الدفّان يغمزلي | حقبة غرائبيات الأغنية العراقية

مقالات - كتابة: حسن شغيدل - ٢٠٢٦/٠٥/١٢
الدفّان يغمزلي | حقبة غرائبيات الأغنية العراقية
تحميل...

بين عاميّ ٢٠٠٣ و٢٠١٨ شهدت الساحة الغنائية العراقية موجة إصدارات يمكن وصفها بأنها “غريبة” أو مختلفة عن السائد آنذاك وما قبله. تميزت بفجاجة في الطرح وبساطة في الكلمات وألحان لافتة اعتمدت الإيقاع السريع أو الفكرة الصادمة، انتشرت بسرعة وأصبحت حديث الشارع ووسائل الإعلام.

كان الجمهور متعطشًا في تلك المرحلة لكل ما هو جديد بعد سنوات طويلة من الانغلاق، فوجد في هذا النوع من الأغاني مساحة للتنفيس والتجريب، ونجح بعض المطربين في استثمار هذه الموجة لصناعة حضور قوي، حتى وإن كانت الأعمال محل جدل أو نقد لاذع.

غير أن المزاج العام تغيّر لاحقًا؛ فمع تطور الذائقة الفنية وتعدد خيارات الاستماع، لم يعد هذا اللون الغنائي يحقق غاية الانتشار التي كان يُبرَّر بها سابقًا، وصار في نظر كثيرين مثلبة أو تجربة عابرة لا تُحسب ضمن المنجز الفني.

مع ذلك، تبقى إصدارات تشكّل مادة ثرية للبحث والتحليل؛ فهي تعكس تحولات اجتماعية وثقافية مهمة، كما هي نقاط تحول في مسيرة عدد من المطربين. المفارقة أن بعض صنّاع هذا اللون قدموا سابقًا ولاحقًا أعمالًا أجمل من حيث الكلمة واللحن والنضج الفني، إلا أن تلك الأغاني المثيرة للجدل ظلت الأكثر رسوخًا في الذاكرة الجماعية، بوصفها علامة فارقة في مسيرتهم الفنية.

أرشيف منسي وراء أغاني الفواكه

كانت البرتقالة ظاهرة فنية أثرت في مسار الأغنية العراقية والعربية بشكل عام ومسيرة علاء سعد بشكل خاص.

منذ بداياته كان علاء سعد نجمًا لامعًا، غنّى منذ طفولته ولفت الأنظار مبكرًا، مستندًا إلى انتمائه لعائلة فنية. قدّم في الثمانينات عددًا من الأغاني القوية التي لاقت نجاحًا داخل العراق، منها على كل حال، مثبتًا حضوره بين أبرز أصوات جيله. ثم عزز مكانته في التسعينات بأغنية شفادني وقدّم أكثر من سبعة ألبومات قبل مغادرته العراق.

رغم كل هذا الرصيد جاءت البرتقالة لتختصر تلك المسيرة محوّلةً علاء سعد في ذاكرة الجمهور من فنان صاحب تجارب متعددة إلى “صاحب البرتقالة”.

كانت أغنية ذات عنوان غريب ولحن جذاب يسحب المستمع بسهولة، أثارت جدلًا واسعًا عند صدورها، وتعرضت لنقد كبير، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن ذكاء فني وخبرة مطرب يعرف كيف يصنع الانتشار.

لاحقًا، قدّم أغاني على شاكلتها مثل التفاحة والإطفائية، ثم عاد يطرح أعمالًا مختلفة نسبيًا مثل غريبة  والليل، حققوا حضورًا ملحوظًا أيضًا. مع ذلك ظلت البرتقالة العنوان الأبرز والعلامة الأكثر التصاقًا باسمه، وفتحت سؤال هل الانتشار الواسع الذي حققته الأغنية ظلم سعد؟ باعتباره أيضًا اختزل مسيرته وحرم جمهوره من الاستماع لمنتج فني أكبر وأوسع لفنان لا يختلف اثنان على صوته وموهبته.

فتحت البرتقالة الباب لخالد العراقي، وما بعده. بدأ خالد العراقي مسيرته الفنية عام ١٩٩٠ من خلال كاسيت يا فلانة ثم صور الأغنية مع افتتاح قناة الشباب ١٩٩٣، ما منحه انتشارًا واسعًا في تلك الفترة. كما قدّم أعمالًا أخرى عززت حضوره، من بينها محد حجالك ضيم كلبي.

غادر العراق لاحقًا في نفس العام نحو الخليج باحثًا عن شهرة أوسع، ثم ظهر  بعمل مختلف تمثل في أغنية الرمانة، التي بدى فيها متأثرًا بأسلوب علاء سعد، وحققت انتشارًا كبيرًا وأصبحت علامة فارقة في مسيرته.

طغت الرمانة على ماقبلها ومابعدها متفوقة على العديد من الأغاني والمواويل، مثل حبيب وغالي والطيبة، وبقي اسمه مرتبطًا بها بوصفها أبرز محطات تجربته الفنية؛ ومعها تشكّلت موجة ما عرف بأغاني الفاكهة التي لم تلق نفس الرواج.

خط اللا عودة

كانت لحظة صدور أغنية هزي هزي نقطة تحول حاسمة في مسيرة غزوان الفهد نقلته من مطرب معروف في نطاق ضيق إلى اسم مطلوب ولامع.

في بداياته، قدم الفهد أعمالًا مختلفة شكلًا ومضمونًا، مثل ناسي النوم وشلونك يا حبيبي؛ أغنيات تكشف عن صوت رومانسي هادئ ومطرب يميل إلى الإحساس أكثر من الإثارة. رسمت تلك المرحلة صورة فنان يؤمن بخط غنائي تقليدي، لكنه لم يحصل على شهرة كبيرة. ثم جاءت هزي هزي، أغنية صاخبة بإيقاع سريع، صنعت حضورًا جماهيريًا فوريًا وغيّرت موقعه في الساحة.

رأى بعض المتابعين وأنا منهم أنها خطوة تكتيكية يحقق بها الشهرة، ثم يعود إلى ما يؤمن به فنيًا، لكن  ذهب الفهد بقطار هزي هزي ولم يعد، حتى أنه لم يحاول إعادة تقديم ناسي النوم أو شلونك يا حبيبي بروحٍ جديدة تعيد التوازن إلى صورته الفنية.

في تلك الحقبة، لم تكن داخل العراق مهرجانات واسعة أو مسارح أو مطاعم تحتفي بالأغنية الرومانسية الهادئة. بالمقابل، كانت الملاهي الليلية فضاءً نشطًا يطلب هذا اللون الإيقاعي الصاخب، والمطرب في النهاية يعمل حيث يطلب ويغني ما يضمن له الحضور والاستمرار.

لكن هذا الوضع جعل المطرب العراقي يقف أمام سؤال هل فنه موجه للجمهور بشكل عام أم لرواد السهر. إذا كان الأمر الواقع يفرض ما يناسب السهارى في الملاهي والبارات هل يلام غزوان الفهد لأنه تمسك بالخيار المضمون؟

اللافت أن بعض أبناء جيله تنقلوا بين الألوان واحتفظوا بتنوّعهم مثل حسين الغزال الذي قدم بطة وصاعدة ببطه التي حققت انتشارًا لكنها لم تحدث تحولًا بمسيرته،  بينما استمر غزوان. لا نعلم هل بقي أسير هزي هزي بمحض إرادته، أم أن نجاحها الساحق ضيّق عليه الخيارات حتى باتت أي عودة إلى ناسي النوم تبدو مخاطرة. أيضًا، ربما كانت ناسي النوم هي في الأصل الخارجة عن ما أراده الفهد منذ البداية.

على عكس غزوان الفهد الذي قرر بنفسه أن يكون ذهابه مع هزّي هزّي بلا عودة، حجز قرار عادل جواد في ركوب موجة الأغاني الصادمة له تذكرة إجبارية على طريق اللا عودة؛ بأغنية لا تنسى لكنها كانت سببًا في نسيان مطربها. نشط الفنان عادل جواد منذ مطلع الألفية وظهر بكاسيت ضم مجموعة من الأغاني التراثية التي لاقت نجاحًا لافتًا آنذاك، مؤكدًا حضوره كمطرب يمتلك صوتًا قادرًا على التعامل مع اللون الشعبي والتراثي بثقة.

قدم لاحقًا للتلفزيون أغنية يا حبيبي التي حققت انتشارًا واسعًا وأصبحت أقرب إلى نشيد عاطفي يردده الآباء والأمهات لأبنائهم، لما حملته من كلمات لطيفة ولحن جميل مدعومين بفيديو كليب موجّه لطفلة، الأمر الذي عزز بعدها الإنساني والأسري.

قبل عام ٢٠٠٣، قدم أيضًا أغنية أمك على البير التي نجحت بتحصيل جماهيرية عالية رغم الانتقادات الكثيرة عليها حينها. مع غرابة عنوانها استندت الأغنية إلى صورة شعبية مألوفة؛ لقاء الأمهات في الريف حول بئر الماء. كانت أغنية بطابع اجتماعي بسيط، تنتمي إلى البيئة الشعبية وتعبر عنها.

لا يمكن مقارنة كل هذه المحطات بأغنية “بتّل البتّل أني عليج الدنيا أحركها / أجرم واسلخ واذبح واكتل” نص صادم ومبالغ في اندفاعه، حتى إن أي حبيبة في هذا الزمن قد ترفع دعوى قضائية لو أرسلت لها كلمات كهذه على سبيل الغزل.

لم يكن الجدل الكثير والانتشار لصالح المطرب، وبدل أن تنقذ بتّل البتّل مسيرة عادل جواد بدت وكأنها وضعت نقطة النهاية لمسار كان يمكن أن يتخذ اتجاهًا آخر.

أغاني حلاوة الروح

“لابسة أسود يالعروسة وبالجمال مسوية هوسة” هكذا تبدأ الأغنية بلحن آسر يستطيع أن يمسك بالمستمع منذ اللحظة الأولى، فيوحي لنا بأننا أمام أغنية غزل تقليدية تصف عروسًا ترتدي السواد. غير أن صورة الفيديو كليب تربك هذا التصور تمامًا فلا وجود لعروس ترتدي الأسود، لنشاهد مجموعةً من النساء وهن متجهات إلى المقبرة. هنا تبدأ سريالية الأغنية بالوضوح، ويتحول المعنى من غزلٍ مباشر إلى مشهد يحمل أبعادًا أكثر غموضًا ورمزية.

بعدها تأتي العبارة المفصلية التي تغير مسار القصة:

أني بس حبيت أكلج اطلب المرحوم بوسة

عند هذه الجملة تنقلب الحكاية رأسًا على عقب؛ فالأغنية التي بدت في بدايتها غزلًا لعروس جميلة ترتدي السواد، تتحوّل إلى مشهد آخر: امرأةٌ يقف بجانبها رجلٌ يطالبها بإيفاء دين زوجها الراحل، وهو بوسة.

صنعت هذه الحبكة النافرة نجاح الاغنية الغريبة؛ والتي اختصرت مشوار الفنان حسن هادي. رغم أنه قدم أغنية ثانية بمزاج آخر وحققت شهرة كذلك وهي ما يفاركني، لكن بقيت مسيرة هادي مرتبطة بأنه يطلب للمرحوم بوسة.

على نفس الخط نسمع بصوت علي الحميد: راح اللي أحبه موت / أخذ كلبي ومشه بسكوت.” أغنية تبدأ بلحن حزين وفيديو كليب داخل مقبرة لزوجة تدفن زوجها، مشهد يرسّخ صورة الفقد ووجع اللحظة، وليس غريبًا على الأغنية العراقية أن تقترب من لحظة الموت وتعبر عن حزن فراق الأزواج. لكن سرعان ما تنقلب الأغنية إلى مسار آخر، عندما يقوم الدفان بالتحرش بالمرأة فيتحول المشهد من رثاء إلى صدمة درامية، ويصرخ الفنان علي الحميد: “آنه بيا حال والدفان يغمزلي” فيتغير إيقاع الأغنية وقصتها دفعة واحدة. 

لم يغير هذا التحول المفاجئ فقط مسار الحكاية داخل الكليب، بل انعكس أيضًا على مسيرة علي الحميد الذي ينتمي إلى عائلة فنية عراقية تضم ماجد الحميد وضياء الحميد، فصار اسم الأغنية مرتبطًا بهذه الصرخة كما ارتبطت مسيرته بها. رغم أنه قدم قبلها أغنية خل نشيل منانا وهي من ألحانه وحققت حضورًا لافتًا، وواصل بعدها تقديم العديد من الأغاني مثل انطيني وعد من ألحانه كذلك وهو فنان قادر على تقديم الألحان لنفسه ولغيره.

أما في ٢٠١٦ فظهرت واحدة من أكثر الأغاني العراقية إثارة للجدل إذ يمكن اعتبارها من أغرب ما قدم في تلك المرحلة، لأنها تناولت فكرة بيع الأعضاء البشرية بوصفها مخرجًا من الفقر، من خلال العبارة الصادمة:

راح أبيع كليّاتي مليت أنا من العوز

حققت الأغنية انتشارًا واسعًا لكنها قوبلت أيضًا بانتقادات كبيرة بسبب فكرتها الجريئة وصدمتها الأخلاقية. خرج مطربها، أسعد جميل، لاحقًا موضحًا أنه قدم سابقًا ألوانًا غنائية مختلفة، منها الأغاني التراثية والقدود الحلبية، لكنه لم يحقق الحضور الجماهيري نفسه.

رغم كونه أستاذًا أكاديميًا في الموسيقى ومعروفًا في الأوساط الفنية، زاد هذا التصريح من استغراب الجمهور، إذ بدا التناقض واضحًا بين خلفيته الأكاديمية وخياره الغنائي المثير للجدل.

أشار أسعد إلى أنه، بعد أن وجد “مفاتيح الشهرة”، سيعود لتقديم أعماله التي تعكس إمكاناته الحقيقية. بالفعل حاول لاحقًا طرح أكثر من عمل، غير أن أغنية بيع الأعضاء بقيت الأكثر ارتباطًا باسمه ولم تستطع محاولاته اللاحقة أن تحقق الأثر ذاته، رغم اتفاق كثيرين على امتلاكه قدرات فنية حقيقية تفوق ما عرف به جماهيريًا.

بعد عام ٢٠٠٣ وما رافقه من انفتاح واسع في العراق لمع نجم عدد كبير من المطربين وأصبحت الساحة الغنائية شديدة المنافسة. لم يعد بإمكان الفنان أن يقدم ما يؤمن به بحرّية كاملة وكثيرًا ما ألقيت مسؤولية الاختيار على ذائقة الجمهور وطرق التلقي، بوصفها العامل الحاسم في النجاح أو الإخفاق.

غير أن المسألة يمكن قراءتها من زاوية أخرى. إذ يعتمد المطرب العراقي في دخله بدرجة كبيرة على الحفلات التي يحييها في أماكن السهر، ولا تنظر هذه الأماكن إلى تاريخ الفنان أو منجزه الفني أو إمكاناته الصوتية بقدر ما تنظر إلى لحظته الراهنة؛ مدى حضوره الآني وانتشار أغنيته الأخيرة وقدرته على جذب الجمهور. على هذا الأساس يُستدعى الفنان ويُحدَّد أجره.

دفع هذا الواقع كثيرين إلى السعي لصناعة لحظة سريعة بدل بناء منجز فني طويل الأمد. اختزل بعض هذه الخيارات تاريخًا سابقًا، وطغى بعضها على ما تلاه.

هنا تتجلى بعض صعوبات مجال الفن، فالخيارات فيه مصيرية سواءٌ في النجاح أو الإخفاق. قد يكتب قرار فني واحد تاريخًا كاملًا، أو يمحو تاريخًا آخر.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف