كل الخلق محبوبي | دليل الإنشاد في صعيد مصر

مقالات - كتابة: صالح عمر - ٢٠٢٦/٠٣/١٠
كل الخلق محبوبي | دليل الإنشاد في صعيد مصر
تحميل...

في رمضان ١٤٤٤ هـ الموافق ٢٠٢٣، احتشد المئات في محطة سكك حديد الأقصر ينتظرون وصول منشد شاب صعد اسمه فجأة عبر منصات التواصل الاجتماعي. حين وصل أحمد حسن الأقصري، علت الهتافات، وتحولت المحطة لساحة مولد مصغرة. قبل أيام فقط، كانت أنشودته قد جاءنا رمضان، من كلماته وألحانه، تنتشر بسرعة لافتة محققة ملايين المشاهدات.

كان المشهد إشارة إلى تحول أوسع في مسار الإنشاد الديني في جنوب مصر. صوت محلي، غير منتمٍ إلى ساحة صوفية تقليدية، يحقق انتشارًا واسعًا خارج نطاقة الجغرافي خلال أيام من خلال فضاء رقمي، قبل أن تترجمه الحشود إلى اعتراف مباشر على الأرض.

في صعيد مصر، يتشكل مجال الإنشاد الديني داخل شبكة ممتدة من القرى والمراكز. تقام الموالد السنوية حول الأضرحة، وتنظم ليالٍ رمضانية في الساحات العامة، وتُستهل بعض الأفراح بمدائح وصلوات. يتداول المنشدون قصائد بالعامية والفصحى، بين نصوص تراثية وأخرى من نظم مشايخ الطرق الصوفية، بينما تنتقل الألحان شفهيًا أو ترتجل داخل المجلس. قد يجلس عشرات على حصر مفروشة يرددون خلف منشد مغمور، أو يحتشد آلاف حول اسم لامع، لكن يبقى الطقس واحدًا.

يمتد هذا المجال الصوتي عبر مساحة واسعة من الصعيد. يرى الباحث والأديب أحمد أبو خنيجر في كتابه الإنشاد الديني في جنوب مصر، أن المنطقة الممتدة من جنوب الأقصر حتى شمال كوم امبو تمثل نطاقًا محوريًا لهذا الفن، فيما برزت أسماء مؤثرة أيضًا في محافظات تمتد شمالًا حتى بني سويف. إلى جانب هؤلاء يعمل مئات المنشدين المحليين داخل دوائر قروية محددة، حيث تتشابك شبكات الطرق الصوفية، ومنظمي الموالد، وأصحاب الساحات.

نتتبع هنا عالم المنشدين المحليين في صعيد مصر، عبر قراءة ميدانية وتحليل اجتماعي وصوتي، لفهم كيف تبنى المكانة، وكيف تتشكل الشهرة، وكيف يعيد الفضاء الرقمي توزيع الجمهور، وكيف يبقى الصوت، رغم كل التحولات، حاملًا لذاكرة محلية وإحساس جماعي بالانتماء.

لماذا الجنوب

كان الصوت الديني حاضرًا في مصر منذ قديم الأزل في طقوس الحياة والموت كممارسة جماعية. تشير مروة البشير في كتابها فن الإنشاد الديني إلى أن النصوص والتراتيل الجنائزية المنقوشة على جدران الأهرامات وتوابيت الموتى تمثل نواة مبكرة لهذا الفن، ومن بينها أناشيد إخناتون المرتبطة بفكرة التمجيد والدعاء. 

مع انتشار المسيحية، تشكَّل تراث الترانيم القبطية، أحد أقدم أنماط الموسيقى الكنسية المستمرة حتى اليوم. ثم جاء الإسلام فارتبط الشعر الديني والإنشاد بالمديح النبوي؛ ويُستدعى اسم حسان بن ثابت في هذا الإطار بوصفه شاعر المديح الأول، وينسب الصوفية أبياتًا له بعد طلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم من صحابته عدم القيام عند رؤيته ، وتتداول داخل مجالس السماع:

قيامي للعزيز علي فرض
وترك الفرض ما هو مستقيم
عجبت لمن له عقل وفهم
يرى هذا الجمال فلا يقوم

وتحتفظ المجالس بقصيدة للسيدة آمنة بنت وهب – أم النبي محمد – وتُستعاد في سياقات المديح ومطلعها:

بارك فيك الله من غلام
يا ابن الذي في حومة الحمام

تطور هذا الشعر داخل أطر إيقاعية وقوالب أكثر انتظامًا مع اتساع الدولة في العصرين الأموي والعباسي، وتكونت تقاليد أدائية راسخة للقصيدة الدينية، مهدت لاحقًا لتشكل أنماط السماع والإنشاد التي وجدت في مصر، وجنوبها خصوصًا، حيث البيئة خصبة للانتشار والاستقرار. ازدهرت بالنتيجة الاحتفالات الدينية وتنظيم المواكب في العصر الفاطمي، مرورًا بمرحلة أكثر انتظامًا مع انتشار الطرق الصوفية وتأسيس التكايا (الساحات) منذ القرن السادس الهجري.

عند المتصوفة يتأسس مفهوم الإنشاد على رؤية كونية تستند لقوله تعالى “وإن من شيء إلا يسبح بحمده” حيث يفهم التسبيح بوصفه فعلًا شاملًا يندرج فيه الصوت البشري ضمن حركة الذكر العامة. من هذا التصور نشأ اعتبار الحنجرة أداة ذكر، والإنشاد امتدادًا لفعل التسبيح في المجال الإنساني.

داخل هذه الفضاءات تبلورت حلقات الذكر والسماع، وصار إنشاد القصائد جزءًا من التربية الروحية للمريدين. ثم مع انتقال الحضرة من نطاق التكايا إلى ساحات الموالد حول أضرحة الأولياء، اتسع جمهورها وتقاطع الطقس الديني مع الاجتماع الشعبي، فتكون شكل إنشادي متجذر في الوجدان الجمعي، جمع بين النظام الصوفي واحتفالية المجال المفتوح؛ ما جعل الإنشاد سجلًا حيًا للوجدان الشعبي حسب ما يراه الشاعر محمد المتيم.

داخل هذا المسار الطويل، رسخ جنوب مصر موقعه كمركز أساسي للإنشاد الديني. شهدت محافظاته بروز عدد كبير من المنشدين الذين تحولت أسماؤهم إلى علامات مؤثرة في المشهد المصري والعربي. يربط الباحث أحمد أبو خنيجر هذه المكانة بجملة من العوامل المتداخلة؛ في مقدمتها طبيعة البيئة الثقافية في الصعيد، حيث تفاعلت روافد مصرية قديمة مع الموروثين القبطي والإسلامي، فاستقرت أنماط أداء خاصة، تتجاور فيها المدائح النبوية مع أثر التراتيل في الصياغة اللحنية وطريقة الأداء، بالإضافة إلى انتشار الشعر الشعبي وقدرة واسعة على الارتجال، ضمن بنية شفاهية تعلي من شأن الحفظ والتداول الجماعي للنصوص. يقول الشاعر والباحث أحمد بلبولة “لا تتعجب إذا قلت لك إن ياسين التهامي تسربت إليه الأنغام الفرعونية.”

يتوزع الإنشاد الديني في جنوب مصر على خرائط أداء متعددة، تتباين بحسب النص واللحن والسياق الاجتماعي الذي يؤدى فيه. لا تمثل هذه التقسيمات حدودًا صارمة بقدر ما تكشف عن بنية داخلية مرنة يتداخل فيها النص باللحن، ويعيد السياق تشكيل طريقة الأداء. من خلال تفكيك هذه المستويات يمكن قراءة المشهد الجنوبي بوصفه شبكة من الممارسات الصوتية المتجاورة، لكل منها تاريخها ووظيفتها وجمهورها.

طبقات النص في إنشاد الجنوب

يبدأ الإنشاد الديني من النص؛ من القصيدة بوصفها أصلًا تتشكل حوله طرائق الأداء وتتعدد أساليبه. يرى بلبولة أن الشعر الصوفي كُتب ليؤدى، وأن القصيدة في هذا السياق ترتبط بوظيفة عملية داخل الخلوات والحضرة، حيث تُنشد بوصفها أداة تربية روحية وتشكيل وجداني للمريدين. يقول علي الدعمي أحد صوفية أسوان “مؤلفي القصايد قالوها عن حالة وجد وحب وترجمان عن القلب.”

يمكن قراءة هذا التعدد عبر ثلاثة مستويات كبرى، شعر صوفي رسمي، وشعر شبه رسمي متداول في كتب المديح الشعبية، وشعر صوفي شعبي يتشكل داخل المجال الشفهي للدراويش والمنشدين.

في المستوى الأول تحضر قصائد أعلام التصوف مثل ابن الفارض ومحيي الدين بن عربي ومحمد البوصيري. هذه نصوص ذات بناء فصيح، تقوم على الرمز والتكثيف، وتدور حول الحب الإلهي والتوحيد والحضرة المحمدية. على سبيل المثال، أرست بردة البوصيري تقليدًا مدائحيًا ممتدًا في الجنوب، حيث تُستعاد أبياتها داخل الحضرة والموالد، ويُعاد ترتيبها وتقطيعها بما يلائم الإيقاع الحي للمجلس.

في هذا المستوى يتجلي مشروع وحدة الوجود عند ابن عربي بوصفه تصورًا يرى العالم مجالًا لتجليات الحقيقة الإلهية. يقول:

لقد صار قلبي قابلًا كلَّ صورةٍ
فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ
وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحبِّ أنّى توجَّهتْ
ركائبُه فالحبُّ ديني وإيماني

يتأسس هذا الخطاب على اعتبار الوجود مجالًا دالًا على حقيقة واحدة، ويقرأ التنوع بوصفه تجليًا لتلك الحقيقة. من هذا ما أورده ابن عربي في كتابه الفتوحات عن كون قيس بن الملوح (مجنون ليلى) عند كثير من العارفين من الصوفية من أكابرهم، إذ يروى أنه حين حضرت ليلى قال “إليك عني، فقد شغلني حبكِ عنكِ” ويورد ابن عربي أبياتًا:

فكلُّ الخلقِ محبوبي / فأينَ مُهيمي أين
فمن يبحث عن قولي / يجد في بينه بين

تُقرأ هذه العبارات داخل أفق تأويلي يرد المحبة إلى أصلها الإلهي، ويجعل من العشق البشري طريقًا للمعرفة. أما عند ابن الفارض فيحضر معجم الخمر بوصفه اصطلاحًا صوفيًا يشير إلى العشق الإلهي ونشوة الوجد والعلوم اللدنية؛ فيقول:

وقالوا شربتَ الإثمَ، كلا وإنَّما
شربتُ التي في تركِها عندي الإثمُ
فلا عيشَ في الدُّنيا لمن عاشَ صاحيًا
ومن لم يمت سُكرًا بها فاته الحزمُ

تُقرأ هذه العبارات داخل أفق تأويلي يردّ المحبة إلى أصلها الإلهي، ويجعل من العشق البشري طريقًا للمعرفة. ضمن هذا السياق يفضل بعض المتصوفة سماع نصوص عاطفية ذات بنية رمزية، كأغاني أم كلثوم، لما تحمله من كثافة لغوية وقدرة على استدعاء المعنى الباطني. يتحدد الاختيار هنا وفق قابلية النص للتأويل، ومدى اتساعه لقراءة وجدانية تتجاوز ظاهره المباشر.

من هذا الامتداد برزت أسماء جنوبية واصلت الاشتغال على القصيدة الصوفية ضمن أفقها الرمزي، من بينهم إسماعيل النقشبندي الذي صاغ قصائد ذات بنية مركبة ومعجم عرفاني مكثف، تناولت موضوعات الذات الإلهية والحضور النبوي. يمتد أثر إسماعيل النقشبندي إلى تلامذته مثل موسى أبو حارس، الذي واصل كتابة القصيدة الغزلية ذات الدلالة العرفانية، ومن أبياته:

مالي أراكِ في الهوى تتباكي
تتمايل الورقاء حول حماكِ
غضي جفونك واسبلي عيناكِ
يا ليتني أحظى وأرسم شفاكِ

وفي قصيدته الأخرى يقول:

برقت سعاد ونارها في أضلعي / ولها رباب قد أضر بمسمعي

على هذا المستوى تتداول كتب المديح الشعبية قصائد تجمع بين الفصيح والميسر، وتدور حول شمائل النبي، والتوسل، وآل البيت. تغذي هذه الطبقة الوسيطة المنشدين بنصوص محفوظة، تنتقل من الكتاب إلى الذاكرة، ومنها إلى الساحة، وتخضع أثناء الأداء لإعادة صياغة صوتية وزمنية.

يبرز في هذا السياق اسم الحاج أحمد أبو الحسن، الذي كوّن تجربة مدائحية واسعة في شمائل النبي وآل البيت، وأفاض في نصوصه على موضوعات الأخلاق والكمالات والسيرة. بلغت أعماله اثني عشر ديوانًا شعريًا، وتنتشر قصائده اليوم في أصوات المداحين في أنحاء مصر، رغم كونه رجلًا أميًا، حيث تكفل التداول الشفاهي بترسيخ نصوصه في المجال العام للإنشاد.

كما يحضر اسم الشيخ جاد أبو غاي في مدينة قفط بقنا، من خلال كتابه اللآلئ السنية في المدائح النبوية، وأغلبه في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، مع ملحق في مدح آل البيت، وقصيدة في مدح حمزة بن عبد المطلب عم الرسول، وتعتبر قصيدة صفه لي يا من رأيت الحب ليلًا من أشهر قصائده.

يحمل كثير من مشايخ الساحات الصوفية في صعيد مصر دواوين شعرية وضعوها في مدح النبي وآل بيته كالشيخ حامد الجبال وصالح الجعفري وغيرهما. تُتداول هذه الدواوين داخل المجالس بوصفها امتدادًا لسلسلة تعليم وتلقين متصلة.

أما المستوى الثالث، وهو الأكثر التصاقًا ببيئة الجنوب، فيتمثل في الشعر الصوفي الشعبي الذي تنتجه جماعات الدراويش تأليفًا وأداءً وتلقيًا. هنا العامية وعاءٌ للتجربة، في صيغ الموال والشرح والزجل والدور. يتشكل هذا الشعر عبر ما تحفظه الجماعة وتعيد إنتاجه. المنشد في هذا السياق حامل للمأثور ومجدد فيه في آن واحد؛ يعتمد على أصلين متوازيين: نصوص مدونة يحفظها، ومادة شفاهية يطوعها حسب المقام.

ينعكس هذا التعدد في طبقات النص في طبيعة الموضوعات كذلك. تشغل المدائح النبوية مساحة واسعة، مستلهمة تقاليد رسخها البوصيري وتناقلتها الأجيال. إلى جانبها يظهر شعر الحب الإلهي، وقصائد التوسل، يأتي بعدها مدح آل البيت بوصفه محورًا ثابتًا في المجالس.

يحظى الحسين بن علي رضي الله عنه بمكانة مركزية في هذا المتن، وتُفرد له قصائد تستدعي سيرته ومقامه، وتُستحضر علاقته النسبية بالرسول في صيغ إنشادية متداولة: “يا رسول الله يا جد الحسن” و”وهو جد للحبيب الأعظم“. يتداخل المدحان في صيغة واحدة. يلي ذلك ذكر أخته السيدة زينب بنت علي رضي الله عنها المعروفة بـ أم العواجز، ثم أمهما السيدة فاطمة الزهراء، ثم سائر أهل البيت، وصولًا إلى نصوص تتناول كرامات الأولياء ومناقبهم وسيرهم المحلية.

داخل الأداء تتجاور هذه الموضوعات في بنية مفتوحة تتيح الانتقال بين المقاطع وفق منطق المجلس (الراتب). قد يفتتح المنشد بتوحيد، ثم يتجه إلى مدح النبي، ويستكمل بمناقب آل البيت، قبل أن يختم بذكر الأولياء؛ ضمن سياق إنشادي واحد يحتفظ بمرونته ويستجيب لحركة الجمهور وتفاعل الذاكرين.

يحتفظ الجنوب كذلك بحيوية الشرح أو الموال الصوفي، الذي يختلف في بنائه عن الموال الغنائي الدارج. يتوالى الشرح على روي واحد، ويتسع لعدد كبير من الشطرات، ويُستدعى غالبًا في بدايات مجالس الذكر حيث يكون الإيقاع أكثر هدوءًا. في هذا الشكل تتكثف أفكار التوحيد والسلوك والتوسل، وتظهر صيغ مستقرة تتكرر مع إمكان الإحلال والإبدال، ما يتيح لكل منشد مساحة خاصة داخل القالب العام. يمنح هذا التفاعل المستمر بين المحفوظ والمستجد للشعر الصوفي الشعبي في صعيد مصر طبيعته الدينامية، حيث يبقى النص حيًا عبر إعادة إنتاجه كل ليلة.

تقسيم الإنشاد من حيث اللحن

يتلقى المداح القرآن في سن مبكرة، ويُتقن أحكام التجويد بما يشمل مخارج الحروف والمدود والغنة وأحكام الوقف والابتداء. ينعكس هذا التكوين على صوته من حيث صفاء النطق ودقة الأداء، ويمنحه قدرة على ضبط الإيقاع الداخلي اعتمادًا على النفس وإدارة الجملة الصوتية. تتأسس حنجرته بوصفها أداته المركزية، ويقوم أداؤه على التحكم في الطبقات والمسافات والزمن دون استعانة بآلات.

يرى الموسيقي وليد شوشة أن الإنشاد يتحرك ضمن شبكة تأثيرات أسهمن في تشكيل الوجدان الموسيقي المصري؛ من التفاعل مع الثقافة الموسيقية التركية، إلى تراكم المديح منذ العصر الفاطمي، وصولًا إلى تقاليد تلاوة القرآن. يقول شوشة: “كل الموسيقين المصريين الأوائل درسوا في الأزهر وكان فيه سؤال دايمًا بيُطرح: هو الأزهر بيعلم موسيقى؟” أسهم تعليم القرآن في ترسيخ معرفة بالمقامات وأساليب الأداء، وخرج مشايخ امتلكوا حسًا موسيقيًا انعكس في مجالات الغناء والتلحين.

في الساحات الصوفية يتقدم التصفيق ضمن سياق المشاركة الجماعية بوصفه عنصرًا إيقاعيًا منظمًا. ينتظم وفق ضربة أساسية تبرز النبر وتؤكد مواضع التشديد داخل الجملة، ويعمل على تثبيت الإطار الزمني الذي تتحرك فيه العبارة اللحنية. لا يسير التصفيق على نسق ثابت طوال الأداء؛ إذ يتوقف أحيانًا لإفساح المجال لحركة الجسد أو لإبراز لحظة سردية داخل النص المنشد.

كما يعتمد المدّاح في مصاحبته على الدف والطار والرق. ارتبطت هذه الآلات بالممارسة الإنشادية عبر تقاليد متوارثة، وأسهم تراكم الخبرة في بلورة أساليب توقيع منضبطة ميزت كل طريقة أداء وأعطتها سماتها الخاصة.

يتخذ الدف شكل إطار خشبي رقيق مشدود على أحد وجهيه جلد ماعز، يُمسكه المنشد بيده اليسرى في وضع رأسي، ويؤدي الضربات براحة اليد اليمنى وأصابع اليسرى. ينتج عن هذا التوزيع صوتان رئيسيان: نقرات حادة تصدر من الموضع القريب من الإطار حيث يشتد الشد، وضربات أكثر غلظة على بقية السطح؛ ومن خلال الجمع بينهما تتكون تشكيلات زخرفية متعددة تنتظم غالبًا في أوزان ثنائية أو رباعية بسيطة.

يحرص المنشد على إعداد دُفّه بنفسه، فيختار سَعته ودرجة شدّه بما يوافق احتياجاته الفنية. تختلف المواصفات بين منشد وآخر، غير أن العلاقة بين الصوت والدف تظل محور الأداء، ويستند إليها تنظيم السرد وتدفق الجملة.

حتى مطلع السبعينات من القرن العشرين كان المداح يجلس واضعًا الدف بين فخديه بحيث تتجه واجهة الجلد إلى أعلى، ويؤدي بكفه اليمنى ضربات ثقيلة في مواضع النبر الأساسي (دُم) على مسافات زمنية متساوية؛ وبين كل ضربتين يرفع يديه ليؤدي تصفيقة واحدة في موضع النبر الخفيف (تِك). من تعاقب الضربات الثقيلة والتصفيقات الخفيفة يتكون البناء الإيقاعي لهذا الأسلوب. عند الانتقال إلى ضرب آخر يعيد المداح حمل الدف في الوضع المعتاد مرتكزًا على راحة يده اليسرى.

تُعرف هذه الطريقة في روايات بعض المؤدين بضربين أساسيين، الفرد والجوز. في الفرد يبرز تعاقب النبرات الأساسية الثقيلة والخفيفة بوضوح، سواء أدى بالدف وحده أو بالجمع بين الدف والتصفيق. أما الجوز فيضم إلى النبرات الأساسية حشوات وزخارف إيقاعية تُدمج داخل دورة واحدة.

ارتبط هذا الأسلوب بما عُرف بـ مداحي الجمع؛ حيث كان ثلاثة أو أربعة يجلسون وسط الجمهور يتناوبون الغناء، وكل منهم يحمل دُفّه. عند حلول دور أحدهم يتقدم قليلًا في جلسته أو يغير هيئته، ويواصل التوقيع مع الحركة داخل الحلقة، ثم يعود ليأخذ غيره الدور.

استخدم المداحون أيضًا الناي (القصبة أو الغاب بلهجة أهل الصعيد)؛ الذي أسهم في تثبيت المقام وتنظيم مسار الأداء داخل المجلس. يتقدّم الصوت المنبعث منه في مطالع القصائد لتهيئة المجال المقامي، ثم يرافق المنشد خلال الجملة الإنشادية عبر فواصل قصيرة تضبط الانتقال بين المقاطع وتمنح الأداء تماسكًا زمنيًا واضحًا. كما يشارك الناي في توجيه سرعة الإيقاع داخل الحلقة، فتتحدد حركة البطانة واستجابة الذاكرين وفق الإيقاع الذي يرسخه.

أدخل المداحون كذلك آلة الربابة التي سمحت بمرونة في التعامل مع الوزن؛ حيث يتحرك الأداء نحو مساحات يتحرر فيها من الانتظام القياسي، خاصة في مواضع يقتضيها البناء النغمي والعروضي. تظهر هذه المواضع في الاستهلالات، وفي المقاطع المرورية التي تصل بين أجزاء موزونة، بينما تظل المقاطع ذات المتن الشعري الأطول هي التي ترسخ الإطار العام. يعكس ذلك وعيًا بالعلاقة بين النبرات، مع قدرة على إعادة تنظيمها داخل السياق اللحني.

أُدخلت آلات أخرى كالعود والكمان والأورج والأكورديون ، ما فتح مساحة موسيقية أوسع، ومنح الجملة اللحنية ألوانًا جديدة وأتاح للمنشدين التوسع في المقام، لكنه فتح النقاش حول حدود إباحة الآلات الموسيقية وضوابط استعمالها تبعًا لاجتهادات فقهية وطرقية متعددة. يحظى الدف بقبول واسع استنادًا لما ورد عن السيدة عائشة في صحيح البخاري: “دخل علي رسول الله وعندي جاريتانِ تُغنّيانِ بغناءِ بُعاثٍ فاضطجعَ على الفراشِ وحوّلَ وجههُ ودخلَ أبو بكرٍ فانتهرنِي وقال مزمارةُ الشيطانِ عند النبي فأقبلَ رسولُ اللهِ فقال دعهمَا، فلما غفل غمزتهُما فخرجتا.”

شكّل إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لبقاء الجاريتين مرجعية مركزية في تثبيت حضور الدف داخل مجالس السماع والاحتفال. في المقابل يتسع النقاش المعاصر ليشمل الآلات الحديثة وحدود قياسها على الدف. يطرح المنشد محمود التهامي، نقيب المنشدين، قراءة تربط الحكم بسياقه الثقافي، معتبرًا أن اقتصار الإقرار قديمًا على الدف ارتبط بطبيعة البيئة الصوتية آنذاك، ومع تطور الوسائط وتعدد الآلات بات القياس يقوم على الوظيفة الصوتية والأثر المقامي.

كيف يُصنع المنشد؟

يتشكل المنشد في جنوب مصر عبر مسار يبدأ من الساحة الصوفية بوصفها فضاء تربويًا منظمًا. تنشغل الساحة بتهذيب المريد ضمن منظومة أوراد وسير روحي يُعرف بمراتب النفس السبعة: الأمّارة، اللوامة، الملهمة، المطمئنة، الراضية، المرضية، الكاملة. لكل مرتبة ورد مخصوص يتدرج به الذاكر في الذكر “لا إله إلا الله”، ثم “الله”، فـ “ياهو” و”حق” و” يا حي” و”يا قيوم” وصولًا إلى “يا قهار”. يضبط هذا التسلسل علاقة الصوت بالمعنى، ويؤسس انتظامًا داخليًا ينعكس على هيئة المجلس.

تُفتتح المجالس بقراءة الفاتحة، ثم يتوالى الذكر الجماعي، ومن أبرز صيغه منظومة أسماء الله الحسنى للشيخ أحمد الدردير، يتخللها أداء فردي يتقدم فيه المنشد بينما ترد الجماعة بألفاظ مثل الله وحيّ. يتحدد مسار السرعة والختام وفق نظام معلوم ينسجم فيه الصوت مع حركة الحلقة. يرتبط انسجام الأداء في التصور الصوفي بصفاء الحال؛ فإذا اضطرب التوافق بين الأصوات عُدَّ ذلك خللًا في الحضور الروحي فينبه الشيخ المريدين إلى إصلاح الباطن، مرددًا أنه “يرى الأنوار تنزل متقطعة وليست متواصلة.”

داخل هذا الإطار تتكون المعرفة الأولى بالمقامات، وإدارة النَّفَس، وتقطيع الجملة الصوتية. يتدرب الطفل على الإصغاء داخل الجماعة، ويتمرس على الانضباط قبل الانتقال إلى مساحة أوسع من الارتجال. يشارك في الذكر ضمن صف واحد، ثم يتهيأ لقيادة مقطع، فمجلس كامل.

يتطلّب الانتقال من موقع المردد إلى موقع المادح مقومات محددة: صوت حسن، أداء متقن، وقدرة على الالتزام بنظام المجلس. لهذا اتجهت بعض الطرق إلى تنظيم عملية التأهيل؛ فقد أنشأت الطريقة الجعفرية الأحمدية مدرسة للمديح، وشكلت لجنة لإجازة المداحين. في طرق أخرى يُمارس هذا الضبط عبر عرف داخلي يمنح الإذن تدريجيًا وفق تقدير الشيخ وخبرة الحلقة.

يقدم الباحث أحمد أبو خنيجر قراءة تصنيفية لحلقات الإنشاد الديني في جنوب مصر انطلاقًا من بنيته الشكلية؛ حيث قسمها إلى ثلاثة أنماط رئيسية: مديح البردة، وأصحاب الدكّة (الموالدية)، وأصحاب الحصيرة. يستند هذا التقسيم إلى كيفية إعداد المكان، وموقع المنشد وبطانته، وطبيعة مشاركة المريدين (الجمهور)، ونوعية الآلات المصاحبة، إضافة إلى ترتيب فقرات الليلة وتوزيع الأدوار داخلها.

أصحاب الحصيرة

يحضر هذا النمط بكثافة في قرى ومدن الصعيد، حيث تتشكل الحلقة حول المنشد في ليالي الذكر، وتتعالى المدائح في حب رسول الله وآل بيته؛ وحين تُقام الليلة في بيت أو شارع بدعوة خاصة، يُعاد تشكيل الفضاء على نحو يرسخ مركزية الأداء: تُفرش الحصر في صدر المجلس، وتنتظم الدكك في مؤخرته، ويجلس المنشد ومشايخ الطريقة في المقدمة، وعلى جانبهم صفوف الذاكرين في تقابل مباشر، وتتحرك الأجساد وفق الإيقاع المنتظم للكلمة واللحن.

يتخذ إيقاع الذاكرين ثلاثة أنماط رئيسية، الأول الذكر الحسيني، وهو الأوسع انتشارًا، يقوم على إيقاع بطيء وحركة متدرجة مع تمايل الذاكرين. الثاني الذكر الملفوف، بإيقاع أسرع من الحسيني وحركة أكثر حيوية، مع احتفاظ المنشد بأسلوب الأداء نفسه من حيث المقام والتجويد؛ وتتسارع حركة الذاكرين فيه مع ترديد لفظ الجلالة (الله) أو حي أو هو. أما الثالث فهو الذكر الخلوتي، ويأتي بإيقاع سريع وحركة متدفقة، وتتصاعد فيه وتيرة المجلس إلى ذروتها.

برز في هذا النمط عدد من المنشدين الذين يتحرك حضورهم في نطاق محلي راسخ، من بينهم محمد عبد الماجد، وطه مساعد، وإبراهيم الأمير، وعبد الله برسي، ومحمد الدردير، وغيرهم من أسماء مرتبطة بساحات محددة وجمهور يعرف أصواتهم وسيرهم. من هذا المسار خرجت أسماء اتجهت إلى أنماط أوسع، مثل معاذ الجعفري وأشرف مغازي من فرقة الحضرة، حيث انتقل الأداء من مجلس الحصير إلى فضاء الدكة بما يقتضيه من تنظيم مختلف للصوت والجمهور.

يحضر الصوت النسائي في هذا السياق عبر منشدات يمارسن المديح داخل إطار نسوي منضبط. من أبرزهن الحاجة حمدية بقرية سلوى بمركز كوم امبو، حيث تحيي ليالي المولد وتمتد مشاركاتها إلى الأفراح ومناسبات الحج. تضع لكل مناسبة ترتيبًا خاصًا للقصائد، وتخصص أداءها للنساء داخل المجالس المنزلية، وترافقها فرقة تؤدي المدائح في حب الرسول ضمن سياق يحفظ خصوصية المجلس ويؤكد انتماءها إلى دور المداحة بوصفه رسالة خدمة ومحبة.

أصحاب الدكة

يُعد مسار الشيخ عبد الماجد أبو دوح مثالًا دالًا على التحول داخل هذا النمط؛ فقد بدأ منشد حصير، ثم انتقل إلى الدكة، وبرز اسمه في جنوب مصر، ولا سيما في الأقصر في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، مستندًا إلى طاقة صوتية عالية وحس أدائي مكناه من قيادة المجلس وتثبيت حضوره في الساحة.

تأتي التسمية من جلوس الشيخ وبطانته على الدكة أثناء الإنشاد، ويشيع في الأوساط الشعبية وصفهم بالموالدية. يتقدم الشيخ وبطانته البرنامج، ويتخذون من المدائح وقصة المولد النبوي محورًا أساسيًا، ويُعلن ختام الليلة عبر ما يعرف بـ توليد المولد؛ وهي طبقة يتعارف الحضور على دلالتها الختامية. يقسم الشيخ الليلة إلى طبقات أو وصلات، يتحدد امتداد كل منها وفق تفاعل الجمهور، وغالبًا ما تدور مدتها بين ثلث الساعة ونصفها.

من حيث الإعداد، تُجهز الساحة برص الدكك وتثبيت مكبرات الصوت، وتوضع دكتان متقابلتنا يجلس عليهما الشيخ وبطانته، وعددهم يتراوح بين أربعة وخمسة أفراد، تتوزع مهامهم بين العزف والترديد خلف الشيخ في اللازمة، تمتد أمامهم مساحة مخصصة للمريدين. يتحدد الفارق هنا في طبيعة المشاركة؛ إذ يحضر المريدون عبر الحركة الإيقاعية والتطويح، فينشأ تفاعل مباشر بين الصوت والجسد داخل المجلس.

في طفولتي تصدّر المشهد اسم أحمد برين صاحب الحضور الطاغي في قرى الجنوب، والذي امتلك سرعة تلقٍّ لافتة، فكان يلتقط القصيدة من سماعها الأول ويؤديها بثبات. أنشد القصائد الصوفية الشعبية المتداولة، وكتب مواويل رباعية وسباعية. جال برين قرى الجنوب، واتسع أثره بين الناس، ثم حمل إنشاده إلى خارج مصر عبر رحلات متكررة إلى فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وبلجيكا والنمسا والمغرب وغانا وغيرها.

ارتبط اسمه بتلميذه محمد العجوز، وأصدرا معًا عددًا من شرائط الفرش والغطا الرائجة في كافة الفنون الشعبية في الجنوب المصري. جعل البعض يتحدث عن خلافات بينهما، بينما تروي عائلة برين مواقف تؤكد طبيعة العلاقة القائمة على التقدير. كان برين، حين يمر بإدفو ويرى العجوز، يذهب للسلام عليه، ويبادر العجوز إلى الترحيب به وإكرامه. عند وفاة العجوز، بكى برين بشدة قائلًا: “يا ولدي يا ولدي.”

اتجه العجوز إلى الغناء الشعبي العاطفي ما أحدث سجالًا بينه وبين برين الذي قال له في إحدى المناوشات الغنائية “عايزيينك” وهي ما يراها أبو خنيجر دلالة على حرص الشيخ على هوية تلميذه الفنية.

من تلامذة برين أيضًا عبد النبي الرنان، الذي لقب بالرنان لقوة حنجرته، وتميز باستخدام آلة الغاب التي منحت أداءه طابعًا خاصًا. استمر أبناء الرنان في إحياء الليالي محافظين على المدرسة ذاتها.

ارتبط الرنان وأبناؤه بما يُعرف بـ الذكر الليثي، وهو لون منتشر في مراكز إسنا وإدفو وكوم امبو ودراو. يعتمد هذا اللون على آلة الغاب، وتتبارى فيه الفرق والهواة في ضبط الإيقاع وتنسيق الحركة مع العازف، ويصفه رمضان الرنان نجل الشيخ عبد النبي بأنه فلكلور شعبي متوارث يندرج ضمن الفنون الأدائية في الجنوب، وليس حضرة دينية كما يشاع.

في قرى الجنوب تتواصل سلاسل المديح، ويتقدم هذا المشهد أحمد التوني، الذي ارتبط لقبه “ساقي الأرواح” بحضوره في المواسم الكبرى. كان أول من أقام الموالد بجانب سيدنا الحسين في القاهرة، وارتبط اسمه بمولد السيد البدوي في طنطا، وتحدث عنه بوصفه أكبر المواسم في مصر من حيث الامتداد الجماهيري والمحافظة على تقاليد الحضرة، خاصة في الدورة. انتقل بالمديح من نطاق القرى إلى الموالد الكبرى ثم إلى المسارح الدولية، وشارك في مهرجانات روحية بأوروبا، وقدم إنشاده في الكنائس، كما شارك بصوته في الفيلم الإسباني فينجو؛ واستخدم السبحة لضبط الإيقاع على الكأس فصارت عنصرًا ثابتًا في أدائه. بدأ مسيرته بقصيدة مرتجلة في حب السيدة زينب، واستمر حاضرًا في تسجيلاته وفي تجارب من جاؤوا بعده.

تسلم الراية بعد التوني ابن قريته ياسين التهامي شيخ المداحين، الذي نشأ في بيت أزهري، وحفظ القرآن، وتلقى تعليمه حتى الثانوية الأزهرية. ارتبط منذ صغره بحلقات الذكر، وبدأ الإنشاد في مجالس محلية قبل أن يمتد حضوره إلى الموالد الكبرى والساحات المفتوحة.

يعتمد التهامي على نصوص الترث الصوفي، وفي مقدمتها شعر ابن الفارض، خاصة التائية الكبرى التي أنشدها على ليالٍ متعددة؛ كما قدم نصوص الحلاج. تناول الأديب جمال الغيطاني تجربته بوصفها حالة أدائية تصل بالقصيدة الصوفية إلى جمهور واسع عبر الأداء.

في دشنا بمحافظة قنا ولد أمين الدشناوي، الذي بدأ تعلقه بالمديح مبكرًا، وظهر صوته في إحدى ليالي المديح فاستمر حضوره في قرى الجنوب. ارتبط بأستاذه الحاج أحمد أبو الحسن في قرية الكلح بإدفو، وتكون عبر هذه الصلة رصيد من القصائد الصوفية؛ كما عرف بلقب ريحانة المداحين وامتد نشاطه إلى خارج مصر. اعتلى مسرح شاتليه في باريس بعد أم كلثوم، وعُرضت صوته على واجهة معهد العالم العربي بباريس بوصفه ممثلًا للإنشاد الصوفي المصري.

من دشنا أيضَا خرج كروان المديح محمد منتصر الدح، الذي نشأ في ساحة والده بمركز إسنا جنوبي الأقصر، فتأثر بمجالس الذكر في ساحة والده، وبدأ الإنشاد في مرحلة الدراسة الثانوية، ثم شارك في مهرجانات بالقاهرة. ينشد من شعر ابن الفارض والحلاج إلى جانب نصوص الشاذلية وأبيات من شعر والده.

يتسع المشهد لأسماء أخرى منها الشيخ عليوه الذي ارتبط بقصيدة أكاد من فرط الجمال أذوب ومصطفى جمال الذي نشأ لأب هو شيخ الطريقة البيومية في أسيوط، وتأثر بتسجيلات التهامي والتوني، ومحمد العاشق النقشبندي في أسوان، والذي يشارك في ليالي الذكر معتمدًا على آلة البازة؛ بالإضافة إلى جابر الذهبي ومحمود الصغير وطه موسي جاد وأيمن هريدي ومحمود الحديوي، ومحمد عبد الرسول وغيرهم كثير.

كما يظهر في هذا المشهد مداحين مسيحيين للنبي محمد، أبرزهم جميل ميخائيل، المولود في قرية دشلوط بمركز ديروط في محافظة أسيوط، الذي يعتمد على التأليف الشفهي؛ يصوغ المواويل والقصائد ويلحنها مع فرقته الصغيرة، ثم يقدمها في الساحات والبيوت. يتعامل معه الجمهور بوصفه منشدًا شعبيًا قادرًا على تلبية طلبات الحضور، ويتسع أداؤه ليشمل ألوانًا متعددة ضمن المجلس الواحد.

أثارت تجربته نقاشًا بين مؤيد ومعارض. يرى بعض علماء الشريعة أن مديح النبي يرتبط باعتقاد ديني يقتضي وحدة الإيمان بين المنشد والممدوح، بينما ينظر آخرون إلى المداح بوصفه فنانًا يؤدي لونًا من ألوان التراث الشعبي استجابة لذائقة المجتمع. داخل قرى الصعيد يتحدد الموقف غالبًا عبر القبول الاجتماعي المباشر؛ إذ تحكم العلاقة بين المنشد والجمهور معايير الحضور والأداء والقدرة على إدارة المجلس.

لا يتوقف برنامج أصحاب الدكة على المديح النبوي وآل البيت فقط، لكنه يتسع لإدراج مقاطع تتصل بالقيم الاجتماعية المتداولة في البيئة الشعبية؛ فيرد ذكر الشرف والأمانة والشهامة، والتحذير من الخيانة، وتعظيم المروءة، وقد تمتد النصوص إلى الغزل والعشق. يتولد هذا الاتساع من طبيعة التفاعل الإيقاعي داخل الساحة؛ فحين ترتفع وتيرة الحركة، يعتمد المنشد إلى إدخال نصوص تستجيب لإيقاع المجلس وتحافظ على توازنه، مع تثبيت خطاب أخلاقي يعكس منظومة الجماعة.

في بعض الليالي تظهر عبارات ينطق بها بعض المريدين أثناء المديح بلسان غير عربي، وقد يتبادل أشخاص الحديث بها في سياق يبدو منسجمًا داخل المجلس. يرد أصحاب هذا المسلك الأمر إلى ما يصفونه باللغة السريانية، ويعتبرونها لغة آدم عليه السلام، ويذكرون أنها لغة الأنبياء الأوائل حتى زمن إسماعيل عليه السلام الذي ارتبط اسمه ببداية العربية. كما يتداول بعض المنتسبين إلى التصوف تصورًا يربط هذه اللغة بعالم الروح والملائكة، في المقابل يرى عدد من مشايخ التصوف أن ما يجري على ألسنة بعض العوام لا يتصل بعلوم الطريق ولا بأصول السلوك، ويصنفونه ضمن مظاهر الخلط في الفهم والانفصال عن آداب الحضرة.

مديح البردة

يقصد به أداء قصيدة البردة للبوصيري في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم. ارتبطت القصيدة في الوعي الصوفي بسياق مرض البوصيري، وتداول رؤياه التي رأى فيها النبي يكسوه بردته، ثم شاع خبر تعافيه، فانتشرت القصيدة في الساحات والموالد.

برز في أدائها الشيخ عبد العظيم العطواني، حتى عُرفت بين الجمهور باسم بردة العطواني. صاغ أداءها وفق بناء لحني متماسك، فارتبطت به في الذاكرة الشعبية، وتداول من جاء بعده طريقته في الأداء.

يجهز المجلس عقب صلاة العصر؛ فتنصب الدكة، ويتخذ الجمهور موضعه في السامر. يحضر الشيخ ويستهل بتلاوة ما تيسر من القرآن، ثم يبدأ المنشد باللازمة الشهيرة:

مولاي صلي وسلم دائمًا أبدًا
على حبيبك خير الخلق كلهم

يردد المريدون اللازمة مرتين أو ثلاثًا، ثم ينتظم خلف الشيخ في مقام البطانة. يتقدم الإنشاد بيتًا بعد بيت، وفق تسلسل القصيدة، حتى يبلغ الأبيات الختامية التي جرى تداولها في الساحات بوصفها خاتمة دعائية. يُذكر أن الإمام البيضاوي الذي عُرف بتشطير البردة، لم يُشطر هذه الزيادة، بينما اعتمدها العطواني خاتمة للمجلس.

يتصل بهذا السياق نصوص أخرى للبوصيري، منها القصيدة المحمدية؛ كما حضرت البردة الحسنية الحسينية للشيخ صالح الجعفري، التي جاءت بلازمة قريبة في بنيتها من لازمة البوصيري وفيها:

يارب صلي وسلم دائمًا أبدًا
على النبي وأهل البيت كلهم

الاقتصاد والسمعة في ساحة المديح

يتشكل البعد الاقتصادي في ساحة المديح عبر شبكة علاقات تربط الشيخ بأصحاب المناسبات والمريدين والبطانة. تُحدد ملامح الاتفاق قبل الليلة وفق طبيعة الحدث ومدته ومكانه، ويُقدر المقابل المالي تبعًا لاسم المنشد وعدد أفراد فرقته وتجهيزات الصوت وتكاليف الانتقال. تتوزع العوائد بين الشيخ وأعضاء البطانة والعازفين، وتدخل مصروفات السفر والإقامة وإعداد الساحة ضمن بنود التنظيم.

في المقابل يقوم أداء المنشدين المحليين، خاصة أصحاب الحصيرة والبردة، على دافع الانتماء وخدمة الطريقة، فتجري الليالي في إطار تطوعي يتكفل فيه صاحب الدعوة بإعداد الساحة وتجهيز المجلس، بينما ينهض المنشد ورفاقه بعبء الأداء وتنظيم الذكر وفق ما جرى عليه العرف في بيئتهم.

تلعب السمعة دورًا مركزيًا في اتساع الطلب على المنشد. يتقدم الاسم الذي راكم حضورًا في الموالد الكبرى وثبت مكانته عبر الليالي الممتدة والتسجيلات المتداولة. تنتقل الدعوات بين قرى الجنوب اعتمادًا على التوصية الشفوية وتجارب أصحاب المناسبات السابقة، ويُسهم الانضباط وجودة الأداء وحسن إدارة المجلس في ترسيخ المكانة.

على امتداد قرى جنوب مصر كثر المداحون والمنشدون، غير أن دوائر الشهرة اتسعت لعدد محدود منهم. يربط أحمد أبو خنيجر ذلك بعامل المكان الذي حدد نطاق التواصل، وببروز أصوات امتلكت طاقة أدائية مميزة وأساليب مبتكرة أسهمت في فرز الأسماء داخل الساحة. مع أواخر السبعينات ظهر شريط الكاسيت أداة لنقل الصوت خارج الإطار المحلي، فصار التسجيل وسيطًا يمد حضور المنشد إلى دوائر أوسع، وفتح بابًا لانتشار ليالي الذكر في سوق الاستماع المنزلي.

ارتبط هذا التحول بإعادة تنظيم سوق الإنتاج، حيث تشكلت شبكات توزيع سعت إلى استثمار التسجيلات، وأثرت في مسار الإنشاد باتجاه مهني منظم داخل سياق غنائي أوسع شهد صعود أنماط شعبية متجددة. بهذا تداخل الرصيد الرمزي مع الاعتبار الاقتصادي؛ فالسوق يقوم على السمعة، والسمعة تتعزز بتكرار الأداء، وحضور الاسم في الذاكرة الجمعية للساحة، واتساع انتشاره عبر وسائط التسجيل.

التحول الرقمي وصراع الحداثة مع التراث

برز أحمد حسن الأقصري بوصفه نموذجًا لجيل قدّم صياغة عصرية للنص الديني، مع عناية بالكلمة الوجدانية وأداء هادئ منضبط، وحقق انتشارًا واسعًا عبر المنصات الرقمية. تبعه منشدون شباب انطلقوا خارج إطار الساحة الصوفية التقليدية، واعتمدوا على المقاطع القصيرة لبناء جمهور جديد.

لم يكتفِ هذا الجيل الجديد الذي نشأ في ظل ثقافة المهرجانات ومنصات البث السريع بالأقصر، وصار يحضر ليالي المولد، ويتابع حفلات ياسين التهامي في المسارح الكبرى كما يتابعها عبر الشاشات. اتسعت دائرة التلقي، وتحول الوصول إلى المدائح من فضاء الساحة المحلية إلى فضاء رقمي مفتوح، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين المنشد وجمهوره.

في هذا السياق يتبلور صراع هادئ بين منطق الساحة التقليدية ومنطق العرض الرقمي. تقوم الساحة على الامتداد الزمني الطويل، وعلى التفاعل الحي الذي يتشكل لحظة بلحظة. بينما تقوم المنصة الرقمية على التكثيف، وسرعة التداول، وإمكانية الحفظ والتوثيق الدائم. تغيرت هيئة الجلسة؛ صارت الكاميرا عنصرًا حاضرًا، وصار الأداء يُصاغ أحيانًا بوعي بالصورة وانتشارها. يرى الشيخ الحسين عبد الغني أن التحول الرقمي وسع دوائر الحضور، وضاعف المسؤولية لتقديم عمل متقن يصل إلى الناس في أي مكان.

أثر التحول في الذائقة، فمال بعض المنشدين إلى ضبط الزمن، وتحسين الإخراج الصوتي، وتقديم نصوص فصيحة قابلة للتداول خارج نطاق البيئة المحلية. يرتبط المشهد بتحولات اقتصادية وثقافية أوسع؛ إذ شهدت البيئة تغيرًا في أنماط العيش والقيم، وتراجع دعم المؤسسات الرسمية للتوثيق والرعاية، واتساع نزعة الاحتراف بوصفه مسارًا لتنظيم العمل وضمان الدخل. 

في هذا السياق يتقدم مفهوم الهوية بوصفه محورًا للنقاش؛ بين من يرى في التحول الرقمي فرصة لإحياء التراث وتوثيقه، ومن يتخوف من تراجع الحال بوصفه تجربة جماعية ممتدة في الزمن. بين من يعتبر المديح تعبيرًا عن محبة وزهد وخدمة للناس، ومن يعتبره عملًا احترافيًا.

بهذا يتجاور مساران: مسار يسعى إلى توسيع الانتشار عبر أدوات التقنية، ومسار يحافظ على تقاليد الساحة بوصفها فضاء لقاء مباشر. يبقى السؤال حول مآل هذا الفن مرتبطًا بقدرته على إدارة هذا التوتر الخلاق؛ ويظل التوازن بينهما رهنًا بقدرة المنشدين على صوغ حضور يجمع الإتقان الفني، والوعي بالهوية، واستيعاب أدوات العصر ضمن رؤية تحافظ على جوهر المديح ومكانته في الوجدان الجمعي.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف