تقول إحدى التعليقات اليوتيوبية على أغنية كلميني لمروان موسى وليجي-سي: “الأغنية اللي هترجّع ألف علاقة توكسيك.” ما زال، وسيبقى، للأغاني هذا الأثر؛ بناء واختبار وبلورة وتهدئة وهدم علاقات، ومداواة جراح ونكئها، أحيانًا كل ذلك في نفس الأغنية.
من باب الحرص على تدمير العلاقات التوكسيك، وغيرها، استحدثنا العام الماضي قائمة تجمع أجمل أحزان العام الموسيقية وما زالت تجمع الحزانى إلى اليوم، لنستكملها بقائمة أكبر تلائم ٢٠٢٥ الذي كان أدسم على صعيد درجة الحزن والمستوى الفني الذي جرى تناوله به. في القائمة ملح لكل جرح، سواءٌ كان عاطفيًا أو وجوديًا أو رثائيًا أو مجرد حنين.
ضميني | صالح اليامي
ربما أهم إنجاز للفيلم السعودي سوار هو استعادته لشيلة تراثية نجرانية بصوت صالح اليامي، بشكل يمكن معه إعادة قراءتها وتأمل احتمالات القصص التي ربما كمنت وراء هذا التراث. عرف جيل الثمانينات والتسعينات شيلة فتى نجران، ضميني، أغنيةً راقصة ممتعة للسماع والغناء في التجمعات العائلية وفي جولات السيارات، ومناسبة ربما لمعاكسة البنات، بينما تحولت بنسخة صالح اليامي إلى مناجاة ذكّرت كل من سمعها بالخواء الداخلي المؤلم الذي يخلّفه التوق لحضنٍ ضنين:
“ضميني ضمة صغيرٍ يحبونه هله”
حالك وحالي | الوايلي، خطيب
يقدّم الوايلي في مسلسل ظلم المصطبة تعاونًا مع خطيب، المغني السابق لفرقة المغنى خانة والمغني الحالي لفرقة هوس، في تراك حالك وحالي. يجمع التراك بين العالمين، حيث يبرز أسلوب الوايلي الصوتي في الإيقاعات، بينما يمنح خطيب مساحةً لاستعراض قدراته الصوتية بأداء شعري رقيق يليق بدسامة دراما المسلسل الذي طبع ندبة في أفئدة مشاهديه، خاصةً بالنهاية التي أعادت تفسير الأغنية وصعّدت من ألمها وتكثيفها الحنين للمسلسل، بحلوه المقتَّر ومرّه الوفير.
ولا شي | رامي عياش
أجمل ما في أغنية رامي عياش هذه أنها تعيد بشكلٍ ما رامي عياش الألفينات الذي كان ملء السمع والبصر، حتى أن الكومنت الأكثر شعبية على يوتيوب هو: “مين متلي جاي يسمعها بعد بوست صفحة جيل التسعينات السوري”. بالفعل تحمل الأغنية نفسًا ألفيناتيًا شجِنًا ومسترخيًا، حتى أن البطولة لصوت المغني، الأمر الذي لم يعد شائعًا كما في السابق. أيضًا، يدعم الفيديو حالة الأغنية التي يستذكر فيها الشاعر حبًا لم يشفع له فيه كل ما أعطى، حتى لم يبق شيء يعطيه ولا حتى يحتفظ به.
يردان | علي نجم
أصر علي نجم أن يكون من نجوم أراب آيدول؛ وعندما خاب مسعاه في الموسم الثاني عاود مسرح البرنامج في الموسم الثالث لينتزع اعترافًا بأنه استطاع خلال عام واحد صقل أدائه بشكل لافت. استمرت هذه الذهنية مع علي نجم بأغانيه التي يمكن اعتبارها بوب عراقي موازي، لها رؤية مختلفة عن معتاد المشهد، في الكلمات واللحن والتوزيع وحتى التصوير، دون أن تحقق على مدار سنين النجاح الذي تستحقه، لكن علي ما زال مصرًا على رؤيته دون مساومة، ويردان من أهم ثمار مشروعه حتى اليوم، وأحد أكثر أغاني الحزن العراقي تميزًا بصوفيّة ورقّة تعاطيها مع غدر حبيب تتوعده الأغنية بيومٍ يرد فيه دينه.
