آت سورس | كاترينا باربييري وبنديك ييسكي

المراجعات - كتابة: محمد أشرف - ٢٠٢٦/٠٣/١٩
كاترينا باربييري وبنديك ييسكي
تحميل...

في العقد الأول من الألفية، أتاح ديتر دوبفر في العقد الأول من الألفية السنثات المعيارية لعامة الناس. تلك الجدران الضخمة من الوحدات التي أسرت خيال الموسيقيين الإلكترونيين وعشّاق السنث لعدة عقود، انتقلت من كونها حكرًا على قلة مختارة إلى غرف نوم التجريبيين والهواة. مع بدايات العقد الثاني من الألفية، انفجر عالم الـ يورو راك Eurorack؛ على سبيل المثال، قدمت شركات مثل ميك نويز وميوتيبل إنسترومنتس وفيربوس إلكترونيكس للموسيقيين لوحات صوتية جديدة وطرقًا مختلفة لصناعة الموسيقى. ولّد هذا الحماس ابتكارًا، لكنه في الوقت نفسه همّش اللحن والهارموني وبنية الأغاني المتعارف عليها.

ظهر مصطلح “بليب بلوب” ذو الدلالة التحقيرية لتعريف الصوت المرتبط بهذه الآلات، وبدا أن مفهوم الآلة نفسها قد تلاشى أمام التبديل المستمر والتلاعب الدائم بالوحدات داخل الراك. 

لكن عندما برزت كاترينا باربييري إلى الواجهة مع ألبوم باترن أُف كونشسنس في ٢٠١٧، قدّمت مقاربة مختلفة لاستخدام هذه الوحدات. كانت باربييري مهووسة باللحن؛ إذ نجحت في خلق أغانٍ قريبة من المستمع وسهلة التذكّر من نفس آلات الـ بليب بلوب، وحوّلتها إلى آلات قائمة بذاتها. حدّدت بذلك صوتها الخاص، ومدّت الآلات بطابع بشري، وبَنَت موسيقتها على هذا الأساس منذ ذلك الحين.

في ألبومها الجديد آت سورس بالتعاون مع عازف الساكسفون بنديك ييسكي، تضع كاترينا باربييري الإنسان في مواجهة الآلة، وتمزج بينهما بشكل بديع على امتداد تراكات الألبوم الأربعة. وُلد الألبوم من تعاونهما في إصدار فانتاس فارييشنز عام ٢٠٢١، وتطوّر خلال جولة لايت-ييرز، ليُظهر موسيقيَّين متمكّنَين تمامًا من آلتيهما، يتفاعلان مع تسلسلات بعضهما البعض؛ يتناقضان أحيانًا ويتكاملان أحيانًا أخرى، ليصنعا جدارًا صوتيًا كثيفًا يغمر المستمع بالكامل.

يبدأ بنديك الألبوم بألحان ساكسفون تكرارية، تتماوج وتتحرك وتنمو تدريجيًا بأسلوب يذكّرنا إلى حد كبير بالأسلوب الفريد لعازف الساكسفون كولين ستيتسون. تنضم أصوات السنثات الانسيابية، غامرة بطابع غرائبي ومشبعة بالريفرب في البداية، قبل أن تبدأ تدريجيًا في التمركز. هناك توتر واضح، شدّ وجذب بين الطبقات الصوتية يخلق مشهدًا صوتيًا متموّجًا باستمرار، يتلاشى فجأة ليترك مساحة للتراك التالي.

تعد ألاينمنت، أوربيتس أكثر مقطوعات الألبوم ديناميكية، مقدمةً الإيقاع إلى المزيج. إذ يأتي منخفضًا في الخلفية، كنبض ثابت يرسّي الأربيجيات الصاعدة إلى أن تصبح قادرة على الاعتماد على نفسها. بينما كان التوتر هو السمة الأساسية للافتتاحية، نحصل هنا على زخم وإحساس بالإلحاح بفضل اللحن المستمر والدافع للأمام. يمكننا تخيّل أنفسنا في الغرفة معهما وهما يعزفان هذه المقطوعة التي تنجرف إلى حالة تأملية، حيث تذوب بداية اللوب ونهايتها في كلِّ متّصل. كل شيء في حالة اتساق، ونحن في مدار الفلك.

يتصدر صوت كاترينا المشهد في إمبيشانس، ماجما. لا يوجد الكثير من الموسيقيين الإلكترونيين الذين يمكنهم ادعاء امتلاكهم صوتًا مميزًا، لكن يمكننا التعرّف بسهولة على أي تراك لكاترينا، ويبرز هذا التراك ذلك بشكل مثالي. تمنح الألحان الطويلة وتعدد خطوطها المتداخلة إحساسًا بلا نهائية محصورة داخل عدد قليل من النغمات. يحيط بنديك التراك باللمسات الزخرفية، اللون الذي يعلو السطح ويجعل المستمع يتوق للمزيد.

يختتم الألبوم بتراك برزيستنس، بدز، الذي يقدّم نبرة أكثر استرخاءً. تتحول نغمات السنث من أربيجيات إلى كوردات ممتدة بالصدى، بينما تنتقل جمل الساكسفون من عزف متقطع staccato إلى نغمات طويلة تستقر في الخلفية كأنها درونز. مقطوعة جميلة ومهدّئة تختتم التجربة وتكسبها إحساسًا بالاكتمال.

على امتداد مدته القصيرة نسبيًا، يذيب آت سورس الحدود بين الإنساني والآلي، حتى تتلاشى الفوارق بينهما تمامًا. الألبوم متقن في تدفقه وتطوّره، ومن تلك الأعمال التي تكشف عن شيء جديد مع كل استماع.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف