في عائلة بِقضاء الكحلاء، محافظة العمارة، ولد سامي مناتي عام ١٩٤٠؛ الطفل الثالث بعد ابنتين وقبل ثلاثة إخوة ذكور. ترعرع بين بساتين القصب التي رأى فيها موردًا لأعواد يبريها ويصفّر بها كأداة موسيقية تشبه الناي لكن على طريقته. أصبحت هذه هوايته؛ يحمل ناياته ويصعد إلى سطح منزلهم في القرية يعزف ويغني.
شجّعه مدرّس الموسيقى على الغناء في الصف وامتدح صوته، لكن والده عارض قليلًا احترامًا لهدوء المنطقة الريفية الوادعة وتوجهات بعض سكّانها المحافظين، ثم طغى حنانه الأبويّ عندما رأى تعلّق الولد بالموسيقى وعدم رضوخه؛ فكفّ عن منعه وبدأ يشجعه.
عندما أتم سامي عشرة سنوات من عمره مطلع الخمسينات قرر الأب الانتقال بأسرته إلى بغداد، بهدف وضع أبنائه في بيئة تتوفر فيها فرص أكبر وحياة أكثر تنوعًا.
في العاصمة لم يلزم الطفل وقت طويل قبل أن يتعرف على جماعات الشيوعيين الذين كانوا منتشرين جدًا وقتها في المدرسة والحيّ، فصار كمال سريعًا واحدًا منهم؛ يؤمن بالعدالة الاجتماعية ومناهضة الإقطاع وضرورة النهضة بالعراق زراعيًا وصناعيًا، ورفض الاستعمار والتبعية بكافة أشكالها، وفتح باب التعددية السياسية وإقرار قوانين تضمن حقوق المواطنة على رأسها العمال والفلاحين والطلبة والنساء، داخليًا، ودعم حركات التحرر العالمي على رأسها القضية الفلسطينية خارجيًا.
اختار الولد في دراسته الإعدادية قسم المهن فرع عمّال البناء وهي حرفة لم يعمل بها مطلقًا لاحقًا. عاش كمراهق عادي بين أصدقاءه ورفاقه إلى أن صار عمره ١٨ سنة والتحق بالعسكرية. نتيجةً لموهبته جرى فَرزه للفرقة الموسيقية حيث تعلم الموسيقى أكاديميًا، وصار عازفًا محترفًا على الكلارينيت.
بالطبع عايش وشارك في أحداث ٥٨ – ٥٩ وشهد سقوط الملكية، بصفته واحدًا من أبناء الجيل الشيوعي الثاني الذي عاصر الحلم وكان جزءًا من تحققه لأول مرة، بانتقال البلد من الحكم الملكي إلى الجمهوري.
بعد عامين تزوج سامي سيدة من أقربائه وأسّس أسرته الخاصة، التي يصفها ابنه بأنها أسرة مليئة بالحميمية والحنان والالتزام العائلي الذي يشكل توجهًا اجتماعيًا عند الشيوعيين.
كان الحزب الشيوعي يعمل بشكل سرّي لكن نتيجة الاضطرار للتعامل مع البعثيين والناصريين فيما يسمى الجبهة الوطنية الأولى وقت الثورة كُشفت بعض أسماء الرفاق وصفاتهم للأحزاب الأخرى والسلطة. على ما يبدو كان اسم سامي من ضمن هؤلاء؛ إذ اعتُقل عام ١٩٦٣ عند انقلاب البعث، وسُرّح من الجيش.
أودع في سجن بغداد ثم نُقل إلى سجن الحلّة مع عدد من الرفاق منهم مظفر النوّاب، الذي شارك في عملية حفر نفق للفرار من السجن في نفس العام نتيجة الحكم عليه بالإعدام ومن ثم تخفيف الحكم للمؤبد. أما سامي فحُكم عليه بسنتين قضاها كاملةً في السجن إلى عام ١٩٦٥، تعلّم خلالها مهنة الحلاقة وعمل حلاقًا للمعتقلين، ليرسل ما يجمعه من مال إعالةً لأسرته الصغيرة.
بعد الإفراج عنه تنقل بين عدة محافظات نتيجة التضييق على الشيوعيين ثم عاد ليفتح محل حلاقة في بغداد. أصبح هذا المحل مكان تجمع للرفاق المحبين للفن، تعلّم العزف على العود وصار هو وكمال السيد، رفيق دربه الدائم، وبعض الشعراء، مجموعةً فنية صغيرة؛ لكن أغلبهم لم يستطيعوا العمل من خلال الإذاعة.
كانت هذه الفترة يُمنع فيها كل ما هو شيوعي ولم يسلم سامي من المضايقات؛ فبحسب ابنه، اقتحمت عليه مجموعة من البعثيين محله بهدف اختطافه، قاومهم بشراسة وظل يتعارك معهم إلى أن غدره أحدهم بضربة على مؤخرة رأسه بشيء صلب أدت لفقدانه الوعي. حملوه ووضعوه في سيارة وذهبوا، ثم في نفس النهار في وقت لاحق عاد للمحل بعد تدخل بعض رجالات الحيّ منهم أبوه؛ وقتما كان للناس بعض القوة الاجتماعية.
الأغنية العاطفية وبوب السبعينات
مع مطلع السبعينات وتسلم أحمد حسن البكر الذي مال للسياسة وعقد مصالحة مع الحزب الشيوعي، فُتحت أبواب الإذاعة مجددًا للشيوعيين. كان سامي مناتي في الثالثة والثلاثين من عمره. قدم للإذاعة هو وسعدون جابر في نفس اليوم وحازا القبول.
منذ الشهر الأول تحسّنت أوضاعه المادية وأصبح مغنيًا في فرقة الإنشاد الصباحي في الإذاعة، ثم عام ١٩٧٤ أعطاه صديقه الملحن كمال السيد لحن أول أغنية، مدللين، من كلمات الشاعر إسماعيل محمد إسماعيل. تميّزت مدللين بكلمات جميلة ولحن على قدر جودة الألحان العراقية التي ظهرت فترة السبعينات، حيث التنويع بين المقاطع مع توزيع موسيقي متقن؛ كما سُجّلت بشكل احترافي واضح في استديوهات مجهزة. نجحت الأغنية نجاحًا واسعًا وظهر في ساحة الغناء المتقدة صوت واعد.
نال الرجل شهرة فحثه أصدقاءه على اختيار اسم فني، فكّر في اسم سامي الكحلاوي تيمنًا بقريته لكن أحد مشرفي الإذاعة رفض الاسم لتشابهه مع اسم الفنان المصري محمد الكحلاوي؛ فقرر أن يسمّي نفسه سامي كمال مستخدمًا اسم صديقه المقرّب، الملحن الكبير كمال السيّد كرد للمعروف بمنحه أول لحن.
في السنوات بين ١٩٧٤ و١٩٧٧ صدرت له عدة أعمال أبرزها أغنيته الخالدة بين جرفين العيون، المصاغة بحرفية شعرية عالية تنسج حكاية حب مكتملة تتصاعد أحداثها تدريجيًا. شملت تراكيب غير مألوفة لكنها سلسة، أكثرها لفتًا للسمع مفردة البريسم في مقطع: “يا البريسم شرد اعاتب”؛ وهو الحرير الأكثر ترافة ونعومة وجودة. تحوّل جعل المفردة اسمًا للمحبوب ينادى به “يا البريسم” إلى جملة غزلية عراقية شائعة إلى اليوم.
قدم أيضًا أغنيته التي حازت جائزة المركز الأول على مستوى الأغنية العراقية رايح يا رايح وين عام ١٩٧٧. كما سابقاتها كانت أغنية عذبة متقنة، يعتبر لحنها إلى الآن من أهم الألحان في تاريخ الأغنية العراقية؛ إذ كان سابقًا لزمنه بخفته وتنقلاته، وأسس لأسلوب جديد في تلحين أغنية البوب إلى جانب ألحان أخرى من نفس الفترة، أهمها ألحان جواد أموري.