اسمك وشّمتو | شيرين اللجمي
صوت خرّيجة الموسم الأول من أراب آيدول، شيرين اللجمي، مكتنزٌ بالدراما ومدرّب بشكل يتيح لها استثمار هذه الدراما. ربما لذلك فكرت بتجريب أن يكون ألبومها القصير القادم مشروعًا سرديًا صوتيًا وبصريًا بالتعاون مع المخرج أسامة عزّي. اشمك وشّمتو أولى إصدارات الألبوم، فيها الطابع التونسي المحبب الذي أخلصت له شيرين منذ انطلاقتها، وفيها شحنة الدراما الممتعة بتناولها حالة مختلطة بين إنكار وغضب وغصّة تسكبهم شيرين بسلاسة وحرفيّة:
“قرار خذیته وعممته / بكلامك دمّي سممته / بعد ما خرابك رمّمته / ھجرت علاش؟”
فترات | خالد عصام
مع فترة الحجر الصحي في كوفيد انتشرت جائحة الوحدة، وجاء ثلاثي الحزن المصري الجديد، مسلم وأحمد كامل وخالد عصام، ليغرق سماعات المعزولين بمختلف حالات الانهيار والاستسلام والاكتئاب والتفجُّع. رغم النجاح الظاهرة لموجة الحزن هذه انسحب اسم خالد عصام بينما استمر أحمد كامل ومسلم. عاد خالد هذا العام بألبوم قصير وثلاثة إصدارات منفردة، آخرها أغنية فترات التي تشكّل ذروة هذه العودة، بتألُّق على مستوى الكتابة وصنعة لافتة في اللحن تجعله يشحن بنوستالجيا تعود إلى ما قبل فترة كوفيد بسنوات، إلى ألحان الفرق والفنانين المستقلين في ميدان التحرير ما بعد ٢٥ يناير، مع صوت يذكّر بأحزان ربيع الأسمر.
اشتياق الناي | شاكر إبراهيم
شاكر إبراهيم في أنضج مراحله أدائيًا وإدارةً لموهبته، منوعًا بأسماء شعرائه وملحنيه مع حسن تقدير للجودة، ومميزًا الموزّع الذي يجب أن يلازمه لأنه ما زال في جعبته الكثير، وهو ياسر ماجد. في اشتياق الناي يقدّم شاكر قطعةً مطربة وموجعة عن تخلٍّ لا بد منه، مطرّزة بصوت أجراس خشبية مصقول من ياسر وسط توزيع متقن وراسي.
مليون مراية | دعاء السباعي
دعاء السباعي مع سمر طارق ونغم صالح وألماس ممثلاث موجة فنانات مصريات مستقلات الإنتاج والرؤية، منهن من تكتب وتلحن وتوزّع حتّى؛ لذا نجد عندهن مساحة أوسع لتغطية مواضيع وتجارب حياتية ومشاعر تبقى عادةً في الظل لقناعة شائعة بأنها لا تهم ولا تمتع معظم الناس، ليثبتن عبر السنوات الأخيرة عكس ذلك. تتناول دعاء السباعي في أغنيتها هذه قلقًا وجوديًا من حاضر ومستقبل يماثلان الماضي حدّ صورة المرآة، بنبرة تأملية أليفة تمتد إلى الأداء واللحن.
غربة | سارية السواس
في عيد الأم اختارت سارية السواس أن تشاركنا حسراتها على فقد أمها، وفقد صوت أبيها الذي يعاني من مرض في أحباله الصوتية. استعانت سارية بكبار دير الزور، الشاعر إسماعيل حسو الذي سبق أن قدم موالًا بديعًا عن الأم، والملحن طارق نوارة الضليع ببطء الحزن المشترك بين العراق ودير الزور. النتيجة أشبه بكلاسيكيات الحزن العراقي الثقيل، مؤثرة وفخمة لدرجة صعوبة تصديق أنها موسيقى جديدة لا استعادة لأغنية لطالما أبكت كثيرين عبر السنوات.
طوفنا | سمر طارق
بعد استكشافها في ألبومها العام الماضي مراحل الحزن الخمسة، تواصل سمر طارق استكشاف المشاعر المكبوتة والعصيّة على التعبير بألبومها الجديد طوفنا. في الأغنية عنوان الألبوم محاولة فهم لحظة انفصال لم يفهم طرفيها بعد كيف وقعت، بكلمات قوية من سمر وعصام شوقي، وإنتاج غني بمكتبة أصوات ملفتة من سمر نفسها يعطي للأغنية حالة بين الحالمة والمستسلمة.
متشاف | نوردو
نزّل مروان نوردو هذا العام ألبومًا من كلماته وألحانه بالكامل، مال فيه إلى الراب تمامًا باستثناء هذه الأغنية التي استأثرت بغنائه المشحون بالشجن والمفيد من خامة صوت عريضة وخصبة، مصحوبةً فقط بأبسط مرافقة ممكنة للجيتار، ما أسفر عن أغنية مؤثرة وجذابة لإعادتها.
شارة مسلسل لم الشمل | غنوة العلي
بالنسبة لشريحة كبيرة من العراقيين، أحدث المخرج علي فاضل نقلة في الدراما العراقية جعلها منافسة قوية في الساحة العربية وأعادت الكثير من العراقيين الذين هجروها إلى الاهتمام بها وترقب جديدها؛ ولم الشمل من أبرز الأمثلة على ذلك. في شارة المسلسل استعادة لإحدى كلاسيكيات سليمة مراد من كلمات حميد الفتلاوي وألحان عباس جميل، بغناء الصوت المغمور غنوة العلي. على غرار أولى أغاني القائمة، ضميني، جرى إعادة قراءة الأغنية بشكل أكثر دراميّة، بحيث انتقلت من مشاركة الابنة لأمها بمدى ولهها بحبيبها إلى حالة حب شبه يائس من الوصل، مع حبيب بسببه “أتلفت” الحبيبة حالها.
وانا عايزك ترجع ليا | جودي الليبية
شكلت جودي الليبية مع حمدين ثنائية قوية من أكبر نجاحاتهم إنسان كداب ويا نصيب إرضى عليا، لكن سرعان ما صارت ثمار هذا التعاون مألوفة ومتوقعة وكانت بحاجة دم جديد. مايو هو الدم الجديد والفارق في هذه الأغنية، مع استثمار أكبر من جودي لصوتها الدرامي على لحن فيه الاستلهامات التركية والعربية من بوب الألفينات، بحيث تكون أغنية شتائية ممتازة ستستمر لفترة على كاسيتات السيارات.
إمشي | تومي، جلاليو
هناك شبه إجماع في تعليقات اليوتيوب على الأغنية أنها تضرب في عمق طلاب الثانوية؛ ومن السهل فهم ذلك بمجرد سماعها. تشهد هذه المرحلة العمرية أولى علاقات – أو افتراضات أو تخيلات – الحب، وينتج عن ذلك الإلهاء الأمثل عن كم الدراسة غير الإنساني المطلوب، لتصبح صعوبة التركيز ناتجة عن قلبٍ مفطور لا عقلٍ منهك وفاقد الصبر؛ هنا يأتي دور أغنية تومي هذه، التي تروي قصة فراق غضّة بشكل مباشر أقرب إلى الحكي، وبدراميّة محبّبة وقريبة إلى القلب.
قلق | ألماس، جلبة
أخلص محبي الماس هم عشاق صوتها تحديدًا، لكن وسط تجريبها بين الأنواع والمنتجين وطريقة الكتابة، يبقى صوتها بين توارٍ محبِط وظهور لا يُشبع، لأن الغناء غالبًا ما يكون جزءًا من أداءها لا كله. هذه المرة تكافئ الماس أولئك المخلصين بإصدارٍ شجن تستثمر فيه صوتها بتمكّن وحميمية، على إنتاج موسيقي جذاب من جلبة يعرف متى يحاور صوتها ومتى يتراجع إلى الخلفية دون تراجع أثر حضوره، ما منح الأغنية درجة من المتعة قلما تترافق مع إصدار بهذه السوداوية.
يا وحشتاه | الفنانة أماني
هذه الأغنية مع أداء الفنانة أماني البديع فيها نموذج ممتاز على ما يمكن لتقنيات الغناء اليمنية بعربها وأساليب مدّها أن تحققه من مدّ وتعميق آهة وجع المستمع، خاصةً مع موضوع الأغنية الذي يبدو فيه وكأن الأطلال تغني بصوت من رحلت مذكرةً السامع بما لم يقدّره حتى فقده إلى الأبد:
“قد كنت عشّي يوم كنت طيرك / راضي بشرّك يا حبيب وخيرك”
ضريبة البعد | أصالة
في رصيد مدين وأصالة مجموعة كبيرة من الأغاني الدرامية الضاربة التي تؤكد كل مرة على مدى الانسجام بينهما، وتجعل اسمه من متوقعي أصالة الذين يستحقون الترقب. الحب وكل اما تفتكره وجابوا سيرته وأعراض الغياب، وفي الألبوم الأخير ضريبة البعد التي استحقت بجدارة أن تعنون الألبوم، بفكرة كلماتها وتوزيع أمين نبيل المطرّز بنفخات الدودوك، وطبعًا لحن مدين وأداء أصالة.
شهر رمضان بجاني | محمد الجنامي
في مقال عمر عبد عن اللطميات على معازف، ذكر إنجاز باسم الكربلائي بأن جعل اللطمية الحديثة تقوم “على تواصل الرادود بنصه وأدائه مع كل شخص يتكوّر على نفسه مثل نبيٍّ خذلته أمّته” لتصبح خاصّةً “بأي حزينٍ في العالم، سواء مات حُسينه أم لم يمت.” هذه اللطمية دليل صارخ على ذلك، ففي حين ينعي محمد الجنامي بأداء يفطر القلب استشهاد الإمام علي عليه السلام، لا يقاوم السامع كم الراحلين الأعزاء الذي يتدفق إلى ذاكرته لينعيهم في قلبه إلى جانب الإمام.
عييت | محمود السعيدي
ضمن شراكتهم المحتفى بها نقديًا وجماهيريًا، أطل المخرج عبد الحميد بوشناق وأخوه الملحن ومؤلف الموسيقى التصويرية حمزة في رمضان ٢٠٢٥ بالجزء الثاني من مسلسلهم رقّوج، بتعاون مُجزٍ مع الصوت الرخيم الراسي محمود السعيدي. رقّوج هو اسم جمهورية متخيلة، واستطاع حمزة تقديم ميزان لافت بين الخيال الذي يستحق أن تسرح معه وبين ارتباط موسيقته بتونس حقيقية وجميلة، في أغنية ساحرة بحزنها التأمّلي وما فيه من رضا بحتمية هذا الحزن.
أكبر كذبة | مرتضى فتيتي
سيحتاج مرتضى فتيتي إلى الخروج من منطقة راحته في وقتٍ قريب، صحيح أنها ما زالت تثمر شعبية وانتشارًا منذ سنوات، لأن ألحانه المتقاطعة أكثر مما يجب جذابة وسهلة التعلق بالذاكرة، لكنها في النهاية، بمعظمها، أصداء لبعضها وسيبدأ أكبر مدمنيها بالانصراف إن لم تتجدد. تجسّد هذه الأغنية النصف المليء من الكأس، ففيها تقريبًا عصارة كل نغمة جذابة وكل فكرة أدائية ملفتة جادت بها موهبة مرتضى على مدار السنوات القليلة الماضية، وسترجح كفتها لدى المقارنة بمعظم شبيهاتها في أرشيفه.
قبل ترحل | فهد العمري
في صوت فهد العمري الرقيق وأداؤه الصادق المتقن ما يجعل من المتوقع تواجده في هذه القائمة سنويًا، إذ دخل العام الماضي بـ فقدنا وهذا العام بـ قبل ترحل، التي يعجز فيها عاشق عن تقبل لحظة فراق، فيناجي المفارق بأن يحقق له أمنية، وهي أن يعيده ذهنيًا وشعوريًا إلى ما قبل أول لقاء وأول توق. أبدع الحرّيف راكان بلحنٍ يُفيد من قدرات العمري ويضمن أعلى تأثير للكلمات مع كل قفلة متعَبة.
تعبان | بازوكا الأردني
بعد ضرباته مع جودي الليبية حاول حمدين تكرار النجاح ذاته مع الصوت الجديد بازوكا الأردني، لكن المشكلة أنه أعاد تكرير نفس معادلته مع جودي أكثر من مرة دون الاستفادة الفعلية من تميّز صوت بازوكا الفتيّ الجريح. نجا إصدار واحد من هذا الفخ هو أغنية تعبان، المفصّلة على صوت بازوكا وحالته وطريقة أدائه بشكل يجعلك تقول أحيانًا: “بالفعل، أنا تعبان وهذا الصوت الذي كنت أتمنى أن أعبر به”، وتنصح بها كل سواق ميكروباص يريد أن يراضي ركابه بعد استنفاذ صبرهم بالأغاني الصارخة من سمّاعات مضروبة طوال الطريق.
مش نفس الشي | ماريلين نعمان
العام الماضي أدرجنا أغنية ماريلين نعمان، هدنة، في القائمة؛ لتبدو هذه الأغنية بصدفةٍ ما استكمالًا لقصة هدنة، فهناك تطلب وقتًا مستقطعًا من كل الشد والجذب والألم لاستذكار الأساسيات وأن أحدهما ينتمي للآخر، بينما تأتي مش نفس الشي بعد استنفاذ الحلول والفراق، بينما لم تنفذ المشاعر بعد:
“صوتي بعده بيندهلك لو شو ما غنّيت، إذا سامع / وينك عم بشتقلك بس ما بعمري تمنّيت شوفك راجع”
بخطرلي أشتقلك | فرج سليمان
عاشت أغنية فرج سليمان هذه حياةً جديدة هذا العام، فبعد صدور تراك الصوت قبل عامَين قرر فرج أن يقدم الفيديو قبل بضعة أشهر، في “مُعادل الموسيقي لذلك الصديق الذي يُصرّ على إعادة قراءة فقرةٍ ما لأنك قرأتها سريعًا في المرة الأولى”، بحسب تعبير رافاييل لايساندر في مراجعته الجميلة للأغنية. بالفعل تستحق قطعة الحنين والوحدة الخام هذه أن نعود إليها مرارًا.
صاحبي يا صاحبي | بهاء سلطان
في أحد التعليقات الصادرة عن قلب مليان يقول أحدهم لدى سماعه للأغنية: “ما تضربنا بالنار يا أستاذ بهاء أسهل!” ممثلًا شريحة هائلة ممن يعجزون عن مقاومة أثر صوت بهاء سلطان، خاصةً عندما يحزن. هنا مثلًا، للأغنية نسختين فرحة بشكل يدفعك لمشاركتها مع صاحبك الأنتيم، وهذه النسخة، بنفس الكلمات واللحن، لكن بإيقاع أبطأ وأداء بهاء سلطان الرثائي المبكي.
راح ويا غيري | علي جاسم
يجعل لحن هذه الأغنية الفلكلوري صداها أعمق وكأنه لسان حال أجيال من مكسوري القلب، الذين تعبر عنهم كلمات زيوني إياد الجديرة بالتقدير سواءٌ كتبت على اللحن أو تصادف أن لاءمته. الاستنكار البريء في الجملة الافتتاحية وحده كفيل بسحب المستمع إلى داخل الأغنية، إذ لا يستنكر الرحيل بحد ذاته بقدر ما يستنكر أن الراحل ذهب راضيًا لا مرغمًا:
“راح ويا غيري من رضاته”
لو ناسياني | ليجي-سي، إسماعيل نصرت
تعمّق ليجي سي في البوب هنا بالتعاون مع إسماعيل نصرت. يحمل التراك تأثيرات واضحة من بوب منتصف الألفينات، سواء من ناحية البنية الإيقاعية أو التوزيع البسيط الذي يركز على الجو العام أكثر من التعقيد الموسيقي، ما أكسبه جاذبية وافرة تجعلك أحيانًا لا تدرك جرعة الحزن في الأغنية إلا بعد عدة استماعات أنفقتها في الاستمتاع بالصوت والبنية؛ ليبدأ تدريجيًا أداء ليجي سي الفائض بالحسرة يضرب داخلك.
حبيبي رح | عايض
شهد هذا العام قفزة مهمة في مسيرة عايض على صعيد الأغاني المنفردة والألبومات، من ناحية طريقة الأداء واختيار الألحان والتوزيعات، بشكل جعل إصداراته تندرج في أكثر من نووي ومتكررة في أكثر من قائمة في حصاد أفضل ما صدر في ٢٠٢٥. في حبيبي رح يقدم عايض من كلمات عين وألحان راكان أحد أكثر أداءاته دفءًا، مغنيًا عن حبٍّ شاق وغير مشروط.
يمكن نسوني | هيثم يوسف
صحيحٌ أنه لا يوجد في المقدمة الموسيقية ما يبرر أن يبلغ طولها ثلث الأغنية، لكن بمجرد تجاوزها وبدء غناء هيثم يوسف نعود لحظيًا إلى فترة ما بين ٢٠٠٨ و٢٠١٣، وكأننا استقبلنا جميعًا تلك الأغنية العراقية الحزينة الضاربة على البلوتوث ولهثنا باحثين عن اسم مطربها. في الأغنية جماليات تلك الفترة كجزءٍ منها لا كإعادة تكرير، وصوت هيثم يوسف من الخامات العراقية العتيقة التي يبدو معها أن الأنين من أصل تكوين حنجرته.
رغم المطر | أيمن قصيلة
أيمن قصيلة من موجة الشباب الذين أعادوا الأغنية اليمنية منافسةً قويةً على الساحة، بعد أن تراجع حضورها منذ رحيل الكبير أبوبكر سالم وما ترافق معه وتلاه من الأزمات التي أتعبت اليمن السعيد. ما زال أيمن منذ أغنيته الضاربة قبل خمس سنوات يلازم منطقة راحة في آدائه وألحانه، لكنها، حتى الآن، مريحة أيضًا لمن يسمع بعنايته بوضوح تفاصيل أدائه وجماليات خامة صوته في مقابل التوزيع الموسيقي، إلى جانب ميله نحو منطقة شجنة ناعمة غير مفرطة بدراميتها، نشهدها بأفضل صورها في رغم المطر.
مشاعر مختلفة | علي الشيخ
هناك كسل لا يمكن إنكاره أو عدم ملاحظته في كتابة كلمات هذه الأغنية، لكن يجوز لعلي الشيخ ما لا يجوز لغيره، بما لأدائه وصوته من جاذبية وأثر، بالإضافة للمساعدة الكبيرة التي قدمها لحن عاصم عقيل، لتتحول تلك الكلمات بعد عدة استماعات إلى ما سنقتبسه وندندنه كثيرًا لاحقًا دون أن ننتبه لمدى استحقاقه للاقتباس.
كبرك نهر | علي الدراجي
هزّت مأساة غرق حسين الجياشي العراق منتصف أكتوبر الماضي؛ الشاب ذو الثمانية عشر عامًا المعيل لعائلة من خمسة أفراد، والذي قدم من السماوة إلى بغداد للعمل، وفي استراحة أحب أن يسبح قليلًا في نهر دجلة، فجرفه التيار. عُثر بعد أسبوعين على جثمان حسين فأصدر علي الدراجي هذه اللطمية ذات اللحن الجنائزي المُفجع لرثاء الغريق، بأداء مقتدر أليم وكلمات مهيبة:
“لو بيدي ادورك قطرة قطرة / وارداني فوق الماي اعصره / أدري اليموت تراب قبره / قبرك نهر وصغير حضني”
نا عيني ويش ايصبرها | محمد نصر المقرحي
ربما هذه أكثر أغنية في القائمة تجعل من الممتع والضروري مشاركة الحزن مع مجموعة أكبر تردد سطور الأغنية مجتمعة. رغم أن الموضوع أكثر قتامةً من أن تسهل مشاركته غناءً، برثاء المغني لحاله بعد وفاة الغالي، لكن يبدو أن مشاركة من هذا النوع تستحق التجربة في جلسة تفريغ موسّعة.
ويلي ويلي | شاب حميدو، حسين بن قرنة
جميلة هذه الأغنية على سماعات أذن في ليلة باردة وهادئة، بحيث يبدو أن لسكون الليل وخلو الشوارع دور في تشكًّل صوت وصدى الأغنية، بما فيها من جماليات الراي الكلاسيكي ولازمتها الكاتشي وصوت شاب حميدو المشتاق الذي لا يحتاج للأوتوتيون ليبلغ الرقة المثالية.
يا جروح الوقت | سلطان خليفة
كما لاحظنا في عدة أغاني من القائمة، يفتح الارتباط بقصة درامية لمسلسل أو فيلم احتمالات أكبر لنحت حالة إنسانية أقوى تأثيرًا وسهولةً في التواصل معها، كما في أغنية يا جروح الوقت التي ضمنت لمسلسل طراد أن يبقى في ذاكرة مشاهديه عمرًا أطول. هنا صار معتاد الأحزان من لوم الدنيا والزمن شيئًا أكثر خصوصية، واستحضار الأم أقدر على استدرار الدمع لأننا عرفنا الأم وعرفنا الابن عبر أحداث المسلسل. بعيدًا عن كل هذا، صوت سلطان خليفة كفيل برسم صورة غنية ووافية حتى لمن لا يعرف بالأصل أنها أغنية مسلسل.
فواتير العتاب | مروان موسى
نزّل مروان موسى هذا العام أقوى ألبوماته وأحد أهم ألبومات الراب والألبومات العربية عامةً في ٢٠٢٥، بسقفٍ أعلى على مستوى الكتابة والمواضيع والإنتاج. من أقرب ثمار هذا الألبوم إلى القلب وأخطرها عليه تراك فواتير العتاب، الذي يبدو استكمالًا لتراكه الضارب والمؤثر البوصلة ضاعت. يمثّل كلا التراكَين محاولة مروان موسى التعامل مع فقد أمه بأمثل طريقة يستطيع التعبير من خلالها، الكتابة والراب. في البوصلة ضاعت يبدو الفقد قريبًا لذا مال التراك إلى رثاء المفقود والنفس المفجوعة بعده، أما في فواتير العتاب فالراحل العزيز ما زال حاضرًا بوضوح كامل في الذاكرة حتى بعد سنوات ويستثير الأسئلة التي لا بد منها ولا جواب شافٍ لها: لماذا فوتت فرصة قضاء وقتٍ أكثر معه؟ لماذا لم أجعل الضحكة أطول؟ أو الضحكات أكثر؟ لماذا تحدثت أكثر مما سمعت؟ وفي كثيرٍ من الأحيان، لماذا بقيت؟
طريق الضايعين | نور يم
يسهل الوقوع في فخ جاذبية هذه الأغنية التي تجعل طريق الضايعين بالغ الألفة والراحة، إذ أغلب من فيه يشبهوننا، ذات الحسرات وذات الحنين والتساؤلات عن أسباب الوصول إلى حيث نحن، عدا عن أن بنية الأغنية وخامة صوت مغنيها يغذيان الألفة. يعرف نور يم نفسه كمغني روك بديل، وقد أتم أكثر من خمس سنوات في صنع الموسيقى التي يحبها بغض النظر عن مدى الوصول.
قل افترقنا | شمة حمدان
بينما تحكي كلمات أغنية شمة حمدان، قل افترقنا، عن استنفاذ كل طاقة ممكنة للمجادلة واللوم والعتاب والدفاع لدرجة الحياد والاستسلام، يأتي صوتها المختنق وأداؤها المكسور ليخرج بحالة جديدة من الكلمات ذاتها، أقرب للكلمات التي تخرج طازجةً بعد الانهيار واليأس. ما زال نتاج شمة حمدان حتى اليوم أقل من إمكانياتها.
نتفكر | لطيفة
مع قرابة نصف قرن من الخبرة، أصبح من السهل على لطيفة أن تأتي بتفاصيل مبهرة في غنائها بأقل مجهود، مثل فرد عضلاتها في القرار في أغنيتَين رقيقتين موْخرًا، قبل ما تبعد ونتفكّر. في نتفكّر درجة لافتة من الهدوء الباعث على السلام النفسي، حيث يأتي سيل الذكريات عذبًا رغم شعور فقدها الغامر، ما يجعلها ختامًا مثاليًا للقائمة.
