غالبًا ما تُبنى المقارنات حول الموسيقى المعاصرة على مفارقة زمنية واسعة، تُقارن فيها اللحظة الراهنة بفترات سابقة اختلفت فيها البنية التكنولوجية جذريًا، من حيث وسائل التسجيل والتوزيع والتلقي؛ كالمقارنة بين زمن الإنترنت وزمن الكاسيت. رغم أهمية هذا النوع من المقارنات، إلا أنه كثيرًا ما يُبسّط التحولات الجارية عبر إرجاعها إلى حقبة تاريخية بعيدة، بدلًا من التوقف عند التغيرات الدقيقة التي طرأت داخل المشهد الموسيقي نفسه.
تنطلق هذه المقالة من مقارنة مختلفة، ترى أن أحد أهم التحولات في الموسيقى المعاصرة لم يحدث عند الانتقال من وسيط مادي إلى وسيط رقمي، بل داخل الفضاء الرقمي ذاته.
فبينما مثّل ساوندكلاود في العقد الأول من انتشاره في العالم العربي فضاءً مفتوحًا للإنتاج الموسيقي غير المؤسسي، جاء صعود سبوتيفاي ليؤسس نموذجًا مغايرًا، أكثر تنظيمًا وارتباطًا بالمنطق الرأسمالي الذي تحكمه الخوارزميات وتعيد ترتيب ما يمكن سماعه وكيفية الوصول إليه.
من هنا، تطرح هذه المقالة سؤالها الأساسي: كيف أعادت المنصات الرقمية تشكيل علاقتنا بالموسيقى وما الذي فُقد ثقافيًا وجماليًا مع هذا التحول؟
ساوندكلاود كفضاء إنتاج
في ذروة حضوره، لم يُقدَّم ساوندكلاود باعتباره منصة لعرض أعمال تجارية مكتملة، بقدر ما عمل كمساحة مفتوحة لإنتاج الموسيقى وتداولها في مراحلها الأولى. ديموز وتركات قبل الميكس وكفرات، إذ أتاحت سهولة الوصول إلى المنصة، وانخفاض عتبة الدخول، مشاركةَ أصوات لم تكن تمتلك من قبل أدوات إنتاج احترافية أو قنوات نشر.
في الوقت نفسه، مثّل ساوندكلاود مساحة شخصية للجمهور، لم تقتصر على الاستماع والاستهلاك فحسب، بل أتاحت متابعة الفنانين والتفاعل مع إصداراتهم عبر إعادة النشر والتعليقات المرتبطة بلحظات زمنية داخل التراك. بل تجاوز ذلك إلى متابعة حسابات لا تعود بالضرورة لفنانين، وإنما لمستمعين ومحبي موسيقى يمتلكون ذائقة خاصة يمكن تتبّعها ومشاركتها، وهو ما شكّل إحدى الخصائص الفارقة للمنصّة مقارنة بغيرها. بهذا النمط من التفاعل انتقل المتلقي من مستهلك سلبي إلى مستمع نشط، مشارك في تداول العمل وتقييمه وانتشاره.
أسهم هذا التفاعل المستمر في خلق مساحة تشاركية جمعت بين الفنانين بوصفهم منتجين مستقلين والجمهور بوصفه طرفًا فاعلًا في المشهد.
بالنتيجة تحوّل ساوندكلاود تدريجيًا من منصة توزيع إلى مجتمع موسيقي منفصل تمامًا عن العالم الموسيقي التجاري السائد. أتاح هذا الانفصال تشكّل مشهد أندرجراوند، يختلف عن صوره السابقة، إذ لم يعد مرتبطًا بمواقع مادية أو دوائر محلية مغلقة، بل تشكّل بالكامل ولأول مرة داخل الفضاء الرقمي.
ساوندكلاود رابر
يمكن فهم الأثر الاجتماعي لمنصّة ساوندكلاود عبر تتبّع التحوّلات التي طرأت على موسيقى الراب عالميًا. فمع منتصف العقد الثاني من الألفية، وتحديدًا منذ عام ٢٠١٥، بدأ مصطلح رابر ساوندكلاود في الانتشار لوصف جيل جديد من الفنانين الذين برزوا أساسًا من خلال المنصّة؛ إلى حدّ أصبح فيه المصطلح يُستخدم لا كتوصيف لمنصة النشر فحسب، بل كدلالة على توجّه جمالي وموسيقي مغاير. اتّسم هذا التيار بابتعادٍ واضح عن مركزية المهارة اللغوية والرصّ التقني للكلمات التي ميّزت الراب التقليدي، مقابل التركيز على الإحساس والأجواء والمعالجات الصوتية، والتجريب في الأداء والبنية، واستخدام الصوت كأداة تعبير لحنية وميلودية لا تقل أهمية عن الكلمات.
كما أتاح هذا السياق الفرصة للفنانين لتناول موضوعات أكثر شخصية وهشاشة، مرتبطة بتجاربهم الحياتية المباشرة. عزّز من ذلك طبيعة ساوندكلاود كمنصّة تقلّص المسافة بين الفنان وجمهوره ضمن مجتمع رقمي صغير نسبيًا. لم تبقَ هذه التجارب معزولة أو هامشية، بل وجدت بيئة حاضنة مكّنتها من التشكّل والاستمرار، وأسهمت في إنتاج اتجاهات موسيقية جديدة أثبتت لاحقًا قدرتها على العبور إلى فضاءات أوسع.
مثال دالّ على ذلك اتجاه الراب الكئيب والوجودي الذي قدّمه أبيوسف، والذي نشأ وتطوّر داخل فضاء ساوندكلاود.
صعود سبوتيفاي على الساحة
قبل إطلاقه الرسمي في العالم العربي عام ٢٠١٨، كان سبوتيفاي قد بدأ يتسلّل تدريجيًا إلى الفضاء الرقمي العربي عبر حسابات أجنبية واستخدام الفي بي إن، قبل سنوات من حضوره المعلن. على خلاف ساوندكلاود، لم تقدّم المنصّة كفضاء مفتوح، بل اعتمد نموذجًا أقرب إلى آيتونز، يقوم على المحتوى الموسيقي المرخّص والتنظيم الواضح للمكتبات. غير أن سبوتيفاي اختلف عن آيتونز جذريًا في بنيته الاقتصادية، إذ تبنّى نموذج الاشتراكات والإعلانات بدلًا من الشراء الرقمي الفردي؛ معتمدًا على الاستماع لا الامتلاك، حيث تتحول هذه الاستماعات في حد ذاتها إلى قيمة اقتصادية. قدّم سبوتيفاي هذه التجربة عبر منصّة غير محصورة داخل منظومة تقنية مغلقة مثل آبل. سمح هذا الانفتاح له بأن يرسّخ نفسه تدريجيًا كأهم مصادر الدخل المنتظمة للموسيقى في العالم العربي.
مكّن هذا النموذج الاقتصادي، إلى جانب مجموعة من الخصائص، المنصّةَ من تحقيق صعود سريع وملحوظ خلال سنوات قليلة، وهو ما يمكن تتبّعه عبر استعراض هذه الخصائص وتأثيرها على تجربة الاستماع.
راديو لا نهائي
تقوم تجربة الاستماع في سبوتيفاي، في جوهرها، على فكرة التدفق المستمر للموسيقى، بوصفها حالة أكثر من كونها اختيارًا واعيًا ومحدّدًا. فبدل أن يبدأ المستمع رحلته من ألبوم بعينه أو فنان محدد، يجد نفسه داخل مسار موسيقي جاهز، يستمر في العمل دون توقّف، يمكن الانضمام إليه أو مغادرته في أي لحظة. يخفّف هذا الشكل من الاستماع عبء الاختيار، ويحوّل الموسيقى إلى خلفية دائمة للحياة اليومية، حاضرة أثناء العمل، أو التنقّل، أو الاسترخاء، دون الحاجة إلى انتباه كامل.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى سبوتيفاي بوصفه امتدادًا رقميًا لفكرة الراديو والإذاعة. فكما كانت الإذاعة التقليدية تقدّم بثًا موسيقيًا متواصلًا يرافق المستمع دون تدخل مباشر منه، يعيد سبوتيفاي إنتاج الفكرة نفسها داخل الفضاء الرقمي، لكن بصيغة أكثر مرونة. لم يعد المستمع مرتبطًا بمحطة واحدة أو بجدول بث ثابت، بل صار يتنقّل بين محطات متعددة تتمثل في قوائم تشغيل مختلفة، لكل منها مزاجها وإيقاعها الخاص؛ محوّلًا الإذاعة من بث واحد موجّه للجميع إلى شبكة واسعة من التدفقات الموسيقية المتوازية، المصمّمة لترافق اللحظة أكثر مما تتطلّب تركيزًا كاملًا.
أولوية البيانات
منذ بداياته، كرّس سبوتيفاي أولوية البيانات كعنصر أساسي في تصميم تجربة الاستماع. يُحلّل كل تراك على المنصّة بناءً على خصائصه الصوتية: الإيقاع، الطاقة، والطابع الموسيقي، إلى جانب السلوك الفعلي للمستمع: كم مرة يُشغّل التراك، كم مرة يُعاد وأي قوائم تشغيل وُضع فيها. يمكّن هذا الجمع بين بيانات الأغنية وبيانات المستمع المنصّةَ من تصنيف الأغاني بدقة وبناء مسارات أكثر سلاسة، تقلّل الانقطاعات وتزيد من استمرارية التدفق.
كانت تجربة التدفق الموسيقي في بداياتها، قبل هيمنة الخورازميات، تعتمد بشكل كبير على البشر. تتابع فرق التحرير المدونات والمواقع المتخصصة وتختار الأغاني بعناية لوضعها في القوائم، لضمان تجربة منسقة وممتعة تتماشى مع الذائقة الثقافية للمستمعين. جعل هذا التخصيص كل مستمع يشعر وكأن المنصة “تفهمه” وتقدّم له موسيقى تناسبه تمامًا، ما خلق نوعًا من “الولاء” ساهم في الانتشار السريع للمنصة عالميًا. هذا التخصيص واحدة من أهم خصائص سبوتيفاي.
الملخص السنوي
يمكن قراءة الأثر الاجتماعي لسبوتيفاي من خلال خاصية أخرى وهي سبوتيفاي رابد ، التي تعرض للمستخدمين ملخصًا سنويًا لما استمعوا إليه خلال العام، محوّلة بذلك البيانات الصامتة التي كانت تعمل في الخلفية إلى محتوى بصري جذّاب يمكن مشاركته والتفاخر به.
جعل هذا الملخص المستخدمين جزءًا من شبكة انتشار المنصّة نفسها، حيث تنتشر المشاركات على منصات اجتماعية أخرى كإنستجرام وتويتر. بهذه الطريقة، نجحت سبوتيفاي في تحويل ولاء المستخدمين إلى عنصر فعال في تعزيز شعبيتها وانتشارها.
عند مقارنة هذا التوجه بالأثر الاجتماعي الذي أحدثه ساوندكلاود، يتضح الفارق الجوهري بين المنصتين. فبينما مثّل ساوندكلاود مساحة مفتوحة للاكتشاف الفعلي وتطور الاتجاهات الجمالية غير التقليدية، ركّزت سبوتيفاي على توسيع قاعدة مستخدميها ورفع معدلات التفاعل، في نموذج يعكس الطابع الرأسمالي للمنصّة، حيث تُقدّر الموسيقى أكثر من خلال أرقام الانتشار وأداء الأغاني، وليس التجربة الثقافية للأغاني نفسها.
التحول الرأسمالي
رغم نجاح سبوتيفاي في ترسيخ نفسها كمنصّة الاستماع الرقمي الأهم، إلا أن التحول الرأسمالي للمنصّة كشف عن عدد من المشاكل البنيوية التي لم تُحلّ رغم انتشارها الكبير. إذ واجه الفنانون مرارًا مشاكل تتعلق بقوة الحماية، حيث ظهرت تراكات عشوائية تُضاف داخل مكتبات الفنانين، ومشاكل تقنية كثيرة ظلّت قائمة دون تطوير أو تحسين، من ضمنها أخطاء برمجية وعيوب في تنظيم المحتوى. كما لم تُعالج القضايا المتعلقة بالعوائد المحدودة التي يحصل عليها الفنانون، رغم أن المنصّة تجني أرباحًا ضخمة من الاستماع اليومي، الأمر الذي أثار جدلًا واسعًا وانتقادات متكررة تجاه سياسات المنصّة الاقتصادية.
في هذا السياق، تعاظم دور الخوارزميات في تنظيم التدفق الموسيقي، باعتبارها الأداة الأكثر كفاءة في إدارة البيانات وزيادة الاستماع. مع هيمنة هذا المنطق، مالت الكفة لصالح الموسيقى كمنتج اقتصادي أكثر منها فعلًا ثقافيًا.
إذ لم تختفِ التجربة الإنسانية كليًا، لكنها تراجعت أمام نظام يفضّل القابل للقياس والمتكرّر. هنا، بالتحديد، يمكن رصد ملامح الأزمة التي تحيط بالموسيقى المعاصرة اليوم.
أزمة سقوط ساوندكلاود
مع تراجع جماهيرية ساوندكلاود في الأعوام الأخيرة وفشلها في تقديم نموذج ربح واضح، هاجر الجمهور والفنانون نحو سبوتيفاي، التي قدّمت تجربة استماع تجمع بين السلاسة والربح. لكن هذا النموذج، رغم نجاحه، لم يكن بريئًا تمامًا؛ إذ أسّس لمنظومة جديدة تحكمها الشركات ومنطق السوق، على حساب المساحات المفتوحة التي ميّزت بدايات الموسيقى على الإنترنت.
خلق هذا التنظيم المفرط الذي فرضته سبوتيفاي الحاجة لظهور عشوائية جديدة، عشوائية وجدت طريقها لاحقًا في مقاطع الريلز على تيك توك. مقاطع موسيقية تنتشر خلال أيام عبر الفيديوهات القصيرة، غالبًا دون سياق جمالي أو مشروع واضح، ثم تتحوّل هذه الانتشارات الخاطفة إلى أرقام استماع مهولة على سبوتيفاي، في مسار ترويجي يكشف مدى تداخل المنصّات الكبرى داخل منظومة رقمية واحدة.
في المقابل، أخذت مساحات الأندرجروند في التلاشي، ذلك الهامش الذي شغله ساوندكلاود يومًا ما كمساحة مفتوحة للتجريب. مع غيابه، بدا الفضاء الموسيقي على الإنترنت وكأنه يضيق شيئًا فشيئًا. إما موسيقى مكتملة تجاريًا تتحرك داخل مسارات سبوتيفاي أو أصوات تتكرّر بعشوائية مرهقة عبر تيك توك. بين التنظيم المفرط والعشوائية السريعة، تراجعت إمكانية تكون اتجاه فني تجريبي جديد إذ لم يعد هناك مساحة حاضنة لذلك.
حملات عالمية لمقاطعة سبوتيفاي
في السنوات الأخيرة، بدأت صورة سبوتيفاي تتعرّض لاهتزاز واضح. لم تعد الانتقادات الموجّهة للمنصّة مقتصرة على قضايا عوائد الفنانين الصغيرة أو حتى سيطرة الخوارزميات على القوائم، بل اتّسعت لتشمل تساؤلات أوسع حول علاقتها برأس المال ومساراته خارج الإطار الثقافي.
أحد أكثر هذه القضايا إثارة للجدل كان ارتباط دانيال إيك، المؤسّس والرئيس التنفيذي لسبوتيفاي، باستثمارات في شركة ألمانية تطوّر تقنيات عسكرية قائمة على الذكاء الاصطناعي. بالنسبة لكثير من الفنانين والمتابعين، بدا هذا التداخل صادمًا: أرباح تتولّد من الاستماع اليومي للموسيقى، تُعاد توجيهها إلى صناعات بعيدة تمامًا عن الفن، بل ومناقضة له تمامًا في الجوهر؛ ما فجّر موجة واسعة من الغضب والانتقادات وصلت لدعوة عالمية لمقاطعة المنصة.

المفارقة أن هذه الدعوات لم تجد صدى يُذكر في العالم العربي، وهو ما يكشف أزمة أعمق من قضية الاستثمارات العسكرية نفسها. لم تعد سبوتيفاي مجرّد منصّة يمكن الاختلاف معها أو مقاطعتها، بل أصبحت بنية تحتية كاملة تشكّلت على مدار سنوات، أعادت تعريف علاقتنا بالموسيقى. داخل هذه البنية، يبدو نقد المنصّة مكلفًا، والخروج منها أقرب إلى العزلة منه إلى موقف أخلاقي، متناسين كيف كانت الموسيقى تنتقل بحرية وسلاسة على الإنترنت، وكيف كان التواجد الفني قبل سبوتيفاي.
