقات، التي يمكنكم أن تشاهدوا أجزاء منها من خلال هذه القائمة، هناك اسم واحد برز باستمرار: طوني قهوجي، المخرج الذي لمع اسمه في برامج المنوعات وأغلب برامج الهواة.

البداية وحجر الأساس | ستوديو الفن

كنتُ محظوظة كطفلة بانغماسي في الموسيقى والتصاقي بها، إذ تمتّعت عائلة والدتي بأصوات جميلة، كما كانوا يعزفون على عدة آلات موسيقية كالعود والبيانو، ما جعل معظم سهراتنا تتحوّل تلقائيًا إلى أمسيات غنائية تتجاوز الثلاث ساعات. كذلك، لعب ذهابنا السنوي إلى مهرجان جرش دورًا أساسيًا في تكوين ذائقتي الموسيقية، إذ كان والدي يعمل مهندسًا مسؤولًا عن إضاءة جزء من كهربة المهرجان، ما وفّر لنا في كثير من الأحيان تذاكر مجانية، أو جعل حرّاس البوابة يسمحون لنا بالدخول خلسة عبر الباب الخلفي للمدرج.

بدافع الفضول، وكتمرين لإضاعة الوقت، جرّبت كثيرًا أن أبحث في فيديوهات أرشيف التلفزيون الأردني، لعلّي أرى نفسي أو أحد إخوتي ونحن نركض في الساحة التي تفصل بين المغني والجمهور في حفل لوائل كفوري أو ماجدة الرومي أو نجوى كرم في المدرج الشمالي، لكن لم توصلني محاولاتي لمكان، وجدت الكثير من الناس الذين نعرفهم، لكنني لم أجدنا. 

إذا أردنا تقسيم نجوم الصف الأول في البوب العربي، غالبًا ما يتصدّر خريجو ستوديو الفن هذه الفئة. كنتُ أسمع اسم ستوديو الفن كثيرًا في طفولتي دون أن أعرف عنه شيئًا، سوى النظارات الكبيرة التي كان يرتديها سيمون أسمر، وصورته التي بدت دائمًا كرسم كاريكاتوري في الصفحات الأخيرة من الجريدة؛ ولسببٍ لا أفهمه حتى اليوم، كنت أخلط بينه وبين إلياس رحباني، ربما بسبب طلتهما وهيئتهما المشتركة.

بدأ برنامج ستوديو الفن فعليًا عام ١٩٧٣ على شاشة تلفزيون لبنان، الشاشة الحكومية الوحيدة في ذلك الوقت. أعتقد أنه شكّل أول نموذج حقيقي لبرامج المواهب، وأسس لاحقًا للبنية التي سارت عليها كثير من البرامج التي تبعته. رغم اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، صمد ستوديو الفن واستمر، إلى أن توقف قليلًا ثم عاد في الثمانينات لكن عبر شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال إل بي سي.

تميز ستوديو الفن بلجنة تحكيم ذات خبرة عالية، أشبه بمجلس وصاية فني يتولّى رعاية المشترك منذ لحظة دخوله، فيعمل على تهذيب موهبته وصقلها قبل تقديمه إلى الجمهور بشكل نهائي. كما لفت البرنامج الأنظار بتقسيماته الواضحة حسب الجانرات المختلفة: الطرب، الشعبي، الرقص، الشعر، وتقديم البرامج. لم يضع كل المواهب في سلّة واحدة، بل تعامل مع كل فئة بناءً على عناصر نجاحها الخاصة، والتي تتجاوز مجرد الحضور على المسرح. 

لهذا نلاحظ أن معظم خريجي ستوديو الفن تمتعوا بمواهب فعلية. مثلًا، وائل كفوري ونجوى كرم وديانا حداد ونوال الزغبي ووائل جسار وميريام فارس، وقبلهم منى مرعشلي ووليد توفيق وعبده ياغي، امتلك جميعهم أصواتًا آسرة وخامات متنوّعة قادرة على الغناء بدون نشاز، في زمن تقدّمت فيه المهارة الصوتية على الصورة، قبل أن يصبح المظهر مركز النجاح.

احتل ستوديو الفن مكانة بارزة كمدرسة أو حتى كوزارة لتخريج المواهب في لبنان، هدفه الأسمى كسر فكرة احتكار الأصوات والمواهب، التي كانت تقتصر على عائلات معينة أو تدار ضمن شركات توزيع محددة. مع الوقت، أثبت البرنامج نفسه وساهم في وضع معايير واضحة وصيغة للفنان الناجح. 

المفارقة أن ستوديو الفن وقع سريعًا في الفخ نفسه الذي حاول التخلص منه؛ إذ أصبح سيمون أسمر، مع مرور السنوات، عرّابًا للموسيقى وصانع نجوم في لبنان والعالم العربي؛ فإذا حاز المشترك على إعجابه، أو رأى فيه أسس نجم الصف الأول التلفزيونيّة، حظي تلقائيًا بدعم كبير من الوسط الفني، وانفتحت أمامه أبواب شركات الإنتاج والتسويق، بالإضافة إلى دعم شخصي مباشر من سيمون نفسه. أما أصحاب المواهب القوية ممن افتقروا إلى الحضور اللافت على الشاشة، فغالبًا ما تراجع بريقهم تدريجيًا، واضطروا لشق طريقهم وحدهم دون أن ينالوا الدعم المطلوب، وبقي كثير من الفنانين في ظلال ستوديو الفن دون أن يصلوا إلى الجمهور بالشكل الذي يستحقونه.

فوق ذلك، عاد عدد من النجوم الذين دعمهم سيمون أسمر في بداياتهم وانقلبوا عليه لاحقًا بسبب العقود الاحتكارية التي كانت تُبرم بين الفنانين ومكتب ستوديو الفن، الذي تأسس كذراع إنتاجي للبرنامج. وصلت مدة بعض هذه العقود إلى عشرة أو خمس عشرة سنة، وتضمّنت بنودًا تمنع الفنانين من الظهور على قنوات لبنانية أخرى مثل إم تي في. حاول سيمون أيضًا استثمار الأرباح الطائلة التي حققها وتوظيفها في تأمين مساحة يستطيع أن يقدّم فيها نجوم ستوديو الفن للجمهور بنظام الحفلات ذات التذاكر، فأسس مطعم نهر الفنون في منطقة نهر الكلب شرق بيروت.

لسخرية القدر، توقّف إنتاج البرنامج عام ٢٠٠٢ على الفضائية اللبنانية، ثم عاد للظهور عام ٢٠٠٩ عبر شاشة إم تي في، بعد أن سلّم سيمون أسمر راية الإدارة الفعلية لابنه بشير. كان من الغريب أن يعود ستوديو الفن في وقتٍ تغيّرت فيه الساحة العربية بشكل جذري، وأن يقتصر إنتاجه الجديد على المشهد الموسيقي اللبناني، بعد ظهور برامج ضخمة ساهمت في إعادة تشكيل الخريطة الغنائية العربية، مثل سوبر ستار على قناة المستقبل وستار أكاديمي على الـ إل بي سي. رغم اختلافهما من حيث التوجّه والمضمون والفئة المستقطبة، نجح كلاهما في تثبيت بيروت كمدينة مركزية ومصدر جذب للمواهب العربية.

عدا عن الأولويات موسيقية، ارتبط هذا النجاح أيضًا برهانات استراتيجية مالية ومقامرات استثمارية واضحة؛ إذ اعتمدت هذه البرامج على التصويت المدفوع، خاصة من جماهير الخليج العربي، الذين شكّلوا المحرّك المالي الأساسي للعائدات والأرباح؛ فكلما زادت وتيرة التصويت وكثافته ارتفعت أرباح البرنامج. أما النسخة المحدَّثة من ستوديو الفن فقد استندت إلى نظام تصويت مختلف، لم يكن فيه الجمهور صاحب القرار النهائي، إذ قُسّمت النتيجة بين لجنة إعلامية تتغيّر كل ستة أسابيع وتمتلك ٢٠٪ من التصويت، ولجنة أكاديمية ثابتة تمتلك ٤٩٪، بينما تُرك الجزء المتبقي فقط للجمهور، والذي شكّل نسبة قليلة في ذلك الوقت. عمليًا، لم ينجح هذا التوجّه الذي حاول تفضيل حكم الخبرة على تصويت الجمهور، وزاد الأمر تعقيدًا وقوع الإنتاج في عدد من الأخطاء التقنية والإدارية التي ارتبطت بإدارة بشير أسمر.

