ولو بعد حين | المحذوف من كلمات الأغنية التونسية

قصص الأغاني - كتابة: أمين الحرشاني - ٢٠٢٥/١٢/١٠
ولو بعد حين | المحذوف من كلمات الأغنية التونسية
تحميل...

غلب على صباح ذلك اليوم من صيف عام ١٧٦٢ القيظ، ورغم كونه صباح عيد الأضحى، خيّم الوجوم على قرى الجبل الخمسة. لم يُسمع ثغاء الأغنام، ولا لعب الأطفال، فقط صمت قاتل قبل العاصفة. ما ارتفعت شمس النهار حتى اقتحمت عساكر الباي علي باشا الثاني وفرسان القبائل الجبل، منهية تمرد سكّان جبل وسلات الطويل. يومها كان قرار الباي صارمًا: يُخلى الجبل من ساكنيه مرّة واحدة وإلى الأبد، ويحكم على أهله بالشتات على أربعة أقسام، قسم يتوجه شرقًا وآخر غربًا وآخر شمالًا وآخر جنوبًا؛ لتمسي المأساة، حدثا يؤرّخ به: عام خلاء وسلات.

في فوضى التهجير، انفصلت خضراء عن ابنتها الشابة إلى الأبد، إذ أجبرت هي على النزوح نحو الحاضرة تونس، فيما رحلت ابنتها مع المغادرين نحو أقصى الجنوب الشرقي، بلاد قبيلة ورغمة. في فرط حسرتها، غنّت خضراء لحنًا حزينًا حفظته الذاكرة باسم مع العزابة وتناقلته الأجيال، حتى وصلت لعرين الموسيقى الكلاسيكية، معهد الرشيدية للموسيقى التونسية، المؤسس سنة ١٩٣٤؛ واختيرت لتأديتها ضمنه المغنية الشابة وقتها ذات الأصول البدوية، صليحة. غير أن نسخة الرشيدية كلّفت الأغنية تعريض كلماتها للتحريف والتغيير، حتى لا تنال من سمعة العرش الحسيني الحاكم أو تذكر الناس بجرائمه. في النص الأصلي، تبكي خضراء:

يا سايقين البلّ يا جمالة / تونس بعيدة والعرب قتالة
يا تونس الخضراء يا مسميّة / بلادي بعيدة والعرب قطعية”

بقدرة قادر تحول العرب القتالة في نسخة صليحة إلى “عرب رجّالة” والعرب قطعية إلى “يجعل أيامك راضية وهنيّة”. بذلك تحول الشاهد شبه الوحيد على المأساة إلى نص يمجد الجلاّد وزبانيته. لولا أن تسجيلًا نادرًا ظهر إثر سنوات لفنانة أخرى شابة هي حسيبة رشدي، غنّت فيه أصل الأغنية، بكل ما فيها من قسوة؛ لتحفظ بذلك نصًا نادرًا من الاندثار. قد تكون هذه القصة من أقدم الأمثلة الموثقة لتحريف كلمات الأغاني التونسية وإسقاط بعض مقاطعها، خدمة لصاحب السلطة. لكنها مثال أيضًا على مقاومة الروايات الأصلية وصمودها.

أيّام الزين الصارمة

خلال الأشهر القليلة الباقية من عقود حكم بورقيبة الطويلة، أمسى الزعيم العجوز رهينة شخصين فقط. في القصر، عزلته عن العالم الخارجي ابنة أخته سعيدة ساسي، باستثناء كوّة وحيدة تركت التحكّم فيها لرجل النظام القوي، آخر رئيس حكومة للزعيم: زين العابدين بن علي. بعيدًا عن جدران القصر الباردة، راجت بين الناس نكتة تختزل واقع رجل السلطة الهرم في تونس: نهارك زين وليلتك سعيدة. انقضت صلاحية النكتة بعد بضعة أشهر، ففي السابع من نوفمبر عام ١٩٨٧، قاد الجنرال بن علي انقلابًا طبيّا عزل بموجبه بورقيبة، وحل محله رئيسًا للبلاد.

مبكرًا، لم يسمح بن علي – أو حاشيته – باستمرار أي مظهر من مظاهر السخرية، التي قد تمس من هيبة وصورة رجل الدولة الراسخ والصلب، خاصة عندما تروج ضمنًا أو يكون الباعث عليها نصّ أغنية ما، حتى لو كان نصًا بريئًا [خلال بدايات حكم الجنرال، وتحديدًا مطلع التسعينات، زار تونس صحفيان فرنسيان هما نيكولا بو وجان بيار تيكوا، في إطار مشروع صحفي مطول، كان الهدف منه توثيق الجانب السلطوي لنظام حكم حديدي، جرى التسويق له خارجيًا وخاصة غربيّا باعتباره نموذجًا للاستقرار في منطقة مضطربة. أسفرت هذه الرحلة المطولة عن كتاب صحفي صدر باسم صديقنا الجنرال بن علي، ورسم صورة قاتمة لنظام قائم على الصمت، وإسكات الخصوم الصريحين والمحتملين.]. جرى ترسيخ هذه الممارسة ضمن سياسات الدولة الدعائية والإعلامية، وتحديدًا عبر قنواتها الإذاعية، التي كانت إلى بدايات الألفية أهم فضاء لصناعة الموسيقى والتعريف بها، وأكثرها رواجًا بين الجماهير، وتحديدًا الإذاعة التونسية الوطنية وأفرعها بين الجهات. 

قبل صعود بن علي للحكم، اعتادت الإذاعة نقل أغنية للسيدة عليّة، واحدة من أبرز أعلام الموسيقى التونسية وقتها، من كلمات الشاعر عبد المجيد بن جدّو؛ كانت أغنية غزلية متزنة ومحافظة في صورها ولحنها وأدائها، غير أن مطلعها، وبمصادفة عجيبة، صار قابلًا لتأويله تأويلُا مخالفُا و”معاديًا” ضمن الظروف الجديدة:

“هذا الزين لوّاش؟ يا مكحلة الأرماش
الزين هذا لوين؟ يا مذبلة العينين”

مقطع تشبيب، يتغزل بعيون وجمال المحبوبة؛ لكن سلاح السخرية المحتمل قد يحوّل الأغنية إلى مساءلة لواقع البلاد المجهول تحت حكم رجل الظلّ الغامض، الزين، فتصبح “هذا الزين لواش؟” تساؤلًا مشروعًا حول الفائدة من افتكاكه للسلطة، وتصبح “هذا الزين لوين” تساؤلًا حول الطريق الذي قد يأخذ البلاد في اتجاهه.

ربما ما كانت الأغنية لتستجلب هذه الأسئلة أصلًا إلا في أذهان المهووسين بتوطيد أركان السلطة بشتى الطرق؛ وبخصوص هذا، تداولت الذاكرة الجماعية حكاية، من الوارد أنها لم تقع أصلًا، حول آخر بثّ لهذه الأغنية، والذي تسبب في عزل مدير الإذاعة. لتغيب الأغنية على إثرها لعقود.

تبدو هذه الصورة القاتمة لنظام بن علي، باعتباره مظهرًا لسلطة عارية لا تعرف غير المنع كآلية فعل سياسي، غير دقيق. إذ لم يكن النظام بمثل هذه السذاجة وقتها. على العكس من ذلك، جرى تقديم النظام الجديد باعتباره المنفتح على الفنون وخصوصًا الشعبية منها.

مثلًا، منذ أربعينات القرن الماضي كانت موسيقى المزود، واحدة من أكثر الأصناف رواجًا بين أوساط الأحياء الشعبية والعشوائيات الناشئة حول العاصمة، مرادفًا للوصم الفنّي ونموذجًا للانحطاط وفقًا للرؤى الرسمية. بذلك حُرم المزود من كلّ إمكانية ولوج لفضاءات الموسيقى الرسمية، على امتداد فترة حكم بورقيبة. تغير الوضع مع بن علي وسمح لأول مرة لأساطين هذا الفن، على غرار الهادي حبوبة، من اعتلاء ركح المسرح والتلفزة، وبثت لأول مرة أغاني المزود على موجات الأثير. سُوّق لهذا القرار باعتباره مثالًا على انفتاح الثقافة الرسمية للعهد الجديد على أصوات المهمشين وفنون الأندرجراوند. مع ذلك، لم يكن هذا سوى نصف الحقيقة، ونصف المزود.

احتفاءً بذكرى التحول المبارك يوم السابع من تشرين الأول / نوفمبر ١٩٨٧، لم تفتح التلفزة الرسمية، والتي أمسى اسمها تونس سبعة، أبوابها إلا لبعض من المزود؛ مزود الحب والفرفشة والربّوخ، أما بقية المواضيع التي نشأ المزود ضمن أجوائها مثل التهميش (الحقرة) والحزن (المحاين) والسجون (الزندالي) والهجرة (الحرقة)، بقيت خارجًا ومنزوية في الظل. 

لم يكن النظام، في سعيه المحموم لصناعة وهم دعائي حول تونس بلد الفرح الدائم، ليقبل بمدونة موسيقية تنسف هذه السردية. بذلك جرى احتواء المزود بنجاح، وأمسى هناك مزودان، مزود ترحب تحتفي به السلطة، وأخر حافظ على وفائه للهامش. مطلع التسعينات وقف أساطين هذا الفن الموسيقي، أولئك الذين صنعوا جماهيريته رغمًا عن التهميش، عند مفترق الطرق هذا. قبل البعض شروط المعادلة طوعًا، وحاز الهادي حبوبة في سبيل ذلك قصب السبق. بينما لم تكن مسيرة عديله صالح الفرزيط بمثل هذا التوفيق. 

مبكرًا تمايزت أغاني الفرزيط عن غيره، بشحنتها الطبقية القوية. في نيران جاشي شاعلة ميقودة وقالولي روّح برّاني ويا بايعتني، غنّى عن الحب الخاسر أمام الطبقية والسجون والجهويات والاغتراب في الوطن. لسنوات، امتلك الفرزيط ناصية هذا اللون من المزود حتى صار مقترنًا به. في أواسط السبعينات، ولسبب ما، كان مصيره دخول السجن؛ بالتالي جاءته الفرصة لإبداع ملحمته الزندالية الخاصة، والزندالة، لفظ شعبي تعود جذوره لزنزانة السجن أيام الحكم التركي، وصار مع الوقت نمطًا موسيقيًا شعبيًا قائمًا بذاته، يتغنى بالسجن والحرية وما ارتبط بهما. في زندالته، ألف الفرزيط واحدة من أشهر أغانيه:

“ارضي علينا يا لمّيمة / رانا موضامين
نستناو في العفو يجينا / من ستة وسبعين”

في نص الأغنية، لم تكن تلك الأم المرجو رضاها، سوى تونس، التي ينتظر رفقة رفاق سجنه عفوًا منها لم تكن لتمنحه إلا عن طريق سلطاتها. احتوى نص الأغنية مقاطع عديدة، وفي أواخر الثمانينات، لم تكن لتسجل وتوزع علنًا، على غرار أعمال بقية نجوم الفنّ الصاعد، إلا بعد مرورها على حدّ معين من الفلترة والصنصرة. هذا ما قام به الفرزيط في النهاية، عندما ختم أغنيته بمقطعِ “وطني” يعكس المصالحة والمحبة: ” يا تونس يا عزيزة علينا / الله يهلك حسّادك”. بعيدًا عن المقطع السابق، لم تكن الأغنية الأصلية كمّا غناها الفرزيط في مجالسه الخاصة أو وراء القضبان بالشكل الذي سجلها فيه. جرى تحوير بعض مقاطعها وأضيفت مقاطع أخرى، بينما سقطت أخرى كليّا من الأغنية. في النسخة الاصلية، غنّى الفرزيط: 

“ارضي علينا يا لمّيمة / رانا أولاد صغار
البوليس يتبّع فينا / حتى لباب الدار”

وهو ما لم يكن من الممكن قبوله، خاصة أن البوليس، مثّل جهاز بن علي الأقوى، وأداته الضاربة وسِمَة نظامه فيما بعد. حتى يتسنى المحافظة على مطلع المقطع، تغير من الحديث عن ملاحقات البوليس للفئات الهشة إلى الأمل في مصالحة وفي غد أفضل: “غدوة نتراضوا يا حنينة / وننساو اللي صار”. كذلك، غاب عن الأغنية المسجلة، مقطعها الأكثر إثارة للجدل: 

“بنية جديدة وراء لأفريكا / سموها التفتيشات
يا حليل اللي عامل عملة / فمّا وين تبات
يا حليل اللي عامل عملة / مشى غادي ومات”

يتحدث المقطع عن مبنى جديد وقع تشييده وراء فندق الأفريكا، أشهر فنادق العاصمة وأعلاها، والملاصق لمبنى وزارة الداخلية التونسية. في محيط المبنى، انتشرت مبانٍ فرعية كثيرة لإدارات ومكاتب وأجهزة أمنية متعددة، تضاعف عددها بشكل مضطرد، مع تصاعد النزعة الأمنية في إدارة الشأن العام منذ انتفاضات العمّال في السبعينات. من بين هذه المؤسسات، ذلك المبنى الجديد، المخصص لإدارة مسائل التفتيش والإجرام. 

ارتفع المبنى الجديد، ومعه ارتفعت اليد الأمنية الغليظة، وغابت معها مصائر الكثيرين. في النهاية، غاب هذا المقطع أيضًا عن النسخة المسجّلة. فقط بعد الثورة، غنى الفرزيط لأوّل مرة علنًا النسخة الأصلية في أحد البرامج الحوّارية، والتي لولاها، لربما ضاعت إلى الأبد. 

للثورة أيضًا محظوراتها

قلبت الثورة الموازين، وأعادت لأسماع التونسيين أغانيًا ظنّوا لوهلة أنها لن تُسمع يومًا، ما دام الجنرال جاثمًا على كرّسيه لا يتزحزح. غير أن المفارقة كمنت في أن الثورة وإن أعادت أغانيًا إلا أنها أسقطت أخرى.

مطلع ٢٠١٣، صدر عمود صحفي بعنوّان سيّب الزين لكاتب باسم مستعار، جهينة. تحدث جهينة عن فرحه بعودة أغنية الزين هذا لواش للبث من جديد، لكنه تساءل عن مصائر أغانٍ أخرى غابت فجأة. أغانٍ من قبيل يا لايمي ع الزين ما نصبرشي، والتي لا يجمع بينها إلا احتفاؤها العرضي أو المقصود بـ الزين والجمال. نفس الزين الذي منعت الأغاني في السابق خشية المساس بهيبته، صارت تمنع خشية تمجيده.

لكنها إجمالًا مرحلة لم تطل، إذ سرعان ما تناسى الساسة والجماهير الرئيس السابق، والذي جرفته الأحداث في منفاه السعودي بعيدًا. مع سقوط حاجز الخوف من السياسة ورجالاتها، بقي حاجز آخر، حاضر وبقوة في الأذهان وفي الذائقة الرسمية، ألا وهو الأخلاق الحميدة. 

حاصرت الأخلاق الحميدة الإنتاج الموسيقي المعاصر، وقلما أفلت منها عمل ما إلا ولاحقته الضجة أو الفضيحة. لكنها، حضرت أكثر وبفاعلية، كلّما تعلق الأمر بإعادة إحياء أغانٍ قديمة وبعثها مجددًا؛ وهي أغانٍ نشأ كثير منها في فضاءات متحررة أصلُا من سلطة الذوق العام كما نعرفه اليوم. نشأ بعض هذه الأغاني ضمن حلقات النساء الخاصة، وغلب على أخرى طابع إيحائي صريح، ناشئ عن بيئات بدوية أو ريفية متحررة؛ أو ربما لأنها، لم تكن معدة في الأصل للاستهلاك في المجال العام، وإنما لفئات أو مناسبات خاصة. 

سبق لبعض هذه الأعمال أن جرى إحياؤها والمحافظة على مدونتها ومعانيها بالرغم من “جرأة” محتواها ولو ضمنيًا. ربما يكون مشروع عرض المنسيات للمخرج لسعد بن عبد الله، المخصص لبعث تراث منطقة الكاف غربي تونس، أشهر نموذج على هذه الأعمال؛ التي وبرغم اشتمالها على تلميحات صريحة للأعضاء وقبلات الشفتين، لم يحل ذلك دون تكرار بثّها في التظاهرات الرسمية، بل وعلى شاشة التلفاز الرسمي. 

غير أن قصة النجاة هذه، كانت مجرد استثناء. أُجبرت أعمال أخرى كثيرة على المرور عبر غربال الصنصرة. الأخطر هنا، أن هذه الصنصرة، كثيرًا ما تكون ذاتية، يقدم عليها الفنان نفسه.

مع تقدم السنوات اللاحقة للثورة، والتقلبات المتتالية داخليًا وخارجيًا، عادت الصنصرة الذاتية لتأخذ المعطى السياسي على محمل الجد. لكن على غير المتوقع هذه المرة، جاءت من لدنّ علم من أعلام موسيقى الثورة وما بعدها: آمال المثلوثي. ولدت المثلوثي سنة ١٩٨٢، ومع قيام الثورة، لم تعد مجرد فنانة شابة، تخوض تجارب موسيقية جديدة، وإنما صوت من أصوات ثورة، سمّيت لوهلة بثورة الياسمين.

في ذلك الشتاء البارد من عام ٢٠١١، أيامًا قليلة إثر سقوط الجنرال، وفي شارع الحبيب بورقيبة، على مقربة من مبنى وزارة الداخلية المهيب، غنّت بمعطفها الأحمر “أنا حرّة وكلمتي حرّة”. الأغنية التي أصبحت شعارًا لما سيجاوز شارع الحبيب بورقيبة نحو ميدان التحرير في القاهرة وساحة الحرية بتعز وغيرها من معالم ثورات ٢٠١١. لوهلة كسرت تلك الثورات حواجز الخوف، وللحظة ساد ظن مفاده أن الكلمة ستكون حرّة وللأبد. لكنه كان مجرد ظنّ، سرعان ما كذّبته الحوادث.

من أواخر سنة ٢٠١١، أخذت الثورات منعطفات خطيرة، أمسى بعضها حروبًا، وأخرى لم يأت عام ٢٠١٣ إلا وأجهضت ولو ضمنيًا. مع ذلك، نجت التجربة التونسية ولو لحين. ففي ٢٠١٤، تمكّن الحوار السياسي الجامع من وضع خارطة طريق لنقل السلطة بسلاسة. احتُفي بنجاح الانتقال الديمقراطي هذا باعتباره “استثناءً” في سياق من الأزمات الإقليمية. في هذا الصدد، منحت المنظمات الوطنية الكبرى، التي أشرفت على الحوار تحت اسم الرباعي الراعي للحوار، جائزة نوبل للسلام سنة ٢٠١٥؛ وفي حفل التتويج بالعاصمة أوسلو، اختيرت آمال المثلوثي لتغني أنا حرّة.

بقدر ما منحت الجائزة الاعتراف الرسمي الجماعي بتجربة الحوار، منح الحفل آمال المثلوثي، مشروعية تمثيل الثورة التونسية موسيقيًا. فيما بعد، كرّرتها في أكثر من حفل وأكثر من مناسبة، ثم جاءت الكبوة. في أكتوبر ٢٠٢٠، عندما دُعيت لتغني في اختتام مهرجان الجونة السينمائي المصري. اختارت المثلوثي افتتاح الحفل بأغنية حلم، واحدة من أهم أعمالها “الملتزمة” بقضايا الحرية والعدالة، وأشهرها. لكن على غير المتوقع، جاءت كلمات الأغنية غريبة على آذان من اعتاد سماعها؛ إذ عوض أداء المقطع الأكثر التزامًا فيها كما هو معتاد: 

“دنيا ترى فيها ملامح ناس / قوسها البؤس والظلم والقهر”

غنّت المثلوثي كلمات على النقيض منها: “دنيا يملؤها الحب والدفء والنور”، وعوض “دنيا علت فيها أسوار طغيان” غنّت عن دنيا “علت فيها أصوات أجيال”، وهكذا. صارت الكلمات الصادمة والقوية والشجاعة في مواجهة الاستبداد والظلم كلمات تلميع واحتفاء بعيدة عن الواقع. للأسف لم تعلق المثلوثي حول ما أقدمت عليه وأسبابه.

“فرحة تونس” والعودة المشروطة

لم تكن حادثة المثلوثي هي الأخيرة، ولم يعد وقوع مثيل لها واردًا فقط في سياق الخارج، حيث أحبطت الثورة وهزمت، بل عاد أخيرًا إلى الداخل التونسي من جديد. انطلقت القصة يوم ٢٥ كانون الثاني / يناير ٢٠٢١، عندما فعّل رئيس الجمهورية الحالي حالة الاستثناء، من أجل مصادرة كل سلطات الهياكل الدستورية لنفسه، والإطاحة بخصومه وتحديدًا الإسلاميين من حركة النهضة، وفي الأخير تعليق العمل بدستور الثورة، وتعويضه بآخر جديد كرّس سلطته الواسعة.

كرّست هذه الحركة بدايات العهد السياسي الجديد، والذي طوى مرحلة العشرية الانتقالية الموالية للثورة؛ وهو ما انعكس في النهاية على الموسيقى الوطنية ورموزها. استعيدت من الأرشيف أصوات وأسماء حجبتها الثورة ومناخاتها، إذ عادت الحاجة لها من جديد تحت شعارات البناء والتشييد والدولة القوية. أسماء كان من أبرزها صوفية صادق، رمز نظام بن علي الدعائي، وصوته الرسمي في الحفلات النوفمبرية والأعياد الوطنية.

في عيد المرأة الأخير، ذكرى إصدار مجلة الأحوال الشخصية زمن بورقيبة، يوم ١٣ آب / أغسطس، اختيرت صوفية لتعود من جديد، بعد انقطاع سنوات، لتحيي سهرة هذه المناسبة في مهرجان قرطاج الدولي، وهي إحدى أهم حفلات هذا المهرجان، لما اعتيد من حضور لشخصيات رسمية فيها. في تلك الليلة، صعدت صوفية من جديد، لتغني أغنيتها النوفمبرية الأشهر فرحة تونس من جديد. على خلاف غيرها من الأغاني الوطنية الكلاسيكية، احتوت الأغنية على إيقاع صاخب وكتبت بلهجة مصرية، تعكس السائد ضمن موجات أغاني التملق السياسي مطلع القرن العشرين.

مثلما اعتادت قديمًا، كانت صوفية وفيّة لمطلع الأغنية، الأشبه بالصراخ “يا تونس” والتي تخرج “تونااااس” وتنطلق إثرها مدحية الاحتفاء بتونس متخيلة، تعمها البهجة والسعادة والانتصار والنجاح منقطع النظير. اللافت في الحفلة أمران، الأول لم يلفت الانتباه، عندما غنّت مقطع “الله على شبابنا يا أملنا وزين بلدنا”، وبطبيعة الحال فإن الزين هنا لم تكن سوى إحالة تملقية ممجوجة من زمن بن علي، لم تتحرج صوفية من إعادتها رسميًا على الركح بعد سنوات من احتجاب الاسم. أما اللقطة الثانية، والتي لفتت الانتباه وأثارت السخرية، فقد تمثلت في تحريف مقطع آخر، هو مقطع “شموس النهضة تطلع” والذي أصبح بقدرة قادر “شموس الفرحة تطلع”.

لم تقدم صوفية على ما أقدمت عليه هنا، إلا في حركة يائسة لاسترضاء الساسة الجالسين في صفوف الحفل الأمامية، إذ وهبتهم ما لم تقم به في زمن بن علي نفسه، من طمس لأي ذكر ولو عرضي لعبارة النهضة، تسمية الحزب الإسلامي الحاكم قبل ٢٠٢١،  في حفلها. غير أن صوفية ربما نسيت كم أن أغنيتها مطبوعة في أذهان أجيال رغمًا عنهم، ورغم نفورهم منها، إذ اعتادوا سماعها في كلّ مكان، في التلفزة والمذياع والمدرسة والشارع، حتى أمست عصية على الطمس أو التحريف، حتى لو أرادت هي ذلك. 

لعل ما ينطبق هنا كرهًا، ينطبق في جميع الحالات السابقة وتحت مفعول عوامل شتّى: الوفاء للذاكرة، شجاعة البعض، صدف التاريخ، وأخيرًا نعمة التقنية، كلها عوامل ودوافع تؤكد حقيقة وحيدة مفادها أن ما حرّف وما أُسقط من الأغنية، كثيرًا ما يجد طريقه للأسماع من جديد، ولو بعد حين.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف