هل هناك بوب أردني؟

الملفات - كتابة: رحمة حسين - ٢٠٢٦/٠١/١٥
هل هناك بوب أردني؟
تحميل...

كتبت رحمة حسين هذا المقال بالاشتراك مع معازف.


حين نستحضر مصطلح البوب العربي، يتجه التفكير تلقائيًا إلى ثلاثة نماذج مركزية: البوب المصري، بوصفه امتدادًا تاريخيًا لصناعة موسيقية متجذّرة ومرتبطة بالسينما والأفلام ارتباطًا وثيقًا؛ والبوب اللبناني، بوصفه مختبرًا لسحر الصورة وعالم التسويق وبناء شخصيات النجوم التي أغرم بها الجمهور، إلى جانب دمج الموسيقى الشرقية بالغربية؛ وثالثها البوب الخليجي، الذي غالبًا ما هُيكلت بنيته حول توظيف الشعر، سواء بالفصحى أو باللهجات المحكية، والذي لم يحتج بدوره إلى الغوص في الكثير من التجريب، بحكم وفرة المصادر، وتوفّر رأس المال، ووجود مؤسسات إنتاج راسخة.

ما بين هذه الأقطاب الثلاثة، تشكّلت العديد من المشاهد المصغّرة الأخرى، إمّا عبر التداخل معها أو الذوبان في أحدها. في هذا السياق، يبدو السؤال عن البوب الأردني سؤالًا غريبًا، أو حتى غير مطروح سابقًا بوصفه مصطلحًا. صحيحٌ أننا نسمع عن الأغنية الوطنية الأردنية، أو المجوز الأردني، أو حتى الموسيقى البديلة الأردنية، لكن مصطلح بوب أردني بحد ذاته ظلّ خارج التداول، وكأنه نشاز.

قبل العودة والالتفات إلى التسعينات والألفينات، يجدر البدء بالمنصات الرقمية، وعلى رأسها تيك توك، التي جعلت سؤال ما إذا كان هناك بوب أردني سؤالًا مطروحًا بقوة، لا عبر خطاب نقدي، بل من خلال التداول الكثيف لأغانٍ وصفتها العديد من المجلات وصفحات السوشال ميديا بأنها بوب أردني، وباتت جزءًا من المشهد السمعي اليومي لجمهور واسع يحكمه منطق الترندات.

من أغاني الأخرس، إلى سيلاوي وزين، مرورًا بتحوّلات عصام النجار خلال السنوات الخمس الماضية، إلى جانب مواهب أخرى ما زالت تشق طريقها بين الخوارزميات، ظهرت فجأة مجموعة من الأصوات الأردنية التي اجتاحت المشهد الرقمي، وتسلّلت بدورها إلى الفضاءات العامة، دون المرور بالمسارات التقليدية التي لطالما حكمت صناعة البوب العربي والعالمي.

لكن هذا الحضور الرقمي الكثيف لا يجيب وحده عن سؤال الهوية. فما الذي يجعل أغنية ما أردنية، في سياق عربي تتشابه فيه القوالب، وتتقاطع فيه اللهجات بطريقة مشوَّشة ومتداخلة حدّ الغرابة، سواء في الموسيقى أو حتى في التلفزيون والسينما، وتُنتَج فيه الموسيقى غالبًا خارج حدود بلدانها؟ وهل يكفي أن يكون صاحب الصوت أردنيًا؟ أم أن الهوية الموسيقية تُقاس بشبكات الإنتاج، وبالبنية التحتية الجاهزة من إنتاج وتوزيع وترويج، وبقدرة الأغنية على الانتماء إلى سوق محلي قادر على احتضانها، واستهلاكها، والتأثّر بها، وربما إعادة إنتاجها في بعض الحالات؟

تدور هذه الأسئلة كلّها ضمن سياق بلد يعاني تاريخيًا من شحّ الأرشفة الموسيقية، وضعف البنية الإنتاجية، وغياب المؤسسات الداعمة للموسيقى الدارجة. في ظل هذه الظروف، يصبح تعريف الأغنية الأردنية بحد ذاته مسألة إشكالية.

لا يمكن النظر إلى ما يحدث اليوم بوصفه ظاهرة منفصلة أو طفرة معزولة، بل ذروة لتحوّلات متراكمة في مشهد البوب خلال العقد الأخير، تسارعت حدّ الانفجار مع جائحة كورونا، التي ساهمت، ولو لفترة قصيرة، في توقّف عجلة الإنتاج والاقتصاد. للمرة الأولى، لم يعد الفنان الأردني مضطرًا إلى المرور عبر منظومات الوساطة التقليدية، مثل الراديو أو التلفزيون أو شركات الإنتاج الكبرى، كي يُسمَع أو يُعترف به.

بقدر ما يرتبط هذا التحوّل بتبدّل أدوات النشر، يرتبط أيضًا بإعادة توزيع الأوراق كلّها: من مؤسسات كانت تحتكر تعريف ما هو رائج وتضبط شروط ظهوره، إلى فضاء رقمي ومنصّات اتّسمت آنذاك برقابة أقل، أتاحت للفنان اختيار جمهوره والتعامل معه مباشرة، من غرفة نومه، وخارج منطق الإجازة والمنع.

ما بين الأغنية الوطنية والشعبي

طُرحت الأغنية الوطنية في الأردن منذ بداياتها بوصفها مشروعًا يعمل على تشكيل صورة نمطية محددة للهوية وترسيخها، بما يتوافق مع الشكل الذي سعت السلطة إلى تثبيته. في ستينات القرن الماضي، على سبيل المثال، جرى تنصيب سميرة توفيق، وهي مغنّية من أب مالطي وأم حورانية، وجهًا للهوية الأردنية البدوية الحديثة، أو المخترَعة إذا أردنا الدقّة.

جاءت هذه الصيغة لتدمج بين اللهجة البدوية المحكية واللهجة الحضرية أو المدنية، في محاولة لتخفيف حدّتها وجعلها أكثر قابلية للتداول، ما أدّى إلى لهجة هجينة لا تمتّ للهجة الأردنية الفعلية بصلة، ولا تنشغل بحياة البداوة وعناصرها بقدر ما تستدعي رموزها المتداولة، مثل القهوة والمهباش. هكذا تشكّلت هوية غنائية مصاغة، لا تعبّر بالضرورة عن الواقع بقدر ما تعيد تمثيله ضمن إطار مرغوب فيه.

مع مرور الوقت، تحوّلت الأغنية الوطنية إلى بنية مهيمنة صاغت تعريف ما يمكن أن يكون مقبولًا ومرئيًا داخل المشهد الموسيقي. منذ الثمانينات، ومع ترسّخ دور التلفزيون الأردني والمؤسسات الرسمية بوصفها المنصّات شبه الوحيدة للإنتاج والتوزيع، لم تُقدَّم الأغنية الوطنية باعتبارها خيارًا ضمن خيارات متعددة، بل بوصفها الشكل الطبيعي والشرعي للأغنية الأردنية.

امتدت هذه الهيمنة من الأغاني ذات المضامين السياسية أو الاحتفالية الصريحة لتطال أصواتًا ومسارات فنية كاملة.

في كثير من الحالات، ومع ضخّ السلطة لبعض الموارد بهدف استثمار ظهور أصوات شبابية جديدة آنذاك، كان يقع الاختيار غالبًا على مغنّين شباب من طبقات اجتماعية دنيا ومن مدن الأطراف، إمّا من الشمال مثل متعب الصقّار وحسين السلمان، أو من الوسط والجنوب مثل فارس عوض وعمر العبداللات، لتمثيل هذا النوع من الغناء، وذلك للحفاظ على قدر من “الأصالة” في الطرح. كما جرى تأطير مشاركتهم في هذه العملية الإنتاجية على أنها قصص نجاح فردية مؤثّرة.

بدأ كثير من هؤلاء مسيرتهم بالغناء في المواويل أو بالاتجاه نحو النمط التراثي الشعبي، وكان لبعضهم تجارب يمكن اعتبارها بوبًا فعليًا من حيث الإنتاج والتوزيع والألحان والكلمات الخفيفة. غير أنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم داخل قالب وطني جاهز، جرى من خلاله تعريفهم وتسويقهم للجمهور. إذ بمجرّد أن يُعرَف المغنّي بوصفه صوت الوطن، أو صوت مناسبة ما، يصبح الخروج عن هذا الدور مخاطرة حقيقية، قد تكلّفه جمهوره الذي اكتسبه، أو شرعيته، أو حتى حضوره الإعلامي.

أيضًا، عملت الأغنية الوطنية كسقف ذوقي وإنتاجي؛ فبدا كل ما لا يندرج تحت هذا السقف إمّا محاولة غير جادّة، أو تجربة محدودة الجماهيرية. ربما لم تُرفَض الأغنية العاطفية الأردنية على نحوٍ مطلق، لكنها غالبًا ما قُدّمت بوصفها هامشًا، أو استراحة خفيفة بين أعمال وطنية أكثر أهمية. يمكن هنا استحضار أمثلة مثل حبوبي لعمر العبداللات، وكلام العين ومن قال لبشار السرحان، ويا ترى تهواني لزين عوض، إلى جانب أمثلة أخرى كثيرة.

أمّا البوب، بوصفه موسيقى يومية شبابية قائمة على الاستهلاك والتكرار، فلم يُنظر إليه يومًا باعتباره مشروعًا يمكن تطويره محليًا. في المقابل، كان البوب بصيغته العربية حاضرًا بشكل موسمي سنوي، ويُستدعى بوصفه أداة تُسهم في إبراز صورة الدولة وإنعاش اقتصادها السياحي، من خلال مهرجانات اكتسبت أهمية خاصة في قطاع الموسيقى، مثل مهرجان جرش، ومهرجان الفحيص، وحفلات المدرج الروماني في عمّان.

يمتلك عمر العبداللات في رصيده أغانٍ عاطفية وشعبية تتيح الاستماع إليها خارج المناسبات الرسمية، مثل حيالله هالطول، التي أُنتجت عام ١٩٩٥، وأُعيد توزيعها وإنتاجها مع شركة روتانا عام ٢٠١٠، إلا أن صورته العامة بقيت محكومة بإطار وطني. أمّا متعب الصقّار، فقد أخذ على عاتقه، بصوته الشذي، الالتزام بالأغنية الوطنية ومزجها بالإطار التراثي والفلكلوري، وارتبط بتمثيل صوت المحافظات في الاحتفالات والمناسبات المهمة، إلى درجة بات من الصعب فصل حضوره الفني عن وظيفته الرمزية. بعيدًا عن مدى تجسيد هذه الحالات لخيارات فردية، هي في المقام الأول حصيلة بنية إنتاجية لا تتيح أمام الفنان بدائل كثيرة.

الأهم من ذلك أن هذه الهيمنة انعكست أيضًا على كيفية تلقّي الجمهور للأصوات الجديدة. إذ كان المغنّي الذي لا يقدّم أغنية وطنية، أو لا يستقي مباشرة من التراث البدوي أو الريفي، يُواجَه بعلامات استفهام كبيرة حول موقعه وهويته. غالبًا ما دفع ذلك بالفنان إلى الغناء بلهجات أخرى، أو إلى الدخول في تعاونات مع مشاهد بوب عربية قائمة، في محاولة للانخراط فيها والانتماء إلى مشهد بوب آخر أكثر وضوحًا وقابلية للتصنيف.

في المقابل، ظلّت الأغاني الشعبية، وأغاني الأعراس تحديدًا، خارج هذه المنظومة، لا لأنها أقل حضورًا، بل لأنها أكثر تحرّرًا من شروط الاعتراف الرسمي. لم تُمنح هذه الأغاني، التي غالبًا ما كانت أكثر صدقًا في التعبير عن الحياة اليومية، مكانتها في سردية السلطة، وبقيت محصورة في سياقها الوظيفي البحت، القائم إمّا على الفرح أو الحزن. المفارقة أن هذا الهامش الشعبي كان، في كثير من الأحيان، أقرب إلى البوب من حيث الانتشار والفكرة، مقارنة بكل ما قُدّم بوصفه موسيقى أردنية رسمية.

ظلّ المجوز والهجيني يتربّعان على عرش الغناء الشعبي، باختلاف مغنّيهما عبر الأجيال. في الوقت نفسه، ظهرت بعض المحاولات التي سعت إلى تعديل هذا القالب أو توسيعه، مثل تجربة فنان المجوز أحمد العلي، الذي حاول إدخال تعديلات على الشعبي عبر دمجه مع أغاني بوب معروفة أو مع موسيقى أجنبية، ليقدّم خلطة ميّزته عن غيره، ومهّد من خلالها الطريق أمام مغنّين جدد، مثل محمد الأمير ومعتصم العمر، لاتباعهم نسقًا مشابهًا.

أردنيّون مع شركات إنتاج وشاشات عربية 

من أهم التجارب لمغنّين أردنيين انغمسوا في سياق البوب العربي تجربة الفنان عامر الخفش، الذي دخل هذا المجال بوصفه فنانًا متعدّد المواهب، يتنقّل بين الغناء والإخراج والتمثيل. على مستوى الغناء، أطلق عام ١٩٩٢ ألبوم هيلا يا رمانة، من إنتاج شركة الخيول، في إطار محاولة لتجديد التراث؛ إذ قدّم أغانٍ معروفة من فلكلور بلاد الشام، مثل تيجي حارتنا وهيلا يا رمانة، بصيغة تتلاءم مع إيقاعات التسعينات السريعة وعصر الفيديو كليب. لاحقًا، أصدر ألبومه الثاني شفت القمر عام ٢٠٠٢، من إنتاج شركة ميوزك بوكس الكويتية، التي تأسست عام ١٩٨٤، فيما تولّت شركة ميوزك ماستر إنترناشيونال في لبنان توزيع الألبوم.

بين هذين الألبومين، أصدر عامر الخفش عددًا من الأغاني الفردية، كما تعاون مع الموسيقار الأردني طارق الناصر، مؤسّس فرقة رم، في الغناء لعدد من التترات وأعمال الموسيقى التصويرية لمسلسلات عربية، من أبرزها موسيقى مسلسل الجوارح ومسلسل ملوك الطوائف التاريخي، الذي كان له تأثير واسع على مستوى بلاد الشام.

كان عامر من أوائل الفنانين الذين فتحوا الأبواب أمام بناء جسور مع مشاهد البوب الأخرى، والدخول في تعاقدات مع شركات إنتاج عربية، في محاولة لسدّ الفراغ الذي كان يخيّم على المشهد الأردني في تلك المرحلة.

من التجارب الأخرى التي سعت إلى التشبيك مع البنية التحتية العربية الأوسع للبوب تجربة النجم هاني متواسي، لا سيما في مرحلة كثّفت فيها شركات الإنتاج عملها، وحاولت استقطاب نجوم جدد عربيًا وعالميًا. 