تميّز سامي عن أقرانه بالغناء بحنية وهوادة وعادية، يبقى في الطبقات المنخفضة، لا يستعرض بصوته رغم إمكانياته. بخلاف الكثير من مغني العراق الذين اشتهروا بجمال أصواتهم واستعراضها في المواويل قبل الأغنية، كانت أغنياته تبدأ بمقطع غنائي للكورال. تشبه هذه السمّة شخصيته؛ هادئ الطبع حنون أبعد ما يكون عن الأنانية والذاتية، جَسور لكنه يخجل عندما يتعلق الأمر بشيء يميزه عن غيره، وكأن دوره في الحياة أن يمتهن الإيثار. أعطاه كل هذا كاريزما واثقة جعلت طلتّه تحظى بحضور لافت شكلًا وأسلوبًا.
كان الغناء بالنسبة له فنًا ومشروعًا لا ميدان منافسة أو مساحة يحاول صنع اسمه من خلالها. رأى فيه مدخلًا للبدء بفترة سياسية اجتماعية جديدة على مستوى العراق، إذ كان الشيوعيون حينها يميلون إلى استبدال العمل الثوري والنضالي بالعمل الاجتماعي والإنساني، فبالإضافة لأن هذه كانت ضرورة لبناء مجتمع تقدّمي، كانت ضرورة أيضًا لمجتمع أُرهق من الأزمات المتتالية والعمل العام. أراد سامي تقديم أعمال فنية رقيقة تحاكي نفس الإنسان ومشاعره، وعلى رأسها الحب.
مع بدء توّسع نفوذ صدام حسين قبل تسلّمه الحكم بشكل تام عام ١٩٧٨، عادت المضايقات للشيوعيين وكان نصيب سامي منها أن عُرض عليه تغيير انتمائه السياسي ليصبح بعثيًا ووضع فنه في خدمة الحزب الحاكم، رفض العرض وشمله قرار منع الشيوعيين من دخول الإذاعة والتلفزيون.
نًقل سامي تعسفيًا للعمل في فرقة شعبية يغني لها المواويل، ومع إصراره على موقفه ورفضه الغناء لصالح الحاكم نُقل مرة أخرى تعسفيًا إلى قسم استيراد الأفلام ليعمل مشرفًا على الأفلام المستوردة من الخارج. مع تزايد الضغط ومجيء مجموعة تطلب منه الغناء “للثورة” رد قائلًا: “خلص يا عمي ما نريد نغني أصلًا”، واعتزل الغناء كليًا حتى في الجلسات الجماعية.
لم يُمهلوه وقتًا في عزلته، ذات ليلة من نفس العام جاءت بيته مجموعة من البعثيين يطرقون الباب بشدة مروّعين زوجته وأطفاله الأربعة فريد وأسمهان وجنان وأنجيلا. طلبوا منه إحضار العود معه، وهو يجادلهم بأنه ليس مغنيًا في الجلسات ولا النوادي إنما مطرب معتزل. أخذوه ووضعوه معهم في السيارة وذهبوا. بقيت زوجته وابنه فريد ينتظرون إلى أن عاد فجرًا غاضبًا منزعجًا يردد جملة واحدة: “يكولون غنيلنا، العراق انتهى.” استغربت زوجته هذه الجملة، فالعراق منذ نهاية الخمسينات يشهد تحسنًا على المستوى المعيشي والخدمي؛ وقد شهدت فترة البكر بعض الاستقرار على المستوى الشعبي والسياسي.
ردت قائلة:
شلون انتهى، الوضع تحسن!
– لَمّن يتعاملون مع الفنان بهذا الشكل، هذا يعني العراق ساقط إلى الهاوية. هاي مؤشرات سقوط أي مجتمع.
بعد عدة أيام اجتمع سامي كمال بأصدقائه كمال السيد وكريم العراقي وكاظم إسماعيل الكاطع وأخبرهم أن هذه جلسة وداع لأنه قرر الذهاب إلى الكويت.
المنفى الأول | محاولات
وصل سامي إلى الكويت واستقبله فيها الفنان فؤاد سالم الذي سبقه بمدة فهو شيوعي فار أيضًا. هناك تعرّف عليه أحد العاملين المهمين في الإذاعة وأعجب به جدًا، عرض عليه البقاء متكفلًا بإنتاج أغنيات جديدة له. وافق وعاد للغناء منتعشًا فرحًا وكأن روحه عادت إليه، وأصدر أغنية ما ودعونه وأغان أخرى لم نجد لها تسجيلات. عسى أن يساعدنا في إيجادها أحد لديه أرشيف تسجيلات الإذاعة والتلفزيون في الكويت.
ذاع صيته بسرعة وهذا لم يعجب السلطة في العراق، أخبره فؤاد سالم أن عليه مغادرة البلد؛ “فالجماعة”، قاصدًا السفارة العراقية، قرروا اغتياله. كذلك تواصل معه الحزب الشيوعي وطلب منه الرحيل إلى اليمن الجنوبي حفاظًا على حياته. في هذه الفترة أصدر صدام حسين أمرًا مخصوصًا بإخراج كل الأرشيف الخاص بسامي كمال من الإذاعة والتلفزيون وحرقه.
المنفى الثاني | أرشيف مفقود لمرحلة ثورية
لا يوجد معلومة دقيقة في أي عام تحديدًا وصل سامي إلى عدن، لكن يقدّر أنه كان نفس العام الذي تسلّم فيه صدام حسين مقاليد الحكم بشكل تام. شكّل اليمن الجنوبي وقتها معقلًا للشيوعيين العراقيين والمناضلين العرب اللاجئين من بطش السلطات في بلدان عربية عديدة؛ وعدن كانت مدينة الفكر الحر التقدمي.
كان للحزب الشيوعي العراقي تواجد رسمي في المدينة، توفّر لسامي تجمعٌ من الرفاق وأصدقاء كثر افترق عنهم في العراق. عاد يعمل مجددًا في الفن، لكن هذه المرة رفقة الفنانين والشعراء وكأنهم شبكة إنتاج فني، وجميعًا أعلنوا موقفًا واضحًا بأن فنّهم سيوجه نقدًا للأحزاب والسلطات الرجعيّة خصوصًا في العراق. عادوا مرة أخرى للفن السياسي الجاد، إذ لم يكتمل مشروعهم الاجتماعي.
من هذه اللحظة طرأ تغيّر على فن سامي كمال، إذ أخذت أغانيه فترة عدن طابعًا سياسيًا فكريًا أكثر فأكثر، وكانت ذات ألحان جملها الموسيقية قصيرة ومباشرة أكثر. حتى الأغنية العاطفية عنده صارت متعلقة بالسياسة، ومن هنا بدأ العمل كواحد من رواد ما يسمى الفن الملتزم في العالم العربي، بمعنى الفن الذي يطرح فكرًا ووعيًا سياسيا معنيًا بأمور شعبه وبلده.
حصل على وظيفة وفرّت له حياة كريمة بصفته مشرفًا على الأغاني التي تقدم في النوادي الليلية؛ إذ كانت يجب أن تكون قيّمة إن لم يكن فكريًا فمن حيث المستوى الفني الجمالي، فقد آمن الشيوعيون هؤلاء أن واحدة من وظائف الفن الارتفاع بمستوى القيمة الفنية ورفع الذائقة العامة.
كانت مرحلة فنية وحزبية جميلة بالنسبة لسامي، لكنّه حمل ألمًا آخر. بدأت تظهر عليه سمات الشجن والحزن نتيجة الفقد، فقد الوطن والبَين مع الأسرة التي اضطر لمغادرتها في زمن تشحّ فيه وسائل الاتصال ولو توفرت السبل فإن الاتصال بالشيوعي الفار جريمة تعاقب عليها السلطة. لكنه قليل الشكوى يظهر عواطفه المعبرة عن حب وحنان ويكتم التي تعبر عن ضيق وحزن.
شكّلت اليمن مكانُا آمنًا لا تصله يد البعث الطويلة بسهولة؛ ومن لا يصل له بطش الرجل الأول في الدولة والبعث، يمكن أن يقدموا له دعوة للمجيء على طريقة السلطة. وصل خبر للسيدة أم فريد التي فقدت أخبار زوجها بأن مجموعة من البعثيين آتية لإلقاء القبض عليها وأولادها. يقول فريد الابن الأكبر أن التحذير كان سريعًا ومختصرًا، لم يفهموا هل تنوي السلطة تصفيتهم للانتقام من والده أم تريد سجنهم للضغط عليه بهدف تسليم نفسه. على أي حال لم يكن أي الاحتمالين مغريًا للبقاء.
كانت الحالة المادية لأخوال فريد جيدة ولهم نفوذ لا بأس به في المجتمع، استطاع واحدٌ منهم إخفاء العائلة عن الأنظار في مكان أعدّه لهم؛ ثم قبل أن يتسلم صدام الحكم بصفة رئيس أو بعدها بقليل لا يتذكر فريد بدقة، قرّر الخال تهريبهم برًا إلى سوريا.
وصلت العائلة إلى سوريا، وبعد كثير من البحث والسؤال لم تجد أي خبر عن سامي، ولم يستطع أحد أن يقدم معلومة مفيدة حول وجهته بعد الكويت، إلى أن حدثت صدفة في العراق أعطتهم بعض الأمل. كان أخو زوجة كمال السيد يعمل سائقًا في بغداد، وقد رافق وفدًا دبلوماسيًا من اليمن أثناء تنقله في المدينة، أخبروه أنهم يعرفون شابًا شيوعيًا عراقيًا اسمه سامي كمال في اليمن.
كان الطريق لليمن الجنوبي صعبًا، إذ يقتضي الذهاب هناك أن يمروا باليمن الشمالي أولًا، وهذا الجزء على وفاق تام مع السلطة في العراق.
نحن الآن في عام ١٩٧٩. حطّت الطائرة في صنعاء في فترة مضطربة، زاد بها التدقيق على المسافرين العراقيين. إذ قبل أيام قامت السفارة العراقية باغتيال الشيوعي العراقي توفيق رشدي الذي يعمل أستاذًا في الجامعة في عدن وعلى إثر هذه العملية شيّعه رفاقه الشيوعيون وهم يهتفون: “يا بغداد ثوري ثوري / خلي البعث يلحق نوري” . تطورت الأحداث حتى قررت الحكومة اليمنية هناك أن تحاصر السفارة بالمدرعات إلى أن يسلّم القتلة أنفسهم.
وصلت العائلة عدن بعد رحلة نجحت بصدف قدرية. وسألت عن سامي حتى وجدته. كان لقاءًا حميميًا مليئًا بالدموع. احتضن سامي زوجته وابنته اسمهان وطفلتيه الصغيرتين جنان وأنجيلا اللتين لم تكونا على وعي بما يحدث و تقفزان فرحًا لرؤية والدهم. بينما وقف فريد الذي تحمّل مسؤولية الرحلة ثابتًا لا يشعر بشيء سوى أنه أتم المهمة بسلام.
عاشوا في عدن يتدبرون أمرهم بصعوبة، إذ لم تكن الوظيفة التي يشغلها سامي تؤمن دخلًا جيدًا، وكان عمله الفني يحتاج أن يموّله بنفسه هو والرفاق ولا يعود عليهم بشيء.
قدم سامي كمال ألحانًا لمطربين يمنيين منهم الفنانة كفى عراقي بأغنية هلا يالغالي هلا، وأسس فرقًا موسيقية أبرزها فرقة الطريق الأولى بالاشتراك مع كمال السيد وفؤاد سالم اللذين انتقلا أيضًا لعدن، وحميد البصري وشوقيّة العطار. ثم فرقة الطريق الثانية هو وكمال السيد ومجموعة موسيقيين؛ وهاتين الفرقتين مختلفتين عن فرقة الطريق التي شكّلها البصري والعطار لاحقًا. من أبرز ما قدمته الفرق أغنية تحية للشهيد السوداني عبد الخالق محجوب، من أنت يا محجوب صوتًا، وأغنية جيتك يا يمن عاشق التي أصبحت تغنى في استقبال الوفود السياسية اليمنية. لكن للأسف تعرض أرشيف الفرقة في اليمن للتخريب نتيجة أحداث سياسية لاحقة.
عانت السيدة أم فريد من وعكة صحية شديدة، بعدها بوقت قليل مرض سامي أيضًا واحتاج إلى عملية جراحية لم تتوفر في عدن القدرة على إجرائها. أرسله الحزب للعلاج في بيروت عام ١٩٨٢ وقت اجتياح لبنان، الذي تزامن أيضًا مع حدوث اضطرابات في اليمن الجنوبي ومحاولة اليمن الشمالي دعم بعض الجماعات لتقويض سلطة الشيوعيين. لم يستطع سامي كمال العودة إلى عدن بعد العملية وقرر نقل عائلته إلى سوريا بعد أن قدمت له الجبهة الديمقراطية الفلسطينية عرضًا لتأسيس فرقة موسيقية. انتقلت العائلة إلى دمشق ما عدا فريد، الذي كان متأثرًا بنهج والده وما شهده ورفاقه من أحداث عانوا منها، فأصبح شابًا ثوريًا اندفع ربما أكثر من أبيه، فانخرط في التنظيمات الشيوعية المسلحة في اليمن وقرر البقاء للدفاع عن عدن.
المنفى الثالث | الأغنية السياسيّة الثورية
بدأ سامي من جديد رحلة فنية في المنفى الثالث، وأسس في سوريا بالاشتراك مع رفيقه كمال السيد فرقتين، أكملا من خلالهما مسيرتهما في الأغنية السياسية الثورية.
اختصت الفرقة الأولى باسم بابل بالغناء العراقي، وكانت ابنتاه جنان وأنجيلا المغنيات الرئيسيات فيها، بالإضافة لكمال السيّد وقدموا بعض الأغاني مثل هيه هيه يا هلنا بصوت كمال، التي كانت أقرب للأغاني الشعبية الإنشاديّة المناسبة للصدِح بها في مظاهرات أو جلسات الحراكات الشعبية واجتماعات الأحزاب.
في هذه الفترة اعتمدت معظم الأغاني على عود وايقاع فقط؛ نظرًا لشح الإمكانيات. أيضًا، التسجيلات غير واضحة لأنها من جلسات أو قاعات أو مسارح صغيرة ليست مجهزة بشكل جيد على عكس الإذاعة.
أصبح صوته حاضرًا في الأغنية أكثر من اللحن، وتحوّلت أغانيه من نسخ احترافية إلى نسخ تشبه جلسات السمر بين الأصدقاء؛ وهي بالفعل كذلك في معظمها. لكنها رغم ذلك تعتبر واحدة من أهم محطات تشكل الأغنية السياسية الثورية التي شاعت بشكلها هذا من نهاية السبعينات واشتهرت في الثمانينات والتسعينات في العراق والوطن العربي، خصوصًا بلاد الشام واليمن. الأمر الذي لا يعرفه كثيرون لدرجة أنه لا يرد كثيرًا ذكر الفنانيين العراقيين لدى الحديث عن هذه الأغاني بصفتهم من أهم المؤسسين؛ والذين من ضمنهم سامي كمال الذي تميّز بتقديم أغنيات أيقونية. كانت دلالة على خطأ السلطة في التضييق عليه وزملائه ودفعهم للخروج من العراق، فربما لو لم يضطروا لذلك لما صُنع هذا الإرث الفني السياسي المهم.
عاد سامي مرات قليلة لأسلوبه السابق الذي قدمه في العراق مثل تقديمه أغنية لمنا يا شباج، التي غناها شوقًا لابنه فريد بعد أن وصلته أخبار مقلقة حول الأحداث في اليمن. كانت مختلفة لحنًا وكلماتًا عن نمط أغانيه هذه الفترة معيدةً إياه لحقبة العاطفية البحتة: “لو رخصت ببال كل الدنيا تغلى انت على بالي.”
أما الأغنية الأكثر ثورية في هذه الحقبة فكانت مضايف هيل الشهيرة باسم صويحب.
سنقف قليلًا عند أغنية صويحب من شعر مظفر النواب الذي التقى رفاقه في سوريا، بوصفها واحدة من الأيقونات الفنية التي كل ما فيها وعنها جميل؛ صوتًا ولحنًا وكتابة وقصة، وهي في العراق بمثابة أغنية الشيخ إمام شيّد قصورك في مصر، متداولة حتى اليوم، تظهر كلما ظهر حراك شعبي منظم.
كتب مظفر قصيدة مضايف هيل في السبعينات في رثاء إقطاعي اسمه صاحب المُلّا خصّاف. انحاز صاحب لحقوق الفلاحين رغم أنه واحد من كبار الإقطاعيين وقام بتوزيعِ أراضيه على العاملين فيها وقت نجاح ثورة تموز نهاية الخمسينات. أغضب فعلهُ بقية الإقطاعيين وخافوا أن يثور عليهم الفلاحين في أراضيهم، فهمَّ إقطاعي يدعى أبو ريشة بقتله غدرًا.
صاحب كان عريسًا زُفّ قبل أيام من مقتله، ومن عادة العائلات الغنية حينها أن تضع نساءها كحلًا أسودًا كثيفًا ويعِددن مكان العرس على شكل مضايف ويملأنَها برائحة الهيل، ويرقصن. يبدأ مظفر على لسان والدة صويحب بتحذير النساء من اللطم خوفًا من اختلاط الكُحل مع دمه النازف في عرسه شهيدًا: “ميلن لا تنقطن كحل فوق الدم”، ثم تتوجه الوالدة إلى صف آخر من النساء المنافقات الشامتات قائلةً: “ميلن وردة الخزّامة تِنقِطْ سمّ” ويكمل القصيدة راويًا عظم فاجعة يتلوها فعل بحجم ثورة لا يكفي لها الثأر “حامي اش وسع جرحك / ما يسدّه الثار / يا صويحب وحق الدم، ودمك حار / من بعدك مناجل غيظ يحصدن نار.” لحنها وغناها سامي بعد لقائه مظفر في سوريا.
الفرقة الثانية التي أسسها كمال في سوريا هي بيسان الفلسطينية، والتي كان المطرب الأساسي فيها محمود أبو الرز بينما قدم بعض أغانيها سامي كمال وكمال السيد. اشتهر من هذه الأغاني من يغسل الدم في الشوارع من كلمات الشاعر الكبير سعدي يوسف وألحان سامي كمال، وسأغني كطير يا وطني كلمات راسم مدهون وألحان سامي كمال، وتقدموا كلمات سميح القاسم. شكّلت هذه الأغنيات الثلاث وغيرها مما قدمته الفرقة أساسًا في إرساء نمط لحني جديد للأغنية الثورية الفلسطينية كما ذكر سابقًا؛ لكن التسجيلات الموجودة شحيحة جدًا. هنا مثلما طلبنا أرشيف الكويت واليمن نرجو لو توفرت تسجيلاتها عند أحد إرسالها، وهي غالبا محفوظة في أرشيفات حزب الجبهة الديموقراطية المنشق عن جبهة التحرير في مقره في سوريا، إذ كان هو الممول الرئيسي لها.
المنفى الأخير
بعد انتهاء الأحداث في اليمن عاد فريد وانضم للعائلة مرة أخرى، وشارك والده عزف الإيقاع في معظم أعماله في سوريا. رغم البيئة الحميمية التي وفرتها سوريا للرفاق إلا أنها كانت قاسية عليهم في تأمين معيشتهم؛ فهم ظلوا بلا أوراق رسمية ولا وظائف. كان كمال السيد أكثر قدرة على التنقل من سامي نتيجة عدم ارتباطهِ بعائلة، فقرر السفر وبالفعل حصل على فرصة هجرة للدنمارك، وعلى ما يبدو لم يستطع الاستقرار برضا دون وجود صديقه وعائلته معه. إذ كان كمال أقرب للأولاد من أقاربهم ورافقهم في كل مراحل حياتهم، عدا عن العلاقة الفريدة بينه وبين سامي. لذا مع أول فرصة له بزيارة سوريا جلس مع السيدة أم فريد وقال لها: “كافي، أنت تستحقين تعيشين بمكان مريح”، وأقنعها بفكرة الهجرة.
لم يحتج سامي الكثير من الإقناع فيكفي أن رفيقه هناك، وقد وصل عمرًا يفكر فيه بمستقبل مستقر للأولاد، بحيث يحصلون على الأقل على أوراق رسمية. لكن مرة أخرى رفض فريد السفر وحصل خلاف بينه وبين والده؛ لأن الشاب الصغير لم يكتف بعد من العمل النضالي وكان لم يزل يحمل أملًا بالعودة للعراق.
قدموا ملفهم وجرى فرزهم للسويد. هكذا انتقل سامي لمنفًى أبعد؛ منفى ولو كان فيه الكثير من الرفاق فهم يحتاجون لأساسيات تمكّنهم من العمل والنجاة بعائلاتهم وأنفسهم، يحتاجون لتعلم اللغة وبدء حياة جديدة في بلد ليس فيه بيئة حاضنة. رغم ذلك حاولوا أن يؤسسوا شيئًا ما، لكن سامي ما لبث أن يثبت أقدامه في الغربة حتى باغتته جلطة دماغية سلبت منه قدرته على عزف العود والغناء. مرّن نفسه مجددًا وما أن تمّكن من العزف مجددًا باغتته جلطة أخرى. هكذا لم يعد سامي يحترف الغناء والعزف وبقي يدندن فقط بين أولاده وأحفاده.
ظل سامي مخلصًا صلبًا لكل أفكاره ومعتقداته التي استمدها من الحزب الشيوعي، ورغم تقبله اختلاف ابنه فريد عنه في بعض التوجهات والآراء، ووصف فريد لهذا التقبل بأنه حقيقي إذ كان يشعر بسعادة والده عندما يراه مستقلًا مدافعًا عن مواقفه الخاصة، إلا أنه لاحظ انزعاجه عندما انضم لحزب الخضر في السويد. بعد مدة كبيرة عندما قرر فريد العودة للحزب الشيوعي تفاجأ بوالده يحضنه ويبكي بشدة، وكأنه يستقبله بعد العودة بسلامة من خطر.
شما تبتعد وتروح بطيوفي تحلى
توفي سامي كمال في مالمو في السويد يوم ٢ / ١٠ / ٢٠٢٥. وداعًا يا صوتنا وسوالفنا كلها، وداعًا سامي كمال.
لمن يودّ الاستزادة هذه قائمة جمعتها لأغاني سامي التي أحب:
معظم الأحداث في السيرة دوّنت بعد مقابلة مطولة مع الأستاذ فريد سامي كمال.
بالإضافة لمصادر أخرى منها: كتب المؤرخ حنا بطاطو عن الشيوعيين في العراق.