صوّت لنجمك المفضّل قبل “كبسوا كبسوا” | سوبر ستار

سأستهل الحديث عن سوبر ستار بقصتي مع ديانا كرزون. في صيف ٢٠٠٣، وبعد أن دخل أبي وعائلتنا في نوبة حزن إثر الأحداث السياسية التي فتكت بالمنطقة، على رأسها غزو العراق، أصرت أمي على أن نسافر لنغيّر الجو، من الأردن إلى لبنان برًا عبر سورية. تزامن ذلك مع وقت الفراغ الهائل في العطلة الصيفية.

زرنا عدة مناطق في لبنان، وكانت تلك المرة الأولى التي نخرج فيها من بيروت إلى طرابلس والشوف وصيدا وصور. مع اقتراب نهاية الرحلة، عدنا إلى بيروت، وفي إحدى الليالي وبينما كنا نتجوّل في الحمرا، صارحت أبي بسؤال عابر: ماذا لو التقينا نجوم سوبر ستار؟ ماذا سنقول لهم؟

ظل السؤال يشغل بال أبي حتى تحوّل إلى مهمة عائلية. بدأنا بالفعل رحلة البحث عن الفندق الذي يقيم فيه نجوم البرنامج. لا أذكر إن كنا قد عثرنا عليه في الحمرا فعلًا أم في منطقة أخرى، لكنني أذكر أننا دخلنا عدة فنادق ومشينا طويلًا في تلك الليلة حتى وصلنا أخيرًا إلى الفندق الصحيح.

تقدّم أبي إلى موظفي الاستقبال في الأوتيل، الذين أشفقوا على أمي وهي تحاول السيطرة على أربعة أولاد، فتعاطفوا معنا وأخبرونا بأن النجوم يقيمون هنا فعلًا، وأن بإمكاننا الانتظار في الصالة لأنهم ليسوا موجودين في تلك اللحظة. انتظرنا طويلًا، قرابة ساعة ونصف، نراقب النزلاء وهم يصعدون وينزلون. ومع اقتراب كل شخص كانت عيوننا تتسع وتلمع، اثنتا عشرة عينًا تلاحقهم بتمعّن شديد.

إلى أن دخلت ديانا كرزون، ولحق بها ملحم زين. هرعنا أنا وأخي لمقابلتهما، ولا أتذكّر ما قلته تحديدًا، فقد تلعثمت، إذ وقفت الوجوه التي اعتدنا رؤيتها على الشاشة فجأةً أمامنا. التقطنا أكثر من صورة معهما بكاميرا أبي الأنالوج، والغريب أن أبي لم يظهر في أي صورة، إذ بقي خلف الكاميرا يوثّق اللحظة بعد جهدٍ طويل.

بعد نحو شهر، فازت ديانا كرزون باللقب. خرج معظم الأردنيين إلى الشوارع للتزمير بسياراتهم بلا توقف، وكأن الأمر احتفال وطني أو تظاهرة. من الجدير بالذكر أن ديانا حصدت قرابة خمسة ملايين صوت، وكان ذلك الموسم الأعلى من حيث الأرباح الناتجة عن التصويت، بعد أن وقفت أمام منافستها السورية رويدا عطية وفازت بفارق أربعة بالمئة فقط من نسبة الأصوات.

لم يكن سوبر ستار برنامجًا عاديًا. مع دخول منطقتنا الألفية الجديدة، وتغيّر العالم بفعل الإنترنت ووسائل الاتصال، ووصول القنوات الفضائية إلى ذروة انتشارها، بلغنا ما يشبه معادلة الإنتاج الذهبية للقنوات العربية ومستثمريها. كانت هذه المعادلة قائمة على التركيز على البرامج الترفيهية المنتجة في الغرب، ثم شراء حقوقها وإعادة إنتاج نسخة عربية منها منقحة، يسهل على الجمهور العربي استساغتها واستهلاكها.

برأيي، كمشاهدة ومراهقة مهووسة في ذلك الوقت، لم ينتقص ذلك من قيمة البرامج، بل منحها شرعية أكبر؛ فهي صيغ جرى اختبارها في الغرب وحققت نجاحًا واضحًا، فلم لا نقتبس منها؟ بالطبع، لم يكن هذا رأي الأغلبية الأكاديمية أو نقاد الصحافة الذين كانوا يرون ذلك مجرد تقليد أعمى وانسياق وراء قيم الغرب وخطة لتدمير عقول الشباب.

رغم ذلك، تفرّد البرنامج بلجنة تحكيم اعتُبرت من الأكثر خبرة واحترافًا في المنطقة، ضمّت أسماء مثل إلياس الرحباني، فادية طنب الحاج، عبد الله القعود، تونيا مرعب، وزياد بطرس، أصحاب الجملة الشهيرة: “منشوفك ببيروت”، التي أصبحت لاحقًا شعارًا ملازمًا لمعظم برامج المواهب. أما السهرات الغنائية فكانت تُدار موسيقيًا من قِبل أحمد قعبور، وتُصوّر بإخراج ناصر فقيه.

استند سوبر ستار، الذي عُرض على قناة المستقبل، القناة التي سُمّيت نسبة إلى تيار المستقبل الذي أسسه رفيق الحريري آنذاك، إلى برنامج بوب آيدول العالمي؛ وما ميّز هذا البرنامج ثلاثة عناصر أساسية:

الأول هو قدرة الجمهور على اتخاذ القرار، إذ لم يعتمد مصير المشتركين فقط على تصويت لجنة التحكيم؛ ففي الموسمين الأول والثاني شارك الجمهور في القرار في المرحلة الثانية والمرحلة النهائية، ولاحقًا أصبح التصويت الشعبي مقتصرًا على المرحلة النهائية فقط. أمكن المشاهدين اختيار النجم الذي يريدون استمراره في المسابقة عبر رسائل الإس إم إس أو التصويت عبر الإنترنت.

أما العنصر الثاني فهو قدرة المشاهدين على مواكبة المشتركين منذ اللحظة الأولى: من تجارب الأداء، مرورًا بمراحل متعددة وتصفيات متتالية تُغربل فيها لجنة التحكيم الأصوات، إلى أن نصل إلى المرحلة النهائية التي كانت تضم عادةً ١٢ مشتركًا، لتبدأ المنافسة الفعلية على اللقب.

العنصر الثالث أن الحلقات الخاصة بالمرحلة النهائية كانت تُبث مباشرة على الهواء، دون أي تعديل أو مونتاج، ما أتاح نوعًا مختلفًا وأكثر صدقًا من التواصل بين الجمهور والمشتركين ولجنة التحكيم. كنا نرى ردود الفعل كما هي، لحظة بلحظة. أحد أكثر لحظات البرنامج رسوخًا في الذاكرة هي الصدمة التي علت وجه ملحم زين ومشجعيه عند خروجه في المرحلة نصف النهائية من الموسم الأول، وكيف كتبت الصحافة الصفراء حينها الكثير من النظريات حول ردّة فعله، وكيف جرى استبعاده ظلمًا وبعضهم قالوا لأسباب سياسية، بحسب ما روِّج وقتها.

أيضًا، لا يمكننا تجاهل الحديث عن مقدّمي المواسم الأولى، رانيا الكردي وأيمن القيسوني، اللذين لعبا دورًا مهمًا في نجاح البرنامج. تمتّع حضورهما بالكاريزما وخفة الظل، والقدرة على تدارك المواقف وتيسير الحوار بين المشتركين ولجنة الحكم ذات الآراء اللاذعة أحيانًا بسلاسة. دمج سوبر ستار بين الموسيقى والحملات الشعبية، إذ منحنا إحساسًا أن لكل بلد مرشّح، وأن المشتركين عادةً ما يتحولون إلى سفراء غير معلنين لأوطانهم.

رغم كل هذا الحماس تجاه البرنامج، لم يتمكّن من الاستمرار طويلًا وقدّم خمسة مواسم فقط، من ٢٠٠٣ وحتى ٢٠٠٨. تخرّج منه عدد كبير من المواهب، منهم من استطاع الحفاظ على اللون الذي عُرف به خلال البرنامج، مثل ملحم زين، ومنهم من غيّر توجهه قليلًا ليواكب ترندات الإنتاج ويضمن الاستمرار، مثل سعد لمجرد وعبير نعمة وشهد برمدا. هناك أيضًا من خبا نجمه بعد عدد محدود من الأغاني، مثل إبراهيم الحكمي، أيمن الأعتر، رويدا عطية، بريجيت ياغي، وشادي وهادي أسود، وتراجع حضورهم مع مرور الوقت وضعف الدعم المادي والتوجيهي.

كان المشاركون يتحولون خلال أشهر قليلة إلى نجوم معروفين، ثم يدخلون فور انتهاء الموسم في دوامة أخرى: اختيار شركة الإنتاج التي سيوقّعون معها، وتحديد الجانرا واللون الغنائي الذي سيتبنونه في مسيرتهم. لا أحد يمكنه أن يغني لفيروز أو وديع الصافي إلى الأبد، وكان لا بدّ من اتخاذ مسار فني واضح بعد انتهاء البرنامج.

بعد توقف سوبر ستار لسنوات، وعدم قدرة قناة المستقبل على تغطية تكاليف إنتاجه العالية واغتيال رفيق الحريري الذي زعزع حضور القناة بشكل جدي وقتها، استحوذت قناة إم بي سي على حقوقه وأعادت تقديمه بصورة مختلفة قليلًا تحت اسم محبوب العرب أو آراب آيدول، مع لجنة تحكيم جديدة بالكامل، بدءًا من ٢٠١١.

أن تعيش مع نجمك المفضل، وتخاف من النومينيز | ستار أكاديمي

أذكر بطريقة تضحكني كلما استعدتها، كيف كنتُ وأنا صغيرة أعطي زميلتي سارة، التي كانت تكبرني بثلاث سنوات على الأقل، بعض المال لتوصله إلى أخيها كي يتمكن من شراء عدة بوسترات من محل السيديهات الشهير حمودة في إربد حيث كنا نسكن. جاءت تلك البوسترات بأحجام متعددة: من الصغيرة بحجم إيه فور تقريبًا، إلى ذلك الحجم العملاق إيه زيرو، الذي كان يحتاج منا تحويشة ثلاثة شهور مع إضافة العيديات، فقط لنتمكن من اقتنائه.

كان معظم تلك الملصقات يعود لمغنين أجانب مثل آفريل لافين وفيفتي سنت وجاستن تمبرليك، أو لفرق مثل باك ستريت بويز وبلو. أتذكر جيدًا كيف وبختني أمي عندما وجدت ملصقًا لآفريل لافين معلّقًا خلف باب غرفتي، وقالت لي بلهجتها الصارمة: “مين هاي؟ لا منظر ولا محضر.” استمر الموضوع بهذا الشكل حتى وصل إلينا برنامج ستار أكاديمي مع بداية بثه أواخر ٢٠٠٣ واستمرار موسمه الأول حتى نيسان ٢٠٠٤ على الـ إل بي سي.

عندها انقلبت المعادلة تمامًا؛ فقد استبدل حمودة، صاحب محل السيديهات، معظم بوسترات المغنين الأجانب ببوسترات موقّعة لنجوم ستار أكاديمي. اقتنيت في تلك الفترة أول ملصق صغير لي، وكان يحمل في وسطه نسخة مطبوعة من رسالة بخط يد أحمد الشريف. لشدة سعادتي به وندرة الحصول عليه، قررت تعليق الملصق على الباب الداخلي لخزانة ملابسي، حتى أراه يوميًا دون أن أتعرض لتوبيخ أمي المتكرر.

المدهش في ستار أكاديمي أنه، بخلاف سوبر ستار مثلًا، لم يركّز على الصوت وحده، بل منح مساحة كبيرة للدراما والتمثيل والأداء والرقص ومختلف المواهب الأخرى. بدل أن تقتصر متابعتنا للمشاركين على حفلة يوم الجمعة أو الحلقة الأسبوعية في منتصف الأسبوع، كان البرنامج يُبث يوميًا بعد نشرة الأخبار لمدة ساعة تقريبًا، نعيد فيها استعراض أهم ما جرى في يوم الطلاب، الذين بلغ عددهم في الموسم الأول ستة عشر مشاركًا: ثماني شباب وثمانية فتيات.

لم تقف حشريتنا عند هذا الحد، فجاءت قناة نغم بأحدث ما في الأمر، لتنقل يوميات الأكاديمية على مدار الساعة، إلى جانب البث عبر الإنترنت على هيئة تلفزيون الواقع الذي لم يكن قد ترسخ حضوره في العالم العربي بعد. هذا ما زاد من انجذاب الناس إلى البرنامج، ومنحه بعدًا إضافيًا يعتمد على المتابعة والتعلّق بالمشتركين.

دائمًا ما كان الموسم يبدأ بالتعرّف على المشاركين وشخصياتهم وثقافاتهم، قبل أن ننتقل إلى مقر الأكاديمية الذي شيّدته المؤسسة اللبنانية للإرسال خصيصًا من أجل البرنامج في أدما كفرياسين في لبنان. نأخذ جولة سريعة في القاعات والغرف والمسرح الداخلي، ثم ننتقل إلى أساتذة الأكاديمية الذين كانوا يشكّلون العمود الفقري للتدريبات اليومية.

أذكر منهم ماري محفوظ التي قدّمت دروس الفوكاليز وتقنيات الغناء “مي ي ي ي أه أه أه أه إي إي إي إييي”، والممثلة عايدا صبرة للتعبير المسرحي، وإليسار كركلا للرقص، ووديع أبي رعد وميشال فاضل لتدريب الأصوات وتحسينها. كما لا يمكن نسيان مديرة الأكاديمية رولا سعد التي كانت تظهر بوقار واضح كلما استدعى الأمر، إلى جانب المخرج طوني قهوجي الذي شكّلت عينه الإخراجية الإطار الذي رأينا من خلاله كل تلك التفاصيل.

كان الأساتذة في كل أسبوع يضعون للطلاب اختبارًا محددًا عليهم الاستعداد له وإنجازه، وبناءً على أدائهم يجري اختيار ثلاثة طلاب للدخول في منطقة الخطر، وهم النومينيز، بصوت هيلدا خليفة المعروف مع الموسيقى الكلاسيكية التي ترافق الإعلان. يغادر واحد فقط من بين هؤلاء الثلاثة بحسب تصويت الجمهور في سهرة يوم الجمعة، التي كانت تشكّل ذروة الأسبوع وحدثه الأكثر انتظارًا.

الجميل في ستار أكاديمي أنه لم يضع الفنان في مكان مرتفع أو برج عاجي، ولم يصوّر الموهبة كقدرة خارقة يولد بها البعض دون غيرهم. على العكس، امتلك معظم الشباب المشاركين مؤهلات أساسية، لكنهم لم يكونوا بالضرورة أصحاب مواهب صارخة أو أصوات استثنائية. قامت فكرة البرنامج على أن المشتركين لا يأتون ليصبحوا مطربين أو فنانين بالمعنى التقليدي، بل ليصبحوا نجومًا في عالم الاستعراض، وأن طريق النجومية، خصوصًا في البوب، يحتاج إلى الكثير من التدريب والمثابرة والموازنة بين مهارات متعددة.

كنا نرى هؤلاء المشاركين في كل حالاتهم، ونعيش معهم تفاصيل يومهم خطوة بخطوة. نشاهدهم يبكون، ويتشاجرون، ويتصالحون، ويقعون في الحب، حتى لو كان ذلك من أجل التصويت فقط، قبل أن ننتبه أصلًا إذا ما إذا كانوا يجيدون الغناء أم لا. خلق هذا القرب رابطًا كبيرًا بين الجمهور ونجومه المفضلين، وأعطاهم انطباعًا بأنهم أصدقاء أو زملاء دراسة أكثر من كونهم نجومًا بعيدين على شاشة التلفزيون. كان المشاركون يشبهون صورة المراهقين، الذين كانوا الفئة المستهدفة لهذه البرامج، عن أنفسهم عند دخولهم الجامعة، بعد أربع أو خمس سنوات. كما شابه المشاركون جيلنا كثيرًا باهتماماتهم اليومية وسذاجتهم.

من بين الفقرات التي كشفت هذه السذاجة بشكل مباشر فقرة أسامة الرحباني، أحد المشرفين الأساسيين على الطلاب، الذي لم يتدخل في عملية التصويت، وإنما ركّز على توجيه المشاركين لتحسين أدائهم على المسرح، خصوصًا في يوم البرايم. جعلت إرشاداته، وتعليقاته الصريحة، وطريقته في التعامل مع أخطاء الطلاب، منه شخصية مركزية في تجربة البرنامج، وأحد أكثر العناصر التي أظهرت للمشاهدين كيف يمكن للموهبة أن تتطوّر عبر التمرين والانضباط.

بات هذا القرب الذي نشأ بين المشاهد والمشارك سلاحًا ذا حدّين؛ فبعد انتهاء الموسم، توقّع الجمهور دائمًا أن يبقى المشترك حاضرًا في حياته اليومية، وأن يواصل الظهور والتطور بالوتيرة نفسها التي اعتاد عليها داخل الأكاديمية؛ ما لم يكن ممكنًا إلا لمن امتلك إدارة قوية أو ذكاءً فنيًا يسمح له بالانتقال إلى مرحلة الاحتراف.

لذلك برزت أسماء مثل جوزيف عطية وناصيف زيتون ورحمة حسين وسعد رمضان وشذى حسون في مجال الغناء، بينما اختار آخرون طريقًا مختلفًا نحو التمثيل، مثل بشار الشطي وأمل بشوشة وسنتيا كرم، واستطاعوا تطوير مسارهم خارج إطار الموسيقى، في حين بقي آخرون في الظل رغم امتلاكهم الإمكانيات.

لا أدري في أي لحظة تحديدًا سقط ستار أكاديمي من اهتمامنا. مع أنه استمر حتى ٢٠١٦، إلا أننا ببساطة كبرنا وابتعدنا تدريجيًا عن البرامج التي كانت جزءًا من روتين مراهقتنا. أصبحنا نعرف سيناريوهاتها المبتذلة وتفاصيلها الصغيرة حتى صارت مكررة وباهتة.

تبقى أغنيتي المفضلة من بين كل الأداءات التي قدّمها طلاب الأكاديمية خلال مواسمها المتعددة هي أغنية جاية الحقيقة، التي صدرت بعد انتهاء الموسم الأول مع فيديو كليب مصوّر شارك فيه آخر ثمانية مشتركين. في كل مرة أستمع إليها أعود إلى تلك الحقبة الزمنية بكل ما حوته وكل ما استبعدته.

برامج المواهب ما بعد ٢٠١٠

مع دخولنا عام ٢٠١٠ وما بعده، ظهرت الكثير من البرامج المستوردة الجديدة، بدأت بصيغة مثل إكس فاكتر وانتقلت إلى آراب آيدول وذا فويس؛ كمنصّات جديدة لاكتشاف الأصوات. قدّمت هذه البرامج بالفعل بعض الأسماء التي تركت حضورًا كبيرًا لدى الجمهور، مثل الفنان المعتزل أدهم النابلسي من إكس فاكتر، ومحمد عساف وكارمن سليمان من آراب آيدول، إلى جانب محاولات جادة من معدّي برنامج ذا فويس أن يعيدوا الاعتبار لفكرة أن الصوت ما زال أهم من الصورة في عصر صار فيه الصوت في كثير من الأحيان مجرد ضجيج.

لكن مع مرور المواسم، صار واضحًا أن الوهج الذي رافق انطلاقتها بدأ يخفت تدريجيًا. بدأ الجمهور يشعر بالملل بسبب التكرار، وتبدلت لجان التحكيم بأخرى أقل خبرة فنية، حتى باتت المفارقة أن مستوى بعض المشاركين تفوق أحيانًا على من يجلس خلف كراسي التحكيم ليقيّمهم. هكذا أخذت هذه البرامج تفقد مصداقيتها مع الزمن، وتتحوّل من مختبر للمواهب إلى موسم استعراضي سريع الزوال يتبعثر نجومه فور انتهائه.

ارتبط جزء كبير من هذا الأفول أيضًا بتراجع بيروت نفسها كمركز موسيقي وإعلامي؛ هذه المدينة التي صاغت لعقود الذائقة العربية وقدّمت منصّات جمعت بين الصنعة الفنية والجرأة والتجريب الإنتاجي. بدأت تلك البنية التي كانت تحمي المواهب وتحتضنها تتفكك ببطء مع كل الانتكاسات السياسية والاقتصادية التي عاشتها؛ ومع أن اللبنانيين حملوا دائمًا سمعة القدرة على الصمود والعناد في وجه الانهيارات، لم يعد رأس المال الذي غذّى الصناعة حاضرًا كما كان. سحب الكثير من المستثمرين الخليجيين أموالهم وعادوا إلى الخليج أو قلّصوا وجودهم، مثل شركة روتانا التي حولت مكتبها في بيروت إلى واجهة إعلامية فقط، بعد أن كانت قد اشترت أكثر من ثلاث شركات إنتاج مهمة وضمتها تحت جناحها في العقد الأول من الألفينات. مع هذا الانسحاب، حدث خلل في المعادلة التي حافظت طويلًا على حيوية المشهد.

في المقابل، صعدت سطوة رأس المال الخليجي بقوة، خاصة مع دخول إم بي سي بثقلها في شراء حقوق البرامج العالمية مثل ذا فويس، وذا فويس كيدز، وآراب آيدول، وأرابز جوت تالنت بمواسمه السبعة. خلق هذا التركّز الإنتاجي شكلاً من الاحتكار ألغى المنافسة وأضعف قدرة هذه البرامج على التجدد أو تقديم أصوات خارج الصيغة السائدة. كما حاولت بعض القنوات الخليجية لاحقًا إنتاج برامج عربية – خليجية بنَفَس محلي، لكنها لم تنجح في بناء هوية فنية واضحة كالتي امتلكتها بيروت يوم كانت مركزًا فعليًا لإنتاج الأغنية العربية.

فوق كل ذلك، جاءت التحولات الاجتماعية والسياسية بعد الربيع العربي عام ٢٠١١ لتضيف طبقة جديدة من التعقيد. وجد جيل الثمانينات والتسعينات، الذي كان يملأ رأسه اللهو والصخب وحب الاستكشاف، نفسه في مواجهة أسئلة لم يكن مستعدًا لها: معنى الحرية، المسؤولية السياسية، دور الفرد في المجتمع، ومستقبل المنطقة كلها في ظل التغيرات التي مررنا بها. انشغل الأغلب بمتابعة السياسة والمصير اليومي أكثر من متابعة برامج المواهب، وتحوّل الاهتمام نحو محاور وجودية ضاغطة قلّصت من حضور هذه البرامج في الحياة اليومية. كما طغى لدى أغلب أبناء جيلي إحساس بالخيبة من معظم الثورات التي لم تحقق هدفها أو أضاعت بوصلتها قبل الوصول إليه.أخيرًا، ومع انتشار الإنترنت وسرعة التصفح ، تغيّر المشهد من جذوره. لم تعد الموسيقى تحتاج إلى حيتان إنتاج أو لجان تحكيم أو مسارح ضخمة كي يظهر صوت جديد. أصبح النجاح مرهونًا بخوارزمية متبدّلة أو مقطع ينتشر فجأة. لم يعد الفنان يحتاج إلى أسطول فني ليصعد، بل إلى منصة يوتيوب أو تيك توك أو لحظة حظ ومثابرة. صرنا نعيش زمنًا يمكن فيه لفتى في غرفة صغيرة أن ينافس، بضغطة واحدة، تاريخًا كاملًا من برامج تلفزيونية كانت تستغرق مواسم لتصنيع لحظة نجومية واحدة.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف