أثار الأرشيف الاستعماري بما يحمله من وثائق متعددة الوسائط اهتمام الباحثين والمؤرخين والفنانين، باعتباره مادة ومساحة تتقاطع فيها أسئلة السلطة والهوية والذاكرة. ضمن هذا السياق، يأتي مشروع أسمع الصوت القديم للعالم الآتي للفنان التونسي المقيم في ألمانيا، محمد علي لطيّف، والذي استغرق إنجازه ثلاث سنوات من البحث والإخراج الفني. عدا عن تتبع المسار التاريخي لمعسكر اعتقال ألماني وتسجيلاته، يحاول لطيّف في معرضه، في مركز الفنون بـ7لـ9 في تونس، بناء تجربة تتيح للزوار أن يروا “الماضي والحاضر ومستقبلات متخيلة تتعايش جميعًا”، كما جاء في بيان الفنان.
اجتمعت أشياء كثيرة لأول مرّة في معسكر هالبموندلاغر أو معسكر الهلال باللغة العربية: حرب عالمية أولى، ومغاربة يشاركون لأول مرة في حرب أوروبا، وأول مسجد يبنى في الرايخ الألماني، وأول عملية تسجيل رسمية وواسعة النطاق للأصوات المغاربية.
تعود القصة للحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤، حين أُجبر مئات الآلاف من شعوب المستعمرات على الخوض في مستنقعات وخنادق الجبهات على امتداد أوروبا، دفاعًا عن مصالح القوى الاستعمارية. كان لفرنسا الحصة الأكبر من هؤلاء الجنود، خاصةً أولئك القادمين من مستعمرات المغرب الكبير. على مدار سنوات الحرب، قضى الكثير منهم حتفه في الخنادق أو بسبب الظروف الصحية السيئة، بينما لم يعد إلى أوطانهم بعد انتهاء الحرب سوى قلة قليلة. أما البقية، فقد وقعوا في أسر قوى الحلف الثلاثي، وتحديدًا قوات الرايخ الألماني: الجيش البروسي.

في عام ١٩١٥، أسس الألمان في فونسدورف بالنمسا معسكر هالبموندلاغر، والذي خصص لاستقبال أسرى الحرب من غير الأوروبيين، وتحديدًا المسلمين القادمين من بلاد المغرب ومصر والسودان. منذ البداية، اقتنع الألمان أن هذه الأعداد الضخمة من الأسرى لا تَكنّ بالضرورة عداءً للرايخ، وإنما دفعتها منظومة الحلفاء الاستعمارية إلى الحرب قسرًا. لذلك رأوا إمكانية إعادة توجيه ملف الأسرى كورقة لصالح ألمانيا ضد الحلفاء عبر الدعاية السياسية والمجاملات الثقافية. ضمن هذا التصور، ارتَأَى الألمان أنه لا ضير في تقديم صورة تحترم الإسلام، خاصةً أن الإسلام، كما ظن موظفو الخارجية الألمانية وقتها، يمثل أهم معطى ثقافي وسياسي في “العالم المحمدي”، وبالتالي، فإن الاحتفاء به، سيجلب حتمًا تعاطفًا أكبر من الشعوب المسلمة. بناءً على ذلك، سُمح للأسرى بممارسة شعائرهم الدينية وعاداتهم الثقافية، كما بنوا لهم داخل المعسكر أول مسجد في تاريخ الرايخ الحديث.
أيضًا، أثارت تلك الكتلة البشرية الضخمة من الجنود، باختلاف ثيابهم وألوانهم ولهجاتهم فضول ماكينة الإثنوغرافيا الغربية؛ فسرعان ما تقاطر إلى المعسكر عشرات الباحثين، قبل أن يتخذوا قرار دراسة كل من فيه “علميًا” وبشكل شامل، تحت إشراف اللجنة الفونوغرافية للجيش البروسي. باشرت اللجنة بتسجيل عشرات الساعات من الحوارات والأغاني والسير الذاتية والقصص والطقوس والألحان والأصوات، لكل من في المعسكر، على أمل الحصول على مادة أصيلة لدراسة تلك الشعوب والثقافات، بما يخدم مصالح الرايخ التوسعية عقب انتهاء الحرب والانتصار فيها.
لم يتحقق مرادهم الأكبر، فمع نهاية سنة ١٩١٨، لحقت الهزيمة بالحلف الثلاثي، وفي العام التالي تكرّست تلك الخسارة على الأرض عبر مؤتمر فرساي، الذي أنهى الحلم التوسعي الألماني ومعه الرايخ الثاني. لم يبقَ من تلك المرحلة سوى شواهد قليلة، أبرزها صناديق ضخمة مثقلة بـ ١٦٥٠ تسجيلًا صوتيًا، تعتبر الأوسع من نوعها والأكثر صفاءً وإتقانًا مقارنة بكل محاولات التسجيل التي جاءت بعدها.
توزع هذا الإرث الاستعماري على عدة أرشيفات ألمانية، بدءًا من أرشيف الفونوغرام ببرلين وصولًا إلى أرشيف المتحف الإثنولوجي، في حين وصل قسم منه إلى أرشيف مركز الموسيقى العربية والمتوسطية في تونس، المعروف بقصر النجمة الزهراء.
الصوت وتمثيلاته
قبل دخول مبنى المركز الفني ذي اللونين الأبيض والأسود، يرحّب بنا عند البوابة عنوان المعرض. يتأكد الزائر بأنه أمام معرض قوامه الأساسي الصوت رغم تعدد الوسائط المستخدمة. لم تنقطع قصة أصوات المعسكر عن محيطها الاستعماري، إذ تعتبر استمرارًا لسياسات أقدم، وصناعة بنيت عليها واستمرت في تقديم نفس الرؤى. تكمن رسالة المعرض في تقديم هذه الأصوات بوصفها فصلًا في قصة بناء سرديات مضادة للاستعمار والاستعلاء الثقافي.
يتجلى هذا الهاجس منذ اللحظة الأولى التي تواجه الزائر عند رواق الكتب. يعرض الفنان في الرواق نماذج من كتب ومؤلفات تعود إلى مكتبته الخاصة، في هيئة ترشيحات لقراءات تغطي المسارات الرئيسية التي يتحرك ضمنها المعرض: مؤلفات قديمة في الموسيقى التونسية، ودراسات استعمارية باللغتين الفرنسية والألمانية حول موسيقى الشعوب غير الأوروبية، إلى جانب أعمال عن الموسيقى ذات الجذور، على غرار البلوز، باعتبارها ألوانًا وأمثلة على أصوات تشكلت بهدف مناهضة العبودية والاستعمار.

تعود ملكية قسم صغير من هذه الكتب للمؤسسات الداعمة للمشروع مثل مركز الموسيقى العربية. في حين تنتمي غالبية الكتب إلى مجموعة محمد الخاصة، في تأكيد على الطابع الذاتي للمعرض، ولو ظهر ذلك أحيانًا بشكل تلقائي، مثل تذكرة سفر من برلين نحو تونس، وُجدت صدفة داخل أحد كتب الموسيقى السوداء. تعد التذكرة شاهدًا على رحلة بحث طويلة عن الصوت من برلين إلى تونس وأبعد من هاتين المدينتين.
جمع لطيّف في المعرض كل ما وجده في رحلته البحثية، صور وبطاقات بريدية لجامع الهلال وصور مساجينه، نياشين وشعارات فرقهم العسكرية، وخرائط لأماكن توزعهم؛ ولاحقًا، وثائق عن مرحلة إعادة إحياء ذلك الأرشيف، التي انطلقت في العقود اللاحقة للحرب العالمية الثانية، سواء في أوروبا أو في تونس ومصر.
في خلفية المعرض، ينساب صوت شجي، يؤدي لحنًا حزينًا من تراث السواحل الشرقية لتونس. يعود هذا الصوت، القادم بكل صفاء، إلى أحد نجوم المعسكر، بحّار بسيط من قرية ساحلية وجد نفسه فجأة في قلب حرب لم يخترها، ثم أمام آلة معدنية لا يفهمها، وأجبر على الغناء أمامها فاسترسل.
لهم الساوند سكايب ولنا الصوت
استمر محمد علي لطيّف في تذكير الحضور باحتجاجه المتواصل على استعمال لفظ “الساوند سكايب” (المشهد الصوتي)، فاللفظ استعماري، ومشوِّه للحقيقة واستمرار لتقليد ثقافي غربي غير محايد، وإن لم يُظهِر اللفظ هذه الحمولة السلبية للوهلة الأولى.
لو شئنا ترجمة الساوند سكايب، لوجدناها مرادفًا للمشهد الصوتي، تمامًا مثل “اللاند سكايب”، الذي يحيل في معناه الأصلي إلى مشهد طبيعي في قرية ريفية ما. لم ينسلخ مصطلح الساوند سكايب بالضرورة عن هذه الدلالات، غير أن استعماله في سياقات دراسات الشعوب والثقافات، حاد به عن المعنى السابق.
منذ بدايات القرن العشرين، ومع نجاح المقدرة الإنسانية على “خطف” واحتواء الصوت، صار الأخير موضوعًا للهيمنة، وفي سياقات استعمارية، صار المشهد الصوتي مادةً للبحث ثم للتطويع. بقدر ما سعت المنظومة الاستعمارية، عبر ترسانتها القانونية والإدارية، لإعادة تقسيم المشهد البصري وتنظيمه وفقًا لأنماط إنتاج تلبي مصالحها، مرّت أصوات الثقافة المستعمَرة بنفس المصير؛ فكل بحث أنطولوجي، وكل عملية تسجيل، ليست في النهاية إلا حلقة في رؤية شمولية ترغب في الاستيلاء على الآخر وطمسه.
يتخذ المعرض موقفًا واضحًا من هذا الطرح، ويكفي التأمل في الصورة النادرة المعروضة في صدره لذلك الثائر الأسود الشاب، لفهم المرجعية الفكرية التي يتسق معها. كانت الصورة لفرانز فانون، الرجل الذي أمضى سنوات طوال بين تونس والجزائر، والطبيب الذي لم ينفك يومًا عن الاهتمام بالموسيقى، وإن حملته بعيدًا عنها الرغبة الملحة في الثورة والتنظير لها.
يعكس تناقض معنى الصوت والمشهد الصوتي رؤيتين مختلفتين للموسيقى: رؤية استعمارية، وأخرى مناهضة لها، أكثر محلية والتصاقًا بفهم الشعوب الأصلية لنفسها. ذلك أن “الأغنية لدى الشعوب الأصلية … تؤدي وظائف مختلفة بشكل لافت، بما في ذلك كونها قانونًا ووثيقة تاريخية”، كما كتب ديلان روبنسون في كتابه الاستماع الجائع. يعتبر روبنسون أحد أهم المنظرين لهذا التمييز بين شكلي الإصغاء: شكل لا يعترف بصوت الآخر إلا بكونه موضوعًا للهيمنة، والنهج الآخر الذي يرى في هذه الأصوات وسيلة تكشف بها الذات عن نفسها، وتعبّر من خلالها عن سياقها الاجتماعي والسياسي والشخصي.
في حالة تسجيلات المعسكر، يصبح البحث عن هذه الرؤية البديلة التزامًا ثقافيًا أمام تسجيلات “تستحق أن تقرأ قراءة عكسية لمنطق إنتاجها، استعادة للسياق والإنسانية اللذين طمستهما بنيتها الشكلية الباردة”، كما كتب منير الهنتاتي، أحد أهم المشاركين في استعادة تونس لقسم من هذا الأرشيف، خلال سنة ٢٠٢٥.

في زاوية من زوايا المعرض، تعترضنا ثلاث أوراق مكمّشة مرمية على الأرض، قُصد لها منذ البداية أن تلقى كذلك. هذه الأوراق جزء من محاولة موسيقار ألماني، خلال سبعينات القرن الماضي، أراد من خلالها وضع نظام موسيقي يلخص الموسيقى الشرقية ويعيد كتابتها وفق قواعد ولغة الموسيقى الحديثة. تُعد الموسيقى الشرقية، بتقاليدها وروافدها وألوانها كما علّق الفنان أكبر بكثير من أن تُحتوى ضمن صفحات محدودة. لذلك اختار أن يعبر عن رفضه لهذه المحاولة الاختزالية، بتعبير عنيف واحتجاجي، وفني في النهاية، وضد كلّ محاولة لاختزال الآخر ضمن مشهد يحاول أن يؤطرّ ويحسر الصوت ويدعي قدرته على تفسيره وإعادة إنتاجه.
شظايا الأصوات
على واحدة من طاولات العرض، وجدت مجموعة من عشرات شظايا السيراميك والجليز التونسي التقليدي، الملوّنة. وضح الفنان للزوار أنها مجموعة من شظايا المنازل القديمة التي استقرت في قعر شاطئ مدينة الحمامات الساحلية، حيث يقع منزل أسرته. سعى لطيّف خلال السنوات الماضية لتجميع هذه البقايا بصبر وتأني قبل أن يقرر عرضها.
“إرثنا الموسيقي، مثل هذه المجموعة، متنوع وزاهٍ، لكنه مشتت ومبعثر بين أماكن شتى، وكل ما علينا فعله، هو تجميعه من جديد.” هكذا يصف محمد دور مجموعته من السيراميك. تتوضح هذه الرغبة أكثر، مع غوص الزائر أكثر في المعرض، حيث ترتفع يافطة بيضاء كبرى في المنتصف، رسمت عليها شبكة من الدوائر على شكل خطوط لا متناهية. تمثّل هذه الشبكة رسمًا بيانيًا مختصرًا لتاريخ تسجيل بدايات الموسيقى والأنغام وحتى التراتيل العربية. على رأسها تقع أسماء مثل جرامافون الإنجليزية وبيضافون العربية، أول شركة تسجيل عربي، والتي انطلقت من بيروت عبر الأخوين بيضا سنة ١٩٠٦، ثم اتخذت من برلين مركزًا لها لعقود طويلة.
امتلكت بيضافون شبكة نفوذ قوية، وتمردت على قيود الاستعمار لتصنع تحالفاتها الخاصة، التي نجحت في تحويل الموسيقى لصناعة. بدا لوهلة أن الموسيقى العربية تحررت من كونها حبيسة توثيق الأنثروبولوجيين واستخبارات القوى الاستعمارية لتصير تجارة وصناعة مربحة وجماهيرية. كما أشرف عرب في المنطقة والمهجر على قسم كبير من محتواها، ولو أنها بقيت موضوعًا استشراقيًا إلى اليوم.
في جانب آخر من المعرض، رُفعت صورة ضخمة لم تُعرض من قبل. اكتشف هذه الصورة محمد علي لطيّف في أرشيف قصر النجمة الزهراء، محفوظة إلى جانب أسطوانته. تحتوي الصورة على وفد تونسي قصد برلين خلال عشرينات القرن الماضي، وفي سيارة فخمة تكدّست أشهر أسماء العصر من مطربين شبّان عرب: خميس ترنان وحبيبة مسيكة وأمامهم جميعًا البشير الرصايصي، وكيل شركة بيضافون الوحيد في تونس، وعرّاب هذه الزيارة، وقد وقف الجميع داخل سيارة مكشوفة تحت بوابة براندنبورغ، المعلَم الأشهر في برلين.
تلخص الصورة اللحظة التي انفتحت فيها الموسيقى على التقنية، والزمن الذي أصبحت فيه الأصوات قابلة للانتشار لأول مرة. مع ذلك ضاعت أصوات تلك المرحلة، واختفت تدريجيًا، حيث تاهت داخل الأرشيفات وتحت ركام الحرب العالمية الثانية وفي دهاليز الكتب. منذ الخمسينات، ومع دخول عصر الراديو ثم التلفاز وما تلاه، صارت الأسطوانات أو “الصحون” كما يسميها التونسيون قديمًا، موضة من عالم زائل. عالم صار اليوم غريبًا، يتطلب ولوجه خريطة مثل تلك التي وضعها لطيّف على يافطته البيضاء.
أسمع صوت العالم الماضي
رغم مركزية الأصوات ضمن المعرض إلا أنها لا تكشف عن نفسها بسهولة، باستثناء شاشة تلفاز قديمة، ذات لونين أبيض وأسود، تعرض عليها إحدى صور المعسكر وقد أُلحقت بها سمّاعة. خصّصت الشاشة لعرض تسجيل لأحد الأسرى التونسيين. في هذا التسجيل يسمع الزائر أغنية غزلية حزينة، يبدو أنها كانت تغنى في قرى تونس الشرقية خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
مع ذلك، تبيّن لي بجلاء أنه لا زال مقطع منها، على الأقل، يتردد ضمن الأغاني اللاحقة وإن تغير اللحن وطريقة الأداء. “معرفتوش وليد شكون” هكذا تقول اللازمة التي تبيّنتها، وسمعتها تؤدى من طرف رعاة سمامة، في أقصى غرب الوسط. يُستعاد نفس الصوت بقوة أكثر في آخر حلقات المعرض، قاعة العرض السينمائي؛ حيث يعرض لطيّف خاتمة منجزه الفني، عندما يدمج صوت هذا العالم الماضي مع صور اليوم.

يدوم هذا الشريط عدة دقائق، تلخص تفاصيلًا من مسيرة المشروع، بدايةً من شرفة شقة في إحدى ضواحي برلين، وصولًا إلى واحات الجريد في صحراء تونس، التي بلغها سنة ١٩٢٩ روبرت لاخمان، مترجم محتوى تسجيلات معسكر الهلال. لاحق التسجيل طيف لاخمان، كما لاحق مشاهد من مواضع أخرى عدة، مباني أرشيفية في ألمانيا، جزيرة جربة وركح مسرح في تورينو الإيطالية، حيث قدّم لطيّف ذات يوم من عام ٢٠٢٤ عرضًا فنيًا على شرف الأسير الصادق بن رشيد الحاج يوسف، صاحب الصوت الشجي في الهلال.
في آخر ساعات المساء من ذلك اليوم، غطّت على الفضاء وكل الحاضرين فيه سحابة من أصوات الصادق وغيره من مساجين المعسكر. في النهاية سُمعت أصواتهم، وهو نجاح بعينه، وانتصار للطيّف ومن معه وأفضل هدية يمنحها العالم الآتي للصوت القديم.
صورة الغلاف والصور المدرجة ضمن المادة لمصوّر المعري مهدي بن تمسك.
