إلى اليوم، قلّما خلت تعليقات اليوتيوب على فيديوهات الأيقونة السعودية عتاب ممن يستميتون في التبرؤ منها ومن عائلتها ولون بشرتها. مرةً ينسبونها إلى قبيلة هوسا النيجرية وأُخرى إلى إثيوبيا أو السودان، رافضين أن تكون أول مطربة تكسر قيود مسرح الغناء والطرب سعوديّة الجنسية والأصل.
هؤلاء اليوم قلّة، لكنهم يعطوننا صورة عن ما واجهته عتاب في حقبةٍ سابقة كانوا فيها أكثر وأشرس، تزامنت فيها رحلة صعودها مع صعود موجة الصحوة التي أغرقت كل شيء، في صورة تكاد تكون سوريالية يكسر فيها شيخٌ ما عودًا وسط تهليل الحاضرين، على بعد كيلومترات من حفلة لعتاب مشبعة بالبهجة والرقص.
أيضًا، يبرر بعض ناقدي عتاب انطلاقها وجرأتها بأنها تنتمي إلى إحدى قبائل العبيد الأفريقية التي ليس لديها تلك المحاذير الاجتماعية، رغم أن أول ما خطر للطفلة طروف عبد الخير الطلال (أو طروف عبد الخير آدم هوساوي)، عندما فُتحت أمامها أبواب الفن، هو أن تغير اسمها إلى عتاب حتى لا يعرفها أهلها إذا بلغهم صيتها ولا يُعيَّروا بها. بينما يؤكد آخرون أنها دوسرية نجدية، أو من قبيلة حرب أصلًا وفصلًا.
لا يمكننا، ولا يعنينا، التأكد من نسب عتاب، التي عانت قصتها من رواية أحادية منذ تناقلت الصحف عام ٢٠٠٧ خبر وفاتها، مرفقًا بمعلومات غير دقيقة بدءًا من مولدها ومرورًا بما حققته لنفسها في مصر، وختامًا بالتباس بخصوص من هي التي أقامت بالقرب منها في نهاية حياتها، أمها أم خالتها. المهم هو كيف تلقّت عتاب كل هذا الكره وتعاملت معه، وكيف استطاعت في النهاية أن تنتصر لكل ما أحبته.
ذكرت عتاب مرةً أن لقاءها التاريخي بـ طلال مداح كان وقت صدور إنت عمري لأم كلثوم واكتساحها كل شيء، وأنها غنتها أمامه وكان عمرها ١٣ عامًا. كانت ذاكرتها واضحة بهذا الخصوص، فذكرت ارتعاشها وتوترها ولطف طلال في تهدئتها وتشجيعها بأن يعزف معها على العود، وصدفة تواجد الفنان المصري محمد عبد المطلب في الجلسة لأنه كان قادمًا لأداء مناسك الحج؛ أي أن اللقاء كان بين نيسان وأيار من ذلك العام.
صدرت إنت عمري في ٦ شباط ١٩٦٤، ولو كان يوم ميلاد عتاب المعروف صحيحًا أو قريبًا، ٣٠ كانون الثاني، فهي ولدت بين نهاية ١٩٥٠ وبداية ١٩٥١، وليس ١٩٤٧ كما هو متداول، خاصةً أن ما يبدو من أغانيها المصورة الأولى على تلفزيون الكويت، مثل بشروني (١٩٧١)، أنه من الصعب أن تكون هذه الصبيّة المراهقة في منتصف عشريناتها.
بحسب عتاب كان في طلال مداح، سوبر ستار السعودية الأول والأكبر وقتها، كل ما ترجوه من أخ تستطيع الاعتماد عليه واللجوء إليه، فقدم لها النصح والتشجيع والإذن بغناء ما تريد من ألحانه، وعرّفها على أهم فناني الوسط من شعراء وملحنين وممثلين وإعلاميين، فارشًا أمامها سجادةً حمراء ما كانت لتحلم بمثلها في ذلك المكان وذلك الزمان. بالنتيجة، أزهرت آمال طروف الصبيّة وأصبحت أكثر ثقة بأن أكثر ما تحبّه في حياتها يتعدّى مجرّد الهواية.
