افتقدنا، لسنوات، صدور ألبومات عربية تستحق الاستماع إليها كاملةً دون تخطّي أو تسريع، واعتدنا بالنتيجة أن نولّف قوائم تشغيلنا الخاصة ونعتبرها الألبومات الرسمية التي لم تصدر بعد. لحسن الحظ، أو لنأمل أنه حسن تقدير من البعض، عادت هذا العام الألبومات المشغولة والممتعة من التتر إلى التتر إن صح التعبير، ربما ليس بالكثافة المأمولة وبوقوف جزء كبير منها عند عدد قليل من الأغاني، لكنها عادت، وهنا نرصد هذه العودة في ١٢ ألبومًا.
عايض ٢٠٢٥ | عايض
خلال ألبومه الذي أخذ بشكله توجهًا خليجيًا كلاسيكيًا، خصوصًا عنوانه، استطاع عايض الخروج عن السائد في المشهد، مع إبراز لقدراته الصوتية وابتعاد عن نوعية الألحان التي ضرب بها العام الماضي
رغم ثباته على نفس الأسماء في الألحان، استطاع عايض إظهار جانب آخر لهم، مع توزيع متوازن، وتجارب جديدة مع شعراء مختلفين، والذين رغم تفاوت مستوياتهم، قدموا قطعة متماسكة وضعت نفسها كأحد أهم الإصدارات الخليجية الطويلة في السنوات الأخيرة.
الرجل الذي فقد قلبه | مروان موسى
في الرجل الذي فقد قلبه، يقدّم مروان موسى أكثر أعماله طموحًا وشخصية. ألبوم يمتد لساعة وثماني عشرة دقيقة، يضم ٢٣ أغنية من إنتاج مشترك مع المنتج حاتم عباس، في مشروع مفاهيمي يشير منذ البداية إلى جدية النية والرؤية. يدور الألبوم حول ثيمة واضحة مستوحاة من المراحل الخمس للحزن وهو مفهوم معاصر كثير الاستخدام في الثقافة الحديثة. من السهل أن يتحول مشروع بهذا الحجم والمفهوم المكرّر إلى استعراض مبتذل، لكن مروان يتفادى ذلك بفضل صدقه وتركيزه في مختلف جوانب العمل.
رسيني | بهاء سلطان
أشعل بهاء سلطان هذا العام بإصدارات ضاربة متتالية، وقبل أن نشبع من تراك صاحبي يا صاحبي باغتنا بألبوم رسيني. كلمات الألبوم حزينة وفيها عتب، وتراجع كيف يتغيّر حال الناس عندما تدخل المصالح. هناك ألحان تبدأ حزينة ثم تدخل فيها دقّة تسلطن، في إثبات جديد لقدرة ثنائي عزيز الشافعي وبهاء على وضع المستمع في مكان يحار فيه أيبكي أم يرقص.
في آي بي إديتس (الجزء الثاني) | تومبا
هناك مستوى واضح من الاهتمام بالتفاصيل في أعمال تومبا، يتجلّى بشكل خاص في مقاربته للإديتس والريمكسات، والتي تظهر هنا كإعادة صياغة شاملة تتعمّق في جوهر الأعمال الأصلية، فتقوم بلويها وإعادة تشكيلها بطرق جديدة وغير متوقعة، مع التركيز على جوهر كل تراك ورفعه إلى آفاق صوتية جديدة ومبتكرة.
أكثر ما يميّز الألبوم حسه الشخصي. هناك ابتسامة لعوبة ترتسم على وجهنا منذ اللحظة الأولى، تبدأ مع الرحلة الممتدة لسبع دقائق في ريمكس أغنية ريل لاف لفنان الآر أند بي اللبناني الكندي مساري.
يقدم تومبا نافذة على الإمكانيات الكامنة في الموسيقى الراقصة الحديثة الممزوجة بعناصر البوب، فقط ليُظهر للمغنّين، والإم سيز، والمستمعين في المنطقة أن هناك أراضٍ صوتية جديدة ما زالت تنتظر من يكتشفها.
طربان | رحاب الشمراني
كثيرًا ما يثير صوت رحاب الشمراني الانقسام، بين متيّم بدرجة فرادة هذا الصوت وخشونته، ومُعايرٍ واصفٍ صوتها أنه أقرب لصوت الطقاقات (مغنيات الأفراح)، كتنمّر كلاسيكي على مزاولات هذه المهنة وشعبية أصواتهن وبُعدها في أغلب الأحيان عن الرقة. في هذا الألبوم تضع رحاب كل هذا وراءها وتستعرض قدرتها على تطويع صوتها لأقصى الشعبي وأقصى الرومانسية والرقة الكلاسيكية، بتعاون قوي مع اليمني اللحجي عبد الله آل سهل يصل ذروته في أغنية طربان التي تبدو كتصريح: “هذا اختياري وصَكّ القلب مزلاجه.”
عبدة | عيطة مونمور
على مدار آخر عامين، قام كلُّ من وداد وخليل بجولات موسيقية وحفلات لا تحصى. لا نتعجب أبدًا من ذلك، حيث يعد ألبومهم الأول، عبدة، خير دليل على جودة موسيقتهم التي تستحق هذا القدر من العروض الحيّة. الألبوم بالغ الترابط موسيقيًا ومفاهيميًا وفي توزيع الآلات وإنتاج الإيقاعات الذي يقدّم فن العيطة من غرب المغرب برؤية معاصرة ومبتكرة. أكثر ما يثير انتباهنا في هذا المشروع حنجرة وداد القوية التي تمتعنا بصوتها متعدد الطبقات، بالإضافة إلى الطابع الإلكتروني لخليل الذي يثري جذور المشروع الثقافية.
لا يطق العرق | خديجة معاذ
نجد في ألبوم لا يطق العرق للمغنية السعودية خديجة معاذ نضجًا موسيقيًا جليًا، واختيار خديجة الاستقرار على الأسلوب الخليجي الكلاسيكي في الألحان والكلمات. تطغى على معظم الأغاني ثيمات مثل القدرة على الاستغناء وعزّة النفس، بينما ينفرد ياسر بوعلي بألحان الألبوم مع استثناء لحن وحيد هو استعادة للحن أغنية من كلاسيكيات عتاب، ليكسب بوعلي فرصة مثالية لإعادة شحذ موهبته التي وضعته بين أهم ملحني الخليج في العقد الماضي، من خلال التعامل مع صوت فخم يطلق الخيال.
ابتدينا | عمرو دياب
عند استماعي إلى ألبوم عمرو دياب للمرة الأولى، كان انطباعي أنه يكرر الأسلوب ذاته الذي اعتدناه منه في مرحلتين سابقتين: أواخر التسعينات، حين اعتمدت أغانيه على الأسلوب الرومانسي الحزين، أو مطلع العقد الثاني من الألفينات، عندما غيّر جلده ليلائم الإيقاع السريع، فصارت أعماله أكثر اعتمادًا على الإيقاعات المتسارعة والصفقات وضربات الجيتار والجُمل المكررة؛ أغانٍ صيفية خفيفة، لا تكاد تنتهي إحداها إلا وقد حفظنا معظم كلماتها.
للمفارقة، السبب نفسه الذي دفعني إلى النفور من الألبوم في البداية، هو ما أعادني إليه لاحقًا.؛ فمع إعادة الاستماع، تبيّن أن الألبوم يقوم على تعاونات مألوفة من محطات سابقة في مسيرة عمرو دياب؛ من بينها تعاونه مع الشاعر أمير طعيمة، صاحب أغنية برتاح معاك، ومع الملحن عمرو مصطفى في خطفوني، التي شاركته أداءها ابنته جنى، وكذلك في ابتدينا، بعد تعاونهما الأسطوري في قصاد عيني وليلي نهاري.
كما يضم الألبوم تعاونًا مع أيمن بهجت قمر، الذي كتب لعمرو دياب أكثر من أربعين أغنية على مدار مسيرته منها يهمك في إيه والليلادي. يحمل ألبوم ابتدينا طابعًا استعاديًا بالدرجة الأولى، يستعرض فيه الهضبة مسيرته بكل تنوّعاتها وتحولاتها.
عقارب | ويجز
بعد أعوام من الإصدارات المنفردة والقصيرة، أصدر ويجز ألبومه الطويل الأول عقارب، والذي استحق الانتظار. في ٢٤ تراك بين سايد إيه وسايد بي، يدخل ويجز جامعًا بين أسلوبه المعتاد، ورغبته في التجريب، مع تعاونات قد تبدو غير مفهومة على الورق، لكن مبهرة في الاستماع.
يكسر ويجز اتهاماته بالابتعاد عن الراب لصالح البوب، ويوجه نفسه إلى منطقة رمادية جمع فيها بين النوعين بشكل سلس على مدار الألبوم. يجمع ويجز عدة أسماء ساهمت في رفع مستوى الألبوم خلال التعاونات، من زولي في إنتاج باد دايز، إلى كل من محمد منير ودحوم الطلاسي وحمود السمه وتايك في الأداء.
العناق الأخير (الجزء الأول) | أحلام
خارج الميمز واستسهال اختصار مشروعات فنية ضخمة بظهور أو تصرف أو تصريح، أحلام صوت مهم وذكي، صعدت بسرعة قياسية واستقرّت نجمةً واستمرت تحديًا ومنافسًا قويًا لأقرانها على مدار ثلاث عقود. في ألبوم العناق الأخير براهين أكثر من كافية على ذلك، إذ لم تمنعها انتقادات صعوبة كلمات أغانيها من الحفاظ على معايير عالية في اختيار الكلمات جعلت أي ذكر لأفضل شعر غنائي للعام يجب أن يمر من خلال ألبومها. كذلك لم يوقعها التسارع التكنولوجي واختصار الأعمال الغنائية في كونتنت في فخ الوقوف بأغانيها ما دون حاجز الثلاث دقائق، بل ذهبت إلى ما فوق ستة وثمانية وحتى عشرة دقائق معتنى بعناصرها، على رأسها أداء أحلام المقتدر.
بجد | ليجي-سي
في ظل تشتت العديدين في مشهد الراب المصري وبحثهم عن صوت قائم على رفات التراب أو الدريل، يعود ليجي سي إلى جذور الهيب هوب القائمة على السمبلة والفواصل الإيقاعية والجروف. ينقلنا بذلك إلى صوت سبعيناتي بفضل سامبلز الوتريات وآلات النفخ وجيتارات الفانك، بعيدًا عن التايب بيتس التي عصرت إلى آخر قطرة، والاستعراض والأخصام والنكش وما إلى ذلك، متجنبًا بقية المشهد. تتناسب البيتات مع مواضيعه وتأملاته الشخصية التي يسردها بشكل تلقائي وأسلوب مسترخي.
وائل كفوري ٢٥ | وائل كفوري
من بين مغنّي البوب اللبنانيين، لمع ألبوم وائل كفوري الجديد ليعيدنا إلى ذروة أوائل الألفينات؛ إذ حظيت كل أغنية فيه بإعجاب واسع من جمهور وائل العابر للأجيال. المفارقة أنني، وعلى غير العادة، استمعت إلى الألبوم للمرة الأولى خلال حفل أحياه وائل هذا الصيف في الأردن، بمشاركة عبير نعمة؛ زمن شاهد حفلات وائل يدرك أنه من الفنانين القلائل الذين يتمتعون بصوت فتّاك وحضور لافت على خشبة المسرح.
في آب، لم يكن قد مضى على صدور أغنية تك تك تك سوى نحو شهر، ومع ذلك كان الجمهور الهائل يطالب بها بحماسة لافتة رافقت الحفل من أوله إلى آخره، وكأنها توازي ظاهرة سألوني سألوني. يتنوع الألبوم في حسه الموسيقي، فنجد الأغاني الراقصة الفرحة، إلى جانب الأغاني ذات الطابع الملحمي مثل بدي غيّر فيكي العالم، فيما حافظ وائل في بقية الأغاني على كلاسيكيته الرومانسية المعهودة. حاول الجمهور بدوره قراءة كلمات بعض الأغنيات وربطها بالدوّامة العاطفية التي يمر بها وائل خلال هذا العام.
