في إحدى الليالي الباردة في عشرينات القرن الماضي، كان أحد السيّاح الألمان يتجوَّل في شوارع القاهرة برفقة مرشده، الذي يدعى علي، في مللٍ وسأم شديد دفعه إلى مساومة علي بمائة جنيه مقابل اصطحابه لاستكشاف القاهرة الخفية. ما كان من علي إلا أن اقترح كازينو الست توحيدة، كي يكون هو البوابة لدخول ذلك العالم الغامض. قبل الذهاب إلى الكازينو، نصحه علي أن يشتري له طربوشًا، وأن يحمل معه مسدسه، وأخيرًا ألّا ينسى أنه المسؤول عن كل ما قد يواجهونه من مخاطر في رحلتهم المحفوفة بالعقبات .
كان اختيار علي منطقيًا، إذ كانت توحيدة في ذلك الوقت أشهر مطربات القاهرة، حيث تربعت على عرش الفن لما يزيد عن ثلاثة عقود، أو كما وصفها فريدريك كيتشنر في مقاله ذكريات حياة في القاهرة أنها ذات قوامٍ ضخم ومجرد ظهورها على المسرح كان كافيًا لجعل الصالة مكتظة.
يصف كيتشنر مظهرها المسرحي بتفصيلٍ لافت، إذ كانت تظهر مرتدية ملابس فاخرة، تتزين بأساور ذهبية ثقيلة تغطي ذراعيها وكاحليها بالكامل، وسلاسل ذهبية صلبة تحيط بعنقها، وهو ما كان يمنح حضورها رهبة وتأثيرًا خاصًا على الجمهور .
تلتقي هذه الصورة مع ما ورد في مقالٍ كتبه الكاتب إليانور إيرلي في جريدة دايلي بوستون جلوب عام ١٩٣٢، وصف فيه توحيدة بأنها “المرأة التي لا تشيخ”، رغم بلوغها قرابة السبعين، مشيرًا إلى بنيتها الجسدية الضخمة التي بدت جزءًا لا يتجزأ من حضورها الطاغي على المسرح.

لا يخلو هذا الدخول السلس إلى عالم توحيدة من إشكالياتٍ منهجية. لا سيما وأن العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين كثيرًا ما أُعيد تشكيلها في الذاكرة الثقافية عبر الروايات والأفلام والسرديات اللاحقة بوصفها عصرًا ذهبيًا تختزل فيه هوية مصر الحضرية التقليدية وتُغذَّى من خلاله نوستالجيا كوزموبوليتانية مفقودة. أسهم هذا التراكم في إنتاج صورة أسطورية للفنانات، اختلط فيها الواقع بالتمثيل الأدبي والسينمائي؛ وهو ما بيّنه فريدريك لاجرانج في تحليلاته لتمثيلات العوالم في الأدب والسينما، كما كشفت دراسات تاريخية حديثة، من بينها أعمال رفائيل كورماك حول فضاءات شارع عماد الدين، عن الفجوة بين الصورة المتخيلة والحياة الفنية الفعلية.
تمتد هذه الجهود البحثية إلى قراءات معاصرة أخرى، من اهتمام حنان حمّاد ببدايات ليلى مراد، إلى مشروع أرشيف نعيمة المصرية الذي تتولاه حفيدتها هبة فريد بمنظور جندري للأرشيف النسائي؛ ويجمع بينها جميعًا موقف نقدي من تراكم المقالات الصحفية التي أعادت تدوير الأساطير والأحكام الأيديولوجية منذ أربعينات القرن العشرين. من هذا المنطلق، تأتي هذه المقالة محاولةً للمساهمة في هذا المجهود الجماعي عبر إعادة قراءة سيرة الست توحيدة بوصفها حالة كاشفة لتحوّلات الدور النسائي في الساحة الفنية المصرية، وهمزة وصل بين عالم العوالم وصعود المطربة الحديثة، بما يستلزم فرز الصالح من الطالح في الروايات المتداولة حولها.
تكاد تُجمع المصادر المعاصرة على أن الست توحيدة كانت من أكثر الشخصيات النسائية حضورًا وتأثيرًا في الساحة الغنائية القاهرية خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، إلى جانب أسماء لامعة مثل بمبة كشّر وشفيقة القبطية.
المفارقة اللافتة أن هذا الحضور الكاسح لم يخلّف أثرًا صوتيًا محفوظًا؛ إذ لا نملك لتوحيدة، شأنها في ذلك شأن بمبة وشفيقة، أي تسجيلات تجارية، رغم أن صناعة الأسطوانات آنذاك وثّقت أصواتًا نسائية أخرى أقل شهرة، وإن أعطت الأولوية للأصوات الرجالية في تلك الحقبة. من هنا يمكن النظر إلى توحيدة بوصفها حلقة وصل بين عصر العوالم، حيث كان الغناء النسائي محكومًا بالفضاء الاجتماعي الضيق، وعصر المطربة الحديثة، المرأة التي تدير الصالة وتخاطب جمهورًا مختلطًا. في هذا التحوّل تتقاطع سيرة توحيدة مع صعود الطقطوقة من قالب احتفالي خاص بالأفراح إلى لون غنائي خفيف واسع الانتشار.
لا نستطيع الجزم بتاريخ دقيق لمولد توحيدة، لكن بشكل تقريبي يمكن القول أن ولادتها تعود إلى العام ١٨٦٣، وفقًا لما تلمّح إليه بعض المصادر المعاصرة من إشاراتٍ عابرة إلى عمرها . أما الثابت في سيرتها أنها وُلدت في قرية دير القمر التابعة لبلدة بيكاسين في لبنان، وأن اسمها عند الميلاد كان لطيفة إلياس فخر.
نشأت لطيفة في بيئةٍ محافظة؛ فوالدها، رغم كونه مغنّيًا معروفًا في القرية، كان يرفض ميولها الفنّية رفضًا قاطعًا، ويرى فيها دنسًا يجب محوه وانحرافًا ينبغي كبحه. حسب رواية حسين عثمان، يذكر أن خلافًا حادًا وقع بينه وبين ابنته يوم ضبطها تتغنّى بالأهازيج البيروتية لنساء قريتهم، المشهد الذي بلغ به ذروة السخط، فانهال بالتوبيخ على زوجته وابنته وقرّر منع لطيفة من الغناء منعًا باتًا. ظلّت الحال كذلك إلى أن تُوفي والدها تاركًا زوجته وبناته في ضيقٍ شديد، وفي تلك الأجواء خطرت لأم لطيفة فكرة الرحيل إلى مصر، اقتداءً بابن قريتهم جورج داخون الذي سبقهم إليها وعمل فيها ممثّلًا مسرحيًا .
كما تزعم رواية صحفية نُشرت في مجلة الصباح أنّ وراء سفر لطيفة إلى مصر سببًا آخر أشدّ وطأةً، إذ قيل إنها غادرت بيروت عقب حادث تعرّضت فيه لأذى بالغ على يد شابٍ من أبناء الأسر الثرية، ما جعلها بعد ذلك تتحاشى الظهور مكشوفة الأذنين. تُضيف المجلة: “ولذلك كانت توحيدة تظهر دائمًا أمام الناس على تختها وقد غطّت أذنيها الإثنتين، ولا نظن أحدًا في مصر يمكنه أن يؤكد لنا أنه رأى أذن توحيدة فإنها كانت دائمًا تغطيها.”
لا يمكن التأكد من صحة هذه الرواية، إلا أنها تمثّل تفسيرًا شعبيًا ذائعًا لحرص توحيدة على تغطية أذنيها.
على كل حال، شدّت أم لطيفة رحالها إلى مصر، أملًا في حياةٍ أفضل. وصلت هي وأبناؤها الثلاثة، فريدة ولطيفة وغلام سقيم لا نعلم اسمه، إلى القاهرة في تسعينات القرن التاسع عشر؛ وما كادت تطأ القاهرة حتى أخذت تبحث عن ابن قريتها جورج داخون، إلى أن اكتشفت أنه اشتهر باسم كامل الأصلي، وأنه أقام مسرحًا في حارة النصارى أسماه مسرح الابتهاج .
استقبلهم جورج بحفاوةٍ شديدة، وضمنت لطيفة مكانًا لها في فرقته؛ فكانت تغني بين فصول الروايات. كما يُروى أن جورج كان أوّل من لقّبها باسم توحيدة؛ وهو الاسم الذي لازمها طوال مسيرتها الفنية، بحسب رواية حسين عثمان.
لم تكمل توحيدة طويلًا مع جورج، إذ سرعان ما شرعت تعمل راقصةً في شارع كلوت بك، تتغنى بالطقاطيق الشامية مثل على دول يما يما على دول . ظلّت في حالٍ من عدم الاستقرار إلى أن أعجب بها خواجة يوناني يدعى إيمانويل يوانديس، أو كما اشتهر بلقب مانولي. لم يلبث طويلًا حتى قرّر الزواج منها وفتح لها محلًّا عرف باسم ألف ليلة وليلة عام ١٨٩٧.
يرد العنوان التفصيلي لمحل ألف ليلة وليلة في الدليل المصري لعام ١٩٢٠ بحارة العقيلي في العتبة الخضراء . تشير خريطة لمنطقة الموسكي تعود إلى مارس ١٩٠٥ إلى المكان ذاته بوصفه كافيه شانتا ، خلف مسجد الجوهري، وتكشف الخريطة أنّ الصالة الرئيسية تطلّ على حديقة داخلية واسعة محاطة بإطار خشبي، ما يجعل الحديقة جزءًا من فضاء الكازينو نفسه، تُستخدم للجلوس والسهر وربط الداخل بالخارج، بما يضع نشاط توحيدة داخل فضاء ترفيهي مفتوح. في ضوء هذا الموقع وهذه الصيغة العمرانية، يمكن فهم تحوّل الكازينو إلى أحد الفضاءات البارزة للفرجة الليلية في القاهرة، ومقصدٍ لشرائح اجتماعية عليا من عُمَد وباشاوات وأصحاب قامات نافذة، اجتمعوا على حب توحيدة .

كان سبب حالة الحب والولع الشديد بتوحيدة هو ما أحدثته من نقلة نوعية في الوسط الفنّي آنذاك، حيث كان الوجود النسائي فيه خافتًا مقارنةً بنظيره الذكوري. لم يكن المجتمع القاهري في ذلك الوقت معتادًا على رؤية النساء سافراتٍ على المسرح، إذ كانت المغنّيات الراقصات أو بالأحرى “العوالم” وسطًا ينحسر بين سراي القصر وظهوره خارج ذلك الإطار كان نادرًا؛ حتى وإن حدث في حالاتٍ مثل الحاجة سيدة السويسية التي ظلّت منتقبة طوال مسيرتها ، وشقيقتها أسما الكمسارية، وبَمبَة العوادة، وغيرهنّ. في كل هذه الحالات كان ظهورًا متحفظًا لأنه مرتبط بالقصر والخديوي؛ ولهذا لا نجد لهنّ تسجيلات طقاطيق، إذ اقتصر إرثهنّ على الأدوار والموشّحات التي برعن في تأديتها، منافساتٍ للرجال.
جاءت توحيدة، فكسرت هذه الحواجز، وظهرت دون الحجاب على المسرح لأول مرة مثيرةً الاستغراب والإعجاب في الوقت ذاته، ذلك الخليط الذي افتتح طورًا جديدًا أوسع وأكثر تفتّحًا لحضور النساء على المسرح؛ مع حضور الطقطوقة كقالب فني تتناقله الألسنة لخفّته وبساطته. أثار ذلك حفيظة بعض المحافظين فيما بعد أمثال إسكندر أفندي شلفون الذي قال في ذلك الموضع: “ولا يكاد الملحن الفاضل ينتهي من تلحين طقطوقته حتى تتخاطفها وتلوكها جميع الألسن، سواء في المواخير وبيوت الدعارة أو بين العائلات وفي القصور العامرة وسواء النساء والرجال والعذارى والأطفال الأطهار.”
في ظلِّ ذلك الزخم، برزت توحيدة رمزًا لتحوّل الذوق الفني في القاهرة، من استحسان قوالب نخبوية ومعقدة مثل الدور والموشح إلى استحسان الطقطوقة الخفيفة؛ وبرغم ما طالها من تهميشٍ في الصحافة طوال مسيرتها، فإنّ تعلّق الناس بها كان ظهيرها الوحيد، وهو ما خلق حولها هالةً لا تخبو ولا تنطفئ. أدركت توحيدة أثر تلك الهالة جيدًا، بل أسهمت في تعزيزها بادعائها الانتساب إلى سلالة “الفخر الرازي”، على خطى بَمبَة كشّر التي كانت تتباهى بنسبها إلى السلطان المملوكي إينال اليوسفي. بررت توحيدة ذلك الادعاء بقولها أن ذرية الإمام الرازي قد تفرّعت إلى مسلمين لُقّبوا بـ الرازي ومسيحيّين لُقّبوا بـ فخر .
تميزّت توحيدة أيضًا بأنها الوحيدة التي صدر باسمها ثلاثة كتب من كتب المغاني .

نلاحظ في الكتابين الأول والثاني أنهما لا يختلفان كثيرًا عن كتب المغاني التي تسير على البنية نفسها تقريبًا، والتي نعرفها من كتب محمود حمدي البولاقي وسواه: تقسيم تقليدي إلى فصول بحسب القوالب الشائعة: الموشح، الدور، الطقطوقة، ولا مانع في فصلٍ محتمل للقصيدة.
يبدو أن نسبة هذه الكتب إلى توحيدة كانت بدافع تجاري صريح، استثمارًا لاسم واحدة من أشهر عوالم القاهرة، لا بوصفها إرث توحيدة الحقيقي؛ فبين دفتيّ طقاطيق الست توحيدة والأغاني الحديثة نجد نصوصًا لأغانٍ لُحّنت لغيرها من المطربين والمطربات. هنا يثور سؤال: لمن لُحّنت تلك الطقاطيق؟ السؤال الذي يصعب الإجابة عليه في حالة توحيدة دونًا عن غيرها؛ وذلك بسبب إعراضها عن التسجيل لأيٍّ من شركات التسجيل في فترة نشاطها. هذه من العوامل التي حمَّلت سيرة توحيدة طابع الغموض، وحتى الآن لا نعلم سببًا مباشرًا لها. لكن يمكن فهم الإعراض من خلال مقارنته بحالاتٍ موازية في العصر نفسه، أو رؤية الأمر من منظور توحيدة نفسها.
على سبيل المثال، تُظهر مراسلات وكلاء شركة جراموفون في مصر مع فرعها الرئيسي في لندن أن التفاوض مع الشيخ يوسف المنيلاوي، أعظم مطربي القاهرة في ذلك الوقت، تعثّر بسبب شروطه الصارمة. ففي رسالة بتاريخ ١١ أبريل ١٩٠٥ (أي قبل التعاقد الفعلي بسنتين) يذكر المندوب أن وكلاء المنيلاوي اشترطوا تسجيل ٢٥ أسطوانة فقط خلال ثلاث سنوات؛ وهي شروط لم ترَ الشركة أنها تتوافق مع نظامها التجاري في ذلك الوقت. فشلت المفاوضات أولًا ، ثم تجددت عام ١٩٠٧ وانتهت إلى اتفاقٍ كبير بلغت قيمته سنة ١٩٠٩ نحو ٢١٤٠ جنيهًا إسترلينيًا ؛ وهو ما يفوق ضعف ما أنفقته الشركة في مصر ولبنان مجتمعين في نفس العام. على الرغم من أن المنيلاوي كان قد تجاوز الستين، أصرت الشركة على صوته لثقله الفني وحضوره في السوق، وبقيت أسطواناته الأغلى حتى بعد وفاته بعشرين عامًا.
مقارنةً بتوحيدة، فإن صِغَر سنّها، وارتباط جمهورها بطبيعة صالتها وحضورها الجسدي، وصلاتها بطبقة العلية ربما جعلت مسألة التسجيل أكثر تعقيدًا. فإذا كان الأمر يبدو منطقيًا ومربحًا من منظور الشركة، قد لا يكون كذلك من منظور توحيدة نفسها؛ إذ أن انتقال جمهورها من الصالة، حيث تُبنى الثروة والعلاقات، إلى وسيط الأسطوانة، الذي لا ينقل عنصر الفرجة ولا يضمن استمرار الإقبال، قد يُعدّ مخاطرة تمسّ شهرتها ومجدها بوصفها مديرة صالة لا مجرد مطربة.
بين هذه الفرضيات تتأرجح قصة إعراض توحيدة عن التسجيل. لا دليل قاطعًا، لكن فراغ التسجيلات ليس فراغًا فنيًا، بل وثيقة صامتة تروي ما لم يُكتب. مع ذلك، فإن غياب صوت توحيدة عن الأسطوانة لم يعن غياب أثرها عن عالم التسجيل تمامًا. في السادس من يناير عام ١٩١٢، سجّلت شركة جراموفون أسطوانة بعنوان زنبلك الرقص بصوت محمود حمدي البولاقي، وقد كُتب إلى جانب العنوان مباشرةً: ألف ليلة، في إشارة صريحة إلى كازينو توحيدة ومجاله الحيوي.

من المؤكد أن هذه الإشارة لا تعني أن التسجيل تم داخل الكازينو نفسه؛ إذ كانت غرف التسجيل تتطلب آنذاك شروطًا تقنية صارمة يصعب توفيرها أو نقلها إلى فضاءات اللهو المفتوحة. غير أن ذكر المكان على الأسطوانة لا يبدو اعتباطيًا، بل يحمل دلالة يمكن استنباطها من محتوى التسجيل ذاته؛ إذ تضم الأسطوانة تسلسلًا نموذجيًا لوصلة الطقاطيق، التي نعرف بعض أصولها من كتاب مفرح الجنس اللطيف لمحمود حمدي البولاقي. يبدأ التسجيل بتوشيح دخول الرقص: الليالي أسعفتنا بالمنى، يتبعه طقطوقة دلع الحبيب يعجبني، ثم طقطوقة الله الله يا بدوي جاب اليسرى.
يُرجَّح أن هذا التسلسل يعكس صيغة أدائية مألوفة داخل كازينو ألف ليلة وليلة، لا سيما وأن البولاقي عمل فيه فترة، وكان من علّم توحيدة الضرب على العود، كما شغل موقع عازف الرق في تختها . من ثم، يمكن قراءة ذكر اسم الكازينو على الأسطوانة بوصفه إحالة إلى الصيغة الغنائية المعتمدة في فضائه، لا إلى مكان التسجيل ذاته. يُضاف إلى هذا التسجيل ظهور أسطوانة أخرى تحمل عنوانًا قريبًا هو رقص الزنبلك، سجّلتها شركة پوليفون عام ١٩٢٦ لتخت الريس علي المغربي، عازف المزمار، غير أنّ اسم زينب المنصورية كُتب عليها، وهو ما قد يكون تمّ عن طريق الخطأ.
الملاحظ أن هذا التسجيل يختلف اختلافًا تامًا عن تسجيل محمود حمدي البولاقي؛ إذ جاء تسجيل البولاقي في صورة وصلة غنائية مركّبة، غير ملتزمة بالوحدة المقامية، تتألف من توشيح دخول للرقص يتبعه طقطوقتان، بينما اقتصر تسجيل فرقة الريس علي المغربي على تقسيم مزمار آلي خالص من مقام الهزام، دون غناء.
يضعنا هذا التباين الحاد بين تسجيلين متباعدين في الصيغة والمحتوى، رغم تقارب العنوان، أمام تساؤلٍ مشروع حول دلالة تسمية زنبلك الرقص. لا تبدو الإجابة مؤكدة، غير أن الاحتمال الأقرب هو أن التسمية لا تشير إلى عملٍ موسيقي محدّد، بقدر ما تحيل إلى وظيفة أدائية؛ إذ يُفهم من إطلاق زنبلك الرقص على تسجيل بعينه أنه يمثّل محركًا للرقص أو مدخلًا إيقاعيًا له.
يتجلّى هذا المعنى في تسجيل البولاقي من خلال توشيح دخول الرقص الذي يفتتح الوصلة، كما يمكن تلمّسه في تسجيل فرقة المزمار بوصفه مدخلًا إيقاعيًا يهيّئ الفضاء الحركي للرقص، بصرف النظر عن اختلاف الوسيط الغنائي أو الآلي. أو ربما يكون الاسم قد استُخدم بوصفه تسمية عامة، دون قصدٍ دلالي محدّد.
كبرت توحيدة، ودخلت حياتها طورًا جديدًا أقل استقرارًا، افتُتح بسلسلة من الأحداث القاسية المتتابعة؛ ففي مطلع مارس ١٩٢٧ اندلع حريق في صالتها، ألف ليلة وليلة، كاد أن يودي بحياتها ويُنهي أحد أهم معالم حضورها الفني ، ولم تكد تستفيق من صدمة الحريق حتى فقدت، في العام التالي، مانولي، شريك حياتها ونجاحها وركيزة استقرارها الطويل.
شكّل هذان الحدثان علامةً فارقة في مسيرة توحيدة، إذ وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تموضعها داخل المشهد الفنّي. بعد وفاة مانولي، استأجرت صالة بديعة مصابني في العام ذاته ، في مرحلة اتّسمت بكثير من القسوة والتهكّم؛ إذ لم تُخفِ الصحافة الفنية آنذاك سخريةً مبطّنة من إصرارها على الاستمرار، متسائلةً عن جدوى حضورها وهي تدخل طور الشيخوخة.
تتمثّل هذه السخرية اللاذعة في عبارةٍ استنكارية أوردها أحد نقّاد مجلة المسرح، مذيّلًا بها خبر احتراق ألف ليلة وليلة:
“لا أعرف ما لذتها في استمرار العمل بعد أن بلغت هذا السن، فذبلت زهرة شبابها، وضاعت محاسن جسمها.”
مع تقدّمها في العمر، ازداد ثقل جسد توحيدة على نحوٍ لافت؛ إذ تشير بعض الشهادات الصحفية الأجنبية إلى أن وزنها بلغ نحو ثلاثمائة رطل، ما اضطر القائمين على الصالة إلى إعداد كرسيٍّ ضخم خاص يتحمّل جلوسها أثناء الغناء. وكانت تُقدَّم إلى المسرح بعد منتصف الليل، فتغنّي جالسةً قبل أن تنهض للرقص في ختام الوصلة حتى تبلغ حدّ الإنهاك، وغالبًا ما كانت تُحمل خارج الكازينو على كرسيها نفسه .
تبع ذلك تضاؤل هامشها على المسرح، إذ أصبح دور توحيدة إداريًا أكثر منه فنيًا؛ وغدت صالتها ملجأً لعدد من المواهب الصاعدة آنذاك، المصرية والإيطالية، مثل الراقصتين جانيت حبيب وفتحية فهمي، والراقصة الإيطالية بينوتشيا، والأختين ماري ونينا منصور، اللتين حققتا حضورًا لافتًا لاحقًا وسجلا عددًا من ديالوجاتهما لصالح شركة جراموفون، وغيرهنّ .
لم تُكمل توحيدة طويلًا في كازينو بديعة، فاكتفت بنحو عامين من العمل فيه، قبل أن تستقر أخيرًا في كازينو البيجو بالاس ، آخر محطاتها، بعد استئجاره من سعاد محاسن في أكتوبر ١٩٣٠ . اقتصر الإقبال عليه آنذاك على كبار السن ممن تعلّقوا بها في شبابهم، بينما آثرت توحيدة البقاء في الظل، إلى أن أُسدل الستار على حياتها في أواسط أغسطس ١٩٣٢، بعيدًا عن الأضواء التي صنعتها يومًا، لكنها ظلّت حاضرة في ذاكرة من عرفوا زمنها .

رحلت توحيدة تاركةً خلفها ميراثًا أثار شهية الطامعين من الشرق والغرب؛ فأقاربها الذين اعتبروها يومًا امرأة منحلة، أُزيحت الغشاوة عن أبصارهم حين تكشّف حجم التركة التي تقدّر بنحو ثلاثين ألف جنيه، عدا الحُليّ والمجوهرات، وأربعة منازل في القاهرة، في الزمالك وعابدين وشارع فاروق وشارع البوستة .ربما لا تعبّر الوثائق عن الأثر الحقيقي الذي تركته توحيدة في زمنها؛ فصورتها في الذاكرة الحيّة، قبل أن تُثقلها الشيخوخة وأحكام الصحافة، انعكست أحيانًا في لغة الشعر والغناء، حيث لم تُرَ بوصفها موضوع جدل، بل حضورًا يفيض حسنًا وأداءً. في هذا السياق، يمكن قراءة أبياتٍ كتبت في مقدمة كتاب الأغاني العصرية: “وسيّدةٌ تنالُ النفسُ منها / بلحظِ العينِ غايةَ ما تمنتْ / تريكَ الحُسنَ والإحسانَ وقفًا / إذا برزتْ لنا وإذا تغنّتْ / كَانَ العود حين تجسّ منه / يُعبِّرُ عن سرائر ما أجنَّت / كأنّ ترنّم الأوتار فيهِ / أنينَ مشوقة ذكرت فحنّت.”
صورة الغلاف لتوحيدة في شبابها من مجموعة د. أحمد الصالحي.