سألها طلال في ذلك اللقاء عن اسمها وفكّرت فورًا باختيار اسمٍ فنّيّ، وكأن قرار التحول من هاوية إلى محترفة قد اتُّخِذ، فقالت: عتاب؛ عنوان أغنية فيروز التي ملأت عليها جوارحها وزامنت ولادتها. ربما تعلقت طروف بهذه الأغنية لكثرة سماع خالتها لها، والتي ربتها بعد وفاة والدتها وهي بعمر ٤ سنوات، فقد كانت أصغر من أن تختار ما تسمعه، لتقضي طفولتها مع:
حاجة تعاتبني يئست من العتاب / ومن كتر ما حمّلتني هالجسم داب
في صدفةٍ قدرية كبيرة؛ فبدءًا من والدها الذي رفض عملها في الغناء، حُمّلت طروف اللوم والعتب منذ مالت إلى الغناء وحتى نهاية حياتها.
بدأ الأمر ضمن دوائر ضيقة وضمن المسموح، تغني في الأعراس وبين النساء فقط في معظم الأحيان، إذ كانت الأعراس المنفذ الوحيد المتاح للمطربة للغناء أمام الناس في السعودية. زاد الطلب على عتاب بسرعة وتوسع نطاق انتشارها من الرياض إلى جدّة ثم الطائف، فشاع اسمها إلى جانب مغنيات أفراح مثل سارة عثمان والفنانة كرامة وسارة مسيفر والبلطجية (صالحة مدني) وكاكا جنة وزبيدة بطيش؛ اللواتي انقطع ذكرهن بينما استمر اسم عتاب في الصعود.
لفهم تحدّي دخول عتاب لهذا المشهد ثم انسلاخها عنه نحتاج للمرور على بعض ملامح مغنيات الأعراس وقتها ومعنى كلمة طقاقة ودلالاتها.
استمرت تجارة الرقيق في السعودية حتى ألغاها الملك فيصل عام ١٩٦٢، وبالتالي، استمر الحديث عن ما يمكن لنساء الرق فعله ولا يمكن للحرائر فعله لعقودٍ لاحقة؛ وكان الغناء في الأفراح وغناء النساء عامةً خارج بيوتها متعارف عليه أنه مما لا تقدم عليه الحرائر. حتى أن قصة الشاعرة موضي البرازية (توفيت عام ١٨٦٠) لم تكن بعد ماضٍ سحيق، إذ كانت من الحرائر وتغني شعرها أحيانًا، فأرسل الإمام لها رجلًا يدعى سلامة لضربها وتأديبها وتحذيرها من العودة لمثل هذا. مضت أيام على حادثة الضرب المهين ومرّت موضي بنفس المكان فسمعت فيه هديل حمامة، لتنشد متألمةً حسدها للحمامة وتحذّرها من مصيرها:
يا سِعد عينك بالطرب يا حمامة / ياللي على خضر الجرايد تغنين
عزي لعينك إن درى بك سلامة / خلاك مثلي يالحمامة تونّين
كسّر عظامي كسّر الله عظامه / شوفي مضارب شوحطه بالحَجَابين
لذا كان حين يقال طقاقة، أي من تطق / تضرب الدف وتغني في الأعراس، خاصةً أن كثيرًا من الطقاقات كن بنات المهنة بالوراثة، فهذا يعني في كثير من الأحيان أنها من أصلٍ متدنّي ومسترق؛ حُمولةٌ ما زالت تعاني منها كل من تغني في عرس حتى اليوم. في بيئةٍ كهذه بدأت منذ الستينات تهب عليها رياح الصحوة، زادت وصمة “الطق” لدرجة أن تعتذر بعض النساء عن حضور عرس فيه غناء، أو تأتي لتمارس دورًا وعظيًا، أو حتى تسحب أسلاك السماعات في سنين لاحقة من باب تغيير المنكر باليد. كما ظهر “الطق الإسلامي” الذي أطلق على غناء الأعراس الذي يعزف فيه بالدف فقط دون زير وطبلة. حتى اليوم قد تحاول مغنية أفراح أن تنزّه نفسها عن تسمية طقاقة من خلال تأكيدها أنها تغني فقط، ولا تضرب الدف.
بالنسبة لعتاب، لم تكن من أسرة رق ولا توارثت مهنة الطق أمًا عن جدّة، وإنما من أسرة متوسطة الحال وأبوها موظف في وزارة الصناعة، ومن أوائل من تعلمن في المدارس واشتهرت بصوتها بين زميلاتها؛ لكنها أحبت الغناء الذي كانت نافذته المتاحة لها هي الغناء في الأعراس. كما كانت صاحبة بشرة سمراء وشعر مجعّد، أي أن تهمة الطقاقة ستكون أسهل التصاقًا بها وتقييدًا لطموحها؛ حتى أنها عندما مثلت لأول مرة اختيرت لدور جارية عبلة. لذا دخلت ميدان الغناء في الأعراس بالتوازي مع أخذ ألحان كلاسيكية من أسماء كبيرة مثل طلال مداح وفوزي محسون، وحاولت تغيير هيئتها لتناسب الإطلالات المعاصرة الأقل خروجًا عن المألوف، سواء بالملابس أو بكوي الشعر وتسريحته، كما نشاهدها في أولى فيديوهاتها في الكويت مثل بشروني ويا هلي وكيف كان جيت اليوم.
بدأت أولى جولات عتاب مع الطابع الكلاسيكي بأغنية لا يا بنت من كلمات صالح جلال وألحان فوزي محسون، الصادرة بين ١٩٦٦ و١٩٦٨، أي قبل حتى انطلاق ابتسام لطفي في ١٩٦٩. لذا، ربما كانت عتاب ثاني مطربة سعودية رسميًا بعد توحة، في زمنٍ عانى فيه المطربون من تقبل دوائرهم لعملهم في الفن؛ عدا عن كونها ابنة نجد، حيث البيئة أكثر محافظةً بكثير من الحجاز التي برزت فيها توحة وابتسام لطفي.
لم تحقق أسطوانة لا يا بنت ذلك الأثر، لكنها أعلنت ميلاد صوتٍ نسائيٍّ سعوديّ؛ وكأن هذا لم يكف عتاب، فصعّدت الأمر وصارت أول مطربة تظهر على التلفزيون الرسمي. بنتيجة تعرفها إلى رجالات الوسط الفني، سرعان ما اختار الفنان سعد خضر عتاب لتشارك في تمثيلية حلم كاذب (١٩٦٨) من تأليفه وبطولته، والتي أدى فيها دور عنتر، بينما أدت عتاب دور جارية عبلة التي غنت ألا يا صبا نجد، لتثير إعجاب المخرج سعد فريح. تحمس فريح لعمل أغنية مصورة لعتاب رغم خطورة الموضوع ومنْعِه تمامًا، وكلمها في الأمر لتوافق فورًا بغض النظر عن كل تداعيات ذلك، واختارا أغنية جديدة لها موضوعها الهجر.
ذهب فريح إلى مدير المحطة فوزان الفوزان وعرض عليه الأمر ليرد عليه: “كذا بتخرب بيتنا.” استمر فريح على إلحاحه واتفق مع الفوزان على أن يسجل الفيديو ويضعه جانبًا عسى أن يأتي يوم مناسب لبثّه، وصوّر الفيديو الذي تظهر فيه عتاب على رأسها غطاءٌ أبيض كزوجة تنتظر زوجها، لتخلع الغطاء في نهاية الفيديو وترميه جانبًا بعد أن بقي انتظارها بلا طائل. بعدها عرض فريح على مخرج البث أن يذهب ليرتاح ويقوم بمهامه نيابةً عنه، ثم أقفل باب غرفة البث، وأذاع فيديو عتاب، فجاء الفوزان مسرعًا واستمر بالضرب على الباب بينما لم يلتفت فريح إلى أن تم له ما أراد وبُث فيديو الأغنية لأول وآخر مرة حتى اليوم. ما زال سعد خضر يذكر حجم ما أسماه “هرج ومرج” استجابةً لبث الفيديو.
في هذا الوقت، كانت تحاك خيوط موجة الصحوة على يد أتباع تيار السرورية الذي جمع بين أفكار سيد قطب وتوجهات السلفية، بفضل الانفتاح الاقتصادي الذي جاء مع طفرة النفط وجاء معه التخوف من غزو التغريب والعولمة، فلجأ الناس إلى من يرهب أولادهم من الغرب؛ كواحد من عدة عوامل خصّبت البيئة الحاضنة لرجالات وأفكار الصحوة. بالنسبة لهؤلاء، في كسر عتاب لحاجز الظهور النسائي على شاشة التلفزيون ما يقابل الخطيئة الأصلية لحواء، ومن المرجّح أن عتاب بدأت تسمع وتصطدم بما هو أكثر من مجرّد استنكار محافِظ، لكنها قررت الاستمرار مع اتقاء الخطر، ناقلةً الجزء الأكبر من نشاطها إلى الكويت، حيث الفنانة مقدّرة لدرجة تنكيس أعلام الدولة حدادًا عليها، كما حصل مع عايشة المرطة. هناك اتقدت شرارة المجد، وتحققت النقلة الحاسمة بين أن تُنسى عتاب وأن تصبح تلك الأيقونة.
هناك أمران يستحقان التوقف عندهما هنا، الأول الفرق الكبير بين الهزة التي أحدثها فيديو أغنية عتاب في السعودية ومنعه، والذي تظهر فيه عتاب وحدها دون رقص، وبين فيديوهَي يا هلي وكيف كان في الكويت حيث الفتيات ترقص مرتديةً جيبات قصيرة دون ذلك الجدل. مع ذلك، كانت عتاب وقتها في مرحلة تأسيس اسمها كمطربة في المقام الأول بعد أن ذاع صيتها كـ “طقاقة” في السعودية، لذا لم ترقص مع الفتيات، ليس بعد.
الأمر الثاني هو زواجها الأول المتعثّر والمتسرّع، والذي يبدو أقرب إلى خطوة استراتيجية من عتاب، أو من أهلها، لإضفاء المزيد من الشرعية على شخصها ومسيرتها، فأن تسافر متزوجةً أو أمًا راعيةً لابنتها ليس مثل ذهاب شابة عزباء لوحدها. لكن طبعًا مع بساطة شخصية عتاب المعهودة وحداثة سنها وقتها، لا يُستبعد أيضًا أن يكون حبًا مراهقًا خبا بنفس سرعة اشتعاله.
كان الوسط الفني في الكويت متلهفًا لكل ما لدى عتاب لتقدمه، محتضنين ثنائيتها مع مواطنها حيدر فكري في جلسات متلفزة لا تُنسى، عدا عن انضمامها إلى عودة المهنى التي كانت تترأس فرقة شعبية، وكانت طبعًا سعيدة بالفنانة السعودية الشغوفة بكل ما هو شعبي على امتداد الجزيرة. وصلت عتاب إلى درجة شعبية في الكويت أصبحت معها أغانيها تُطلب من التلفزيون بوتيرة لا تسمح بعرض أغاني غيرها.
من ألطف ما يمكن أن نشاهده من تلك الفترة فيديوهات الله حسيبك وأودعتك الله يا مسافر، بتمكّن وعذوبة صوت عتاب وابتساماتها المُعدية، منتشيةً بجمهور متواجد ليسمعها فقط لا ليحضر مناسبةً ما، ومقدرٍ لتفاصيل ما تؤديه. كأنها تقول لنفسها: نعم، أنا الآن مطربة.
استمرت عتاب على مدار السبعينات في ترسيخ صورتها كمطربة سعودية من الصف الأول، من موازنة بين الطابع الشعبي والكلاسيكي في اختياراتها، إلى الإطلالات الهادئة والحركات المحدودة، وحتى جلسات استعراض الصوت مثل جلستها مع عبادي الجوهر؛ سواءٌ داخل أو خارج الخليج، ساعيةً إلى نجوميةٍ عربية. صوّرت أغانيها على أكثر من تلفزيون رسمي، وقدمت نفسها إلى جماهير الشعبي في كل فرصة.
في مصر مثلًا بدأت تعاوناتها بلحن زين العيون مع محمود الشريف، أهم ملحن مصري شعبي الطابع، وفي عُمان غنت شي لله يا هوه مع المطرب مدين مسلم المتخصص في التراث، كما غنت تقول حبيت مع القطري وشعبي الهوى والخلفية فرج عبد الكريم. إلا أنها في سبيل ترسيخ صورة ما تحبه بشكل ينقيه من الحمولة الطبقية الملتصقة بكلمة شعبي، نراها قد قدمت ما تغنيه في حفلتها الشهيرة مع عبد الحليم في مصر على أنه فلكلور سعودي، رغم أن الأغنية التي افتتحت بها هي سرى ليلي من كلمات بدر بن عبد المحسن وألحان سراج عمر؛ لكن لم يعتب عليها ذلك منهم أحد، ربما لما عرفوه منها من حسن النية وصعوبة أن تظلم أحدًا في مقابل رجوح أن تظلم نفسها. في نفس الحفل، جلبت معها فرقة نسائية ممن عرفتهم من خلال غنائها في الأفراح، مثل سارة عثمان وسعدية محمد، وحرصت على تقديمهم بأسمائهن قبل الغناء.
في هذه الفترة طغت على أغانيها ألحان محمد شفيق مصرية الطابع، مثل ظنونك ومستنيين، وأجملهم يا قمر ورائعة لا تعاتبني حبيبي، مع ألحان فوزي محسون الشجنة وعلى رأسها ما أدري وردي علي الصوت، إلى جانب تعاونات خليجية أهمها إحنا وليالينا مع الملحن القطري المهم خالد حسن علي. عندما نستمع إلى هذه الأعمال نلاحظ أنه قلما قدّم ملحّن لعتاب ما خُصّص لصوتها، وإنما طُلب منها أن تكيّف صوتها على ألحانهم، وهو ما نجحت فيه في معظم الأحيان، مع ظهورات خاطفة للتنافر. لم تكن عتاب حرّيفة القفلات والعُرَب الدقيقة، كانت صاحبة صوت خام وممتد ومكتنز بالعاطفة، غير طيّع لكنه كفيل بتطويع معظم الألحان.
عندما نسمع نسي ويا غدار انا احبك والله يرد خطاك، من ألحان فوزي محسون ومحمد شفيق وطلال مداح على الترتيب، من الصعب مقاومة إحساس بأن هناك شيئًا مفقودًا، الصوت قدير والألحان جميلة، لكن هناك شيءٌ مقحم؛ قد يتبدى في ارتجاف صوت في غير محله أو ربما قفلة أفلتت زمامها للحظة. ربما الوحيد الذي أدرك ذلك بينهم هو طلال مداح، فلحن الله يرد خطاك لم يكن مخصصًا لعتاب أصلًا وإنما منحها إذن غنائه، أما حين لحن لها أغنية يا سعودي لاحقًا استطاع استثمار صوتها كما تستحق. على كل حال، سهّلت خامة صوتها الفريدة استقبال الناس لهذه الأغاني وأحيانًا رفع نسخة عتاب منها فوق أي نسخة.
بالوصول إلى نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات توالت مجموعة أحداث على مستوى المنطقة وعلى مستوى حياة عتاب الشخصية تركت أثرها المتراكم على مدار ما تبقى من عمرها. تزوجت عتاب من المحلل المالي بوزارة المالية المصرية محب فاروق عبد الصبور، الذي كان متواجدًا في السعودية كمتعاقد مع وزارة الإعلام ينتهي عقده في ١٩٨٠؛ وقبل انتهاء هذا التعاقد بقليل، في مطلع ١٩٧٩، اندلعت الثورة الإسلامية في إيران التي اعتبرها شيوخ عدة تيارات إسلامية، على رأسها الصحوة، إثباتًا على ما يمكن لهم تحقيقه. من هذه التيارات أيضًا الجماعة السلفية المحتسبة التي أسسها جهيمان العتيبي وكانت تنتظر دخول العام الهجري الجديد، ١٤٠٠، في نوفمبر من ذلك العام للتبشير بظهور المهدي من داخل الحرم، واستطاعوا بالفعل اقتحام الحرم والاعتصام فيه لقرابة أسبوعين. كان من ضمن مطالب جماعة جهيمان منع المذيعات من الظهور في التلفزيون الرسمي؛ رغم أنه لم تظهر سوى مذيعة وحيدة قبل ذلك الوقت هي هدى الرشيد، لكن جرت تلبية مطلبهم لعقود لاحقة رغم القبض عليهم ومحاكمتهم، لأن حركتهم كانت معبرًا عن رفضٍ مجتمعيٍّ أوسع لمظاهر الحداثة والتغريب أصبح لا بد من استيعابه.
حتى هذا الوقت كان الغناء والظهور “سافرةً” هما أقصى ما فعلته عتاب، لكن بدا أنهما كافيين؛ فبعد منع أغنيتها المصورة الأولى من البث جاء ظهور هدى الرشيد ليعطي بعض الأمل، قبل أن يتبدد مع حادثة جهيمان العتيبي وتثبيت أركان الصحوة، وبالتالي بقاء عتاب مثالًا أبرز على ما لا يجب للمرأة فعله. في أجواء كهذه، أصبحت كاسيتات الترهيب من آخر الزمان والثعبان الأقرع والنساء المعلقات من شعورهن وأثدائهن تحقق أعلى المبيعات، وبالتالي كان من الحكمة من عتاب، بعد أن غادرت مع زوجها لدى انتهاء تعاقده في ١٩٨٠، أن تحجم عن العودة ريثما تظهر بشائر مطَمْئِنة.
حتى اليوم ليس هناك أي دليل على رواية طرد الملك خالد لعتاب من السعودية، ولا توجد حتى وقائع يمكن أن ترجّح ذلك، بينما هناك ما يرجّح بطلانه. بدايةً تاريخ الطرد المقترح هو بداية الثمانينات، والسبب الشائع رقصها، بينما حتى تاريخ وفاة الملك خالد في ١٩٨٢ لم تكن عتاب قد بدأت تكسر حاجز الرقص. أيضًا، لم تكن عتاب في السعودية أصلًا عندما حصل الطرد المزعوم، وإنما كانت في مصر مقيمةً مع زوجها بعد انتهاء عقده في السعودية. عدا عن ذلك، من الغريب استمرار تعاون الفنانين السعوديين معها بنفس الوتيرة وهي المطربة الممنوعة المطرودة المغضوب عليها، ليصبح نجاحها في الثمانينات أضعاف نجاحها قبلها. الأهم من كل ذلك، لو كان من طردها هو الملك فهد الذي شهدت فترة حكمه ذيوع صيت رقص عتاب، فهو نفسه الملك الذي كان في الحكم عندما عادت إلى السعودية نهاية التسعينات، وليس هناك سبب مستجد ليرجع عن قراره، فلا هي في قمة مجدها لتكون عودتها خطوة استراتيجية، ولا هي أعلنت توبتها؛ على العكس، كانت عودة بهدوء لدرجة أنها غير ملحوظة.
بينما تكمن أسباب ابتعادها التي ترجّحها الوقائع في عاملين، الأول خطورة أن تعود المغنية السافرة الراقصة المخالطة للرجال إلى معقل الصحوة، والثاني زوجها الذي وجد في ابتعادها عن أهلها ومحيطها فرصةً للاستئثار بمكاسبها، التي استولى عليها كاملةً لاحقًا وكان سبب انهيارها الأخير.
الثابت والأهم هو أن عتاب استقرت في مصر وشكّلت هناك أبرز علامات مسيرتها بشكل ربما لم يتحقق لغيرها حتى اليوم. صحيحٌ أن عتاب بقيت تغازل اللهجة المصرية زمنًا، لكن لم تحقق أعمالها المصرية ذلك النجاح رغم عنايتها بأن تقدم للمكان الذي احتضنها كل الانتباه والتقدير، من تعاونات مع محمد الموجي وعادل الشربيني ومحمود الشريف ومختار السيد وحسين فوزي، وأغانٍ بالمصرية لعيد الأم ورمضان والعيد والانتفاضة، لكن بقي أنجح أعمالها وأكثر ما أحبه المصريون منها هي الأعمال الخليجية بعاطفيتها وخفتها في أدائها ورقصها الذي لم يُنس. بالتالي كانت ربما المطربة غير المصرية الوحيدة التي أصبحت من أكبر النجوم في مصر بلهجة وموسيقى غير مصريين.
ربما يمكننا اعتبار جاني الأسمر المنعطف الذي وعته عتاب وأبدعت في استثماره. لو عدنا إلى أقدم تسجيل متاح من حفلة مصورة لأدائها لجاني الأسمر، نجد تاريخها يعود إلى ١٩٨٢ بمصاحبة فرقة الأنوار الموسيقية بقيادة حمادة النادي وعزف ناي رضا بدير. سنجد عتاب قد استفادت من تغير الموضة في الثمانينات وانقضاء حاجتها لتأسيس شرعية كلاسيكية، فظهرت بشعرها المجعّد، وغنّت بكم لافت وممتع من البهجة والتفاعل مع الجمهور، لكن دون رقص. ربما هذا أكثر أداء رضي عنه ملحن الأغنية فوزي محسون، الذي قيل أنه لم يكن راضيًا عن شخلعتها للأغنية، وربما حصل هذا بالفعل كونه غناها دومًا بالإيقاع الأبطأ، وأعطاها لعلي عبد الكريم ليغنيها أيضًا بطابع أكثر شجنًا.
لكن هنا كانت قد وصلت عتاب إلى ما اجتهدت في تأسيسه، أصبحت نجمة البوب السعودية والخليجية الأولى والأكبر، أو نجمة البوب الشعبية في تصنيف فريد من نوعه، وأصبح يمكنها أن تفعل ما يحلو لها، فاختارت جاني الأسمر بدايةً، سرّعت إيقاعها، ورقصت على المسرح؛ قبل حتى أن يفعلها عمرو دياب.
الغريب في الأمر أن هذه الخطوة التي تبدو ثوريةً بمعايير زمنها، لم تثر كل تلك البلبلة خارج السعودية، ولا حتى من الجيل الأقدم. لم يشع طلب الأهل من أبنائهم أن يغيروا المحطة أو يطفئوا التلفاز لو ظهر فيديو لعتاب، على العكس، انتشرت تحديات مدى إتقان تقليد رقصتها في الجمعات العائلية وبين الأصدقاء وفي الأفراح. في مصر بالذات، ورغم كل تداعيات وأصداء الصحوة وتحول الشيخ كشك المختص بالهجوم على الفنانين إلى ما يشبه نجم بوب صاحب مبيعات كاسيتات مريبة، زاد حب عتاب والإقبال عليها أكثر حتى من قبل. ربما كان ذلك لأن الجمهور المصري وغيره اعتادوا ترافق كلمة الرقص مع ذهاب الوقار والإيروتيكية، بينما جاء رقص عتاب فريدًا من نوعه وموازنًا الخفة والبهجة مع استقامة الجسم، مفرّغًا الطاقة دون أدنى إحساس بعدم الراحة أو الحرج.
لو سمعنا ألبوم جاني الأسمر الذي أصدرته في ١٩٨٤، بعد عامَين من تقديم الأغنية في مصر وبعد اتخاذ قرار تعديل الإيقاع وترقيص كل شيء، سنجد طاقة سعادة طاغية حتى في أغاني الألبوم الحزينة مثل ارحميني وشراع وثالث يوم، كأنه شهادة انعتاق. يمكننا حتى ملاحظة الفرق لو قارناه بأداءاتها في ألبومَي صبرت كتير وشاغلني من بداية الثمانينات، في أغانٍ بديعة مثل هبوب النسايم وليت يا ليت ومجاريح ويا من في قلبي، حيث ذروة الرقة والدراما والحزن، في مقابل صعوبة العثور على مساحة حزن مشابهة في ألبوم جاني الأسمر. للأسف لم تدم هذه السعادة وإن دام الرقص والبهجة أمام الكاميرا والجمهور.
حققت عتاب صعودها التاريخي في الثمانينات بينما تزايدت خلافاتها مع زوجها، الذي أراد السيطرة على كل شيء؛ وبعد أن أنجبت منه ولدًا وبنتًا لم يعد خيار الافتراق سهلًا. قررت عتاب أن تحاول مع زوجها، لعشرين عامًا، أفنى خلالها ببطء طاقات البهجة التي ادخرتها لعقود؛ ويمكننا حتى سماع ذلك.
لم توفّر عتاب فرصة، غنت المصري والعراقي والليبي عدا عن اللهجات الخليجية، وأصبح لأبناء الثمانينات في كل بلد عربي فيديو ما لعتاب مطبوع في ذاكرتهم، وأحيت الحفلات الضخمة حول العالم، التي انتظر جماهيرها دومًا فيها أن تبهجهم عتاب ولم تخيبهم، لكن سرعان ما أصبح ما سعت إليه طوال عمرها مفروضًا ومقيِّدًا. يمكننا أن نسمعها تغني بقمة الشجن أغنية لا تصدك اليحجون عني وعنك، بينما ترقص في الفيديو لأن عتاب أصبحت رديفًا لرقصتها. عدا عن أن الأغنية، مثل عدة أغانٍ أخرى، ورّطتها في ما استسهل الشعراء والملحنون إيقاعها فيه وهو إعطاؤها ما باعوه بالفعل لغيرها، لأنها تستصعب الخوض في مشاكل وتكتفي بالخجل والاعتذار، مثل ما حصل على الهواء مع الفنان سعد جمعة عندما فاجأها بأنها غنت كلمات سبق أن غناها في أغنية الناس للناس وصارحته بأن المشكلة تكمن عند الشاعر الذي لم يصارحها بذلك. هذا إلى جانب وعدها بأغنية وقبض أتعابها ثم إعطائها لغيرها دون سابق إنذار، وقيام نفس الشركة بنفس التصرف أكثر من مرة دون أن تتخذ عتاب إجراءً صارمًا. بعد كل هذا عندما سئلت عن تجربتها مع الكذب قالت إنها لا تذكر أن أحدًا كذب عليها.
مع ميل عتاب الدائم لإعطاء الأمان والاحتفاظ بمشاعر خيبة الأمل وقلة الحيلة داخلها، تراكمت حسرات هذا الاستغلال من الوسط، وشريك العمر. نسمع تفريغًا لهذه المشاعر في ألبوم القرار الصعب (١٩٨٧)، بتسجيلات من أحزن ما نجده في أرشيفها، مثل ليه الحذر وأنساه وعبرة، عكس ما نعرفه من أداءاتها على المسرح التي قلما استطاعت فيها أن تحزن؛ ربما لأنها بين من يحبونها. اليوم نستطيع أن نلقي نظرة شاملة على جُل تسجيلات عتاب المتاحة على الإنترنت متجاوزين فائض البهجة الذي اعتدناه أمام جمهورها وأمام الكاميرا، ونفهم أنها قدمت ما هو كفيل بأن يجد كل منا عتابه، المرحة حد الرقص المُعدي، الرومانسية حدّ إيقاعنا في الحب، والحزينة حدّ التعب.
عندما نصل إلى ألبوم شوابيش (١٩٩١) نسمع رقة وحميمية من تغني لنفسها، مع قفزة في جودة التوزيع، كما في الحظ مرة وعلى قدر المحبة والإشاعة. أهم ما في هذا الألبوم أنها وجدت أخيرًا من يحترف التلحين لصوتها، وهو الكويتي يوسف المهنا الذي قدم معها هنا وفي ألبوم شكنكري (١٩٩٥) مجموعة أغانٍ من أفضل ما يمكن الاستمتاع فيه بأدائها.
كأنها سجّلت شوابيش في لحظة حلاوة الروح، ليبدأ صوتها يتغير بشكل واضح خلال عامين فقط، وتبدأ لمحات اختناق تصبح مسموعة فيه، كما في ألبوم دلعوك اهلك (١٩٩٣)، دون أن يؤثر ذلك على جودة الألبوم الذي أشرف على توزيعه رابح صقر وأجاد بلا شك.
في هذا الوقت أدركت عتاب، متأخرةً، أن زوجها لم يترك لها شيء من خمسة ملايين دولار حصيلة أكثر من ثلاثة عقود، ورفعت عليه دعوى قضائية لاستعادة ما أرادته لأولادها ودفعت ثمنه من عمرها وجوار أحبتها واتقاد البهجة في روحها، دون أن تنال إلا الطلاق، ما تزامن مع تشخيصها بسرطان الثدي.
من المؤلم سماع صوت عتاب في ألبومَيها الأخيرَين، تسأل (١٩٩٩) ووش لي بالتعب (٢٠٠٢)، حيث وصل الاختناق ذروته وبدا بينهما وبين شوابيش عقود لا سنوات. حتى أنها سجلت الأخير بعد أن تشدق طليقها بأنها لن تستطيع أن تغني بعده، وربما جاء انتقامه من أنها استمرت حتى آخر لحظة في حياتها في منعه كل من أحبها من التعزية بوفاتها.
عادت عتاب إلى السعودية عام ١٩٩٩، وعاشت بينها وبين الإمارات لتدعم أولادها الثلاثة الراغبين باستكمال دراستهم في الإمارات، حيث أقارب والدتها وخالتها. ربما هذه العودة هي ما منحتها بضع سنين إضافية، حين أدركت أن صوتها ما زال يتردد في حيها ومدينتها والبلد كلها، وصورتها مطبوعة في القلوب. بحسب ابنتها ابتسام: “هناك من ذكّرتها بزواجها الذي أحيته في الطائف قبل ثلاثين عامًا، وأخرى تذكرها بتوقيع منها لمناسبة منذ أكثر من ٢٥ عامًا، ومن تذكرها بصورة التقطتها معها في لبنان أو مصر أو جنيف … حتى أن بعض النسوة كن يعرفنها من نبرة صوتها رغم وضعها النقاب في السوق، فيلقون عليها السلام: ’كيفك يا عتاب؟’”
حينها تأكدت أن زوجها لم يستطع سلبها كل شيء، هي القائلة: “أسعد شيء عندي لما ألاقي إنسان قدامي فرحان وسعيد.”
