يجتمع عبد الله منياوي والمنتج سيمو سل مجددًا في إصدارهما التعاوني الثاني داينج إيز ذَ إنترنت على تسجيلات دكمانتل.
يأتي الألبوم متابعةً لتعاونهما السابق كيل مي أور نيجوشييت الصادر في ٢٠٢٠ على تسجيلات بي إف دي إم. يسلط الألبوم الضوء على الإرهاق الرقمي وتحول الإنترنت من مساحة تعاونية إلى منظومة تجارية مفرطة. تحضر في الخلفية موضوعات مثل ثقافة الخوارزميات وتقلّص فترات الانتباه وصراع البقاء داخل الفضاء الإلكتروني.
بين الرقابة الصارمة وانتشار المعلومات المضللة وفوضى محتوى الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى المحتوى المعاد تدويره بشكل مفرط، يتحول الألبوم إلى قراءة الفنانين لطبيعة ثقافة النوادي الليلية والإجهاد الرقمي. يعكس الألبوم هذه الأفكار عبر الأجواء الصوتية العامة أكثر من كونه بيانًا مباشرًا.
عند الاستماع الأول، يقدّم داينج إيز ذَ إنترنت ثيمة عامة ذات طابع طقوسي بإيقاع نصف الزمن وبايس ثقيل، تتخللها أصوات غنائية باطنية وتوظيف للآلات النحاسية. يضعنا الألبوم في حالة نشوة منذ اللحظة الأولى، جاذبًا فضول المستمع في النصف الأول من الألبوم.
يمكننا استشعار تأثيرات التراب في إنتاج سيمو سل في التراك الثاني والثالث. يقدّم عبد الله أداءً غنائيًا أنشوديًا متقنًا في بيكسليتد، يستقر فوق سب بايس مُشوَّه وتنويعات إيقاعية بالـ ٨٠٨، مستخدمًا الأوتوتيون بشكل لم نره من قبل لديه. أما في تراك ريلز إين ٣٦٠ فيُرسّخ الثيمة العامة للألبوم، مانحًا إحساسًا غريبًا وكأننا داخل حلقة صوفية عابرة للأبعاد، مع ارتجالات ترومبيت بأسلوب الدَب الذي يزيد من الطابع الساحر للعمل.
يأتي تير تشايم كاستراحة بطابع جاز؛ حيث تغمر السنثات اللامعة والسب بايس النافر عزف الآلات النحاسي الحر المميز لعبد الله، ليمنح التراك المستمع لحظة استراحة، ممهّدةً الطريق للنصف الثاني من الألبوم.
يميل النصف الثاني من الألبوم أكثر نحو بنية الموسيقى الراقصة مصحوبًا بتعدد إيقاعي polyrhythm. يفتتح تراك ذَ دالا إيفيكت هذا القسم بأسلوب تقليلي؛ إيقاعات بسيطة تستقر تحت سنثات فقاعية، ليذكّرنا بشكل خافت بتراك بركوليتور لـ جرين فلفت. يُظهر منياوي هنا تمكنه من اللغة العربية، مقدّمًا لعبًا لغويًا معقّدًا يعيد فيه بناء الكلمات وترتيبها انطلاقًا من جذورها ليعبّر عن معانٍ لا تتحقق إلا عبر مرونة العربية.
يحتفظ تراك ليفينج إيموجيز بمساحة خاصة داخل الألبوم. يستخدم تصفيقات اليد لبناء هيكل التراك بالكامل، فوق ٨٠٨ معدّلة بكثافة وسنث بادز زاحفة تضربنا من كل اتجاه. أما تمكّن منياوي من الشعر العربي فيجبرنا على الإنصات التام، مستعرضًا كامل المدى المسرحي لأدائه الصوتي.
نحصل في ترافلينج إين بي بي سي على قطعة تميل إلى الجاز، مبنية حول نبضات سب بايس يقودها الأربيجييتور ومشبعة ومكسّرة رقميًا bit-crushed، ممهدة الطريق لارتجال فريد بالترومبيت. يختتم الإصدار تراك إيزينج ذَ هارتس، حيث يستخدم منياوي اللهجة المصرية للمرة الأولى في الألبوم، بينما يعتمد سيمو سل بشكل كبير على الريز بايس Reese وخط سنث يمنح خاتمة رحلة المستمع عبر الألبوم.
تتسم الحرية التجريبية التي يستعرضها الفنانان في الألبوم عمومًا بنوع من ضبط النفس؛ إذ يقدّمان إحساسًا بالانطلاق عبر التجريب دون أن يفرطا فيه. معادلة مثالية تجمع بين الاستساغة والأذن الفضولية. ينجح الألبوم كونه أقل ميلًا إلى أن يكون بيانًا دراميًا حول طبيعة ثقافة النوادي والانهيار الرقمي، وأكثر اعتمادًا على نقل هذه الأفكار عبر التجريب الصوتي نفسه. توفّر بنى المدى المنخفض لدى سيمو سل الهيكل الأساسي، بينما تتأرجح أداءات عبد الله منياوي بين الشعر والإنشاد والتعاويذ. معًا يقدّم الفنانان تأمّلًا في الإرهاق الرقمي، مع إدراكهما في الوقت ذاته لقوة الجاذبية التي يمارسها فضاء النوادي الليلية.