تعلّم كثير من الفنانين أن التعاون مع شركات الإنتاج يجري وفق شروط هذه الشركات، وأنها تتعامل مع الفنان بوصفه قيمة سوقية مرتبطة باللحظة التي يُتعاقد معه فيها. غير أن هذا الوعي لم يكن حاضرًا بالقدر نفسه في تجارب الفنانين الأردنيين، الذين دخلوا هذه الشراكات في كثير من الأحيان من موقع أضعف، ودون التفكير في حماية مساراتهم الموسيقية.

عودةً إلى تجربة هاني متواسي، يمكن القول إنه استطاع أن يحتل مرتبة متقدّمة بوصفه فنان بوب أردني حقّق انتشارًا عربيًا لافتًا في فترة زمنية قصيرة. إذ لاقت أغانٍ مثل يا مهرة، وأحوالي ما تسرّش، ووينك حبيبي رواجًا واسعًا، مدفوعة بتعاونه مع شركة بلاتينيوم ريكوردز، الذراع الموسيقي لمجموعة إم بي سي. غير أن متواسي صرّح في إحدى مقابلاته بأنه يندم على توقيعه مع الشركة، معتبرًا أن التنازل عن حقوق الملكية الرقمية أضرّ بمسيرته، ومشيرًا إلى أن الفنان في تلك المرحلة لم يكن يمتلك وعيًا كافيًا بأساليب هيمنة شركات الإنتاج الكبرى.

تمكّن متواسي لاحقًا من الخروج جزئيًا من القالب الذي عُرف به، والذي اعتمد على الدمج بين البوب وإيقاعات الفلامينكو الإسباني، متجهًا إلى مساحة مختلفة كما في أغنية اسمي العزابي. تُعدّ تجربة متواسي مفصلية لفهم مأزق البوب الأردني قبل عصر المنصّات الرقمية؛ فهو من القلائل الذين غنّوا باللهجة الأردنية وحققوا انتشارًا عربيًا ملحوظًا، وفي الوقت نفسه كشفت تجربته مع شركات الإنتاج الكبرى عن معادلة غير متكافئة: فنان قادم من سوق صغير يفاوض مؤسسة تمتلك أدوات الإنتاج والتوزيع.

من الحالات المشابهة في السياق الأردني تجربة المطرب الفلسطيني الأردني طوني قطّان، الذي بدأ مسيرته بالغناء بلهجات متعددة، لا سيما المصرية واللبنانية. في بداياته، وتحديدًا في أوائل الألفينات، كان معظم إنتاج طوني فرديًا وغير تابع لشركات إنتاج، وهو ما أتاح له مساحة أوسع للتحكّم بالمستوى الفني الذي يطمح إليه. جاءت أغلب أغانيه حينها من كتابته أو تلحينه، وهو خيار يمكن قراءته بوصفه محاولة واعية للتموضع داخل السوق العربية، حيث تبدو شروط النجومية أكثر وضوحًا وأقل تقييدًا باعتبارات الهوية الوطنية.

نجح قطّان في الدخول إلى السوق العربية مع إطلاق ألبومه الأول عام ٢٠٠٨، وتوقيعه مع شركة مزيكا، ليشهد بعدها صعودًا عربيًا ملحوظًا استمر إلى أن واجه أزمة صحية أثّرت في وتيرة إنتاجه. بعد عودته، أعاد طوني توجيه مساره الفني مبتعدًا نسبيًا عن الأغاني الرومانسية، ومتجهًا أكثر نحو أغاني الأعراس الصيفية، كما في قهوتكم مشروبة، وروحي وروحك، وطلّ القمر.

من ناحية أخرى، كانت من النجمات الأردنيات القليلات اللواتي برزن في أوائل الألفينات رانيا الكردي، الفنانة المتعدّدة المواهب التي تنقّلت بين الغناء والتمثيل والتقديم التلفزيوني. يعرفها معظم الأردنيين من مشاركتها في أغنية زغرت آخر هالليل مع أبو يوسف عام ١٩٩٨، التي شكّلت ما يشبه الترند الأول في الأردن آنذاك، ثم من أغنية ما بتزهق الصادرة عام ٢٠٠٢ عن شركة ميوزك وورلد، والتي قدّمت فيها صيغة بوب لافتة ومتماسكة. لاحقًا، جاءت أغنية شايف نفسك عام ٢٠٠٦ لتقلب كثيرًا من الموازين، سواء من حيث جرأة الطرح أو من حيث الشكل والصورة غير الاعتياديين في ذلك السياق الزمني، بألحان عمرو مصطفى وتوزيع يوري مرقدي. إلى جانب مسيرتها الغنائية، عرفها الجمهور الأردني والعربي على نطاق واسع من خلال تقديمها الموسم الأول من برنامج سوبر ستار.

في مقابلة أجرتها مع صوت العام الماضي، عبّرت رانيا عن أن امتناعها عن الالتزام بمسار واحد، سواء في الغناء أو التمثيل، لم يكن تشتّتًا بقدر ما كان موقفًا واعيًا. إذ رأت أن الخضوع لشركات الإنتاج العربية الكبرى، أو التقيّد بالمعايير الصارمة التي تفرضها على الفنانين، كان يعني التضييق على حريتها الإبداعية. كما أشارت إلى أنها كلما شعرت بأنها تُؤطَّر داخل مسار محدد وتزداد عليها الضغوط، اختارت الانتقال إلى مسار آخر، انطلاقًا من ثقتها بموهبتها وميلها الدائم إلى التجريب.

برامج الهواة ومأزق بيروت

في سياقٍ موازٍ، لعبت برامج الهواة دورًا مركزيًا في تقديم الصوت الأردني إلى الجمهور العربي، بوصفها من القنوات القليلة التي أتاحت له الظهور خارج حدوده المحلية. من أبرز هذه التجارب ديانا كرزون، الفائزة في الموسم الأول من برنامج سوبر ستار العرب عام ٢٠٠٣، والتي تعاقدت لاحقًا مع شركة ميوزك ماستر كجزء من جائزتها في البرنامج. أصدرت ديانا في العام نفسه ألبوم ديانا سوبر ستار العرب، متضمّنًا أغنية انساني ما بنساك التي شكّلت لحظة انتشار واسعة، قبل أن تتبعه بألبوم العمر ماشي عام ٢٠٠٥. على امتداد مسيرتها، جرّبت كرزون أكثر من لهجة وأكثر من لون غنائي، دون أن تستقر على نهج فني واضح، وهو ما انعكس تراجعًا تدريجيًا في حضورها العربي.

كما قدّم برنامج ستار أكاديمي الفنان يحيى صويص، الذي يُعدّ من أبرز الأردنيين الذين خاضوا تجربة برامج المواهب وتمكّنوا من الحفاظ على حضورهم عربيًا ومحليًا لفترة أطول نسبيًا. إلى جانبه، برزت أسماء أخرى مثل بشار الغزاوي، ومحمد قويدر، ومحمد رمضان، وغيرهم. غير أن معظم هذه التجارب توقّفت عند بدايات قصيرة، تخلّلتها إصدارات محدودة، قبل أن تخبو نجومية أصحابها سريعًا، إمّا بسبب غياب الدعم المؤسسي الذي يلي انتهاء الالتزامات التعاقدية مع البرامج، أو بفعل ظروف شخصية وعائلية حالت دون استمرارية مشاريعهم الفنية.

تصل هذه السلسلة من التجارب إلى ذروتها مع أدهم النابلسي، الذي لفت الانتباه منذ مشاركته في برنامج إكس فاكتور أرابيا. عقب انتهاء البرنامج عام ٢٠١٣، وقّع النابلسي عقدًا مع شركة سوني ميوزك، وبدأ مسارًا يمكن اعتباره من أنجح تجارب البوب الأردني في العقد الأخير. حقّقت أغانيه ملايين المشاهدات على المنصّات الرقمية، وكان يتّجه بثبات نحو ترسيخ موقعه ضمن مسار نجومية عربية شبيه بما سلكه فنانون مثل وائل كفوري، وآدم، وملحم زين. غير أن هذا المسار انقطع بشكل حاد مع إعلانه “التوبة” واعتزاله الفن، وحذف أعماله من جميع المنصّات، في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا حول هشاشة النجومية وحدودها.

لا يمكن كذلك، في هذا السياق، إغفال تجربة نداء شرارة، صاحبة الصوت والحضور اللافتين، والتي فازت بلقب برنامج ذا فويس: أحلى صوت في موسمه الثالث عام ٢٠١٥. رغم ما وفّرته هذه التجربة من انتشار أولي وزخم جماهيري، يعكس مسار نداء اللاحق بدوره الإشكالية نفسها المرتبطة بغياب بنية إنتاجية محلية قادرة على استيعاب هذا النجاح والبناء عليه.

يجمع بين هذه التجارب كلّها أنها مرّت عبر منابر تقع خارج السياق المحلي الأردني. إذ رغم قدرة برامج المواهب على صناعة نجم فرد، هي عاجزة عن صناعة مشهد متكامل. حيث ارتبطت النجومية هنا بسردية البرنامج ولحظته الإعلامية، لا بسياق محلي قادر على هضم هذا النجاح وتحويله إلى مسار مستدام. هكذا ظلّ حضور الفنان الأردني في البوب العربي حضورًا فرديًا، قابلًا للظهور والاختفاء بالسرعة نفسها.

الموسيقى البديلة تمهّد الطريق

يُشكّل مشروع طارق الناصر، لا سيما تأسيسه لفرقة رم عام ١٩٩٨، إحدى اللحظات المفصلية في تاريخ الموسيقى البديلة في الأردن، إذ قدّم تجربة فنية جماعية ناجحة وفّرت نموذجًا مختلفًا للعمل خارج منطق الأغنية الرسمية، وأسّس لبنية إنتاجية وتعليمية خرّجت أجيالًا من الموسيقيين، مثل يزن الروسان وسحر خليفة وبشر أبو طالب، ويعقوب أبو غوش وغيرهم.

ما ميّز تجربة رم منذ بداياتها هو بنيتها المفتوحة؛ إذ لم تُصمَّم لاستقطاب فئة عمرية محددة أو نمط موسيقي واحد، بل جمعت موسيقيين تتراوح أعمارهم بين أواخر المراهقة وحتى الخمسينيات، بخلفيات وتجارب متباينة. أتاح هذا التنوع تداخل الأجيال والخبرات داخل فضاء واحد، ليس تنظيميًا فحسب، بل شكّل هذا التداخل عنصرًا أساسيًا في إنتاج حساسية موسيقية تنظر إلى الموسيقى بوصفها ممارسة جماعية تقوم على التعلّم والتطوير، لا مجرّد أداء فردي أو سعيٍ وراء النجومية. 

في سياق موسيقي افتقر طويلًا إلى مؤسسات غير رسمية، لعبت رم دور الوسيط بين الهواية والاحتراف، ومهّدت الطريق أمام كثيرين للانطلاق في مساراتهم الخاصة.

لا يمكن فصل هذا الدور عن تجربة طارق الناصر الأوسع في الموسيقى التصويرية، التي شكّلت جزءًا أساسيًا من الذاكرة السمعية في بلاد الشام. إذ تجاوزت أعماله السياق الأردني وامتدّت إلى الدراما السورية في لحظات مفصلية، كما في نهاية رجل شجاع ١٩٩٤ ويوميات مدير عام ١٩٩٥، إلى جانب عدد كبير من الأفلام والمسلسلات التي رسّخت حضوره بوصفه مؤلّفًا موسيقيًا قادرًا على صياغة لغة عابرة للحدود الوطنية دون أن تفقد خصوصيتها. انعكست هذه الخبرة، المتشكّلة خارج إطار الجغرافيا الضيّقة، لاحقًا في مشروع رم، الذي حمل منذ بداياته حسًّا إقليميًا منفتحًا.

في منتصف الألفينات، بدأ مسار آخر يتشكّل خارج هذه المعادلات، لكنه استفاد منها ضمنيًا: مشهد الإندي روك والمشهد البديل الأردني.

أسّست فرق مثل أوتوستراد، وجدل، والمربّع، وآخر زفير، وعزيز مرقة، بنية مختلفة للعمل الموسيقي، قوامها الإنتاج المستقل، والكتابة غير المتكلّفة، والعلاقة المباشرة نسبيًا مع الجمهور. لم تكن هذه التجارب بوبًا بالمعنى الكلاسيكي، لكنها لعبت دورًا حاسمًا في كسر احتكار المؤسسة، وإثبات أن الموسيقى يمكن أن تُنتَج وتُسمَع خارج القوالب الرسمية، وبلهجة أردنية محلية خالية من التصنّع، تحمل مرجعيات الحياة اليومية دون الحاجة إلى تبريرات لغوية.

إذا كان من الصعب الإحاطة بالموسيقى البديلة الأردنية في هذا السياق دون مقال مستقل، فإن استحضارها هنا ضروري لفهم تحوّلات ما هو دارج. إذ خرجت كثير من الأغاني التي صُنّفت بديلة في أواخر العقد الأول من الألفية من هذا التصنيف عندما اصطدمت بمشاهد موسيقية أخرى، لا سيما في مصر ولبنان.

تُعدّ تجربة فرقة جدل مثالًا واضحًا على ذلك؛ فما كان يُعتبر بديلًا في السياق الأردني وجد في مصر جمهورًا أوسع لا يرى تناقضًا بين كونه جمهور بوب وجمهور موسيقى بديلة في آن واحد، ما أتاح للأغاني أن تتحوّل إلى أعمال رائجة دون أن تغيّر بنيتها جذريًا. ينطبق الأمر نفسه على المربّع وعزيز مرقة، إذ ساهم هذا الانتقال الجغرافي في إعادة تعريف موقعهم داخل خارطة الاستماع العربية.

في لبنان أيضًا، لاقى البديل الأردني رواجًا لافتًا. إذ قُدّمت الفرق، التي عُرفت داخل الأردن بوصفها بديلة بين عامي ٢٠٠٨ و٢٠١٣، في السياقين اللبناني والمصري كفرق أقرب إلى الموسيقى الرائجة، أو على الأقل كأصوات مألوفة وقابلة للسماع خارج الإطار الثقافي. أسهم هذا التلقّي المختلف في تعويد الجمهور العربي على اللهجة الأردنية كلهجة مستساغة ومحبّبة.

يمكن النظر إلى هذا المسار، إلى جانب حضور نجوم برامج الهواة، وعلى رأسهم أدهم النابلسي، بوصفه حجر الأساس الذي مهّد لوضع الأردن على خارطة المواهب الجديدة في العقد الأخير. فتحت هذه التجارب، على اختلافها، الطريق أمام الجيل اللاحق من حيث الصوت أو الشكل، والأهم، من حيث نموذج العمل أيضًا: الاستقلال عن المؤسسة، وبناء الجمهور تدريجيًا، والرهان على الموسيقى وحدها.

البوب من غرف النوم | تيك توك وجيل زد

مع صعود تيك توك، ثم تسارع التحوّلات خلال جائحة كورونا، وجد الفنانون الأردنيون أنفسهم أمام نافذة غير مسبوقة للظهور. أعادت المنصّة، التي لطالما وُصمت بالسطحية، توزيع فرص الوصول، وأتاحت لأصوات جديدة أن تبلغ الجمهور دون المرور بالحراس التقليديين من إذاعات وتلفزيون وشركات إنتاج.

استفاد فنانو الجيل الجديد من هيمنة جيل زد على هذه المنصّات ومن فهمهم العميق لآلياتها، بوصفها مساحة للنشر، وكبيئة لبناء الحضور والاعتياد.

لم يبدأ عصام النجار، والأخرس، وسيلاوي، وزين، مسيرتهم بإصدار أغانٍ رسمية، بل ببناء جمهور مسبق عبر مقاطع قصيرة، وأداءات منزلية، وتقديم شخصياتهم العفوية القريبة من المتابعين. لذا حين صدرت الأغاني لاحقًا انطلقت من قاعدة جماهيرية جاهزة. تكشف تجربة عصام النجار، على وجه الخصوص، كيف يمكن لإنتاج بسيط، خارج أي بنية إنتاج تقليدية، أن يصل إلى قوائم انتشار عالمية، وأن يفرض نفسه داخل سوق لا يعترف عادةً بالأصوات القادمة من الأطراف.

غير أن هذه الفورة الرقمية لم تكن بلا ثمن. إذ كشفت سرعة الانتشار عن فجوة واضحة بين الشهرة الافتراضية والجاهزية الفنية. لم يختبر كثير من هؤلاء الفنانين المسرح، ولا شروط الأداء الحي، ولا العمل مع فرق تقنية محترفة. كان الأخرس من أوائل من اصطدموا بهذا الواقع؛ فكما ساهمت منصّات السوشال ميديا في انتشاره خلال فترة قصيرة من بدء نشره مقاطعه الغنائية القصيرة، تحوّل مقطع قصير وهو ينشز في أوائل مرات ظهوره على المسرح إلى مادة واسعة للتداول والسخرية، بمئات الملايين من التفاعلات الشرسة. 

أيضًا، لأن الجمهور عبر الشاشة مصاب بنوع من انفصام الواقع الافتراضي، يواجه الفنانون الجدد ما يواجهه الإنفلونسرز بطبيعة الحال. لا يمكن التعامل مع هذه الحالة بوصفها زلّة عابرة، بل بوصفها عرضًا لخلل أعمق: جمهور رقمي يمتلك القدرة على صناعة النجم وهدمه بالسرعة نفسها. 

وجد الجيل الجديد نفسه، بعد انتهاء الحجر الصحي، مضطرًا لمواجهة واقع تجربة الغناء المباشر، وهو انتقال ليس سهلًا، لا سيما لفنانين تشكّلت علاقتهم الأولى بالجمهور عبر الشاشة. قد لا تكون تنشيزات الأخرس أو سيلاوي، لثوانٍ معدودة في حفل كامل، مأساوية بحد ذاتها، لكنها تشير إلى غياب الحد الأدنى من الجدية في التعامل مع متطلبات الأداء الحي. ليس المقصود هنا نموذج الالتزام الصارم بتدريبات الحفلات على طريقة أم كلثوم، بل الحد الأدنى من الاستعداد التقني، والبروفات، وفهم شروط المسرح.

أذكر تجربة صديق يعمل مع أحد هؤلاء الفنانين في مرحلة ما بعد الشهرة، كما يعمل في مجال الحفلات، وقد اشتكى مرارًا من الصعوبات المتكررة في التعامل مع فنانين صعدوا عبر السوشال ميديا، من حيث ضعف الالتزام بالتدريبات، أو العمل مع مديري أعمال قليلي الخبرة، يركّزون على صورة الإنفلونسر أكثر من البناء الفني طويل الأمد.

في حالة الأخرس، حاول في البداية تبرير ما حدث، قبل أن يعترف لاحقًا بأن الانتقال من قوقعة الغرفة إلى جمهور الواقع يتطلّب مجهودًا وتمرينًا لا يمكن القفز عنهما. رغم هذه العثرة، تمكّن لاحقًا من إعادة ترسيخ حضوره عبر أغنيتَي سكابا وحرب، اللتين تجاوزتا جمهور جيل زد ووصلتا إلى شرائح عمرية أوسع، في مؤشر على نضج نسبي في التعامل مع الإنتاج والانتشار.

راهن كثيرون على أن هذه الموجة الجديدة من فناني البوب ليست سوى فقاعة عابرة، غير أن الأرقام تشير إلى عكس ذلك. لا تزال أغاني عدد كبير من هؤلاء الفنانين تحصد مشاهدات مرتفعة، ويبدو أن بعضهم بدأ ينتقل إلى مرحلة أكثر وعيًا في الإنتاج وبناء الهوية البصرية. إلا أن الإشكالية تظل في التعامل مع الموسيقى بوصفها ترندًا لا مسارًا؛ فحين يتشابه الفنان مع الإنفلونسر أكثر من كونه صاحب مشروع موسيقي، يصبح الولاء الجماهيري هشًّا، وقد لا تنعكس الأرقام الرقمية على جمهور الحفلات أو على الاستمرارية الفعلية.

الصناعة تلحق بالترند 

سارعت شركات الإنتاج الكبرى للتقاط إشارات التحوّل؛ ومع تصاعد دور المنصّات الرقمية، وتحوّل الترند إلى مؤشّر سوقي، أعادت هذه الشركات فرض نفسها مرة أخرى. لم يعد الفنان يطرق باب الشركة من موقع الحاجة، بل يأتي محمّلًا بالأرقام: مشاهدات وانتشار قابل للقياس. حتى إن لم يُلغِ هذا التحوّل اختلال ميزان القوة، فقد فرض تعديلًا ملموسًا عليه، وجعل الترند نفسه عملة لا يمكن تجاهلها.

في هذا السياق، طُوّرت أدوات جديدة في الصناعة، من بينها منصّات توزيع وتسويق مرتبطة مباشرة بتيك توك، مثل ساوند أون، التي، إلى جانب نشر الموسيقى، تعمل على دمج الفنان داخل منظومة المنصّة ذاتها، حيث يصبح الانتشار جزءًا من عملية الإنتاج، لا مرحلة لاحقة لها، وتغدو الأغنية مادةً قيد الاختبار المستمر وفق استجابة الخوارزمية والجمهور.

في الوقت نفسه، شهدنا انفتاحًا متزايدًا من قبل فناني البوب العرب المعروفين على التعاون مع الأصوات الجديدة الصاعدة عبر المنصّات. تتجاوز هذه التعاونات مجرّد الفضول الفني أو الرغبة في التجديد، بل هي تبادل محسوب: يمنح الفنان الجديد الترند والمشاهدات العالية، فيما يمنح الفنان المعروف الاسم، والتاريخ، والتعرّض لجمهور من فئة عمرية أوسع. في هذا التبادل، لا يذوب القديم في الجديد، ولا العكس، بل يُعاد ترتيب العلاقة بينهما وفق منطق السوق الراهن، حيث لم تعد الشرعية تُنتَج من التاريخ وحده، ولا من الترند وحده، بل من التقاء الاثنين ضمن لحظة قابلة للتسويق.

بوب بلا مركز

أعتقد أنه يمكننا الإجابة عن السؤال الذي افتتحنا به المقال دون تردّد: نعم، هناك بوب أردني. غير أن هذه الإجابة لا تكتمل إلا بسؤالها الموازي: هل هناك مشهد أردني يحتضنه؟ هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيدًا. لا يفتقر الأردن إلى الأصوات ولا إلى التجارب، بل يضم عددًا من المشاهد المصغّرة، المتجاورة ولكن غير المتقاطعة، والمقسّمة حسب الجنرات؛ ولا تزال هذه المشاهد، على حيويتها، عاجزة عن الاندماج ضمن مشهد واحد قابل للمراكمة، لا بسبب اختلافها، بل بسبب غياب البنية والموارد التي تسمح لهذا الاختلاف بأن يتحوّل إلى قوة إنتاجية.

يمكن قراءة تعثّر البوب الأردني بوصفه نتيجة لنشأته داخل إطار غير معني بالاعتراف بالبوب المحلي أصلًا. إطارٌ رسّخ الأغنية الوطنية بوصفها ذروة التعبير، وترك الشعبي حبيس المناسبة، ودفع البوب إلى منطقة رمادية، لا هي معترف بها ولا مرفوضة بالكامل. ضمن هذا النظام، لم يُمنح البوب المحلي فرصة التشكّل الطبيعي، ولا الوقت اللازم لبناء أدواته وجمهوره، فظلّ يظهر في صورة محاولات فردية قابلة للانتشار السريع، لكنها هشّة من حيث الاستدامة.

من هنا، يبدو صعود البوب الأردني عبر المنصّات الرقمية، لا سيما في سياق الإنتاج العربي المشترك، أقلّ شبهًا بالطفرة أو القطيعة، وأكثر قربًا من لحظة انكشاف متأخرة؛ انكشاف لأصوات وتجارب كانت موجودة على الدوام، لكنها وجدت فضاءً يسمح لها بالظهور خارج شروط النجاح المحلي. لم تصنع هذه الأصوات مشهدًا واحدًا بقدر ما رسمت خطًّا متعرّجًا من المحاولات والاختراقات، التي وجدت لها جمهورًا داخل الأردن كما خارجه.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف