رحلة الألف عام | بماذا يخبرنا ضرب المخمس؟

مقالات - كتابة: فادي العبد الله - ٢٠٢٦/٠١/٠٨
رحلة الألف عام | بماذا يخبرنا ضرب المخمس؟
تحميل...

جزء من كتاب عن الأزمنة المحصورة بين النقرات ـ مقالات في تطور النظرية الموسيقية عند العرب، لـ فادي العبد الله، الذي سيصدر خلال شهر عن دار الكتب خان.

لقرون طويلة كانت ضروب الإيقاعات المعقدة والطويلة جانباً أساسياً من تقنيات وجماليات الموسيقات العربية والتركية والفارسية، على اختلافاتها. ونقصد بهذه الضروب الإيقاعية تلك التي تتراكب فيها مجموعات من الدم والتك (بلغتنا الحاضرة) على تنظيم مخصوص وتتكرر فيها، وتكون تركيباً يتجاوز تكرار المساحات القصيرة البديهية (الثنائيات كأن نعد واحد/اثنين أو مثل تكرار دم تك، أو الثلاثيات مثل تكرار دم تك تك أو دم اس تك، والرباعيات مثل دم اس تك اس). هذه المساحات القصيرة يمكن تسميتها بالحقول الإيقاعية، وتقع نبضاتها الأقوى عموماً على مطالعها أو رؤوسها كما قد نقول. إلا ان الضروب الإيقاعية المعقدة هي مركبة من حقول متعددة ومتنوعة. فمثلاً ينتج عن جمع حقل رباعي وحقل ثلاثي تنظيم إيقاعي من سبع نبضات (أو وحدات زمنية) يسمى النوخت (دم اس تك/دم اس تك تك). وأطول ما لدينا من المستعمل في الشام ومصر والمسجل قديماً يكون على 48 نبضة. وفي غالبية الأحوال يكون على رأس هذه الحقول في صيغها التي وصلت إلينا نقرة ضخمة الصوت توضيحاً لمهمتها، أي الدم.

لكن في فترة متقاربة، وإن كان لأسباب مختلفة وفي كل هذه المساحة الشاسعة من الشعوب والأقوام، تراجع حضور هذه الإيقاعات، التي كانت تسمى بالضروب والأوزان والأصول (والبحور أحياناً)، لصالح أخرى أبسط وأسهل، أو لصالح حضور أشكال إيقاعية غربية أيضاً.

ويمكن لنا أن نلاحظ، حتى في تسجيلات شامية بعد منتصف القرن العشرين، كيف نحا ضاربو الإيقاع إلى تبسيط المرافقة في الموشحات. فكثيراً ما يتحول فيها الضرب المركب الطويل إلى آخر أقصر وأكثر شهرة. ففي معظم تسجيلات موشح مثل "كلما رمت ارتشافا" تحولت المصاحبة الإيقاعية من الشنبر الحلبي (وهو على 24 نبضة) إلى المصمودي الشهير (وهو على 8 نبضات)، كما تحولت مرافقة "ومن عجبي أن الصوارم والقنا" في كل التسجيلات من الروان المصري (12 نبضة) إلى المصمودي أيضاً بتحويل كل دورتين من الأصل إلى ثلاث دورات من المصمودي. وفي كثير من الأعمال يحول عازفو الإيقاع الضروب الطويلة إلى تكرار للواحدة (4 نبضات)، وما إلى ذلك.

هذا التوجه نحو التبسيط وتقصير الدورة الإيقاعية ينتج عنه خسارة للثروة الإيقاعية الموروثة، وفقدان لمعرفة كيفية التفاعل معها استماعاً وتلحيناً. كما ينتج عنه، وهذا الأهم، تعارض بين مواضع قوة النبضات (وتسمى أيضاً الضغوط) المتكررة في ضروب الإيقاعات الأقصر هذه مع مواضع الضغوط الأصلية في ضروب طويلة قد لا تتوافق تقسيماتها وحقولها مع هذا التكرار الرباعي أو الثماني، وقد يؤدي هذا أحياناً إلى تعديل اللحن الأصلي . ويتأثر بذلك تالياً نبر الغناء الذي ينبغي أن يرتبط بمواضع الضغوط الأصلية والتي بني عليها اللحن الأصلي فيصبح متعارضاً أو مفوتاً عن موضعه الأساسي. علماً أن مواضع النبر في الغناء هي من ضمن جماليات أداء الموشح إذ تؤشر إلى تقسيم إيقاعه وتبرر أطوال المد الصوتي المختلفة والمتفاوتة بهذه العلاقة بين الغناء ومفاصل الضرب الإيقاعي. بدون هذا الترابط يصبح تركيب الجملة ومدودها وبنيتها العامة غير مفهوم، وتتفكك إلى سلسلة من الوحدات الثنائية أو الرباعية دون مسكة أو نظام.

غير أن ما فقدناه أيضاً هو فهم كيف تطورت هذه الضروب المركبة حتى وصلت إلينا، وما يعنيه ذلك من فهم لتطورات الممارسة والنظرية الموسيقية في فضائنا الثقافي.

في ما يلي سنحاول ملاحقة ضرب واحد هو المخمس (وقد وصلتنا عليه بعض الموشحات مثل "بدري أدر كاس الطلا" أو "ليت شعري هل دروا") عبر القرون، ثم تأويل ما خضع له من تغيرات وسنوجز كل ذلك في خاتمة المقال، فمن شاء ألا يتوقف عند التفاصيل التاريخية الدقيقة فليتابع القراءة من قسم "مقارنة المخمسات عبر مئات السنوات".

أ ـ نقاش التفاصيل التاريخية حول ضرب المخمس

القرنين 13 و14: ضرب المخمس ما قبل الدم والتك

المخمس لدى الأرموي وشارحه

يرد أول ذكر لاسم المخمس لدى صفي الدين الأرموي (ت. 1294 م.) في كتابه الأول، الأدوار (وله نسخ كثيرة منها ما هو متاح على موقع المكتبة الوطنية الفرنسية وعلى موقع مكتبة قطر الالكترونية وما هو محقق ومطبوع). إذ يذكر ضرباً يسميه "خفيف الثقيل" ويقول إن البعض يسميه مخمساً، ولا يذكر لنا سبباً لذلك. ويبدو أن أحدهم أضاف بخطٍ مختلف إلى المخطوط المتاح على موقع مكتبة قطر جملة "وذلك لوقوع كل ساكن خامساً من الساكن الآخر"، على أن هذا التعليل لم يرد في النسخ الأخرى ولا عند الشراح، وبين الساكن والساكن ثلاث نبضات، فلا يستقيم اعتباره خامساً إلا باعتبار الساكن الأول أول العد.

وعلينا أن ننوه أن تلك الفترة لم تكن تعرف تمييزاً واضحاً بين أنواع النقرات، لذا كانت الإشارة فقط إلى ما هو منقور أو مدرج (مسكوت عنه). ولئن كانت لدينا إشارات عند تلميذ ابن سينا، المعروف بابن زيلة (ت. 1048 م.) ثم بعده ابن كر (ت. 1375 م.) وبخاصة اللاذقي (ت. في العقد الأخير من القرن الخامس عشر) إلى تمييز ما بين النقرات إلا أن النظام النظري الذي وصل إلينا لم يعرف قبل مطلع القرن السابع عشر للميلاد التمييز بين النقرة الضخمة (الدم، وتكتب أحياناً تم، وكانت تسمى قبل ذلك الطاع) والحادة (التك وكانت تسمى الدي) (راجع مقالنا عن "تمثيل الإيقاع" في موقع الجمهورية). لذا فما يصفه الأرموي إنما هو النقرات في ذاتها دون تمييز بين الدم والتك. غير إنه يميز بين النقرات الإلزامية والنقرات الاختيارية.

وعلى خلاف الكندي (ت. 873 م.) والفارابي (ت. 950 م.) اللذان كانا يميزان بين خفيف الثقيل الأول وخفيف الثقيل الثاني، لا يبدو إن الأرموي يعتمد هذا التمييز. إلا إنه يورد "خفيف الثقيل" هذا بعد الثقيل الثاني (وهو مختلف تماماً عن الثقيل الثاني القديم الذي كان خماسي النبضات). غير إن "خفيف الثقيل" الذي يورده يعتمد على تتابع ثلاث نقرات وسكتة، وهو تعريف الثقيل الأول (الرباعي) عند الكندي والفارابي. فهل يكون "خفيف الثقيل" الذي يذكره الأرموي خفيفاً للثقيل الأول؟ ربما. غير إن كتاب الأغاني يورد لنا خلاف إبراهيم بن المهدي (ت. 839 م.) واسحاق الموصلي (ت. 850 م.) حيث يقلب إبراهيم التسمية معتبراً أن الأليق تسمية هذا المشار إليه بالثقيل الثاني، لا بالثقيل الأول خلافاً لاقتراح الموصلي. ويبدو لنا ان التعريفات التي يوردها اخوان الصفا في رسالتهم حول الثقيلين الأول والثاني تتبع اقتراح ابن المهدي لا الموصلي. فيظل قائماً احتمال إن "خفيف الثقيل" المشار إليه هذا هو خفيف الثقيل الأول بتعريف الموصلي، أو الثاني بتعريف ابن المهدي. على أن الثقيل الثاني عند الأرموي كان قد تطور بشكل مغاير عما كانت الحال عليه في أيام الموصلي وغريمه كما أسلفنا.

الثقيل الثاني لدى الأرموي

ففي كتاب الأدوار يذكر الأرموي الثقيل الثاني على أن مثاله تَنَنْ تَنَنْ تَنْ تَنَنْ تَنَنْ تَنْ. ويرسم دائرته إذن مستعملاً حرف الميم للمنقور، ومهملاً مواضع السكتات التي سنشير إليها بالهاء. فيكون الثقيل الثاني عنده إذن من ستة عشر نبضة كالتالي:

م م ه م م ه م ه م م ه م م ه م ه

وحيث إنه يعتبر أن النقرات المتوسطة اختيارية فيمكن كتابة هذا الإيقاع أيضاً كالتالي

م ه ه م ه ه م ه م ه ه م ه ه م ه

أي حقلان ثلاثيان ثم حقل ثنائي (332 وسنورد الحقول من اليسار إلى اليمين دائماً)، ثم يتكرر.

ويقول إن ضرب أصله (أي النقرتان التي يمكن اختزال الضرب إليهما من ناحية بنيته الأصلية، وربما كانتا إشارة إلى بداية الإيقاع في صورته القديمة وإلى النقرة الأخيرة منه التي تليها "الفاصلة"، انظر تناول مفهوم الفاصلة في مقالنا عن "تلحين الأقدمين" القسم الأول، في موقع الجمهورية) هما الأولى والثالثة عشرة. أي، برأينا، إن أصل هذا الضرب ينقسم إلى مساحة من اثنتي عشرة نبضة ثم مساحة أخرى من اربع نبضات، أي اختزالاً سداسي ثم ثنائي، أو ثلاثة ثم واحد، ربما كانت هذه المساحة الأخيرة قديماً تساوي فاصلة الدور عما يليه (وفي هذه الحالة يكون أصله إذن ثلاث نقرات زائد نقرة تليها نبضة ساكنة، وهو تعريف الثقيل الأول، على مذهب إسحاق الموصلي، حسبما شرحه الفارابي، وهو الثقيل الثاني على مذهب إبراهيم بن المهدي). ولعل ذكر الأرموي لـ"نقرات الأصل" أحد جذور تسمية الضروب بالأصول (أما ابن كر فيرى إن الأصل هو ما وجدت له فروع كالنصف والربع). ويذكر الأرموي إن البعض يعتبر هذا الإيقاع تنن تنن تن فقط، أي نصف المذكور آنفاّ، فيكون أيضاً من حقلين ثلاثيين وحقل ثنائي، جرى تكرارهما في الصيغة المكبرة. وبعض الشراح يرون أن سبب التكرار هو للتشبيه بالبيت الشعري، فكما أن له شطران يرون ان الضرب لا يكتمل وروده إلا بدورين أي طقمين منه، وأصل هذه الحاجة لإيراد دورين إنما هو في الحقيقة لضرورة إبراز الفاصلة التي كانت توجد بين الدورين في العصر العباسي الأسبق بحسب ما يمكن أن نستنتج من الفارابي.

خفيف الثقيل عند الأرموي

وهذه القسمة، أي حقل سداسي وحقل ثنائي، هي عينها ما يشير إليه في شأن خفيف الثقيل (وتربط إذن في العمق بنية الثقيل الثاني بخفيف الثقيل)، حيث نقرات أصله الأولى والثالثة عشرة. وخفيف الثقيل بحسب إشارة الأرموي في كتاب الأدوار كالتالي

م ه م م م ه م م م ه م م م ه م م

ويمكن ان نرى بوضوح إن هذا الإيقاع هو تكرار م م م ه مبدوءة من الميم الأخيرة.

وحيث إننا نعرف من الأرموي أن بعض النقرات والسكونات الزامية، غير أن النقرات الباقية اختيارية يمكن نقرها أو السكوت عنها، فيجوز في رأينا بالتالي أن نعيد كتابة خفيف الثقيل كالتالي:

م ه م ه ه ه م ه ه ه م ه ه ه م ه

فيبدو لنا إنه مكون من خمس نقرات على رأس خمسة حقول، ثنائيان في المطلع والخاتمة، وثلاث رباعيات في المنتصف. ولعل هذا سبب تسميته بالمخمس آنذاك. ويمكن كتابة هذه الحقول كالتالي 24442.

غير إن الأرموي في كتابه الثاني، المتأخر، أي الرسالة الشرفية (ولها نسخ منها ما هو متاح على موقع المكتبة الوطنية الفرنسية)، يختزل الثقيل الثاني إلى "مفاعلاتن" أو تنن تنن تن، ويختصر خفيف الثقيل إلى تننن أو فَعِلُنْ. لكنه إذ يفعل ذلك لا يذكر تسميته بالمخمس، ذلك إن سبب التسمية، أي برأينا إمكان تخفيفه إلى خمس نقرات فقط ترأس خمسة حقول إيقاعية، لا يعود بارزاً عندما يختزل الإيقاع، وهو من 16 نبضة، إلى أربعة فقط.

الثقيل الثاني عند مبارك شاه

وتتعزز هذه الفرضيات عندما نراجع ما يعرف بشرح مولانا مبارك شاه لكتاب الأدوار (حوالي 1375 م.، ومتاح على موقع مكتبة قطر الالكتروني). حيث يورد الشارح الثقيل الثاني على مفاعلاتن، أو تنن تنن تن، مكررة مرتين، ويورد خفيف الثقيل على ما رأينا أعلاه من الصيغة الطويلة له (بالميم والهاء) ويرمز اليه بالتفاعيل كالتالي: مُفْتَعِلُنْ مُتَفاعَلَتُن فَعُ (والتحريك منا) أي

م ه م م م ه م م م ه م م م ه م م م ه م ه

لكنه يضيف إن منهم من يسميه، أي خفيف الثقيل، المخمس "عندما يكون خمس نقرات". وقد يكون في ذلك إشارة إلى الصيغة المخفّفة التي اقترحناها أعلاه حيث تكون خمس نقرات على رأس خمسة حقول إيقاعية. لكن قد يكون هنالك طريقة أخرى (وستؤدي إلى نفس النتيجة على ما نرى) حيث يكتب مبارك شاه بالتفاعيل قائلاً على المخمس إنه يرد على: مُفْتَعْلُن فعْ (والتحريك منا). وهذه الصيغة توضح وجود حقل رباعي يتوسط حقلين ثنائيين 242، أو قد نقول إذا ما دمجنا الأول والثاني إنها حقل سداسي يليه حقل ثنائي ما يعيدنا إلى ما أوردناه عن الثقيل الثاني وعن خفيف الثقيل في نقرات أصلهما. ويكون المخمس مضاعفاً في هذه الحال:"مفتعلن فعْ / مفتعلن فعْ"

أو: م ه م م م ه م ه م ه م م م ه م ه

المخمس مضاعفاً عند مبارك شاه

والحق إن "مفتعلن فعْ" يمكن اعتبارها هي نفسها موازية للصيغة المطولة المخففة (التي فيها خمس ميمات والباقي سكتات). فمن الممكن مضاعفة أي إيقاع، أي إبطاء سرعة الضرب، بأن نحول كل نبضة إلى نبضتين، أو بعبارة أخرى بأن نضع سكتة أمام كل نبضة مع الاحتفاظ بالنسب ما بينها. ذلك أن الإيقاع لا يتغير في بنيته لمجرد تعديل سرعته.

ومضاعفة "م ه م م م ه م ه" حتى نعدها على ستة عشر نبضة بدل ثمانية، وهو أي مقياس الستة عشر ما قال لنا الارموي (في الأدوار) ومبارك شاه إنه خفيف الثقيل (في بعض الأقوال، أو مضاعف المخمس في أقوال أخرى)، ينتج عنه:

م ه ه ه م ه م ه م ه ه ه م ه ه ه

فإذا ما بدأنا من الميم الثالثة من هذه الصيغة نجد:

م ه م ه ه ه م ه ه ه م ه ه ه م ه

وهي ما رأيناه الصيغة الطويلة بإهمال النقرات الاختيارية، والتي أشرنا إليها من قبل على أنها خمس نقرات على رأس خمسة حقول إيقاعية، أو ثلاث رباعيات تتوسط ثنائيين.

المخمس لدى قطب الدين الشيرازي

الخفيف "المشهور" بحسب الشيرازي

يورد الشيرازي في "درة التاج" (حوالي 1306 م) الثقيل الثاني وخفيف الثقيل على ما أوردهما الأرموي في الرسالة الشرفية، أي على التوالي "تنن تنن تن" و"تننن". وهو لا يسمي خفيف الثقيل بالمخمس لاتباعه اختزال الأرموي لخفيف الثقيل إلى حقل رباعي واحد. لكنه يورد ضرباً آخر يسميه الخفيف وهذا يأتي على "تن تننن تن تن تننن تن" (وهو كما رأينا مع مبارك شاه المخمس المضاعف). ويورد ضرباً آخر هو المخمس عنده ويأتي على "تن تننن تن" وبقسمة الحقول يكون هذا إذن 242 وهو عين "مفتعلن فعْ" مسكنة الآخر التي وجدناها عند مبارك شاه (المتأخر عن الشيرازي بنحو سبعين عاماً). ويقول الشيرازي صراحة إن المخمس هو نصف دائرة الخفيف.

المخمس بحسب الشيرازي

وكتابه هذا يدلنا على أمرين هامين هما انفصال اسم "الخفيف" عن كونه خفيفاً لثقيل أو لرمل، والتصريح بأن المخمس نصفه، وهذان أمران سنجدهما لاحقاً.

المخمسان، الطويل والقصير، لدى ابن كر

ابن كر (ت. 1357) سابق بقليل لشرح مبارك شاه، إلا أنه ليس في الفضاء الآسيوي/البغدادي/الفارسي، بل هو متأثر بالموسيقات المصرية والشامية. لذا فإن رسالته "غاية المطلوب في الأنغام والضروب" (وقد نشرها الباحث اوين رايت في كتابه عن الموسيقى في عصر المماليك) تختلف اختلافاً بيناً عن تلك الموروثة من الأرموي وشراحه، سواء في مضمونها أو في طريقة عرضها.

المخمس الطويل عند خضر بن عبد الله

يورد ابن كر نوعين من المخمس، الطويل وهو من عشرين راهاً (أي أربعين نبضة، فالراه عنده يساوي نقرتين أو "تن") تنقسم إلى اربع مجموعات كل منها خمس راهات، ولذا فاسمه المخمس على ما يقول، أي بسبب وجود مجموعات خماسية الراهات. وهو إيقاع مختلف في تركيبه وقسمته عن المخمس الآخر الذي يسميه المخمس القصير، والذي يعطي سبباً آخر مختلفاً لتسميته بالمخمس. وعدا ابن كر، سيذكر المخمسَ الطويل خضر بن عبد الله في كتابه "الأدوار" المكتوب بالتركية حوالي سنة 1441، ويرد عنده أيضاً على أربعين نقرة (وهو يتشابه مع ابن كر أيضاً في مسألة ذكر فروع وأرباع لبعض الضروب) وسنجده كذلك في ترجمة درويش حريري بن محمد (سنة 1469 م) إلى التركية لرسالة قير شهري الفارسية (سنة 1411 م) والترجمة محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس.

المخمس الطويل، بحسب قير شهري وفقاً لترجمة درويش بن محمد

أما المخمس القصير لدى ابن كر فهو من ثماني راهات أي ستة عشر نبضة، وضرب أصله على ما يبدو من كتاب ابن كر هو النقرتان الحادية عشر والخامسة عشر، على عادته في الإشارة إلى نقرة الأصل قبل بداية الإيقاع نفسه. غير إن ذلك يعني مجدداً إن القسمة هي من الحادية عشر إلى الخامسة عشر أي أربع نقرات، ومن الخامسة عشر إلى الحادية عشر أي اثنتا عشرة نقرة، فتكون قسمته مجدداً إلى حقلين يمكن اختزالهما إلى سداسي وثنائي. وهذا ما يعيدنا إلى ما يسميه الأرموي ومبارك شاه بالمخمس أي خفيف الثقيل.

تن تن تن تن تن/ تن تن/ تن

وقد ميزنا أعلاه نقرات الأصل، إلا إنه لا يوضح لنا بالنسبة لباقي النقرات ما المنقور منها وما المهمل.

وسبب تسمية المخمس القصير، بحسب ابن كر، هو إذن وجود نقرة الأصل إذن بعد مرور خمس راهات.

المخمس في القرن الخامس عشر

يمكن أن نرى في الشرواني (رسالته تعود إلى حوالي 1453 م. وهي متاحة على موقع مكتبة قطر) واللاذقي (ت. حوالي 1495 م. وكتب رسالتيه في العقد الأسبق، ولهما نسخ متاحة على موقع النجمة الزهراء التونسي) خاتمة شراح الأرموي. اللاذقي على ما نظن في الفضاء الشامي، والشرواني في فضاء تركي كان لا يزال بالغ التأثر بالفارسي (تدل على ذلك مثلاً حكاياته المطولة عن عبد القادر المراغي المتوفى 1435 م.). هذا على الرغم من انهما أهديا نتاجهما إلى السلاطين العثمانيين في المرحلة قبل حكمهم للشام ومصر.

يذكر كلاهما أن "أهل العمل" يسمون الثقيل الثاني بـ"الخفيف" (بينما رأينا مع الشيرازي إن خفيف الثقيل هو ما كان يعرف بالخفيف أصلاً). وهو عندهما يرد على "تنن تنن تن تنن تنن تن"، كما هو الثقيل الثاني عند الأرموي. أما في شأن المخمس فيورد اللاذقي في الرسالة الفتحية ما يسميه "المخمس الأوسط" (ويورده دون نعت في رسالته الأخرى "زين الألحان") على أنه

م ه ه م ه ه م ه. وهو أيضاً ما يورده الشرواني على انه المخمس (أي حقلين ثلاثيين وحقل ثنائي). غير إنها في هذه الحالة ثلاث نقرات فقط، ولا يعود اسم المخمس مسبباً. وهذا المخمس هو إذن نصف "الخفيف" بحسب تعريفهما له (وهذا بالضبط ما يذكره خضر بن عبد الله تحت اسم "مخمس القصير النصف الخفيف" أو ما يسميه قير شهري "نصف مخمس الخفيف").

الثقيل الثاني عند الشرواني

ويورد اللاذقي والشرواني خفيف الثقيل كالتالي:

تن تننن تننن تننن تنَ

أي بالصيغة التي تناولناها عند الأرموي ومبارك شاه، دون أن يسمياه المخمس. غير إن اللاذقي يورد في الرسالة الفتحية إن "المخمس الصغير" يكون فاصلة (أي حقلاً رباعياً) يضرب أولها فقط، وهذا يشابه ما يورده الأرموي في الرسالة الشرفية تحت اسم "خفيف الثقيل". أي كون "المخمس الصغير" يكون حقلاً رباعياً تنقر نبضته الأولى، إلا إن اللاذقي لا يستكشف العلاقة بين هذا الرباعي وبين خفيف الثقيل.

مخمس القصير النصف الخفيف عند خضر بن عبد الله

وباستثناء المخمس الصغير (اللاذقي) الذي قد نجد فيه علاقة مع خفيف الثقيل (المخمس في الأصل منذ زمن الأرموي) فإننا فنلاحظ إذاً أن المخمس (الشرواني) الأوسط (اللاذقي) إنما ينتمي إلى فصيلة الثقيل الثاني (بحسب الأرموي) والذي صار اسمه عندهما الخفيف (بدل الاحتفاظ بهذا الاسم لخفيف الثقيل)، وصار المخمس نصفه. ويظهر الربط بين المخمس والخفيف كما رأينا في إشارة خضر بن عبد الله إلى "مخمس القصير النصف الخفيف" أو ما يسميه قير شهري "نصف مخمس الخفيف" (ولاحقاً سيذكره علي الدرويش على إنه "نصف المخمس التركي").

نصف مخمس الخفيف عند قير شهري بترجمة درويش بن محمد

على أن الفضاء الفارسي، على ما يبدو، لم يكن متجانساً، بل لعل بداخله وجدت تيارات متعددة في نفس الوقت ربما لأسباب جهوية . ففي وقت مقارب للاذقي، نجد البنائي يدرج مخمساً يبدو تنويعاً على ما وجدناه من قبل عند الشيرازي، فهو يورد مخمساً على ستة عشر نبضة، نصفه الأول مطابق للشيرازي (أي "تن تننن تن" أو "مفتعلن فع") ونصفه الثاني حقلان رباعيان (تننن تننن) فكأنه بداية لتطويل المخمس من كونه "نصف الخفيف" إلى كونه مساوياً له في الطول، وسينقسم هذان الحقلان الرباعيان في "المخمس التركي" إلى حقلين ثلاثيين وحقل ثنائي على ما سنرى، فيجتمع عندها المخمس بحسب التقسيم القديم (242) مع مخمس اللاذقي والشرواني (332).

الفترة العثمانية: المخمس بين العجم والعرب والترك

نعثر على المخمس، أثناء الفترة العثمانية، في مخطوطات عربية وفارسية وتركية. وتتميز هذه الفترة أولاً بهجران كامل لبضع قرون للجانب النظري في دراسة الإيقاع (والمقامات أيضاً) وبهجران الوصف بالتفعيلات وبالنقرات، وبتطور ما كان ربما إشارات قليلة (عند ابن كر واللاذقي وقبلهما ابن زيلة) إلى تفاوت أشكال النقر الإيقاعي بالكف والأنامل إلى تمييز واضح بين نقرات الدم والتك (وتضاف إليها التكه وهي تكان متواليان، وستظهر لاحقاً التاهك وهما نقرتان طويلتان حادتان تضرب ثانيتهما باليدين معاً).

المخمس عند العودي

ـ في مخطوط ناصر العودي (بالعربية)، بداية القرن السابع عشر، نعثر على التمييز بين الطاع والدي الذي سيصير لاحقاً في الفضاء العربي التمييز بين الدم والتك (وفي بعض المخطوطات الفارسية اللاحقة، مطلع القرن الثامن عشر، ستستعمل لفظتا داك وديك ). والعودي ينسب الإيقاعات إما إلى أبناء العرب أو أبناء العجم، وأغلب الظن إن المقصود الفرس سواء في بلاد فارس أم العاملين في إطار السلطنة العثمانية آنذاك. ويذكر ناصر العودي المخمس ويرمز إليه بخمس دوائر، إلا من غير الممكن تفكيك شفرة رموزه، على الأقل في النسخة المتوافرة لدينا من جامعة الملك سعود.

المخمس في مخطوط فارسي

ـ في مخطوط فارسي (على الأرجح) نحسبه يعود غالباً إلى القرن السابع عشر أيضاً، نجده في المكتبة الوطنية الفرنسية في مجموع فارسي يضمه إلى مؤلفات أخرى منها "مقاصد الألحان" للمراغي (ت. 1453 م.) و"كنز التحف" (مجهول المؤلف، ويرجح إنه ألف في القرن الرابع عشر للميلاد)، سنعثر ربما على أقدم وصف للإيقاعات بالدم والتك، وسنعتبر أن كل لفظة (دم، تك، تكه، ومثلها أدناه استك أي سكتة تأخذ نصف زمن النبضة ثم تك تأخذ النصف الثاني، ودمدم أي دمان في زمن نبضة واحدة.) تحتل نبضة زمنية، أما السكتات فلم تكن مدونة آنذاك ما يصعب فهم المقصود أحياناً. فنجد المخمس مذكوراً على النحو التالي:

دم تكه دم تك دم دم تك تكه دم تك تكه تكه

ومكتوب بقربه رقم 15 وهو في ظننا عدد النقرات المضروبة كما يتبدى من مقارنته ببعض الضروب الأخرى في الصفحة نفسها (كالبرفشان والأوفر)، إي بتقديرنا إن المخطوط تعرض لتصحيف أسقط ثلاث نقرات منه وتظل تنقصه سكتة كي يصل إلى ستة عشر نقرة . وهذا الوصف إذن يتيح عدداً من الاحتمالات قد تسمح لنا المقارنات لاحقاً بحصرها وتقليلها.

المخمس لدى علي أفقي

ـ أما علي أفقي، البولوني الأصل (ت. 1675 م.)، فيدون لنا أيضاً (في النسخة المحفوظة بالمكتبة الوطنية الفرنسية) المخمس في إسطنبول منتصف القرن السابع عشر، بطريقتين، الأولى شبيهة بما ورد فينتج عنها:

دم تكه دم تك دم دم تك تكه دم تك تكه دم تك تكه تكه

وهذا الوصف ينقل المخمس إلى خمسة عشر نبضة منقورة ويترك مجالاً لنبضة واحدة ساكنة. وهي ما سيوضحه علي أفقي في تدوينه لهذا الضرب على الطريقة الأوروبية. فينتج عن ذلك إذا ما نقلناه إلى نفس أسلوب الوصف (والقسمة في ما يلي من المقالة من عندنا دائماً إلا إن أشرنا إلى غير ذلك) إن المخمس في إسطنبول كان

دم تكه/ دم تك/ دم دم تك تكه/ دم تك تكه/ دم (تكه اس)/ تكه تكه

وما بين قوسين سيصير في الاستعمال التركي اللاحق تاهك وهو الاختلاف الوحيد . وفي هذا الوصف السابق أعلاه (أي باعتباره على 16 نقرة تسهيلاً للمقارنة) يمكن تقسيم هذا الضرب إلى حقلين ثنائيين يليهما حقل رباعي فآخر ثلاثي ثم ثلاثي فثنائي، أي 224332 .

المخمس في "راح الجام"

ـ وعلى الجانب العربي، مطلع القرن الثامن عشر، في مخطوط "راح الجام" (1672 م. محفوظ بالمكتبة الوطنية الفرنسية) لعسكر الحنفي الحلبي (وهو وعلي أفقي بالغا التأثر بالتدوين الفارسي المذكور أو بمصادر مشابهة له على ما يبدو لنا، إلا إنهما لا يتطابقان دائماً معه). وفي راح الجام، يرد المخمس بنفس الطريقة الواردة عند علي أفقي باختلافات بسيطة، حيث يكتب تك بدل تكه في موضعين سنوردهما بين أقواس:

دم تكه دم تك دم دم تك (تك) دم تك (تك) دم تك تكه تكه

والحنفي هذا لا يورد بدوره مواضع السكتات وأطوالها، غير إننا نلاحظ إمكانية قراءة هذا التدوين مثلما أوضح علي أفقي أي على طريقة المخمس التركي حتى يومنا هذا. لكن إن أوردنا السكتة في موضع آخر لأصبحنا شديدي الاقتراب من المخمس المصري كما نعرفه، إذ يمكن قراءة تدوين الحنفي كالتالي:

دم تكه/ دم تك / دم دم تك تك/ دم (اس) تك تك/ دم تك تكه تكه

فتأتي القسمة عندئذ كالتالي 22444

ليس بوسعنا أن نستبعد تماماً احتمال الافتراق بين المخمس المصري والمخمس التركي منذ تلك الفترة، إلا إذا اعتبرنا أن ما ذكر من الموشحات على المخمس كان أصلاً على "المخمس العربي" ثم تم ابطاؤه. أو لعل ذلك كان اختلافاً جهوياً بين الشام (التي عرف فيها المخمس العربي والمخمس التركي ولاحقاً المخمس المصري) ومصر (التي انتشر فيها المخمس المصري)، ولعلها الحالتان معاً. فنلاحظ مثلاً ورود موشح "يا ساقي الندمان" في مخطوط شامي هو "سلافة الحان في الألحان" (حوالي 1860 م) على "المخمس العربي"، بينما يرد في سفينة الشيخ شهاب (ولها نسخ كثيرة مطبوعة ومخطوطة على الانترنت) في مصر قبل ذلك بعقد ونصف على إنه من المخمس (المصري على ما تحسب إذ لم يميز الشيخ شهاب بين أنواع المخمسات) وسجله الشيخ درويش الحريري على هذا الضرب الأخير. ومن قبيل ذلك موشحان لم يصلنا لحناهما ("إن الذي عذبت قلبي محبته" و"أواه من ذل السؤال")، إلا أننا نعرف أن الكبيسي (أنظر أدناه) أوردهما على أنهما من المخمس (العربي، لأنه يميز بين العربي والتركي فقط) بينما يوردهما الشيخ شهاب بعده بنحو ستين عاماً على أنهما من المخمس (المصري). وسنعود إلى العلاقة بين المخمس العربي والمخمس المصري لاحقاً.

والمخمس المصري (انظر أدناه) كما نقترح قسمته يكون إذن 22444. وليس بالإمكان اعتبار الحقلين الأولين الثنائيين حقلاً رباعياً وحيداً لسببين، في رأينا: الأول إننا لا نجد في الضروب المستعملة في الموشحات العربية القديمة التي وصلتنا ألحانها أي ضرب تناظري القسمة (سيمتري)، وإلا لتم اختزاله مثلما اختزل الأرموي في الشرفية ما أورده في الأدوار إلى مفاعلاتن واحدة. والسبب الثاني إن أصله في ظننا آت من خفيف الثقيل (الأرموي) في صيغة مكبرة فيها حقلان ثنائيان يتتاليان (كانا على طرفي الضرب فأصبحا متتاليين م ه م ه م ه ه ه م ه ه ه م ه ه ه كما أسلفنا وهذا يعطينا قسمة 22444 وهي ما نعتمده للمخمس المصري كما أسلفنا).

فنجد اختلافاً إذن في نهاية الضرب ما بين المخمس المصري والمخمس التركي.

مخمس عربي لدى الكبيسي

ـ وبدوره فإن أحمد الكبيسي الدمشقي (حوالي 1786 م.، محفوظ ببرلين) لا يذكر المخمس المصري، بل يذكر "المخمس العربي" المندرج ضمن ما يسميه "الأصولات العربية" كالتالي

تك تك تك / دم دم دم

وسنعود إلى المخمس العربي هذا أدناه.

مخمس تركي لدى الكبيسي

ويذكر "المخمس التركي" كالتالي:

دم تك / دم تك / دم دم دم تك تك / دم تك تك / دم تك / دم تك تك

وفي تقديرنا إن بهذا التدوين دمين يأتيان في زمن نبضة واحدة فيمكن كتابتهم "دمدم"

فيصير:

دم تك/دم تك/ دم دمدم تك تك / دم تك تك / دم تك / دم تك تك

ونلاحظ غياب استعمال "تكه" في هذا التدوين، الذي يخالف في نهايته تدوين علي أفقي فتأتي قسمته 224323.

ويبدو لنا إن غياب "تكه" في كل تدوينات الكبيسي حتى عندنا يذكر "الأصولات التركية"، ثم في التدوين العربي اللاحق، إشارة إلى أن العرب لم يتابعوا الأتراك على تنويع أسماء النقرات الحادة واكتفوا بالتمييز بين الدم والتك وحدهما.

المخمسات بحسب سلافة الحان (1860 م)

في القرن التاسع عشر، نلاحظ استمرار التمييز (في الشام دون مصر التي اكتفت بنوعٍ واحد هو ـ على ما نظن، المخمس المصري) بين أنواع ثلاثة من المخمسات. إذ يذكر المؤلف المجهول لمخطوط "سلافة الحان في الألحان"، المخمس العربي والمخمس المصري والمخمس التركي. وهو ليس منهجياً في اثبات مواضع السكتات، سواء بوضع نقطة او مسافة، لذا فإن قراءته تستوجب التأويل. وينتج عنها التالي:

المخمس العربي (ثماني نبضات): دم دم تك دم تك تك وسنعود إليه أدناه.

المخمس المصري (ستة عشر نبضة): دم (اس)/ دم (اس)/ دم (استك اس) تك/ تك اس تك تك/ دم (اس اس اس) وهي برأينا نفس الرواية التي نجدها عند كامل الخلعي في الموسيقى الشرقي (حوالي 1904 م).

المخمس التركي (ستة عشر نبضة): دم تك / دم تك/ دم دمدم تك تك / دم تك تك/ دم تك/ دم تك تك

أي إن تقطيعه برأينا يأتي على 224323 فيكون مختلفاً عن الرواية التركية كما وجدناها عند علي أفقي مثلاً، لكنها نفس الرواية التي قد نسميها "الدمشقية" (حيث نجدها عند الكبيسي ويرويها أيضاً كامل الخلعي عن أبي خليل القباني) وهي، إلى أسباب أخرى، تعزز ظننا بأن "سلافة الحان" مخطوط دمشقي وليس حلبياً (وهو ما يعتقده أيضاً الباحث صلاح الدين مرقة ).

إضافة إلى ذلك يورد صاحب المخطوط ضرب "نصف المخمس التركي" كالتالي:

دم تك/ دم تك / دم دمدم تك تك

أي إن حقوله 224، وهذه مختلفة عما سيورده الشيخ علي الدرويش لاحقاً. وهو حرفياً النصف الأول من المخمس التركي كما يورده.

في القرن العشرين: روايات المخمس المتغايرة بين إسطنبول والشام والقاهرة

في مطلع القرن العشرين، وصلت إلينا روايات حول ثلاثة أنواع من المخمس:

المخمس العربي لدى البطش

ـ المخمس العربي (ثماني نبضات)

ـ رواية عمر البطش (في مخطوط بخط يده يعرف في حلب بجنك البطش): تك اس تك تك دم دم دم اس

وهذه الرواية اذا أهملنا السكتات الواردة فيها لرأيناها عين الرواية التي أوردها الكبيسي عن المخمس العربي. وإذا بدأناها من الدم الأولى، تسهيلاً للمقارنة مع الروايات الأخرى، تكون دم دم/ دم اس تك اس تك تك

أما بالمقارنة مع رواية "سلافة الحان" فإننا نجد أن هذه الأخيرة ربما تختلف عن الأخريات، ذلك إن تأويلها الأول ربما يأتي كالتالي:

دم دم تك (اس)/ دم (اس) تك تك، فيكون على حقلين رباعيين، إلا أن تأويلاً آخر قد يكون أرجح هو التالي:

دم اس/ دم تك/ دم اس تك تك

وهذا يجعلها بالغة الاقتراب نصف المخمس التركي في السلافة نفسها، ومن من رواية البارون ديرلانجيه للمخمس العربي.

مخمس عربي من البارون ديرلانجيه

ـ رواية البارون ديرلانجيه وكذلك الشيخ علي الدرويش للمخمس العربي في التقرير المقدم إلى مؤتمر الموسيقى العربية الأول في القاهرة تختلف عن رواية البطش فقط في تحويل النقرة الثانية إلى تك (غير إن الشيخ الدرويش يقسمه إلى اربع حقول ثنائية). والحق إننا نرى أن هذا الاختلاف بين الدم والتك زركشي أو زخرفي فقط ولا يغير في قسمة الحقول إلى ثنائي وسداسي (أي ما كان عليه ضرب الأصل في الثقيل الثاني وخفيف الثقيل أي المخمس منذ الارموي). وقد يمكن تقسيم الحقل السداسي نفسه إلى رباعي وثنائي، فتكون القسمة على مستوى أعمق : 242، فنعود إلى ما ورد عند الشيرازي ومبارك شاه (ويكون أيضاً مطابقاً للتأويل الثاني في "سلافة الحان" للمخمس العربي ولنصف المخمس التركي فيها).

نصف مخمس تركي لدى علي الدرويش

وتلفتنا هنا المقارنة مع ما يسميه الشيخ علي الدرويش بنصف المخمس التركي (وهو ما يشابه قول خضر بن عبد الله عن "مخمس القصير النصف الخفيف" أو قير شهري عن "نصف مخمس الخفيف" وهو عنده "تنن تنن تن") وهو عنده:

دم تك/ دم دمدم تك / دم تك تك (غير إنه يقسمه إلى أربعة حقول ثنائية)

إلا أن قسمته الصحيحة في رأينا هي 233 أي مقلوب المخمس "الأوسط" (بحسب اللاذقي). ومعلوم أن الإيقاعات تدور فيمكن البدء فيها من أي من هذه النقاط لذا فإن بإمكاننا اعتبار ان نصف المخمس التركي بحسب الرواية الحلبية/التركية (حيث إن الشيخ الدرويش درس في الاستانة) متساوٍ في القسمة مع المخمس (الشرواني) الأوسط (اللاذقي). وإنه مختلف عن "نصف المخمس التركي" برواية سلافة الحان (التي نحسبها دمشقية بدورها).

ـ المخمس المصري (16 نبضة)

مخمس مصري من البارون ديرلانجيه

ـ البارون ديرلانجيه (ويسميه أيضاً مخمس عادي):

دم اس/ دم اس/ دم اس تك اس/ تك اس تك تك/ دم اس تك تك

المخمس المصري من معهد الموسيقى

ـ معهد الموسيقى الشرقية في القاهرة:

دم اس/ دم اس/ دم اس اس اس/تك اس تك اس/ دم اس اس اس (والقسمة من عندنا أما المعهد فيقسمه إلى اربع حقول رباعية)

المخمس المصري لدى البطش

ـ عمر البطش:

دم تك/ دم تك/ دم استك اس تك/ تك اس تك تك/ دم اس اس اس

وهي نفس رواية كامل الخلعي (في "الموسيقى الشرقي") غير إن هذا الأخير يضع سكتة في موضع النقرة الثانية والرابعة حيث يضع البطش تكاً.

فنلاحظ هنا مجدداً إن اختلاف الروايات إنما هو اختلاف زخرفي، يضيف أو ينقص تكات في مواضع معينة، دون أن يمس بجوهر القسمة على ما نقترح، التي تتوالى 22444

والفارق الأساسي بين هذه الروايات وبين الاحتمال الذي أوردناه عند عسكر الحنفي هو إن الحقل قبل الأخير عنده يبدأ بدم بينما يبدأ في هذه الروايات بتك، ما قد يشير ربما إلى استتباع هذا الحقل لما سبقه وتشكيل حقل أوسع من ثماني نبضات ينقسم داخلياً لذا ربما فضل ضاربو الإيقاع الإشارة إلى بدئه بتك .

والمخمس المصري إذا اختزلناه من ستة عشر نبضة إلى ثمانٍ يأتي شبه متطابق مع المخمس العربي. فالمخمس العربي دم دم / دم اس تك اس/ تك تك (رواية البطش)، أو بحسب التأويل الثاني للمخمس العربي في "سلافة الحان" دم اس/ دم تك/ دم اس تك تك، فإذا بدأناه من الدم الثانية يصبح

دم تك /دم اس تك تك/ دم اس

وهذا بالغ الشبه باختزال المخمس المصري حيث يصير دم دم/ دم اس تك تك/ دم اس (رواية المعهد والبطش) باستثناء بدء الحقل الأخير بدم بدل التك (في رواية البطش) أو باستثناء وضع تك بدل الدم الثانية (في تأويل "سلافة الحان" وهو اختلاف زركشي في رأينا).

ـ المخمس التركي (وسنورده على 16 نبضة تسهيلاً رغم إنه مدون عندهم على 32)

ـ كامل الخلعي يورد المخمس التركي كما تلقاه من أبي خليل القباني الدمشقي بنفس الرواية التي وجدناها عند أحمد الكبيسي الدمشقي وفي سلافة الحان، بالقسمة التي تأتي على 224323

لكن الخلعي يضيف إن الاتراك يضعونه كالتالي:

دم تكه/ دم تك / دم دم تك تكه/ دك تك تكه/ دم تا هك/ تكه تكه

المخمس التركي من البارون ديرلانجيه

وهذه بالفعل (مع خطأ بسيط في رسم تاهك في خانة واحدة من جدوله بدل توزيعها على خانتين منفصلتين) هي الرواية التركية المعتمدة مثلاً في كتاب إسماعيل حقي أوزكان وهي عينها رواية علي أفقي وما سيرد في تقارير علي الدرويش والبارون ديرلانجيه ، أي إنها في رأينا تتبع القسمة التالية

224332

(رغم إن أوزكان يكتفي بتقسيمها إلى ثماني حقول رباعية، مخطئاً في ظننا).

المخمس التركي عند البطش

ـ عمر البطش وقد صنف عليه بعض الأعمال مثل موشح "يمر عجباً":

دم تك/ دم تك/ دم دمدم تك تك/ دم تك/ دم اس تك/ دم تك تك

وهذه رواية تقترب مما رأيناه في "الرواية الدمشقية" وقسمتها 224323

لكن مع اختلاف في توزيع حقولها الأخيرة فتأتي 224233 وتتشابه حقولها الثلاث الأخيرة، أي النصف الثاني من الضرب مع ما يورده علي الدرويش على إنه "نصف المخمس التركي".

وتختلف رواية البطش والرواية الدمشقية عن المخمس التركي وقسمته 224332 كما عند الأتراك منذ علي أفقي وعند تلميذهم علي الدرويش وكذلك عند البارون ديرلانجيه.

ب ـ مقارنة المخمسات عبر مئات السنوات

يمكن الظن بأن المخمس العربي، في بنيته العميقة، هو حقل رباعي يتوسط حقلين ثنائيين، وربما كان هذا يجمعه بعض الشيئ بالمخمس القصير عند ابن كر. وهو على أي حال مشابه تماماً لما يورده الشيرازي ثم مبارك شاه إنه المخمس أي مفْ/تَعْلُن/فَع

والتي ربما يوازيها تك تك / دم دم (أو تك) دم اس/ تك اس

أما نصف المخمس التركي عند الشيخ علي الدرويش (عدا ما يورده مخطوط سلافة الحان حيث يبدو مرتبطاً بالمخمس العربي، وبالنصف الأول من المخمس التركي) فيوازي ما يقول اللاذقي والشرواني إنه المخمس فهو من حقلين ثلاثيين وحقل ثنائي، أي مفاعلاتن، ويرتبط ذلك بالنصف الثاني من المخمس التركي. فكأن صاحب السلافة وعلي الدرويش يشيران إلى نصفي المخمس التركي، الأول والثاني على التوالي.

وأما المخمس المصري في رواياته المتعددة فإنما هو في رأينا 22444 فإذا ما كتبناه على طريقة الأرموي بالميمات بإهمال التكات التي لا تكون على رؤوس الحقول، وهي مختلف عليها كما رأينا في الروايات المختلفة لبدا

دم اس/ دم اس/ دم اس اس اس/ تك اس اس اس/ دم اس اس اس

فيبدو التناظر مع م ه / م ه / م ه ه ه / م ه ه ه / م ه ه ه

أي هو عين ما يسميه الأرموي خفيف الثقيل أو المخمس، وما يمكن استنتاجه أيضاً من مبارك شاه عندما يقول إنه المخمس عندما يأتي على خمس نقرات، أو من مضاعفة "مفتعلن فعْ" (بالإزاحة مبتدئين من التاء). ولكن الحقل الثنائي الأخير عند الأرموي أصبح الأول في المخمس المصري.

ونرى إن مضاعفة المخمس الستة عشري هذا إلى 32 نبضة في المخمس التركي قد تسببت في إطالة الحقول الأخيرة ومن ثم في قسمتها في أشكال مختلفة:

224332 بالرواية التركية

224323 بالرواية الدمشقية

224233 برواية البطش الحلبي

ويمكن ملاحظة إن النصف الأول من المخمس التركي مشترك مع المخمس المصري، وهو مشابه للمخمس العربي، ولما يورده الأرموي والشيرازي ومبارك شاه وابن كر، في كونه حقلاً ثنائياً يليه حقل سداسي، أو هو إزاحة لتوسط الحقل الرباعي بين حقلين ثنائيين بحيث يصبح آخراً. أما النصف الثاني فهو تنويعات مختلفة على بنية ما يسميه اللاذقي والشرواني وخضر بن عبد الله وقير شهري المخمس أي وجود حقلين ثلاثيين وحقل ثنائي. فكأن مضاعفة المخمس التركي من 16 إلى 32 نقرة سمحت بالمزج بين هذين التصورين المختلفين للمخمسات. أو كأن هذه المضاعفة لم تكن مجرد إبطاء في الزمن من 16 إلى 32، بإضافة سكتات، بل كانت جمعاً بين مخمس أول يحتل نصف هذا الضرب ومخمس ثانٍ يحتل نصفه الثاني.

فيطرح السؤال: هل من علاقة بين هذين التصورين الأصليين؟ بمعنى آخر، هل ينبغي أن نفترض من البدء وجود تصورين مختلفين دون علاقة بينهما، يرى الأول المخمس في صورة "مفاعلاتن" أي 332 (الشرواني واللاذقي في القرن الخامس عشر) ويراه الثاني في مفتعلن فعْ أي 242 (الشيرازي ومبارك شاه أو المخمس العربي/المصري وقد رأينا إن الثاني مضاعفة الأول) أم أنهما في العمق واحد، ما يستتبع إن الثقيل الثاني وخفيف الثقيل عند الأرموي مرتبطان؟

نعلم إن هذين الأخيرين مرتبطان اساساً من خلال نقرات الأصل، التي تقسم كلاً منهما إلى حقل اثني عشري وحقل رباعي، أي اختزالاً إلى حقل سداسي وحقل ثنائي. ويبدو لنا إن اختلاف التصورين عن المخمس مرتبط باختلاف قسمة الحقل السداسي بين أن يكون حقلين متساويين ثلاثيين كما حصل مع الثقيل الثاني، أو حقلين متفاضلين رباعي وثنائي كما حصل في خفيف الثقيل قبل أن يكتسي على السطح النقرات المتأتية من تنويعات "فعلن" الآتية من الثقيل الأول باصطلاح الموصلي أو الثاني باصطلاح ابن المهدي. ويبدو إذن ان الانشقاق ربما حصل في الفترة ما بين أواخر القرن الرابع عشر (مبارك شاه) ومنتصف القرن الخامس عشر (الشرواني) حيث انتقلت تسمية "الخفيف" في الفضاء الآسيوي الفارسي ثم التركي من "خفيف الثقيل" إلى "الثقيل الثاني" وبالتالي تحور المخمس عندهم إلى حقلين ثلاثيين وحقل ثنائي، بينما استمر المخمس العربي/المصري في القسمة الأسبق الموروثة من زمن الأرموي على كونه نصف خفيف الثقيل. وبقي من هذا الزمن الأسبق دليل عند اللاذقي هو اختلاف المخمس الصغير (فعلن منقورة الأول فحسب) عن المخمس الأوسط (مفاعلاتن).

ولعل أصل الاختلاف في الحقيقة أقدم ويعود إلى اختلاف المقصود بالثقيل الثاني أصلاً في عهد الأرموي، وهو على ما نرجح اختلاف جهوي. إذ يشير الباحث أوين رايت إلى مخطوط محفوظ في تركيا (سليمانية فاتح 3662) يقدر إنه يعود إلى شباب الأرموي ويظن إنه مسودة أولية من الأرموي لما سيصير كتاب "الأدوار"، ويورد أن بها عدداً من الاختلافات منها اختلاف في تدوين ضرب الثقيل الثاني. فعلى خلاف ما راينا في الأدوار والشرفية إنه تنن تنن تن أي 332، فإنه في هذه النسخة الأقدم يأتي بحسب رايت على إنه 211 211 أي إنه يأتي على مفتعلن فعُ. وهذا يعني إنه مرتبط مباشرة بخفيف الثقيل على ما نرى في الأدوار لاحقاً، ولعل هذا هو السبب في إن خفيف الثقيل نفسه يغيب عن هذه النسخة الأقدم. وإن صحت تقديرات رايت فهذا يعني أن الأرموي أعاد تدوين الثقيل الثاني ما بين هذه النسخة الأولى والنسخة اللاحقة من كتاب الأدوار. وهذا يفتح مجالاً للتساؤل عن السبب في هذا التفاوت أصلاً.

يورد رايت احتمال أن الارموي ليس من مواليد بغداد، بل أتى إليها لاحقاً، ويستدل على ذلك ببعض التحسن في احترام قواعد العربية ما بين النسخة الأقدم وما تلاها. وبناء عليه فيمكن تقديم فرضية أن الثقيل الثاني خارج بغداد كان مرتبطاً بخفيف الثقيل، الذي يكون عندها خفيف الثقيل الثاني، ويكون الثقيل الثاني هناك متفرعاً عن "فعلن" أو م م م ه وهي الثقيل الثاني بحسب تسمية ابراهيم بن المهدي. ونعرف من كتاب الأغاني أن آراء ابن المهدي انتشرت لفترة، ثم عادت آراء اسحاق الموصلي لتفوز آخر الأمر وهو الذي كان يرى أن م م م ه هي الثقيل الأول لا الثاني. وبالتالي يمكن الافتراض أن الأرموي وجد في بغداد، حيث الجمهور الذي يكتب له، الثقيل الثاني مختلفاً عما كان عرفه خارج بغداد، أي وجد ثقيلاً ثانياً متفرعاً عن الثقيل الثاني في رأي الموصلي، بعد أن جرى تفضيل الضروب الزوجية وأهملت الخماسيات (التي تغيب عن "الرسالة الشرفية" حيث تحول فيها خفيف الرمل من خماسي، في كتاب الأدوار، إلى سداسي، وهو تحول ثانٍ يعزز فرضية وجود الأرموي على تقاطع تقليدين مختلفين). والحق إننا نجد في هذا الثقيل الثاني الذي يرد على تنن تنن تن أو 332 أثراً من الثقيل الثاني بحسب اسحاق الموصلي، فكأن الثقيل الثاني ذاك تحول من خماسي في زمن اسحاق إلى ثماني (تنن تنن تن) في زمن الأرموي ولكن احتفظ بداخله بالخماسي الأقدم (تنن تن).

وكما رأينا سيقدم الشيرازي كل هذه الصيغ ولكن بأسماء مختلفة، فهو يورد الثقيل الثاني وخفيف الثقيل على ما وردا في الرسالة الشرفية للأرموي، لكنه يورد تحت اسم "الخفيف المشهور" الثقيل الثاني الذي نجده في المخطوط الأقدم للأرموي أو نجده تحت مسمى خفيف الثقيل في كتاب الأدوار، ويورد المخمس وهو نصف هذا الخفيف، وهو عين المخمس الذي سنجده عند مبارك شاه، أي مفتعلن فعْ أو 442. ومن هنا سيتفرع المخمس العربي ثم المصري. ويبدو لنا ان ها الالتباس هو ما يشرح الصيغ التي وردت عند اللاذقي والشرواني، فهما يعلمان أن الثقيل الثاني كان يسمى الخفيف، ويعلمان أن المخمس هو نصف الخفيف. غير إنهما أخذا الثقيل الثاني بحسب ما ورد في أدوار الأرموي (وليس بناء على خفيف الثقيل الذي يرد عنده ويقول إنه هو المخمس، ولا بناء على الثقيل الثاني بحسب ما ورد في النسخة الأولية الأقدم) فأتى المخمس عندهم موافقاً له أي على 332 . ومن هنا سيتفرع المخمس نصف الخفيف (عند خضر بن عبد الله) ونصف المخمس التركي (علي الدرويش)، ويأتي المخمس التركي في صيغته الحالية على ما أوردنا جمعاً بين الشكلين آنفي الذكر.

ج ـ جدول لروايات وصيغ المخمس

سنستثني في ما يلي المخمس الطويل وهو ضرب مختلف على أربعين نقرة.

وفي ما يلي سنعتمد تسهيلاً للمقارنة إجراء كل الإيقاعات على ستة عشر نبضة. وحيث ما وردت نقرة بين قوسين () فهي من تأويلنا. كذلك سنرتب بدايات الضرب، حيث يختلف أحياناً، بشكل يبرز التوافقات مع الروايات الأخرى. كما سنعلّم بالأزرق الداكن على ما سمي نقرات الأصل، وهي من ضمن مفاصل المخمس، أي رؤوس حقوله، وبالأزرق الفاتح على سائر المفاصل، وبالبني على الحالات التي ينزاح فيها أحد المفاصل ونرى إنها كلها مرتبطة بالمخمس الفارسي/التركي.

خاتمة: عمق التاريخ ومنطق التسمية وأهمية البنية ومغزى الأصول

يعود أًصل المخمس إذن إلى تركيبات جرت على ضرب موروث من العصر الذهبي للعباسيين في بغداد أيام الموصلي والكندي وابن المهدي. وتشير تطوراته إلى اختلاف في الممارسة حصل بين الفضاء المصري أساساً (وإلى حد ما الشامي) وبين الفضاء الفارسي ثم التركي.

هذه الضروب كانت تشمل في الأصل حقولاً ثنائية وثلاثية ورباعية، رُمِز إليها في مراحل معينة بمفردات السبب والوتد والفاصلة قبل أن تزداد طولاً وتعقيداً على ما أشرنا، ما اضطر اهل ذلك الزمان إلى البحث عن طريقة أخرى لتمثيلها، بخاصة حين أضيف إلى الطول والتعقيد ضرورة التمييز بين أنواع النقرات، فظهر التمييز بين الدم والتك. وهذا ينبغي أن يقول لنا أيضاً إن الضروب الإيقاعية الموروثة يمكن أن تجري قسمتها اليوم إلى حقول رباعية وسداسية وحتى ثمانية نشأت ربما عن مضاعفة الحقول الأقدم .

ومن خلال هذا الاستقصاء التاريخي، يمكن فهم سبب تسمية "المخمس" إما لوجود خمس نقرات فيه (مفاعلاتن او مفتعلن فع او رؤوس الحقول الخمسة من الصيغة الطويلة)، او لكون نقرة أصله بحسب ابن كر متحدثا عن المخمس القصير تأتي مسبوقة بخمس راهات (أو خمسة "تن"). وقد نضيف، قياسا على ابن كر، إن المخمس المصري يستحق اسمه هذا، ربما، لاحتمال آخر، هو كون نقرته القوية هي النقرة الخامسة (التي تأتي بعد حقلين ثنائيين قصيرين، وتفتح حقلاً رباعياً أو قد نعتبره ثمانياً إذا قبلنا بأنه يستتبع الحقل الذي يليه المبدوء بتك).

وقياساً على هذه الاحتمالات يمكن فهم تسمية ضرب المربع (وهو حديث نسبياً إذ حل محل ما كان يعرف بالأوسط) اما لوجود اربعة حقول (فهو يأتي على 3442)، او لكون النقرة القوية الاساسية فيه هي برأينا الرابعة التي تلي حقلاً ثلاثياً أقصر وأقل ثباتاً من الحقل الرباعي التالي (والذي قد نعتبره أيضاً ثمانياً باعتبار الحقل الثالث مبدوء بتك ربما علامة على حدوث استتباع مشابه لما هي الحال عليه في المخمس، والحق إن هذا الحقل الثماني شبه متطابق في الضربين هذين، ونجده في ضروب أخرى أيضاً ).

من جهة أخرى، فإن اختلاف الروايات في كل صيغ المخمسات الواردة إلينا يبرهن إن ما ينبغي إيلاؤه الأهمية الكبرى إنما هو بنية الضرب أي قسمته إلى حقول مختلفة. أما الدمات حين لا تكون على رأس حقل إيقاعي فهي كما التكات حين لا تكون رأس حقل لا تعدو كونها مجرد زخرفة وحلية يمكن استبدالها (كما رأينا في النقرة الثانية في روايتي المخمس العربي، أو استعمال دمدم في موضع دم واحدة في روايات المخمس التركي، أو ادخال أو تغييب التكات في روايات المخمس المصري). ولعل فهماً أدق لذلك سيسمح لضاربي الإيقاع وتلامذتهم أن يتعاملوا مع الروايات المختلفة بأريحية أكبر وبتركيز أكبر على بنيتها العميقة، ويسمح لهم بتعلم أسرع وأعمق خارج غابة الصيغ المتشابهة للضرب نفسه. كما يسمح أيضاً للملحنين بتجاوز المستوى السطحي في التعامل مع الدموم والتكوك بترجمة آلية إلى المستوى الميلودي.

تسمية هذه الضروب ايضاً إذن ليست اعتباطية بالكامل، بل يمكن ـ في بعض الأحيان على الأقل ـ العثور على المنطق وراءها أو ـ وهو أضعف الإيمان ـ تتبع الأصل التاريخي لها. وهي قد بقيت، في بنيتها العميقة وراء التحولات السطحية، ثابتة لفترة طويلة (يمكن ملاحقة أصل ضرب الستة عشر والورشان والخفيف والفاخته من عصر الأرموي إن لم يكن قبل ذلك). فوصلت إلينا من ماضٍ سحيقٍ، يقترب من ألفٍ ومئتي عام، إلا أننا نعاين للأسف اندثارها شبه المحتم إن لم يتسع مجال الاهتمام بها وبفهمها واستخدامها. وعلاقتها بالجمل الموسيقية التي تلحن عليها تستحق بحثاً مطولاً ليست هذه المقالة مساحة مناسبة له، وسنعود إليه بالتفصيل في موضع آخر.

غير أن بالإمكان القول في عجالة إن هذه الضروب إن كانت تسمى بالأصول فذلك في ظننا، لا فقط لأنها بنات أصل تدل عليه "نقرات الأصل" أو لها فروعاً، بل لأنها الأصل والمصدر الذي تنطلق منه الجملة الموسيقية النغمية وتبني عليه. ذلك أن الجمل الموسيقية، كما يتبدى لنا في الموشحات القديمة، إنما تتراقص وتتمايل حول الأعمدة التي هي مفاصل الضرب أو رؤوس الحقول الإيقاعية المكونة له، والتي يبنى حولها أيضاً النبر في الأداء الصوتي لئلا يأتي رتيباً خالياً من الحيوية. وبدون هذه الأعمدة تفقد الجمل الموسيقية القديمة طاقتها وتماسكها وتصبح دفقاً مبهماً من الأنغام دون رابط إيقاعي ودون مَراسٍ يمكن لنا أن نتمسك بها كي نستوعب هذه الجمل ويغمرنا جمالها.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف