منذ بدايات الحياة الرقمية، صارت المقاطع القصيرة جزءًا فاعلًا من حياتنا، ليس على مستوى العلاقات الاجتماعية والسياسية فحسب، بل امتد ذلك الأثر إلى الحياة الفنية، في الفنون البصرية بدايةً، ولاحقًا في فنون الكتابة، ما أنتج أنماطًا من التفكير لم تكن مألوفة قبلها.
على مستوى الموسيقى، صارت الميديا تعيد تشكيل الذائقة، وتنتج نجومًا وتخلق لازمة أو جملة موسيقية تتحول إلى مادة خام قابلة للاستثمار: أغنية تولد خارج الاستوديو، تنتشر كفيديو هاتف أو مقطع يوتيوب، ثم يعاد تدويرها داخل صناعة أكثر “اعترافًا” وتنظيمًا.
هذه قائمة بأبرز الأغاني العراقية التي كان أصلها مقاطع متداولة هنا أو هناك، قبل أن تلتقطها السوق الرسمية، مرة كلحن ومرة ككلمات، ومرة كلحن وكلمات معًا.
أم شامة
قبل أن تتكرس منصات التواصل الحالية، انتشر مقطع لجمعة العتاك على الهواتف في ٢٠٠٦ – ٢٠٠٧، وعُرف شعبيًا باسم أم شامة. كان يُتداول عبر البلوتوث، وصار واحدًا من أشهر المقاطع المتداولة في ذلك الزمن، بفضل خفته وروح النص وسرعة انتقاله، ولغته الصادمة اجتماعيًا.
بعد ذلك، وفي ٢٠٠٩، قدم قاسم السلطان أغنية أم شامة التي شكلت بوابة عودته إلى الساحة بعد انقطاع وترنح في مسيرته الفنية بعد ٢٠٠٣. رغم أن الكلمات تُنسب إلى الشاعر ضياء الميالي في الكليب، فإن الأغنية تلتقط اللازمة النصية التي ارتبطت بمقطع العتاك، مستعيرة أجزاء من الجملة، وحتى روح المفارقة التي يقوم عليها البناء الكلامي في النسخة المتداولة.
أضافت النسخة الرسمية ترتيبًا أوضح: نصف موال افتتاحي ومقاطع جديدة ووصلات موسيقية تمهد للانتقال من كوبليه إلى آخر، هذا فضلًا عن فكرة الكليب التي أعطت أغنية السلطان شهرة على مستوى عربي.
لكن بقي أثر الصوت الأول حاضرًا في الذاكرة السمعية للأغنية، كالظل.
عقلي وزماني يا حمود
في مقطع من ريف الجنوب، ثمة صوت لامرأة مجهولة وهي “تكول” بمرارة عن زوجها حمود الذي تزوج عليها. تشير بعض المصادر غير الرسمية أنها أغنية من تراث السناء في مدينة الناصرية، مؤلفة من دارميات تراثية. انتشر المقطع تحت عنوان عقلي وزماني يا حمود، وتحوّل بسرعة إلى لحن يتداوله الناس أكثر مما يتداولون قصة المقطع نفسها. لذلك يصعب تثبيت تاريخ ظهوره بدقة، لكن أقدم رفع واضح له على يوتيوب يعود إلى ٢٠١٨.
ظهرت أغنية للموصل اشتاقيت على نفس اللحن بصوت نصرت البدر بمشاركة حسام الماجد. غير أنها أغنية وطنية، ظهرت وقت تحررت الموصل ٢٠١٧، اللافت أن العمل أشار إلى “إعداد اللحن”، بما يوحي بأن اللحن لم يُبتكر من الصفر بقدر ما جرى تهذيبه وتوزيعه وتحويله إلى صيغة قابلة للأداء والتسجيل، بعد أن كان موجودًا كجملة متداولة بين الناس.
نبقى كونك ناوي
عاش زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، فترات متقطعة في إيران بين ٢٠٠٧ و٢٠١١، خصوصًا في مدينة قم، لأغراض الدراسة الدينية والتواري عن الأنظار. خلال تلك الفترة، كرّر أنصاره زيارات جماعية وفردية من أجل اللقاء به.
ضمت إحدى تلك الزيارات، يرجح أنه في نهاية ٢٠٠٩، شعراء ومنشدين. ظهر جزء مسجّل من ذلك اللقاء مدته أكثر من ١١ دقيقة، يقرأ فيه أنصار الصدر الشعر والإنشاد لحثه على العودة إلى العراق. لم يتضح ما إذا كانت هذه الأناشيد مُعدة سلفًا أم مرتجلة.
من ذلك الفيديو انتشرت على نطاق واسع صفكة نبقى كونك ناوي. فضلًا عن العتب المحبّب من قبل الجمهور العراقي، يضم لحن الصفكة تنويعات وانتقالات خفيفة منحت الفيديو إيقاعًا سريعًا. رغم عفوية الجلسة، بدت هذه الصفكة تحديدًا مكتملة منذ البداية؛ ولأن الإنشاد في الفيديو جماعي، لم يتضح من الذي ينشد بالضبط، رغم أن بعض المنشدين يظهرون في الفيديو، منهم: جعفر المطيري، بهاء الحسيني، علي الملا، وعلي الزينبي.
بعد ذلك بفترة قصيرة، سجل المنشد جعفر المطيري الصفكة، وعلى نفس اللحن والكلمات، وأصبحت واحدة من أكثر الأناشيد الصدرية رسوخًا، لارتباطها بالفيديو الذي يظهر فيه الصدر مجتمعًا مع أنصاره في جلسة ودية، ولتلبيتها حاجة نفسية ورمزية لدى الصدريين كانت تتمنى عودة الصدر إلى البلاد. لكنها لم تبق حبيسة الأذن الصدرية، وأصبحت من الأناشيد الرائجة لشعرية كلامها وخفة ألحانها.
اسمع حبوبي
بالإضافة إلى أغانيها، خطفت الفنانة عنود الأسمر الأضواء بسبب “القفشات” التي ترميها بين الحين والآخر أثناء حفلاتها، أو بين أغنية وأخرى. قفشات تتأرجح بين الرد على أعداء متخيّلين أو حقيقيين لا نعرف بالضبط، وبين عبارات أقرب للنكتة اليومية؛ فيها من الخفة والمفارقة ما يجعلها قابلة للاقتطاع والحفظ وإعادة الاستخدام. مثلًا: “إلى كل شخص حاب يطلع من حياتي / بس بلا زحمة سد الباب وراك.”
في مسار صار مألوفًا على منصات التواصل، أخذ جمهور الميديا يقتطع تلك العبارات وينشرها كريلز رائجة، ومنها: “الدنيا باردة وما أكدر أغسل وجهي / الله يساعد العنده وجهين”، “أبجي غاز على العزاز”. هنا بالضبط تبدأ الحكاية الموسيقية: تسبق الجملة الأغنية، ويسبق الانتشار التسجيل.
لكن عنود تختلف قليلًا عن بقية أمثلة القائمة: فهي لم تلتقط جملة من فيديو مجهول لتُحوَّل لاحقًا إلى أغنية تحت عنوان اسمع حبوبي، وهي اللازمة الخاصة بها، بل استعادت عباراتها هي نفسها بعد أن انتشرت منفصلة على الميديا، وجمعتها في مكس يبدو كأنه أرشيف ساخر لأفضل اللقطات. بمعنى آخر، بدل أن تتحول جملة الجمهور إلى أغنية، تتحوّل جملة عنود بعد أن يثبتها الجمهور، إلى مكس بصوتها.
لحكتني للبستان
في حفلة منزلية، يستعيد الشاب علي ماجد ردة أعراس تراثية ترددها النساء: “لحكتني للبستان بتكم يسادة / عفت الصلاة والصوم عفت العبادة”؛ ورغم أن الردة معروفة ومتداولة، فإن ماجد غنى “اللائات” المنتمية للردة الأصلية بطريقة عفوية ومرحة. أداء خفيف يراهن على الإيقاع قبل المعنى. كما هو حال كثير من ردات الأعراس العراقية، يحمل الكلام نوعًا من الهتك للمقدس، على مستوى المزاح الشعبي، لا مستوى الموقف الفكري.
انتشر فيديو علي ماجد في الميديا، وتحول سريعًا إلى نجم منصات، وصار المقطع يُعاد تدويره بوصفه لازمة جاهزة للترديد. هذا الصدى تحديدًا هو ما حرك الفنان علي جاسم الذي كان وقتها في خط تصاعدي يلتهم سوق الغناء العراقي ويعرف عربيًا ليجلب علي ماجد وأغنيته إلى مساحة أكثر احترافًا.
والله همر
في باص غير محدد اللون، ربما أبيض، مجموعة شبان غير معروفين من مدينة غير محددة، معهم طبلة، يبدو أنهم فرقة موسيقية شعبية. بطريقة ارتجالية أضاف المغني منهم مقطعًا جديدَا إلى صفكة صدرية قديمة: والله همر. قُدّم المقطع الجديد بطريقة انفعالية جذابة، وارتبط لاحقًا بالمقاطع القديمة من الصفكة، كأنه امتداد طبيعي لها.
بعد ذلك، بدأ الشاب يظهر في فيديوهات جديدة وهو يغني المقطع نفسه: “شريان محرب / حتى دمي مرقط / كتال إني كلمن تعدى الخط…”، ويكرر الأداء في أكثر من مقطع وبالروح ذاتها، ما ساعد على تثبيت اللازمة الجديدة. انتشر المقطع، وأعاد الصفكة القديمة إلى قوائم الاستماع.
لم يتوقف المقطع الجديد عند الريل؛ فقد غناه الفنان جلال الزين في حفلة تشرين الثاني ٢٠٢٥، دون أن يشير إلى شاعر أو ملحن الصفكة.
مع دخول الصفكات الصدرية سوق الأغاني، لم يعد ثمة جدار فاصل بين الصفكات والإنشاد والأغنية، كما كان الأمر في العقد السابق؛ إذ صارت الجملة الشعبية، مهما كان منشؤها، قابلة للانتقال من الباص إلى الشاشة، ومن الشاشة إلى المسرح.
