في صبيحة عيد الأضحى المبارك يصدح صوت التكبيرات في أرجاء العالم الإسلامي، معلنًا قدوم أيام البهجة والتقوى بصداها الروحاني الذي يوحد الملايين في جوهره. تعكس التكبيرات بما تحمله من تنوع موسيقي ومقامي لافت عمق الثقافات وتداخل الحضارات، ففي اللحظات التي يتصاعد فيها صوت التكبيرات من ملايين الحناجر حول العالم ناطقة بالعبارة ذاتها، نشعر أن لحنها يتمايل كالرياح بين بلد وأخرى.
التكبيرات سنةٌ مندوبة، مستمدة من قوله تعالى: (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)؛ وجوهر التكبيرات ثابت لا يتغير بنصها الأساسي “الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد” في جميع أنحاء العالم الإسلامي. منذ عهد النبي كان يكبَّر في العيدين، ويمتد التكبير المطلق في عيد الأضحى من فجر يوم عرفة حتى غروب آخر أيام التشريق، بينما يكون التكبير المقيد بعد الصلوات الخمس.
تحمل هذه الكلمات معاني التوحيد والتمجيد لله، لكنها لا تحمل في جوهرها الفقهي تعليمات لحنية، ما أتاح لكل ثقافة إسلامية أن تختلف بذاكرتها الجمالية وبتربتها الصوتية الموروثة، من أصوات المؤذنين في الحرم المكي الذين يرسمون بها جبال الحجاز، إلى بهجة الخماسي المصري التي تتدفق كمياه النيل، مرورًا بإيقاعات النوبات المغاربية الأندلسية، وصولًا إلى أصداء بلاد الشام التي تمتزج مع شجن الراست، وكأن كل حضارة احتضنت الإسلام قرأت هذه الكلمات بعينيها هي. تمامًا كما حدث مع الأذان، الذي له عشرات الروايات الإقليمية.
الحجاز أصل التكبير | شبه الجزيرة العربية
لطالما كانت شبه الجزيرة العربية، بقلبها الحجازي، منبعًا للأصوات الروحانية التي انطبعت في وجدان الأمة الإسلامية، فمن مكة والمدينة انطلقت أصوات الأذان والتكبير، حاملة معها نغمات مقام الحجاز، الذي يعد من أقدم المقامات العربية وأكثرها ارتباطًا بالشعائر الدينية. يتميز الحجاز بطابعه الشجي الذي يثير في النفس مشاعر الخشوع والتأمل، ويضفي على الأداء الديني عمقًا روحانيًا خاصًا.
هنا، حين نقول إن تكبيرات عيد الأضحى مبنية على مقام الحجاز، لا نعني أنها موسيقى مقننة بالأوتار والنوتات، نعني أن الأذن الجماعية في هذه المنطقة تُخرج التكبيرات تلقائيًا وفق هذه التوالي اللحنية التي تشكل الهوية الصوتية لمقام الحجاز.
يسيطر مقام الحجاز (وتحديدًا البنجكاه الحجازي) على التكبيرات في شبه الجزيرة العربية، وهو مقام حجازي أصيل يوصف بأنه مزيج بين السيكاه والحجاز، ويتشابه في سلمه الموسيقي مع مقام الهزام؛ والبنجكاه (أو البنجكة) هي تسمية فارسية تعني المقام الخامس.
يعتمد أداء البنجكاه الحجازي على المد (التطويل) لإضفاء الفخامة والاتساع في الصوت، فهو يرتفع كصرخة في البرية، ثم ينخفض في انحناء يوحي بالخشوع، حيث يبدأ المؤذن بدرجة منخفضة، يصعد تدريجيًا إلى الجواب، ثم يعود بهدوء ليفرض هيمنته الجمالية. هذه المسافات بين الدرجات الموسيقية هي التي منحت البنجكاه الحجازي ذلك الطابع المهيب الذي نشعر به. لذلك، حين نسمع تكبيرات العيد في الحرم المكي، سنجد أن الروح الحجازية قد شكلت الوعي السمعي الأول لكل مسلم.
من حدة الحجاز إلى استقرار الراست | بلاد الشام
يمكننا أن نصف الراست بأنه مركز حضري غالب على التكبيرات، مع بقاء الحجاز مرجعًا قديمًا وقويًا يتسرب مع مقامات أخرى إلى الصيغ المحلية لبعض البلدان؛ فمن الطبيعي أن تحمل بعض التكبيرات المعاصرة، خصوصًا غير الرسمية أو المسجلة خارج النموذج المؤسسي الصارم، ملمحًا من مقام الحجاز أو البياتي في مطالعها أو قفلاتها، دون أن يتحول ذلك إلى الهوية الشامية النهائية.
تكمن جمالية الراست في أنه أكثر المقامات اتزانًا ورسوخًا، وذو قابلية أعلى لبناء جملة جماعية مستقرة يمكن أن تتردد من أكثر من حنجرة دون أن تتكسر بسرعة. هذه النقطة مهمة جدًا في أداء التكبيرات، لأننا لا نتحدث هنا دائمًا عن مؤذن منفرد يستعرض قدرته الصوتية، بل عن جوقة أو حشد يريد صيغة لحنية يمكن تكرارها بسهولة مع الحفاظ على الوقار. لذلك يمكننا أن نفسر استقرار بلاد الشام على مقام الراست بأنه منطق أدائي أكثر منه تقليد سمعي.
لم تتحول التكبيرات الشامية مرة واحدة من الحجاز إلى الراست، حيث انزاحت تدريجيًا من مرجعية حجازية قديمة إلى مركز راستي حضري، والسبب في نظري يتعلق بما يمكن تسميته تهذيب الحجاز لا إلغاؤه. إذ بعض ما يبدو اليوم راستيًا خالصًا قد يكون في الحقيقة نتيجة قفلات شامية وانعطافات لحنية نقلت مركز الثقل من توتر الحجاز إلى استقرار الراست، دون أن تحذف بالكامل الإحساس الشرقي الذي جلبه الحجاز أصلًا، لأنه يمكن للصيغة أن تتبدل من داخلها، لا من خلال استبدال اسم مقام باسم آخر فقط.
العودة إلى الجذر الخماسي | مصر
ليست النسخة المصرية من التكبيرات أكثر أصالة بالمعنى الفقهي من غيرها، لكنها بالتأكيد أكثر تجذرًا في الحس الشعبي المصري، حتى صارت علامة صوتية على العيد نفسه. إذ أعاد المصريون توزيع الوزن العاطفي للشعيرة، ونقلوها إلى منطقة وسطى بين التعظيم والاحتفال، مستعملين تركيبًا خماسيًا مبسطًا يعتمد فعليًا على ثلاث نغمات في أغلب الجمل، مع حضور محدود جدًا لنغمة رابعة. التفسير هنا أنه كلما ضاق المدى اللحني، وقل عدد النغمات الفعلية، وصارت الجمل أقصر وأكثر دورانية، زادت قابلية اللحن لأن يقال في الشارع كما يقال في المسجد، وأن يتردد من حناجر الكبار والصغار على حد سواء.
أحيانًا يكون مقام الخماسي بمرونته الواسعة غير مطابق تمامًا للتقسيمات الصارمة في نظرية المقام العربية، لكن ما يهمنا هنا ليس مطابقة المصطلح أكاديميًا بقدر ما يهمنا السلوك اللحني نفسه: اقتصاد في النغمات، حذف لبعض الدرجات، بما يسمح بحركة لحنية أسلس وأقل حدة من بنية الحجاز. إذ لا يمنح غياب درجتين من السلم السباعي مرونة أكبر. لذلك لا يمكن تصنيفه كمقام عربي تقليدي، لكنه موجود في الموسيقى الشعبية المصرية خصوصًا في الصعيد والدلتا، ويربطه الباحثون المصريون مباشرة بالموسيقى الفرعونية القديمة.
سلكت التكبيرات في مصر مسارًا طويلًا لتمصيرها، فمع الفتح الإسلامي جاء العرب بمقام الحجاز – كمركز – أثّر في مصر عبر التجارة والحج، وفي العصور الفاطمية والأيوبية (الشافعية الغالبة) كانت التكبيرات تحمل بصمة حجازية. مع قدوم الدولة العثمانية والتأثير التركي، دخل مقام العجم بقوة وبالتحديد عجم عشيران، وهو يعتمد على أنغام مفتوحة وأقل توترًا من الحجاز. حتى جرى الاستقرار على الخماسي الفرعوني في القرن العشرين، ومع انتشار الإذاعة المصرية، أصبحت التكبيرات مُمَصرة تمامًا كأداء جماعي وإيقاع أبطأ وتركيز على البهجة الشعبية. هذه استمرارية حضارية لشعب نيلي قديم دمج الإسلام في نسيجه الثقافي، وحول التكبيرات إلى ترنيمة نيلية تذكر بأناشيد الآلهة القديمة، لكنها موجهة إلى الله الواحد.
كانت الموسيقى الفرعونية تعتمد أساسًا على سلم خماسي، بالاعتماد على آلات مثل القيثارة والناي خاصةً في الترانيم الدينية في معابد آمون، وبنيت على فواصل خماسية في إنتاج أنغام سهلة الترديد الجماعي. يظهر هذا السلم اليوم في الذكر الصوفي وأغاني صعيد مصر، وحتى بعض الأناشيد الدينية الشعبية.
من الحجاز إلى الماهوري | العراق
في معظم البلدان العربية يؤدى التكبير بطرق مشابهة نسبيًا باختلاف المقامات، لكن في العراق تطور إلى فن مستقل يسمى قراءة العيد أو التلاوة المشفوعة بالتكبير، حيث يقرأ القارئ آيات قرآنية (غالبًا من الرحمن أو الصافات أو الغاشية) ثم يقطعها بالتكبير في تدفق نغمي متصل، وهذه الطريقة خاصة بالعراق وغير موجودة بهذا الشكل في أي دولة عربية كما تؤكد التسجيلات.
تشتهر تكبيرات العيد في العراق بمقام الماهوري، وهو فرع من مقام العجم يتميز بإيقاع شجي ومفرح، ويمنح التكبيرات إحساسًا بالحنين والتأمل؛ ويطلق عليه أيضًا اسم الخلوتي نسبة إلى الخلوات الصوفية. لذلك يتسم الأداء العراقي ببعض التلوينات الصوتية المعقدة والمدود الطويلة، التي تبرز جماليات المقام وقدرة المؤدين على التعبير عن المشاعر الدينية العميقة من خلال الصوت. أداء يجمع بين قوة الكلمة وعمق النغم في قالب صوتي فريد.
نتج التحول من الحجاز إلى الماهوري عن تطور المدرسة العراقية في التلاوة القرآنية عبر القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث مزج الجيل الأول من قراء المقام العراقي مثل محمد القبانجي وناظم الغزالي بين المقام الغنائي العراقي والتلاوة، لما يتضمنه المقام العراقي من سلالم موسيقية أكثر انفتاحًا غنية بفروع العجم والجهاركاه للمناسبات الاحتفالية، بالإضافة إلى التصوف العراقي الذي استخدم الجهاركاه والماهوري وأدخلوه إلى المساجد لإنصاف الطابع الاحتفالي للعيد، لذا تحول التكبير في العراق إلى ذكر جماعي يجمع بين القرآن والمقام الصوفي.
من الحجاز إلى الطبع المغربي | المغرب
كان مقام الحجاز ولا يزال جزءًا أساسيًا من الموروث الموسيقي للمغرب، خاصة في الأذان وبعض أشكال المديح؛ حتى تكبيرات العيد كانت تؤدى في السابق على مقام الحجاز. لكن مع سقوط الأندلس وهجرة مئات الآلاف من المسلمين الأندلسيين إلى المغرب، دخل التراث الموسيقي الأندلسي بقوة إلى الممارسات الدينية.
بدأت التكبيرات تتخذ منحى آخر وتتأثر بمقامات أخرى، وتتحور نغميًا لتصل إلى صيغتها الحالية التي يغلب عليها مقام الراست، المعروف بوصفه أحد المقامات الأساسية في الموسيقى العربية، والمميز بطابعه الواسع والمشرق، وقدرته على إثارة مشاعر السعادة والتفاؤل بطريقة تتناسب مع الطابع المغربي.
في المغرب، اكتسب الراست – أو ما يُعرف بـ طبع الرصد أو رصد الذيل في الموسيقى الأندلسية المغربية – خصوصية فريدة. امتزج المقام بالروح المغربية، وتأثر بالطبوع الموسيقية الأندلسية. أكثر ما يميز التجربة المغربية هو قابلية الموروث المغربي لأن يهضم الوافد ويعيد ترتيبه داخل منطقه الخاص، وهذا التوجه يعكس أيضًا تطورًا في الذائقة الموسيقية المحلية، فالمغرب أدخل المقام في نظام الطبوع، أي في عالم تعرف فيه الجملة بمرجعيتها الثقافية وطرائق ركوزها وزخارفها وأسلوب إنشادها، لا بالمسافات النظرية فقط.
السيكاه والتجديد العثماني | تركيا
في تركيا اليوم، يؤدى تكبير عيد الأضحى المعروف بـ تكبير التشريق على مقام السيكاه، أو كما يطلق عليه الأتراك سيجاه، وهو مقام متوازن يمنح التكبيرات طابعًا خاصًا من الوقار والجلال، ويمنح إحساسًا بالسكينة العميقة، وأكثر قابلية للتأميم الديني إذا جاز التعبير، وهو ما قد يكون أكثر ملاءمة للجو العام الذي أرادت الدولة العثمانية أن تضيفه على شعائرها الدينية.
كانت التكبيرات في تركيا تعتمد على أنماط حجازية في العصور المبكرة، ومع الفتوحات العثمانية حدث الاندماج الثقافي، ودخلت الموسيقى التركية عناصر فارسية وعربية. تطور نظام المقامات العثماني الذي سمح بالخروج عن المسار الخطي للحجاز إلى مجال شفهي واسع، يسمح بأداءات متعددة وفق البيئات والأساليب. حيث كان الموسيقيون يجربون سلالم جديدة تتناسب مع الصوت التركي – أكثر نعومة وأقل حدة – حتى استقرت على النسخة الحالية على مقام السيكاه وربطتها باسم الملحن العثماني مصطفى إتري، وصارت النسخة المعيارية في المخيال التركي؛ لأنها تُبقي الخشوع حاضرًا دون أن ينقطع الخيط مع الجماعة والهيبة الطقسية. لذلك، يبدو أن إتري غيّر المقام لأنه رأى أن السيكاه مقام عثماني شامل، عكس الحجاز الذي كان عربيًا خالصًا.
رغبت الدولة العثمانية في إنشاء مدرسة موسيقية تعكس خصوصية الإمبراطورية وتراثها الفني، وقد تجلى ذلك بوضوح في مدرسة أندرون، وهي مؤسسة تعليمية عثمانية كانت تُعنى بتدريب الموسيقيين والمؤذنين والأئمة على أداء الشعائر الدينية وفقًا لأسلوب موسيقي محدد. يُقال إن إتري نفسه كان جزءًا من هذه المدرسة أو متأثرًا بها، وقد ساهم في ترسيخ الأداء السيكاهي للتكبيرات كجزء من هذا التراث الموسيقي العثماني.
خاتمة
لم تحظ هذه الظاهرة من الدراسة الموسيقية بما تستحقه، فبينما أفراد التلاوة القرآنية وأحكامها أدب علمي واسع، وبينما خضع الإنشاد الديني لتصنيفات وتحليلات مستفيضة، ظلت التكبيرات في منطقة رمادية بين الشعائر والفنون، لا تستوقف الفقيه تمامًا ولا تستأثر باهتمام الموسيقولوجي الكافي. يفسر هذا أن عالم التكبيرات ينتقل شفهيًا، وأنه يقوم على إرشادات رخوة أكثر من قيامه على تدوين صارم، أي أن اللحن يورث كعرف سمعي قابل لإعادة البناء، مع مساحة واسعة للزخرفة والقفلات وحركة الجملة واختيار المقام الأنسب للصوت والمكان والجماعة. جعل هذا التنوع تكبيرات عيد الأضحى المبارك كمؤلف حي يروي قصة الإسلام كما عاشها ويعيشها الناس.
