عندما أصدرت فرقة جدسبيد يو! بلاك إمبرور ألبوم دون عنوان اعتبارًا من ١٣ فبراير ٢٠٢٤، ٢٨٣٤٠ شهيدًا، قبل عامين، واجهت بشكل مباشر ذلك الحزن العميق والغضب والذهول أمام الإبادة في غزة. جاء الألبوم وكأنه الاستجابة الوحيدة الملائمة لثقل تلك اللحظة. شعرنا بذلك، وكان الصوت متوافقًا تمامًا مع تلك المشاعر.
مضى عامان، وقد اكتسبت الإبادة الجماعية وزنًا مختلفًا؛ فلا زالت مستمرة، وفي الوقت نفسه باتت جزءًا من الماضي. لها أشباحها وكوابيسها وصدماتها المتراكمة. يصل كاراكوز في هذا المناخ المتغيّر ليواجه ما ترسّخ في العظام؛ صدمة الأحداث الجارية والثمانين عامًا الماضية.
“لطالما أحببت أن أقدّم تصريحًا سياسيًا دون أن أكون مباشرًا أكثر من اللازم. إنها ليست موسيقى شعارات، ولا موسيقى احتجاج، ولا موسيقى ذات كلمات مشحونة سياسيًا، لكنها أقرب إلى خطابٍ كامن في الخلفية؛ وأأمل أن يتلقى أي شخص يستمع إلى ما أقدّمه رسالةً سياسية مُفلترة بدرجة كبيرة، رسالة يفترض أن يكون وقعها في النهاية أقوى من الشعارات نفسها.”
هذا ما قاله توني كوتروني (ماي ماي ماي) في الأسبوع الماضي خلال فعالية بولونيا من أجل فلسطين، التي تمحورت حول تقديم ألبوم كاراكوز، وهو تصريح يلامس جانبًا أساسيًا في أسلوب الألبوم.
يقدّم التراك الافتتاحي، جريف، أول لحظة تعرّف على تلك الأشباح. نبضات بايس ثقيلة ونقرات إيقاعية خشبية ثابتة، إلى جانب خطوط سنث متشابكة، تشكّل العمود الفقري الذي يفسح المجال لعويل وصيحات مايا الخالدي لتتصدّر المشهد.
في ملاحظات النص المرافق للألبوم والمقابلات المرتبطة به، تتأمل مايا الأجواء التي سجلت فيها التراك، واصفةً إياها بأنها جاءت في “لحظة من الحزن الطاغي […] بالنسبة لي، كان ذلك جزءًا من محاولة فهم ما الذي لا يزال بإمكان الموسيقى أن تفعله.” يجيب التراك عن هذا السؤال، وأثناء ذلك يترك المستمع مُنهكًا عاطفيًا، لكنه في الوقت نفسه منخرط بما يكفي ليرى كيف سيتكشف ما تبقى من الألبوم.
خلال الفعالية نفسها، بولونيا من أجل فلسطين، تحدّث توني عن إعجابه بمفهوم الهونتولوجي، ذلك التواجد الشبحي الذي يزيل الفارق الزمني بين الحاضر والماضي، إذ تظهر عناصر الماضي كأطياف أو أشباح تسكن الحاضر. “ما حاولت دائمًا القيام به موسيقيًا هو إحياء هذه الأرواح، ليس بالطريقة التي تحاول بها ما يُسمى بـ ’الموسيقى الإثنية’ أو ’الموسيقى العالمية’ إحياء مثل هذه التقاليد الموسيقية والفنية، بل أقرب إلى فكرة إحياء روحٍ آخذة في الاختفاء.”
يُجسّد تراك كاراكوز هذا المفهوم ببراعة، فبدل الغناء، يوظّف توني تسجيلات أرشيفية لامرأة تغني في طولكرم، ليضع المستمع مباشرةً داخل شوارع فلسطين. هناك حالة تدفّق مستمرة بين الآلات الإلكترونية والحية، حيث يتحوّل الرق إلى إيقاعات إلكترونية مشوّهة، ويصبح العود سنثًا.
كل شيء منسوج بإحكام، لا تبدو التغيرات مفاجئة ولا صادمة. لا يحافظ توني على هذه الأرواح كما هي، بل يبعث فيها الحركة، إذ يُحيي شوارع طولكرم والمغنية المجهولة، ويستحضرهما.
يستمر هذا المزاج في تراكي إيكوز أُف ذَ هارفست وجن سوق بيت لحم. في الأول، يقدّم ألباستر دو بلوم بالساكسفون طبقة مقابلة لخطوط السنث، حيث يعزف جملًا سريعة بأسلوب ليجاتو. بينما في الثاني يرسّخ أسامة أبو علي التراك بالمجوز في زمان ومكان محددين، من خلال طابع الآلة الصوتي وطريقة صياغة الجُمل الموسيقية.
تتسلل التسجيلات الأرشيفية في كلا التراكين كتيارٍ خفي دائم. كما يأتي تعامل ماي ماي ماي مع الميكس ببراعة طوال الألبوم، إذ يدخل الطبقات الصوتية ويخرجها تدريجيًا، ويُفلتر الآلات ليفسح المجال لغيرها.
يعكس التراك الختامي صدى تراك الافتتاح، لكن مع مجموعة تسجيلات ميدانية أكثر حيوية. يضع توني صوت باعة الشوارع حول سوق الحسبة في رام الله في الواجهة مباشرةً، بينما تعود التسجيلات الأرشيفية الحاضرة باستمرار لتطل برأسها، في تباينٍ بين الماضي والمستقبل.
يبدو الأمر وكأنه بيانٌ عن الصمود، بأن الحياة ستستمر، وأن الناس لن يغادروا حتى تحت تهديد التهجير القسري أو الموت. سيبقى السوق وباعته، مصحوبين بأصوات الماضي.
كاراكوز ليس ألبومًا سهل الاستماع، وربما لا ينبغي له أن يكون كذلك أصلًا. يواجه ماي ماي ماي موضوعًا بالغ الصعوبة من خلال مقاربةٍ تتسم بالاحترام والحذر وجمالٍ فني واضح، إذ يعيد توجيه الحنين إلى الماضي في ضوء الحاضر، إلى أن يتحول إلى شيء أثقل وأكثر ضرورة من مجرد العزاء. ألبوم أساسي لا بد من الاستماع إليه.
