حضرت حفلًا لفرقة كايروكي قبل ثلاث سنوات، أقيم في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عقب إصدار ألبومهم السابع روما. شمل الحفل عرضين موسيقيين، أحدهما لمروان بابلو والآخر لكايروكي. ذهبت خصيصًا للاستماع إلى مروان بابلو، ورغم كوني من مستمعي كايروكي القدامى، فإن اهتمامي بالفرقة كان قد تضاءل آنذاك حتى كاد يختفي، واقتصرت علاقتي بها على النوستالجيا والمرور سريعًا على إصداراتها الجديدة دون اهتمام حقيقي؛ وقد فشلت معظم إصدارات الفرقة منذ ألبوم السكة شمال على إصلاح علاقتي بالفرقة. لسوء حظي، قدم مروان بابلو عرضًا مخيبًا على أحسن تقدير، جعلني أعزف من وقتها عن حضور حفلات الراب الجماهيرية، لكن من حسن حظي أنه صعد إلى المسرح أولًا ثم جاءت بعده كايروكي.
كنت في حالة مزاجية سيئة بسبب أداء بابلو، وكل ما كنت أرجوه في تلك اللحظة أن استمع فقط إلى بعض الموسيقى الجيدة، أو بعض أغان أحببتها للفرقة قد تعطيني جرعة صحية من النوستالجيا. صعدت الفرقة إلى المسرح وبدأ الجمهور بالتهليل والتصفيق، لتقدم كايروكي على مدار ساعة ونصف واحدًا من أفضل العروض الموسيقية التي حضرتها في حياتي؛ عزف متقن وتسلسل متناسق للأغاني وقدرة كبيرة على الإمتاع والتفاعل مع الجمهور، وعرض ينم عن خبرة في الأداء الحي تمتد لعقدين.
رجعت من الحفل وأنا أفكر في علاقتي بالفرقة. أعدت اكتشاف أغان أحببتها قديمًا فأحببتها من جديد، واكتشفت تراكات جديدة لهم لم ألق لها بالًا حين سمعتها سريعًا في مقهى أو سيارة. انتعشت علاقتي بموسيقى كايروكي من جديد، وبدأت أرى الفرقة في ضوء جديد وتكون لدي رأي مفاده أن الفرقة لا تزال تملك ما تقدمه لجمهورها القديم والجديد، وإن كان من باب النوستالجيا البحتة في أغلب الوقت.
مع الإعلان عن إصدار ألبومهم، تحمست للمرة الأولى منذ عشر سنوات، وزاد من حماسي الإعلان القصير المصاحب للألبوم. يحمل الألبوم الجديد اسم سوبرنوفا، وهو اسم أظنه مقصودًا ويحمل دلالة كبيرة في سياق الألبوم، رغم إجابة أمير عيد في الفيلم المصاحب للألبوم بأن العبارة أعجبته فحسب. السوبرنوفا أو المستعر الأعظم هو انفجار نجمي هائل يشهده النجم في نهاية عمره، الوميض الأخير قبل أن يخفت إلى الأبد. فسر البعض اختيار هذا الاسم على أنه إشارة إلى أن سوبرنوفا قد يكون الألبوم الأخير في مسيرة الفرقة، وهو تفسير قد لا يكون بعيدًا عن الحقيقة.
صدر الألبوم في هيئة فيلم طويل يصور كايروكي ضيوفًا في برنامج حواري على غرار برامج التوك شو، ويشارك فيه المذيع محمود سعد كمحاور للفرقة، والممثل والكوميديان محمود عزب، الذي عرف من خلال عزب شو، كمخرج البرنامج. تمتد هذه المقابلة بوصفها إطارًا سرديًا يربط أغاني الألبوم، وتمهد لكل أغنية بأسئلة أو تعليقات من محمود سعد، أو تؤدى الأغنية من منظور شخصيات الفيلم كما في تراك أنا بكبر ووحدي. الفكرة مبتكرة وتخدم الألبوم بإحكام وتمنحه قدرًا أكبر من التماسك، وقد استخدمها أمير عيد سابقًا في ألبومه الفردي الأول، روكسي، الذي كان بمثابة مرحلة وسطية بين روما وسوبرنوفا.
مر مشروع كايروكي بعدة مراحل منذ بدايته عكست تجارب شريحة كبيرة من المصريين. منذ البدايات البريئة كفرقة روك مصرية في مشهد موسيقي خال تقريبًا من أي تجارب بديلة، ثم المرحلة الأهم ما قبل الثورة مباشرًة وخلالها، وهي مرحلة اكتشاف ذات تشكل فيها صوت الفرقة وهويتها، وكانت فترة مفعمة بالأمل والتغيير. دخلت الفرقة بعد الثورة في مرحلة جديدة امتازت بمشاعر يأس وغضب غلبت على إصداراتهم في ألبومي السكة شمال وناس وناس، لتؤول في آخر المطاف إلى المرحلة الحالية والمستمرة منذ ألبوم أبناء البطة السوداء حتى سوبرنوفا، وهي مرحلة كانت أبرز سماتها التمسك بالمألوف والابتعاد عن المجازفة.
تعبر الفرقة عن هذا الشعور في الألبوم بصدق وشفافية، ويتجلى البعد الإنساني بكل مميزاته وإخفاقاته، وربما تكون تلك أكثر سمات الألبوم وضوحًا وتميزًا. لا تحاول كايروكي التهرب مما هي عليه أو ملاحقة وصفات موسيقية جاهزة أو تريندات، بل تعمل في صمت، وخارج أي سباق، وكأن إحساس الفرقة بالزمن مختلف عن كل ما حولهم. في ظل مشهد موسيقي يغلب عليه الافتعال في “كسر الحواجز ودفع الحدود” والهروب من الواقع، وهوس بالتبدل المستمر، تتأنى الفرقة هنا وتأخذ وقتها في التأمل في ماضيها وحاضرها، وتنجح في التعبير عن تلك التأملات في معظم جوانب الألبوم. في وقت يصر غالبية الموسيقيين على التكلف، ربما يكون التمسك بالمألوف وبما تعرفه جيدًا هو فعل راديكالي.
يبدأ الألبوم بتراك نسينا، الذي يبكي فيه أمير عيد على أطلاله: “فاكرة زمان؟ فاكرة المكان؟”، لتمتد فكرة الذاكرة ورثائها في كل جوانب الألبوم كخط سردي طويل. تسقط تلك الجملة من أمير وسط كوردات سينث واسعة وضخمة من شريف مصطفى، تعزز منها درامز تامر هاشم الرقيقة، ويتبعها سطور جيتار عذبة من هواري. التجانس في لعب الآلات عبر الألبوم هو أكثر نقاط القوة في هذا المشروع على المستوى التقني، وينسب الفضل في تماسك الإنتاج للاعب الكيبورد شريف مصطفى، الذي يحيك هذه العناصر بصورة تلقائية ومحكمة.
في تراك ما تيجي، نتبين ربما أكثر تراكات الألبوم انحرافًا عن صوت كايروكي المألوف، حيث يتجه توزيع التراك من شريف مصطفى نحو السينث ويف، بعناصر إلكترونية كثيفة وسريعة الإيقاعات مقارنًة بباقي أغان الألبوم، ورغم ضعف الكلمات من أمير عيد هنا، إلا أن الموسيقى تلعب الدور المركزي في الأغنية. نتلقى تبادلًا آليًا جميلًا بين جيتار هواري وكيبورد شريف مصطفى، وتأخذ الموسيقى مساحتها في آخر التراك بدون فوكالز، لتعطينا أفضل لحظات الألبوم على مستوى التوزيع الموسيقي.
تتعاون الفرقة مع عدد من الشعراء في الألبوم، أبرزهم مصطفى إبراهيم والراحل ميدو زهير. تأتي أغنية مت ليه من كلمات ميدو زهير كواحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في الألبوم، وتأتي محملة بثقل عاطفي مضاعف حتى تبدو كمرثية كتبها الشاعر لنفسه وتؤديها الفرقة نيابة عنه. قدمت مريم صالح الأغنية سابقًا في ألبومها الإخفاء مع موريس لوقا وتامر أبو غزالة، ولكن تعيد كايروكي قراءتها في ضوء جديد، فتأتي نسخة كايروكي أكثر هدوءًا وتأملًا، تنظر إلى الكلمات من الداخل وتمنحها بعدًا أكثر ذاتية.
على الناحية المقابلة، يحضر الشاعر مصطفى إبراهيم الذي تزامنت بداياته الشعرية مع صعود كايروكي في سنوات الثورة، وكان أحد أبرز الأصوات الشعرية المرتبطة بها. تتقاطع مسيرة الشاعر والفرقة في كيفية تأثرهما بالعواقب السياسية والاجتماعية لما بعد الثورة، وفي مراجعة الأسئلة ذاتها بعد انحسار لحظة الأمل. يتجلى هذا التجانس في الكلمات التي كتبها للفرقة، خاصة في تراك أنا بكبر، الذي يبدو كتوصيف لكلا المشروعين، وبالأخص كايروكي.
لقيتني في بحر الخايفين تايه ووحيد مش عارف أراجع مع نفسي أنا مين خايف من بكرة وخايف أتغير
تلخص هذه السطور الثيمة المركزية في سوبرنوفا وربما في مشروع كايروكي منذ ألبوم ابناء البطة السوداء، وهو الخوف من التغيير والتمسك بما هو مألوف، ورفض السباحة مجددًا في المجهول. تمنح تلك الفكرة قدرًا كبيرًا من الاتساق مع تاريخ كايروكي؛ إذ تبقى الموسيقى داخل عالمهم المعتاد، وتواصل الكلمات الدوران حول الأسئلة ذاتها وتحلق الأفكار في الأفق ذاته، وكأن الفرقة قد توقفت نهائيًا عن البحث عن أرض جديدة، ورضيت الفرقة تمامًا، ورضينا، بما آلت إليه.
وصولًا إلى خاتمة الألبوم، نتبين تطابقًا كلاميًا بينها وبين الأغنية الأولى بحيث ترد الأغنية الأخيرة في الألبوم على أسئلة المقدمة: “فاكرة زمان فاكرة المكان، فاكرة الشوارع القديمة؟” من نسينا، ترد عليها سطور في الختام: “الشوارع مش فكراني، بقيت واحد تاني.” تبرز هذه التقنية السردية بين المقدمة والخاتمة فكرة شخص لم يقدر على المضي قدمًا، حبيسًا لذاكرته ومنغمسًا فيها. رغم تطابق الكلمات، إلا أننا نجد تباينًا في التوزيع، ففي نسينا، تكون الموسيقى كمناجاة لتلك الذكريات وتأمل عودتها، أما في الختام، فتطفو كلمات أمير عيد فوق لعب بيانو ممتد خال من أي آلات مصاحبة، وكأنها تركت الآمال في عودة تلك الذكريات.
يمر الألبوم ببعض السقطات على صعيد الكتابة، التي تأتي في كثير من الأحيان ضعيفة التراكيب والقوافي، ولكنها تنصهر داخل الموسيقى التي تحيط بها ولا تنفر عن سياق الألبوم. ربما تلك هي أحد أبرز نقاط قوة كايروكي على الإطلاق، وهي توظيف نقاط ضعفهم لتخدم الموسيقى ككل، حتى أصبحت كتابة وفوكالز أمير عيد، الذي يوصف عادة بأنه يتحدث ولا يغني، وأن كتابته غير شعرية، جزءًا لا يتجزأ من هوية الفرقة الموسيقية. يقول أمير عيد في المقابلة مع محمود سعد إن الكتّاب لا يعتبرونه كاتبًا، والمغنين لا يعتبرونه مغنيًا، وهو وعي ذاتي بحجم موهبته يثير الإعجاب، وهذا الوعي يمتد إلى باقي الفرقة أيضًا في تمسكهم بما يجيدونه، فقوة الفرقة تظهر في عصبتها والتناغم الذي ينتج عن اتحادهم.
سوبرنوفا هو أفضل ألبومات كايروكي منذ السكة شمال، وأكثرها تماسكًا وإحكامًا على مختلف الأصعدة. ألبوم ذو تماسك سردي واضح، وجيد جدًا على صعيد الموسيقى والأداء، ويعرف بالضبط المساحة التي يريد أن يتحرك داخلها.
لم تدّع الفرقة يومًا حمل لواء التجديد في الموسيقى، ولم توظف نفسها كفرقة ذات نبوغ موسيقي، ويكتسب تكرار موضوعاتها وموسيقاها معنًى جديدًا هنا، فثيمة الألبوم المركزية عن شخص عالق في ذاكرته، يرفض التغيير ويتمسك بما يعرفه، حتى وإن كان هذا المألوف لم يعد موجودًا بالأساس. من هذا المنظور، بدل أن يصبح تكرار كايروكي عيبًا منفصلًا في سوبرنوفا، صار جزءًا من فكرته الأساسية. تبدو الفرقة نفسها عالقة في المساحة التي صنعت هويتها، ويقر الألبوم ذلك بثقة.