حازت مدرستنا، مدرسة نهاوند في عمان طبربور، على لقب صالة الأفراح، لأننا كنا نستغل فرصة غياب المعلمات عنا لنغني ونرقص حتى تصل أصواتنا وصفقاتنا إلى خارج أسوار المدرسة، المكونة من مبنى طابق واحد على شكل حرف يو، وشبابيكها على الشارع مباشرة.
في أحد الأيام الصيفية أثناء فترة الامتحانات، لم يكن للطابور الصباحي أهميته المعتادة، فكنا نتسلل منه بحجة مراجعة الامتحان قبل دخول القاعة، لكن عددًا من الطالبات الملتزمات بقين في الطابور. في ذلك اليوم كانت إحدى الطالبات المتيمة بأغاني هاني شاكر في خلاف دام عدة أيام مع صديقتها المقربة، فصالحتها بأن جلبت كاسيتًا وطلبت أن تشارك ببث أنشودة على إذاعة المدرسة. دون أن تتحقق المعلمة من نوع الأنشودة فتحت ميكرفون إذاعة المدرسة لتصدح أغنية أصاحب مين لهاني شاكر وتبث على مسامع الجميع كإهداء من الفتاة لصديقتها. مر المقطع الأول كاملًا قبل أن تتفطّن المعلمات وتسارعن لإيقاف الكاسيت وإغلاق الميكرفون؛ ثم صفحن عن الفتاة إكرامًا للصداقة.
البدايات والانطلاقة
ولد هاني شاكر في عام ١٩٥٢، وبدأ مسيرته الفنية طفلًا؛ إذ غنى في فرقة الكورال مع عبد الحليم حافظ في أغنية بالأحضان، ولعب دور سيد درويش الطفل في فيلم سيد درويش (١٩٦٦)، ولم يتجاوز حينها عمره ١٤ عامًا. أكمل هاني مسيرته التعليمية في كلية التربية الموسيقية، وتخرج منها بدرجة الامتياز مجيدًا العزف على البيانو والعود، ليبدأ مسيرته كفنان يتميز بصوت قوي متمكن ذي ثقافة موسيقية عالية.
شكّل عام ١٩٧٢ بداية انطلاق هاني شاكر كنجم، عندما قدمه الموسيقار محمد الموجي بأول أغنية له حلوة يا دنيا، التي، عدا عن جودتها، ذاع صيتها لأنها لعبت دورًا في تشبيهه بعبد الحليم حافظ؛ إذ اعتقد البعض أن عبد الحليم بالفعل هو من يغني. بعد تجديد الشهرة الذي حصل عليه من هذه الأغنية عاد للسينما والمسرح ليبدأ مسيرة قصيرة ومتعثرة في التمثيل، في محاولة لصناعة نجم شامل مقابل لعبد الحليم أدرك هاني مبكرًا عدم جدواها.
غنى هاني شاكر أيضًا عددًا من شارات المسلسلات، منها شارة مسلسل القضبان (١٩٧٤) من بطولة محمود المليجي ونعمت مختار وعبدالله غيث وإخراج أحمد طنطاوي، وهي من ألحان ماجد توفيق. مثّلت أغنية كده برضه يا قمر بداية صعود هاني شاكر كنجم عربي في ضربة حظ جاسمة، بعد أن نصحت الفنانة شادية صناعها عندما قدموها لها أن يذهبوا إلى هاني شاكر لأنها مناسبة لصوته أكثر.
رافقت هاني شاكر في بداية شهرته العربية الأخبار التي أثارت الجدل حول أن محمد الموجي يريد أن يصنع منه نجمًا ينافس عبد الحليم، إثر خلاف بين الموجي وحليم، ما أثار انزعاج عبد الحليم وجعله يصرح تصريحًا حادًا حول هاني شاكر في مقابلة له مع طارق حبيب: “هو صوته كويس، مجتهد، أنا ما اعرفوش يعني معرفة شخصية لكن ما يتهيأليش إنه طموح، مش عارف ليه.”
مع ذلك ذهب عبد الحليم حافظ بذكائه المعهود ليحضر أحد حفلات هاني شاكر، وحينها استغل الأخير الفرصة وطلب أن يسلم عليه وأخبره أنه يحبه ولا يفكر بمنافسته. حضر عبد الحليم حفلة ثانية لهاني شاكر في نفس المكان بعد عدة أشهر وصعد للمسرح وعدل له الميكروفون، وشاركه غناء كده برضه يا قمر، ما جعل أخبار الخلافات والمنافسة تتوقف.
في الثمانينات، بدأ جمهور هاني يتمدد عبر الوطن العربي، وأصبحت ألبوماته وأغانيه بين الأكثر استماعًا، تبثها الراديوهات، ويغنيها هاني على أهم مسارح الوطن العربي والعالم، وتبث فيديوهاته على التلفزيونات الرسمية ثم أغلب الفضائيات لاحقًا.
في هذه المرحلة بلور هاني شاكر شخصيته الحزينة والتراجيدية التي طرحتها معظم أغانيه كصاحب العلاقات البائسة المؤلمة، الفائضة بالخيبة بعد العشم. تعتبر أغنية حكاية كل عاشق حكاية كل عاشق عام ١٩٨٩ بطلة أغنياته الحزينة التي تناولت قصص الحب غير المكتملة، حيث العاشق الذي يفرح بحلاوة البدايات ويعيش تجربة سهر المغرمين، ثم ينتهي إلى قلب مفطور.
أما أغنية أصاحب مين، رغم رقة كلماتها، تنعي مجازًا حبيبًا يلوِّح بالهجر بينما محبه لا يستطيع تقبل ذلك. تجاوزت الأغنية العشاق وأهداها حتى الأصدقاء لبعضهم، تيمنًا بعنوانها أصاحب مين. لذا في مدرستي الإعدادية للبنات، في الألفينات، كانت أغنيتنا.
من نفس المساحة ختم هاني شاكر الثمانينات بأغنية مشتريكي، الأكثر مباشرةً من أصاحب مين؛ إذ حملت كلماتها تمسكًا أقوى. كثيرًا ما عبر أشخاص من جمهور هاني شاكر عن حبهم لهذه الأغنية وأخبروه أنها ساعدتهم في استرجاع أحبائهم في الوقت الضائع، وقال بعضهم أنهم تزوجوا بعد أن أوشكوا على الفراق بفضلها.
التسعينات وما بعدها
تعرفت على هاني شاكر طفلةً في الأعوام بين ١٩٩٠ و١٩٩٣، عندما كنت أحب صحبة إحدى نساء العائلة وهي عروس جديدة، وكان هاني شاكر مطربها الأول الذي يرافقها في رحلتها مع العائلة. كانت تضع كاسيت أغنياته في أيام الظهيرة وهي تغسل ملابس عائلة ممتدة، وكنت أتدخل للمساعدة فتعطيني مهمة النشر؛ لكن الصوت يصل للمنشر في الحوش خافتًا لا أفهم منه شيء، وعندما أنهي مهمتي أعود إليها وأطلب إعادة الأغنية، ريثما تجهز وجبة الغسيل القادمة. أجلس فوق كومة الغسيل المتسخة، لأعود للنشر في منتصف أغنية أخرى.
ما أن تغرب الشمس حتى ننهي عملنا، نغلق البرميل وأرافقها للمطبخ لتغلي فنجان قهوة وتدخل لغرفتها، وأطلب منها أن تشغل المسجل السحري المثبت في رأسية سريرها. كان لون الغرفة أبيضًا، وبدا المسجل المثبت في رأسية السرير كشيء سحري مع الأضواء الملونة على جانبيه. كانت تطفئ ضوء الغرفة وتشغل أضوية السرير مع صوت هاني شاكر، وتسمح لي أن أمسك علبة مكياجها الحمراء على شكل وردة كبيرة وأضع منها ما شئت.
نستمع سويًا لمغامرة الرجل وهو يتحدث عن شراع وبحر وشخص ما يغرق. ربما لم أكن أفهم حينها غير هذه الكلمات، وأتخيل أنني في رحلة بحرية مع أغنية لو يعني: “أنا كنت بقولك لو يعني / لو يقدر قلبك يسمعني / كان قلبي ارتاح من أحزانه / وما كانش براح الكون ساعني / أنا كنت بقول الدنيا طريق / محتاج لحبيبة بقلب صديق / لو خدني خيالي لبحر غريق / تفردلي شراع وترجعني.”
استمر صعود نجم هاني شاكر في التسعينات وحُمِّل لواء الطرب إلى جانب أمثال محمد الحلو ومدحت صالح وعلي الحجّار، ما أصبح وبالًا عليه وعلينا لاحقًا في فترة النقابة. في التسعينات أضاف لرصيده مجموعة أغانٍ رسخت مكانته “أميرًا للأحزان”، أهمها نسيانك صعب أكيد (١٩٩١)، ما تهدديش (١٩٩٣)، ولا كان بأمري (١٩٩٤)، ما تلومش غيرك يا قلبي وغلطة ندمان عليها (١٩٩٦)، تخسري (١٩٩٧)، لو بتحب حقيقي صحيح (١٩٩٨)، والمفروض (١٩٩٩).
تمثل أغنيتان من هذه المجموعة سردية العشم والخيبة الكبرى، الأولى هي المفروض التي جاءت مع فيديو كليب درامي تطغى عليه ألوان الأسود والأبيض والأزرق، بينما يرتدي هاني شاكر الأسود ويجلس بين الأوراق الممزقة التي تملأ الأرضية، معاتبًا حبيبته التي عاش معها وهم البدايات ثم تخلت عنه وتركته مكسورًا ضائعًا.
الأغنية الثانية هي لو بتحب حقيقي صحيح، واحدة من الأغاني المثالية بعد الفراق مباشرةً لتوجيه اللوم والتأكيد على التقصير أو زيف الحب بالأصل. تجعل هذه الأغنية الإنسان يشعر بالمرارة حتى لو لم يعرف الحب أو الخيبة بعد، وحتى لو لم يزال طفلًا يجلس فوق كومة الغسيل وينتظر الغسالة البرميل أن تقف عن الاهتزاز.
افتتح هاني شاكر الألفينات بـ عيد ميلاد جرحي أنا وسألتك إنتي مين وأنا حذرتك منه (٢٠٠٠)، مثبتًا حضوره في المرحلة الجديدة.
في الألفينات عدت للاستماع لهاني شاكر بعد موقف طريف، قبل أن أبدأ بأن أكون من جمهوره بشكل ثابت. جاءت وقتها إحدى الطالبات التي تصغرنا سنًا باكية لأن حبيبها الذي تتحدث معه عبر الهاتف، تركها بسبب ماضيها. كانت في الصف السابع الإعدادي، وكانت بالفعل قد تواصلت مع واحد من أولاد الحي عبر الهاتف قبل أن تنتهي العلاقة، وترتبط بولد آخر من نفس عمرها. لكن هذا الولد عندما علم بقصتها مع ابن الحي أرسل لها رسالة هجر، ومعها كاسيت مسجل عليه أغنية واحدة فقط: سألتك إنتي مين. كنت حينها في الثانوية وتساءلت: عن أي ماضٍ تتحدث يا ولد؟ لكنني تمعنت في كلمات الأغنية وأحببتها.
جاءت أغنية هو انتي لسه بتسألي في ٢٠٠٢ مفاجأةً سارة بعيدةً عن فواجعه المنتظرة، والتي بحسب تصريحات هاني شاكر، غناها وأهداها لزوجته. بعدها أصدر بحبك يا غالي فكانت فاصلًا ضروريًا محملًا بالأمل، الذي سرعان ما بدده بـ كفاية وأحيانًا وذكرياتي والحب مش ألبوم صور.
غاب هاني شاكر عن الساحة بين ٢٠١٠ و٢٠١٦ أثناء فترة مرض ابنته دينا وبعد وفاتها، حاول بعدها في إصداراته أن يعود إلى مشهد تغير كليًا بنفس عقلية ما قبل ٢٠١٠، دون تحقيق نفس السوية؛ لكنه من ناحية أخرى عزز ظهوره بأشكال أخرى مثل ظهوره في ذا فويس سينيور والعديد من المقابلات.
في عام ٢٠١٥ فاز هاني شاكر بمقعد نقيب الفنانين، واستمر دوره كنقيب للفنانين حتى عام ٢٠١٩، منتقلًا من كونه أحد الفنانين البعيدين عن المناوشات، إذ لم يصدر منه أي تصرف أو تصريح مسيء حتى لو بغير قصد بحق أي فنان، إلى نقيب صاحب قرارات جامدة وجارحة ظالمًا جيلًا من الفنانين الشباب. كانت مرحلة نقيب الفنانين إشكالية في مسيرة هاني شاكر رغم قصر المدة مقارنة بعمر مسيرته، لتنقسم بعدها الآراء حوله كفنان ونقيب للفنانين.
الحب والرحيل
تزوج زعيم الخيبات والقصص التراجيدية مرة واحدة من السيدة نهلة توفيق عام ١٩٨٢، ورزق منها بنتًا وولدًا، وعاش معها قصة حب ووفاء امتدت لأكثر من أربعين عامًا حتى فارق الحياة في فرنسا قبل أيام أثناء تلقيه العلاج هناك.
رغم العديد من التحديات والمطبات التي واجهت حياتهم، قال أنه في كل مرة يغني فيها هو انتي لسه بتسألي تمثل صورتها أمامه. عاشوا سويًا حزن الفقد على ابنتهم، وتحملوا مسؤولية تربية طفليها التوأم الذين كانوا لا زالوا صغارًا وقت رحيلها.
بقيت حياته العاطفية بعيدة كل البعد عن ما مثلته أشهر أغانيه من فراق وخيبة وعشم ورفض وتخلٍّ وهجر، حتى أنه قال مؤخرًا أن زوجته لم تعد تسأله هي بالنسباله إيه لأنها متأكدة من حبه ووفاءه لها.
توفي هاني شاكر يوم الأحد ٣ أيار / مايو ٢٠٢٦، عن عمر ناهز ٧٤ عامًا. أرسلت مقاطع من أغانيه لقريبتي، وأخبرتها أنه توفي، وشكرتها لأنني أحببت هاني شاكر من خلالها. بكت كثيرًا، وطلبت مني أن أسمع أغنية اتمدت الإيدين اتمدت الإيدين، ومر يومان وأنا أكرر الأغنية مودعين هاني شاكر بها: “قلي مع السلامة / وانا قلت مع السلامة / وماتت الابتسامة وبردت الإيدين.”
