الإمكانيات التقنية لصناعة الموسيقى في صعود مذهل، يقابلها هبوط في مستوى كلمات الأغاني محبط بنفس القدر. أصبح رنين الكلمة ومدى توافقها مع التوزيع وطول وقفلة الجملة اللحنية أولويةً عليا ومقدمة على المعنى والتركيب وتميّز المفردة ومدى ابتكار الصورة الشعرية؛ حتى بات يسبق العمل على اللحن العمل على الكلمة التي تقتصر مهمتها على ملء الفراغ. لهذا استحدثنا هذه القائمة، للفت النظر إلى حيث ما زالت هناك كلمة، سواءٌ تكاملت مع بقية عناصر الأغنية، أو ظُلمت بتواضع تلك العناصر؛ المهم أنه في أغاني هذه القائمة الكلمة دائمًا متفوقة.
جدية ام قنفة | يسري صلاح
قد تكون هذه الأغنية أقسى ما كُتِب وأقسى ما غُنّي في شكل تهويدة أطفال، إذ ترسم مشهد اغتيال أم وطفلها في المذابح المروعة التي نفّذت في السودان وكأنها تُربّت على ظهر طفلٍ آمن، بدون مواربة ودون مجاز، ودون فجاجة لم تترك لها تلك المذابح فسحة على أية حال. يستحق يسري صلاح وأحمد أمين التحية على هذا العمل.
“أحكي ليكم قصة عن بنيّة جميلة / لا هي فاهمة سياسة ولا بتعرف الحيلة / جمب جنيتها مربوطة جاتها ذخيرة / ماتت ساكتة لا صوت بكا لا عويلة”
لحظة غيابه | محمود العبد الله
أجادت رحاب الشمراني انتقاء كلمات ألبومها القصير لهذا العام، بين وقع جمل طربان القصيرة اللاذعة ودرامية ومهابة لحظة غيابه، التي يصوّر فيها محمود العبد الله ما تفعله لحظة وقوف عند باب الهاجر بالزمن والذاكرة، بتشبيهات تستحق القشعرة ولا تدفع باتجاهها:
“أنا مشتاق له واسال غيابه ويش أسبابه / ويهزمني الجواب اللي عجزت اقراه واحلّه / وقفت اكتب شعوري لين طاح الحبر باهدابه / وعيّا خاطري يكتب له أشواقي ويرسلّه”
يا أسماء 2 | الميرزا عادل أشكناني
تزخر اللطميات بقصائد دسمة لعِظَم الانفعال الذي تُكتب به، إذا تُجسَّد من خلالها مظلومية تاريخية وتكون محاولة لإنصاف مدى المظلومية ومدى استحقاق ضحاياها العظام للتفجّع عليهم أبد الدهر. من اللطميات المتفوقة بكلماتها لهذا العام يا أسماء من كتابة الميرزا عادل أشكناني، التي تصوّر إحدى القضايا الخلافيّة المسمّاة حادثة كسر الضلع بشكل ملحمي يذكر بالموثبات التي لطالما أشعلت الحروب بين قبائل العرب:
“أسما خلّيني أبِث من صدري الاوجاع / كسْر الخواطر موش أقل من كسْر الاضلاع”
مش نفس الشي | أنطوني أدونيس
العام الماضي أدرجنا أغنية ماريلين نعمان، هدنة، في القائمة؛ لتبدو هذه الأغنية بصدفةٍ ما استكمالًا لقصة هدنة على نفس مستوى الكتابة العالي، فهناك تطلب كلمات جاد عبيد وقتًا مستقطعًا من كل الشد والجذب والألم لاستذكار الأساسيات وأن أحدهما ينتمي للآخر، بينما تأتي كلمات أنطوني أدونيس في مش نفس الشي بعد استنفاذ الحلول والفراق، بينما لم تنفذ المشاعر بعد:
“صوتي بعده بيندهلك لو شو ما غنّيت، إذا سامع / وينك عم بشتقلك بس ما بعمري تمنّيت، شوفك راجع”
كبرك نهر | حيدر العماري
هزّت مأساة غرق حسين الجياشي العراق منتصف أكتوبر الماضي؛ الشاب ذو الثمانية عشر عامًا المعيل لعائلة من خمسة أفراد، والذي قدم من السماوة إلى بغداد للعمل، وفي استراحة أحب أن يسبح قليلًا في نهر دجلة، فجرفه التيار. عُثر بعد أسبوعين على جثمان حسين فأصدر علي الدراجي هذه اللطمية ذات اللحن الجنائزي المُفجع لرثاء الغريق، بأداء مقتدر أليم وكلمات حيدر العماري العبقرية التي تثري الحروف ذاتها بأكثر من معنى.
“لو بيدي ادورك قطرة قطرة / وارداني فوق الماي اعصره / أدري اليموت تراب قبره / قبرك نهر وصغير حضني”
اشتياق الناي | فيصل القاضي
من حظ كلمات اشتياق الناي لـ فيصل القاضي أنها قد تهيأت لها كل أسباب تقديرها بما يليق بها، بين مغنٍّ وملحّنٍ وموزّع، أحسنوا تجسيد واحدة من أرق صور انسحاب عاشق في قرارٍ واضطرارٍ أخير، يستودع فيها من أحبه عند كل شعور وذكرى جميلة، في ٩ أبيات عاصفة ومحبوكة:
“فمان الليل واحلام الوصال وبالك النسّاي / وسواليف السهر وعتابك اللي يتبعه عذري”
يا رحمن | قاسم أبو زيد
بعد الندبة التي تتركها أغنية جديّة ام قنفة، تحنو نانسي عجاج على المفجوع والمكلوم بأغنية تبدأ بـ “يا رحمن اجبر مكسورك”، كتبها قاسم أبو زيد على شكل رباعيات رشيقة تستجلب الأمل من كل اتجاه وتطبطب دون أن تخدّر:
الخازوق الواقف عارض / بين الحق والصح متعارض / يا المجذوب يا ود الفارض / انده ربك وربك قارض”
الخيل والبارود | برهيمي البكاي
تأسست فرقة سنيترا في مدينة وجدة بالمغرب عام ٢٠١٥، واستغرقت أربع سنوات في تعديل تشكيلتها حتى تبلورت في ٢٠١٩ وبدأت بتقديم حفلات على مسارح كبرى، مع اندلاع الجائحة. ما زالت الفرقة تتعافى من هذا الحظ العاثر حتى اليوم، حتى أن ألبومهم الأخير، الصح ينبت، ما زال قيد التطوير منذ أكثر من أربع سنوات وبين كل تراك وآخر عامان كاملان. هذا ثالث تراكات الألبوم ويؤكد أن مثابرة هذه المجموعة تستحق التقدير والالتفات، بطريقتهم الفريدة في استعادة تراث المشيخة من شرقي المغرب والمتعة المعدية التي يطورون بها إصداراتهم. في الخيل والبارود يقص برهيمي البكاي، مؤسس الفرقة وعازف الباص، حكاية جدّه الذي شارك في المقاومة ضد المستعمر الفرنسي، بطريقة تبدو وكأن الكلمات شاعت منذ زمن القصة وتحولت إلى تراث بالفعل لا كتبت حديثًا:
“جدي طاح مضروب وفي صدره معطوب تجبد مور البير / قالهم غير مشيو نموت هنايا خير ما نموت فالسرير”
حبيبي رح | عين
شهد هذا العام قفزة مهمة في مسيرة عايض على صعيد الأغاني المنفردة والألبومات، من ناحية طريقة الأداء واختيار الألحان والتوزيعات، بشكل جعل إصداراته تندرج في أكثر من نووي ومتكررة في أكثر من قائمة في حصاد أفضل ما صدر في ٢٠٢٥. في حبيبي رح يغني عايض من كلمات عين عن حبٍّ شاق وغير مشروط بصورة من أرق ما يمكن:
“أتوب من الخطا لكن ’أحبك’ هي خطاي الصح / يا ذنبٍ كل ما تبته حنيني يرجع يعيده”
العشرين | سيف الفارس
يصعب تخيّل أن يبدأ مسلسل كل واحدة من حلقاته الثلاثين برثاء أليم، لكن هذا كان خيار صناع مسلسل العشرين العراقي الذي يروي قصة مجموعة من الشهداء. كتب الشارة ولحّنها سيف الفارس، مع تفوق واضح للكلمات التي ترسم مشهد انتظار وتفجّع وتوق توقّف لثقله الزمن:
“تانيتك من غروب لغروب / وعيوني بيضا عيون يعقوب / أركض ركض واتخيلك جيت / كلما عليّه اندقت البوب”
يوم هب الوقت | فهد المساعد
كان لأحلام نصيب الأسد من أفضل الأشعار الغنائية الخليجية في ٢٠٢٥، بألبوم تبرز فيه أربع أغانٍ على الأقل مقارعةً بنصوصها الغالبية العظمى مما سمعنا طوال العام، وحشتوني والليل سادة من كتابة وارفة، وآه من قلبي من كتابة منصور الشادي، ويوم هب الوقت من كتابة فهد المساعد. في يوم هب الوقت لحظة لقاء اثنين بعد انقطاع الوصل زمنًا، بما فيها من سيل الصور والمشاعر التي عصفت بهما ما قبل الانقطاع، وأثر التفاتة ونظرة وابتسامة اللقاء الجديد:
“يابعد من كدّر غيابي مزاجه / ويا بعد من مرّت حروفه شفاهي / رغم حيرة قلبك ورغم انزعاجه / الزمن ما غيّر احساسك تجاهي / ورغم وحشة بعدك وقسوة سياجه / كل حاجه فيك ظلّت مثل ما هي”
أمينة | ضبور
إن اقتربت أغنية من التعبير عما يعتمل في قلب الفلسطيني وهو يعايش أحداث غزة، فهي أمينة، أغنية الضبور التي يعود إلينا بها بعد غياب أكثر من عام. بصوت هادئ، وقلب مكسور يأبى إلا أن يلملم نفسه بعد كل سطر: “من وين أجونا مين هدول تراهو الله بلاهم فينا بنرعب الخطوط“، “عد شباب للبلد تروح ما تهاب الموت وبإجريها تروح“، يسأل الضبور نفسه ككل فلسطيني عن الحكمة من هذا القدر القاسي، وعن حد تحمله، وإن كان قادرًا على التضحية الكبرى.
حطت يدك | فهد عافت
على عكس اللقاء النبيل في أغنية أحلام، في كلمات فهد عافت لهذه الأغنية تشفٍّ مرير بمن فارقه والتقاه بعد حين، فقد استحالت كل ظلمة نورًا وكل غمّة افتراجًا وكل عسرٍ يسرا، بصياغة حرّيف يتفادى فخ الردح والشبحنة المعتاد ليكوي دون نار:
“حتّى لو الماضي بَهَتْ / وكانت حكاية وانتهت / يهمّني أمرك كثير / لا تصدّق السطر الأخير”
عمار | فوزي
تتبلور كتابة فوزي مع كل إصدار، وربما منحه طول تراك عمار فرصة مثالية لحبك أفكاره. بالنتيجة، وبينما يخرج تراك أمينة لـ ضبور بلسان حال فلسطيني يفكك لحظة انفعاله وألمه أمام نفسه ليستطيع الاستمرار، يأتي عمار بعد التماسك، بإقرار لكل ما يبعث على الجنون: “كل يوم بلاك بحسه خطوة / بحسه خطوة للهلاك”، وإقرار لتمام السيطرة عليه إصرارًا على البقاء ويقينًا بحتمية لقاء الراحل والبعيد: “نصر على البقاء / قد ما الدنيا تبعد بيني وبينك بيننا فيه لقاء”
