إينفرنو | بوردز أُف كندا

المراجعات - كتابة: محمد أشرف - ٢٠٢٦/٠٦/٠٤
3-2
تحميل...

عندما ينطلق بروفيسي أت ١٤٢٠ ميجا هرتز، ثاني تراك من ألبوم إينفرنو، يتّسع كل شيء. انفجارٌ عظيم تُمهد له مقدمة هادئة من السينثات الأنالوج المميِّزة للفرقة، والعينات الصوتية المصحوبة بإيقاعات متماسكة. يتسع مجال الستيريو، وتمتد الترددات إلى أكثر الطبقات العالية بريقًا وأعمق الطبقات المنخفضة؛ إنه بوردز أُف كندا بجودة عالية. تتصدر الجيتارات المشهد، بينما تنبض الكيك بقوة مع تأثير واضح من الـ بيت كراشر يستمر حضوره طوال التراك. نفاجأ عند دخول الغناء الذي يبتعد تمامًا عن أصوات الأطفال الحالمة التي ميّزت ألبوم ميوزيك هاز ذَ رايت تو تشيلدرن، وعن الهمسات الغامضة غير المفهومة في ألبوم جيوجادي. يأتي الغناء عميقًا، إيقاعيًا وحازمًا، وتبدو الموسيقى هنا أكثر ضخامة ونقاءً. 

عاطفيًا، يغطي إينفرنو مساحةً واسعة بقدر اتساعه الصوتي، فالألبوم الأول للثنائي منذ ١٣ عامًا، وأحد أكثر عودات الساحة الموسيقية مفاجأةً وترقبًا، ينتقل بسلاسة بين الحنين الهادئ واليأس الذي يذكّر بألبوم توموروز هارفست، وبين النشوة الدينية وتوتر اللايقين. تتقدم عناوين التراكات عبر دورات من الحياة والموت والانبعاث، في توازن كامل بين العبثية والأمل. كما في الألبومات السابقة، تمتد الثيمات الدينية عبر العمل بأكمله، لكن بينما كانت تتطلب في السابق قدرًا من تفكيك الرموز والتأويل، فإنها هنا تظهر بوضوح تام وعلى مرأى من الجميع. 

تنبض هذه الثيمات بالحياة من خلال العينات الغنائية المبعثرة عبر التراكات، والتي تشكّل عنصرًا محوريًا في تدفق الألبوم. في تراك أيج أُف كابريكورن، تتحرك أنشودة أناندا المتحوّرة عبر المجال الستيريو مصحوبةً بسينثات نابضة تحت عينة صوتية مقطّعة ومجزأة، قبل أن تفسح المجال لمبشّر إنجيلي يتلو صلاةً مسيحية. يتخلل هذه العينات توترٌ وانفراج مستمران، ما يخلق أجواءً جميلة ومقلقة في آنٍ واحد، وهي سمة لطالما ميّزت موسيقى بوردز أُف كندا.  

أما التراك التالي فاذر أند سن، والذي يُحتمل أن يكون أكثر تراكات الألبوم إثارةً للانقسام بين المستمعين، فيواصل هذا الاستخدام الأكثر مباشرةً للعينات الكلامية. عند الاستماع الأول قد يبدو أن هذا  التراك الأكثر إرباكًا في العمل بأكمله، لكنه يكافئ المستمع الصبور. يتدفق الحوار ثم ينعكس، وتتغير طبقاته الصوتية بالتزامن مع تطور الخلفية الموسيقية وازديادها ثراءً في النسيج الصوتي والتفاصيل. التراك أشبه بمزيج من ذَ بوكس وذَ أفالنشز بعد مروره عبر مشكال بوردز أُف كندا المليء بالسينثات المتمايلة والإيقاعات الثابتة. 

بالسنسكريتية، تعني ناراكا الجحيم؛ لكن وسط نيرانها التطهيرية يبدأ الألبوم بالاقتراب من فكرة الانبعاث. يقترب التراك من نهاية النصف الأول للألبوم، حيث تتراكم إيقاعاته المحمومة متعددة الطبقات والسينث بادز الدافئة لتبلغ ذروتها في أنشودة هاري كريشنا. يمثّل التراك الألبوم في صورته المصغّرة؛ خلاصة مكثفة للخوف والدهشة والسكينة الروحية. أما الأصوات الغنائية الهامسة، والسينث بادز البعيدة، وصفارات جهاز تخطيط القلب (ECG) المتلاشية في تراك ميموري دث، فتحملنا نحو النصف الثاني من العمل. 

يأتي النصف الثاني من الألبوم أكثر إشراقًا، مع تركيز أكبر على الألحان. يبدو تراك بلود إن ذَ لابيرنث وكأنه كامب فاير هدسبايس بحلّة سينمائية واسعة النطاق. بينما كانت خفة كامب فاير هدسبايس تشبه ذكرى بعيدة، يبدو هذا التراك حيًا وآنيًا. تتعاون أربيجيات السيتار وكوردات السينث في مواجهة إيقاعات دافعة لا تكف عن التحول. تتضخم الانتقالات الموسيقية وتتسع وكأنها تتنفس إلى الأعلى. إنها لحظة من الفرح الخالص، وتستمر في تراك ديب تايم (الذي صدر كتراك تشويقي للألبوم تحت اسم تايب ٥)، حيث تستقر دروناته المحيطة المحلّقة على ألحان متصاعدة. يشكّل هذان التراكان واحدة من أقوى فقرات الألبوم بأكمله. 

مع اقتراب الألبوم من نهايته، نصل إلى تراك يو ريتريت إن تايم أند سبايس، الذي يجمع خيوط الألبوم ومسيرة بوردز أُف كندا بأكملها. يحمل اللحن الرئيسي المنزلق استدعاءً مباشرًا لأعمال الثنائي في التسعينات، بينما تستند السينثات إلى خط بايس بارز، وترافقها جيتارات متقطعة تستحضر حقبة راندوم أكسس ميموريز لـ دافت بانك. يكاد التراك يلامس حدود الحلاوة المفرطة، لكن بعد الثقل العاطفي الذي تحمله التراكات السابقة، فإن إنهاء الرحلة على نغمة إيجابية أمر يصعب الاعتراض عليه. 

إذا كان هناك شيء يفتقره الألبوم، فهو التماسك. كانت أعمال بوردز أُف كندا السابقة عوالم متفرّدة، يمتلك كل منها لوحته الصوتية الخاصة. تفرض ثيمة الألبوم بدوراته المتعاقبة تحولات في المزاج، وتمتد أيضًا إلى صوته والآلات المستخدمة، وأحيانًا بصورة جذرية من تراك إلى آخر. لذلك يبدو العمل أقل شبهًا بألبوم تقليدي وأكثر قربًا من موسيقى تصويرية تتحرك عبر فصول ومقاطع متباينة، ما يجعل تجربة الاستماع أكثر وعورة وتحديًا مقارنةً بأسلافه. 

أما موقع هذا العمل مقارنةً بـ ميوزيك هاز ذَ رايت تو تشيلدرن وجيوجادي فلا يزال من المبكر حسمه؛ فقد استغرقت هذه الأعمال عقودًا لتصبح شبه عصيّة على المساس. لكن يظل إينفرنو أكثر ما قدّمه الثنائي اتساعًا، وهذا وحده يجعله عملًا أساسيًا في أرشيفهم. 

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف