في مقاله ادعاء الوصول إلى العالمية وتداعياته، سلط عمر غنيم الضوء على الكثير من النقاط الهامة المرتبطة بالتبعية للغرب، التي تتقاطع بعضها مع مقالي عن تدهور النقد وحاجتنا إليه. استمرارًا على هذا الخط، من المهم الحديث عن بعض المصطلحات المسلّم بها في البلدان العربية والتي تعكس عقلية ليبرالية وما يصاحبها من إرث استعماري، ويجري تناقلها واستخدامها دون أي نظرة نقدية.
تُستخدم عادةً هذه المصطلحات لتعريف منطقتنا والموسيقيين القادمين منها، وتُتداول في بعض الصحافة الموسيقية المحلية والعالمية والجهات المانحة والمهرجانات، لتمتد إلى المجموعات الفنية والفنانين في الشتات. لذلك أجد حاجة ملحة لمراجعة هذه المصطلحات، بالأخص في الوقت الحالي، لما شهدته وتشهده المنطقة بعد السابع من أكتوبر، والحديث عن الهويات وعلاقتنا بالغرب والخطاب المستمر منذ سنوات حول إنهاء الاستعمار.
يأتي "منطقة المينا" (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) على رأس هذه المصطلحات، حيث هبط علينا من حيث لا ندري بديلًا للشرق الأوسط. كما في حالة مصطلح الشرق الأوسط نفسه بماضيه البريطاني الاستعماري وما يحمله من رؤية مركزية أوروبية، استخدم الاتحاد الأوروبي ومؤسساته الثقافية والأكاديميا وصندوق النقد الدولي اختصار "مينا" لحصر بلدان ما يسمى بالشرق الأوسط، لتتلقفه الصحافة العالمية وكل ما هو متعلق بالفنون والمنح.
وصل الأمر إلى عالم الأزياء والصحافة الموسيقية في منطقتنا، لنجد عناوينًا على شاكلة "عشرة فنانون من منطقة المينا يعيدون تشكيل المشهد الموسيقي." بالإضافة إلى كم كبير من الصفحات والمجلات التي تعتمد المصطلح في أسمائها دون أي تساؤل عن المغزى منه. كما لو كانت شعوب المنطقة عاجزة عن تعريف نفسها ثقافيًا واجتماعيًا، والاكتفاء بحصرها تحت مصطلح جغرافي فضفاض لا يحمل أية دلالة.
مع تزايد الانضباط السياسي الليبرالي المؤسساتي سعى البعض في الخارج لاستخدام مصطلح سوانا (جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا) بدلًا من مينا كونه أكثر انضباطًا وذا نبرة مناهضة للاستعمار، حيث خلا أخيرًا من "الشرق الأوسط". انتشر سوانا بشكل واسع بين موسيقيي الشتات، الأقرب للمؤسسات والأكاديميا الليبرالية الغربية؛ إذ وجدوا فيه فرصة للتخلي عن مصطلح استعماري، فتمسّكوا بها وعرّفوا أنفسهم بفناني السوانا، كما جرى استخدامه من قِبل بعض مجلات المنطقة.
إن كان سوانا أخف وطأة من مينا، فلم يطرح بديلًا حقيقيًا؛ حيث أن البيئة التي نشأ فيها هي نفس البيئة التي نشأ فيها الشرق الأوسط، وأيضًا فُرض علينا واعتمده البعض دون أدنى نقد. للتأكد من ذلك من الممكن التوجه إلى الشعوب نفسها من المغرب إلى العراق وإيران وتركيا مثلًا، وسؤالهم هل يستخدمون هذا المصطلح لتعريف هذه المنطقة وأنفسهم في حياتهم اليومية؟ وهل شخص لبناني أو سوري أو أردني يعرّف نفسه بأنه غرب آسيوي؟ ستكون الإجابة لا، وسيبدو اللفظ غريبًا.
لا زال المصطلح محصور في كل ما هو فني وموسيقي ومعتمد على نظرة الغرب لنا. لا أعتقد حتى أن هذا المصطلح إقرارٌ لإنهاء عقلية استعلائية غربية أو حلٌّ لأي شيء، فالاستعمار الثقافي الناعم لا يزال يلهو في المنطقة بقيم من المفترض أنها فُضحت وسقطت منذ أحداث الإبادة في غزة. لا يمكن إنهاء العقلية الاستعمارية بالمصطلحات.
ينقلنا هذا إلى التمعن في المصطلح نفسه وما يحمله من دلالات. الدلالة الوحيدة هي استبدال مصطلح بآخر، لكن فعليًا لا يزال المصطلح يختزل ثقافات متنوعة ويحصرها في بقعة جغرافية. ليس من الواضح ما الذي يجمع موسيقي من المغرب أو مصر بآخر من إيران مثلًا، سوى أن الاثنين تابعان لما عرّفه الغرب سابقًا بالشرق الأوسط وسوانا بعد ذلك. النتيجة أن تعريف المنطقة واحد، ولا زال يتم التعامل مع هذه البقعة ككيان واحد أو كالآخر غير الأوروبي الذي يجب احتواؤه ودراسته والتعامل معه بشكل خاص، فالمنطق الاستشراقي من وراء مينا وسوانا واحد.
على هذا الأساس تعتمد الأكاديميا ومؤسسات الدعم الأوروبي التي يعكس أغلبها رؤية الحكومات هذا المصطلح، ويتسلل تدريجيًا إلينا لنتداوله، ليصل إلى قمته مع الكيانات الاستهلاكية، فما يبدأ سياسيًا ينتهي بطبيعة الأمر استهلاكيًا ورأسماليًا.
الأهم من ذلك أن حدود السوانا أقرها الغرب، فليس من المفهوم مثلًا لماذا لم تشمل أفغانستان ودول القوقاز الثلاث. كما أن إيران أكثر ارتباطًا تاريخيًا وثقافيًا واقتصاديًا بدول القوقاز وآسيا الوسطى من منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا. لأول وهلة يبدو سوانا مصطلحًا شاملًا ومحايدًا يتّسع للجميع. لكن ما يؤكد على ميوعة هذا المصطلح، أنه يشمل الكيان الصهيوني، كونه جغرافيًا جزء من جنوب غرب آسيا. حيث نجد في حالة العديد من المؤسسات الغربية أنها تعرّف نفسها بأنها تعمل في منطقة المينا أو السوانا، بالتالي تفرض رؤيتها الجغرافية وأجندتها الثقافية على المنطقة لتشمل ضمنيًا الكيان ضمن أنشطتها.
تأتي حجة عدم استخدام مصطلح المنطقة العربية في أن المنطقة تشمل أيضًا فئات من أصول غير عربية، بمنطق الأقليات الذي استغله وفرضه الماضي الاستعماري علينا. كما لو كان الغرب شديد الحساسية ويعبأ كثيرًا بمصالح غير العرب، باستثناء الإسرائيليين. النتيجة إسالة الهويات الغنية في المنطقة في بقعة جغرافية لتشمل الكيان. من المهم تذكر أن من يعرّفنا ويضعنا تحت عدسته بقيمه الليبرالية وحديثه الزائف عن إنهاء الاستعمار، ويميع ثقافاتنا، وقف صامتًا أو داعمًا للإبادة.
هناك سؤال هام حول دلالة موسيقى السوانا أو المينا وما تحمله موسيقيًا وصوتيًا. الإجابة، لا دلالة، خصوصًا بالمقارنة مع ما تحمله من دلالات موسيقى المغرب أو الموسيقى العربية المشتركة بين بلاد الشام ومصر، أو الموسيقى الشعبية في بلاد الشام أو الموسيقى الخليجية أو الموسيقى الكردية أو الموسيقى العراقية بتنوعاتها.
هناك أيضًا مناطق تتعدى الحدود الرسمية لتجمع موسيقييها بروابط وخلفيات مشتركة، مثل ما يمكن تواجده في الموسيقى النوبية بين جنوب مصر والسودان أو الموسيقى الكردية التي تشترك في حدود أربع دول أو الموسيقى الحورانية التي تشترك في دولتين. نستحضر في هذه الحالات أصواتًا معينة وآلات وإيقاعات تشير إلى أصولها المتجذرة وثقافتها، ما تفشل فيه المصطلحات المذكورة.
من بين جميع هذه المصطلحات هناك نوع من الحرج ومقاومة لاستخدام مصطلح المنطقة العربية، وتساهل مع مصطلحات غربية فضفاضة. ذلك رغم أنه في التاريخ الحديث يُعد أساس ما هو عربي محمل بمناهضة الاستعمار والحركات التحررية واحتوائه شعوبًا يجمع معظمها مصالح ولغة وثقافة وذاكرة مشتركة، وأسس موسيقية وآلات وميراث موسيقي وعادات واستمرارية تاريخية. يمكن إدراك تلك الروابط من قدرة تأثير بلد ثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا في الآخر، وليس هناك مثال أفضل من ثورات العقد الماضي في بلدان المنطقة التي توالت واحدة بعد الأخرى منذ الثورة التونسية، والتي أسفرت عن انتعاش موسيقي أيضًا داخل البلدان وبينها؛ أو الرابط القوي الذي اتضح في السنوات الأولى من النكبة.
تعكس أيضًا الموسيقى هذه الروابط الغنية بين شعوب المنطقة؛ بجانب خصوصية كل بلد من حيث الإيقاعات والمقامات وأساليب العزف. هناك بالفعل ميراث مشترك نُقل شفهيًا بين العديد من شعوب المنطقة، والذي أنتج إيقاعات ومقامات وآلات مشتركة بفروقات طفيفة.
يجب التوضيح أن الحديث عن مصطلح عربي هنا ثقافي وليس عرقيًا عصبيًا، فالهوية الثقافية شيء متغيّر، وما هو عربي في الحقبة العثمانية مثلًا يختلف تمامًا عن الحقبة العباسية أو الحقبة الحديثة وحركات التحرير وما تلاها من حكومات القومية العربية التي سعى بعضها إلى إلغاء وتهميش الآخر باسم العروبة، وصولًا لوقتنا هذا. على عكس تغيّر فكرة ما هو عربي عبر الأزمنة، تبقى العقلية الاستعمارية ثابتة وإن أخذت أشكالًا ليبرالية أكثر نعومة من خلال السياسات الظاهرية للحكومات والمؤسسات والأكاديميا الغربية.
انطلاقًا من ذلك، من الممكن تعريف ما هو عربي بناءً على شبكة معقدة من الهويات، بشكل يشمل التعددية الموجودة في المنطقة دون إلغائها، والاعتراف بما هو كردي وأرمني ونوبي وأمازيغي وغيره، على أن يكون هناك وعي وإقرار بخصوصية هذه الثقافات واستمراريتها. الهدف اعتماد مسميات ذات دلالة ثقافية وتاريخية تعكس إرثًا غنيًا متنوعًا، على عكس مصطلحات سوانا ومينا. من الغريب أيضًا الاستغناء عن حقبة تاريخية تمتد لأكثر من أربعة عشر قرنًا واعتماد مصطلحات جوفاء غير معبّرة بالمرة.
بالفعل هناك مجموعات ومشاريع وفعاليات موسيقية محلية تصطلح على "فنانين عرب" وفي نفس الوقت يكون من الواضح خلفية كل فنان الهوياتية والموسيقية في القسم الخاص بتعريف الفنانين، حتى وإن تشعّبت، فالمصطلح وتعريفه ملك لنا ومحمل بأبعاد سياسية وثقافية واجتماعية. أما المصطلحات الأخرى أبعادها غير مادية، نابعة من رواسب استعمارية، يتم تناقلها في الشتات ظنًا في انضباطها وبعض المحليين لما قد تحملها من "فرص"، ولإرضاء الغرب في محاولة بائسة لإيجاد أرضية مشتركة.
ينبع جزء من تعريف الهوية من العلاقة مع طرف آخر، إذ يختبر شخص من مصر هويته العربية عند تعامله مع شخص من لبنان أو فلسطين أو العراق مثلًا. كما أن شخص من الجزائر ستجمعه روابط أمازيغية مشتركة عند تعامله مع آخر من المغرب أو تونس، ولكن نفس الشخص سيختبر هويته العربية عند تعامله مع آخر من بلاد الشام أو مصر. في الوقت نفسه من الحلول البديهية أيضًا الاكتفاء بذكر أسماء البلدان دون التمييع على غرار مينا وسوانا.
أيضًا، يرتبط تعريف الهوية بالصدام مع الآخر، أي العلاقة مع الغرب، بذلك ليس من المنطقي إذابة هوية هذه الشعوب من قِبل الغرب في سوانا ومينا دون أن تقرر ما المصطلح الأنسب لها، وأن نكون بحاجة دائمة لإيجاد الغرب تعريفات ومسمّيات لنا لاحتوائنا، متماهين معه بحثًا عن نيل رضاه ومواكبة معاييره. إذا كان من السهل التماهي مع سوانا ومينا فمن باب أولى النظر إلى مصطلح عربي ودلالته الثقافية، أو أن يقرر كل من له اهتمام بذلك الأمر ما يعنيه أو لا يعنيه؛ أن نقرر لأنفسنا.
