عامٌ آخر ينقضي مع زخم كبير من الألبومات الإلكترونية والعديد من الظواهر التي رصدناها هذا العام. ربما أغلب الظواهر سبق الإشارة إليها في سلسلة الكبسة التي أطلقناها هذا العام وستستمر العام المقبل، فلا داعي لتكرارها هنا.
هناك سؤال مهم يراود الكثيرين؛ على أي أساس يجري اختيار أفضل الإصدارات؟ بالطبع هناك توجهٌ تحريريٌّ عام، وشخصيٌّ أيضًّا يرجع إلى الذائقة، لكن من باب الشفافية يجب علينا التنويه إلى معايير الاختيار التي لا تتوقف فقط عند الذائقة، وتبتعد كل البعد عن الأجواء أو الفايبز والتأثير اللحظي، وبالطبع لا مجال للانصياع لحملات الترويج المركّزة التي تسفر عن قوائم متوقعة كسولة بعد الإحساس بنوع من ضغط الأقران.
بالتالي، تركّز اختياراتنا على البعد الفني فقط، أي الموسيقى أولًا وجمالياتها وعناصرها وقيمة العمل الثقافية وأثره على المدى الطويل، بصرف النظر عن حجم الفنان. لا مكان لعقلية الاستهلاك السريع أو الصورة على حساب الموسيقى. هذه الإصدارات علّقت معنا على مدار العام ونقدّر حرفيتها.
Only Now – Timeslave III [Self-released]
ألبوم أونلي ناو يتبحر فيه في عالم من الإيقاعات البونجابية، يبلغ فيه قمة حسه الإيقاعي في العمل الأطول له والأقرب لأصوله. على مدار ساعة يذيب كوش أدمغتنا بالإيقاعات المتشابكة المشبّعة بالديستورشن، حيث تستمر في التغيّر على مدار كل تراك بأسلوب ديناميكي ذي صوتٍ عنيف وجامح يوفّق بين الحواف الخشنة والمدى المنخفض العميق.
يأتي توظيف السنث بدقة، موفقًا بين التجريد والألحان الجذابة التي تؤكد على الطابع البشري الحيوي في الألبوم. يجمع تايم سلايف الجزء الثالث بين حرفية التلاعب بالإيقاع والإنتاج عالي الجودة موظفًا الضجيج بحكمة ليضخ طاقة متفجرةً.
ينجح أونلي ناو في تجريبه ويضمن لنفسه صوتًا مستقلًا بذاته، يشق طريقًا جديدًا في الموسيقى الراقصة والمخصصة للاستماع.
Slikback – Attrition [Planet Mu]
إن دققنا السمع سنرى في أتريشن وجهًا جديدًا لـ سليكباك، هناك تركيز أكثر في التفاصيل، مزج كل تراك أكثر عناية، بنية التراكات مرتّبة وتأخذ مساحتها للتطوّر، تراكات أعلى جودة على المستوى الإنتاجي من ما قبل.
أتريشن ألبوم قوي، أكثر أعمال سليكباك تكاملًا وخلاصة سنوات من التجريب والشغف عليه. يقف سليكباك في مناطق بينية تجمع بين ما هو مخصص للرقص والاستماع، وبين الضجيجي واللحني، وبين الغاضب المظلم والمرح الآمل، وأخيرًا بين ما هو مألوف وغريب. بذلك ينجح في ما رسمه لنفسه كما في وصفه للألبوم “أردتُ أن أخلق رحلة داخل كل مقطوعة، وكأن شيئًا غريبًا ينشأ من الفراغ – جمال ينبثق من الفوضى.” حيث لا تخلو أي رحلة من تلك التقلبات الجمالية والمزاجية.
KUNTARI – Mutu Beton [99CHANTS]
ينطلق ألبوم الثنائي كونتاري من الموسيقى الشعبية الإندونسية في باندونج والميتال. النتيجة هي توليف متقن لصوت شديد الخصوصية وإيقاعي من العيار الثقيل. ثمانية تراكات ذات إيقاعات متشابكة وموازين شتى وآلات شعبية وجيتار مجهّز.
يظهر العنصر الحي في كل التراكات، فالديناميكية تلقائية والدقة الإيقاعية بشرية. أما التسجيل والصوت العام مهندسان بحرفية لا تخل بالأداء الحي. تجربة سمعية ممتعة تمزج بين التعقيد والسلاسة، وصوت ننتظر منه المزيد في السنوات القادمة.
Use Knife – État Coupable [VIERNULVIER Records]
ما يميّز ألبوم إيتا كوبابل صوته الأصلي، مزيج متقن من الآلات الإيقاعية الشرقية والأنسجة الصوتية المركّبة في إطار صوتي خشن، إضافةً إلى الغناء الجذاب وكلمات بسيطة صادقة المشاعر. يعد تصدير الفريق لعازف الإيقاع والمغني العراقي سيف القيسي في المقدمة قرارًا حكيمًا، حيث يمكن تبيّن مدى التنوع والجماليات المضافة التي ظهرت في الألبوم.
يسيطر طابع سياسي وحس غاضب تجاه سياسات الغرب على الإصدار، ما نجح الفريق في إسقاطه موسيقيًا من خلال أصوات الإيقاعات والسنثات التي تغلي بالديستورشن والتي أسفرت عن تراكات شديدة الديناميكية، جمعت بين جودة التأليف وإطلاق العنان للارتجال. ألبوم غني صوتيًا ومجدد في المشهد الإلكتروني.
HHY & The Kampala Unit [Nyege Nyege Tapes]
جمال الألبوم وقوته كفيل ليشفع لوصف الألبوم المكرر. ينقل الثنائي الموسيقى الإلكترونية الراقصة إلى مساحة حية وحيوية بفضل الآلات النحاسية، التي بدت أكثر تماسكًا مقارنةً بإصداراتهما السابقة، ليسفر الألبوم عن واحد من الأعمال الأكثر إنعاشًا للمشهد.
المثير في الألبوم ملاءمته لحلبة الرقص والاستماع في أي مكان خاص أو عام، بجانب طبيعته الملائمة لموسيقى الأفلام التصويرية بفضل مزاجه الحماسي الذي يصل إلى ذروة ملحمية في لحظات عدة.
Haykal, Julmud, Acamol – Kam Min Janneh [Bilna’es]
يأتي ألبوم هيكل وجلمود وأكامول في توقيت مثالي، فنحن في حاجة ملحة لألبوم مثل هذا بالأخص في ظل الزوال والتفتيت التدريجي والممنهج لثقافتنا العربية. يتعدى الألبوم كونه فلسطينيًا؛ ففي حين تعكس كلمات هيكل كعادتها الواقع الفلسطيني، يؤديها بأداء حاد وقاتم وساخر أحيانًا، لكن الموسيقى عربية بامتياز؛ إذ تتسع لتجمع بين المصري والخليجي والشامي على مستوى الألحان والإيقاعات الوفيرة، بالإضافة إلى إنتاج صلب وأغانٍ شديدة الجاذبية.
لا يعيد الألبوم إنتاج ما هو موجود في مشهدي الراب والإلكتروني، جميع البيتات طازجة إلى حد كبير وهناك دائمًا تفاصيل مفاجئة في كل التراكات تزيدها تشويقًا. كم من جنّة ألبوم ذو جماليات خاصة ننصح به بشدة.
Saint Abdullah & Jason Nazary – Wiretaps For Oral [Disciples]
يؤكد ساينت عبد الله في كل إصدار له على امتلاكه خيالًا واسعًا وثقافة سمعية بالغة التنوع. في ألبومه الجديد الذي نزل بشكل مفاجئ يتعاون للمرة الثانية مع جايسون نزاري، الذي يأخذ الإصدار بعزفه على الدرامز إلى حقل الجاز الحر ليكسبه بعدًا نابضًا بالحيوية.
تزداد هذه الحيوية بفضل وفرة الكولاج الصوتي الذي يتألف من عينات متباينة للغاية والتي يصعب توقعها، حيث مقاطع ومقابلات من الراديو، لوبس بيانو وآلات أخرى ذات طابع ارتجالي ولطميات وخطب لشيوخ وغناء متعدد المصادر وإنفلونسرز ووثائقيات، كل شيء مقطّع بعناية.
ألبوم ممتع في استماعه يدمج بين الغرابة والحس الساخر المظلم، مع مراعاة عدم الغرق في الظلام، تاركًا تأثيرًا عميقًا بالهلوسة السمعية وابتسامة على الوجه. درس من العيار الثقيل في السمبلة.
Alejandra Cardenas (Ale Hop) – A Body Like a Home [Other People]
واحد من ألبومات العام الأكثر تماسكًا من حيث الموسيقى والمفهوم وارتباطهما ببعضهما البعض. تتطرق أليخاندرا إلى تجربتها مع ثيمات خاصة بالاستعمار والقمع السياسي في بيرو والعنف المنزلي وغيرها. ثيمات قاسية من المتوقع عند قراءتها استحضار صوت عنيف وغاضب وضوضائي، لكن تأتي المفاجأة هنا؛ إذ توظّف الفنانة البيروفية الجيتارات والمشاهد الصوتية والتسجيلات الميدانية والكمنجة بشكل رزين في سرد موسيقي هادئ يصل تدريجيًا إلى لحظات من التوتر.
تدمج التراكات بين بنية الأغاني والارتجال وتأتي كلمات أليخاندرا معبرة ومثيرة للتأمل.
تأخذ الجيتارات دور البطولة، كما في أعمالها وتعاوناتها السابقة، تستخرج أليخاندرا بفضل خبرتها كل ما يمكن من الجيتار والمؤثرات الصوتية، ما يثير فضول المستمع للمزيد ويبعد عن الألبوم أي لحظة ملل.
Low End Activist – Airdrop III [peak oil]
يستمر لو إند أكتيفيست في سلسلة إير دروب مطلقًا ألبومين يعكسان رؤيته التقليلية لتاريخ البايس البريطاني في فترة نهاية التسعينات والألفينات. يحتفظ الألبومان بنفس جودة الجزء الأول من حيث التصميم الصوتي والفضاء الواسع ولحظات الصمت وتقطيع الإيقاعات.
تحضر أطياف الجانغل والجرايم والتو ستب بشكل ملتوٍ، حيث يسيطر طابع غريب ومقلق يختلف عن الأصل وعن أي إصدارات مماثلة تعكس روح النوادي الليلية المهجورة. يأسر لو أند أكتيفيست المستمع بصوت منعش، يسير على خط رفيع بين ما هو مخصص للاستماع وما هو راقص. معادلة يتقنها بشكل ملفت.
Nahash – Fleurs Mortes [SVBKVLT]
كبسولة موسيقية مركزة، تجمع بين الثقافة والخبرة والذاكرة، يغلفها نهاش بإنتاج بارع. يملك نهاش كمستمع نهم خيالًا واسعًا يتيح له إعادة تصور التسعينات تحديدًا وما قبلها عامةً في سياق معاصر. نجد في فلور مورت (الزهور الميتة) كل ما نحتاجه، تأثير الجانغل الواضح والجاز والدانسهول والدب والهيب هوب، ويفاجئنا في إحدى التراكات بسمبلة الكومبيا. إضافةً إلى ذلك القدر من التنوع، هناك تسلسل وتدرج واضح وترابط قوي بين التراكات.
على عكس العديد من مفاهيم الألبومات الراقصة الغارقة في سوداويتها وهوسها بالديستوبيا، يصف نهاش ألبومه بشكل صادق: “يتخيل هذا الألبوم مستقبلًا خاليًا من الديستوبيا والقمع – حلم مليء بالأمل …” أو كما يقول بعبارة أخرى، إنه “خلف الورود الميتة هناك موسم قادم مليء بالحب والتجدد”، ما يمكن استنتاجه كإشارة منه إلى وجود ألبوم ثالث بعد هذا الألبوم وألبومه الأول بعنوان زهور الثورة.
يحافظ نهاش بإصداره الطويل الثاني على تواجده كواحد من المنتجين المخضرمين الميالين إلى التجريب في المشهد الراقص.
kelman duran – Scorpio Falling [SCORPIO RED]
عندما يُعرف فنان ما بفضل صوت بعينه، عادةً ما يتطلب الأمر فترة زمنية لا بأس بها حتى يقتنع الجمهور أن هذا الفنان باستطاعته إنتاج أنواع موسيقية أخرى وبالتالي لا يُحصر في ركن واحد. كلمان دوران مثال على ذلك، حيث أعتقد أن رسالته لم تصل بعد إطلاقه ألبومه السابق الرائع منذ أربع سنوات.
يعود كلمان بعناد بواحد من أفضل ألبومات هذا العام، مؤكّدًا على اتساع ثقافته الموسيقية وذائقته التي لا تتوقف فقط عند صوته الراقص، مكررًا ومسترسلًا في صوته الحالي الأكثر حرفية، على أمل أن تصل رسالته ثقيلي الفهم الذين يكتفون بحصر الفنانين في قوالب واحدة.
يأخذ الألبوم المستمع في جولة ثقافية لموسيقى السود في أمريكا الشمالية وبالأخص في منطقة الكاريبي. ملامح من إرث وتاريخ منطقة غنية جرى احتواء موسيقتها من قبل شركات ضخمة وليالي راقصة يجهل أصحابها منبع هذا الإرث. يخلق كلمان مشاهد صوتية تتبخّر وتتحول ببطء لتفسح المجال للتحليق فوقها وتأملها، ليصل إلى درجة من الهلوسة السمعية ثم يطمئننا من جديد.
كم كبير من المصادر الصوتية التي يحكم كلمان زمامها بالمؤثرات الصوتية على غرار الدب دون استعراض في الإنتاج أو فذلكة في التصميم الصوتي، إذ أن القليل قادر أن ينجح الألبوم جماليًا ويترك أثرًا ثقافيًا فعّالًا.
ltfll – Nested Skins [irsh]
واحد من الأعمال التي تتعامل مع محيطها الثقافي بإبداع، لينتج ألبوم متكامل مفاهيميًا وجماليًا. يوظف جورج فريد خبرته في تصميم أدوات الإنتاج الموسيقي لإنتاج إيقاعات متأرجحة ومتشابكة، حيث تستحضر الإيقاعات الخليجية التقليدية ويغيّرها جذريًا إلى صوت إلكتروني فريد عن حق.
بينما تأخذ الإبقاعات دور البطولة، يعطي جورج مساحة لا بأس بها للمدى المنخفض وبعض الخامات السنثية المجرّدة. في نستد سكينز يلتقي التمرين الفكري مع الإيقاعات الجاهزة لحلبات الرقص، وبرغم خشونة الإيقاعات وحدّتها فلا زالت تتحلى بديناميكية عالية تكسبها جمالًا. يُعدّ هذا الإصدار عودة قوية لـ لتفلل، وواحد من أهم الأعمال الإلكترونية في منطقتنا لهذا العام.
Andreas Tiliander & Goran Kajfes – In Cmin [Kontra-Music]
تحفة موسيقية محملة بألحان بديعة وفيض من الأجواء الإلكترونية التي تبث مزيدًا من العمق للألبوم. إن سي ماينور نقطة التقاء الجاز مع الموسيقى المحيطة، معادلة سمعناها من قبل خلال العقد الأول من الألفية، لكن يختلف الأمر كليًا هنا. حيث يغلب الارتجال ونسمع الألبوم كأنه سُجل بشكل حي، بالإضافة إلى عدم الاستعانة بالعينات الصوتية والبعد عن صوت اللو-فاي.
عزف جوران كايفش على الترومبيت والفلوت من عالم آخر وغني عاطفيًا، يتفاعل معه أندرياس تيلياندر بمزيج من سنثات الأنالوج والديجيتال. يؤكد تيلياندر على مدى اتساع ذائقته التي تتسم بالتنوع على مدار ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا. سي ماينور ألبوم ذو صوت قائم بذاته.
Light-Space Modulator – The Rising Wave [AD 93]
تعاون محمس جديد للمنتج شايكلتون يضاف إلى رصيده من التعاونات الناجحة. هذه المرة مع المغنية مارلين ريبيرو من فريق السايكدليك روك جينود. تعاون أمثل يوحده الجانب السايكدلي المشترك بين الفنانَين، حيث عالم صوتي مخدر وضبابي بطيء محفز على التأمل والسكون يسفر عن ألبوم صلب.
لا شك أن تأثير الدَب والبايس وتوظيف الإيقاعات وعناصر ثقافية من مناطق شتى يأخذ الألبوم في منطقة التريب هوب، ما يدفع أكثر بجماليات الألبوم. إضافةً إلى ذلك يأسرنا شايكلتون كعادته باستخدامه العديد من الآلات الحية مع أصواته الإلكترونية.
Eli Keszler – Eli Keszler [LUCKYME®]
ألبوم جديد لـ إيلاي كسلر مشحون بطابع داكن وميلانكولي، يأخذ أثر موسيقى أفلام الجاز نوار إلى منطقة جديدة. كعادته يتحكم الفنان الأمريكي في آلاته الحية وآلاته الإلكترونية بحزم لتزحف وتتسلل بدورها ببطء إلى أذن المستمع حتى تحتويها كليًا.
تتحلى تراكات الألبوم الاثنا عشر بديناميكية عالية وأفكار موسيقية تتطور على مدار الألبوم مع ظهور بارز للمغنية سوفي روير، يذكرنا بأداء إليزابث فريزر. للوهلة الأولى هناك شعور بروح ألبوم ميزانين لـ ماسيف أتاك وأجواء ديفيد لينش، من خلال أداء سوفي والطابع الداكن للتراكات، لكن سرعان ما يشطح إيلاي إلى عالمه الخاص. الموسيقى المثلى للانعزال والاستماع ليلًا.
Carrier – Rhythm Immortal [Modern Love]
صدر الألبوم الطويل الأول لـ كاريير على تسجيلات مودرن لاف، أو بمعنى أصح تسلل إلينا مثلما تتسلل أنسجته الصوتية الدقيقة وأصواته الإيقاعية الهشة التي تتباين مع كيكّاته العميقة. يأخذ ريذم إيمورتال الدب إلى منطقة شديدة التقليلية وأكثر لزوجة، أشبه بإصدارات المنتج الألماني بول لكن مصبوغة بطابع قاتم. يعطي الألبوم انطباع من تجري مراقبته من كيان غريب، شد وجذب بين التوتر وإحساس خادع بالهدوء.
ألبوم حافل بتفاصيل خفية نرشحه للأذن التي تبحث عن التجريد وتجد لذة في استفزازها.
Alex Wang – Doomed Utility [Unguarded]
لا شك أن اللحظة الراهنة مليئة بالفوضى على المستوى العالمي، عالم متخبط بين تزايد المد اليميني، إبادة دامت عامين، ملايين من البشر أسرى خوارزميات السوشال ميديا وذكاء اصطناعي تملكه قوى غاشمة وبرامج حاسبات تسيطر على حياتنا اليومية.
يعكس ألبوم ألكس وانج الأول البعد التكنولوجي الذي يتوغّل في حياتنا اليومية، من خلال طاقة معبّرة مشحونة بالغضب تدمج بين النويز والإندستريال ومعالم من الموسيقى الراقصة.
ألبوم ثقيل كثقل واقعنا للتنفيس عن الغضب. لكن الهدف هنا ليس ضوضاء من أجل الضوضاء، حيث هناك حرفية في التعامل مع الأنسجة الصوتية الكثيفة والبايس والإيقاعات وتنوّع الخامات تصاحبها ديناميكية عالية. يأتي المنتج الصيني بألبوم مركّب، غني صوتيًا، ناحتًا من الضجيج جسمًا صلبًا حافلًا بالتفاصيل الدقيقة.
aya – hexed! [Hyperdub]
من شاهد عروض أيا الحية خلال السنوات الأربعة الأخيرة، بالتأكيد سيُعجب بـ هكسد! تنقل أيا طاقة عروضها الحية إلى الألبوم على مدار ما يقرب من ثلاثين دقيقة؛ حيث يبدو الأداء والإلقاء والغناء متعدد الطبقات كأن أيا تجسد شخصيات متعددة مغلّفة بطابع بانك. تراكات شديدة الجاذبية من حيث التصميم الصوتي والألحان توازن بين ما هو مستساغ وغريب في نفس الوقت، كل ما سبق جرت صياغته في تسلسل تراكات متماسك لا تشوبه لحظة تشتت.
يعد هكسد! استكمالًا لما بدأته أيا في ألبومها الأول، آم هول، فلم يختلف التوجّه جذريًا ولكن أخذ شكل أكثر قوة وجاذبية وتماسكًا.
Parco Palaz – Okret [PLANISPHERE EDITORIAL]
في الآونة الأخيرة نشهد ظهور مزيد من منتجي البلقان، ما انتظرناه لسنوات ليكافئنا الزمن بأصوات تختلف بشكل كبير عن بقية أوروبا.
يحصد باركو بالاج إرثًا ثقافيًا ضخمًا وخاصًا بالبلقان، لينتج هجينه الخاص بين الموسيقى الإلكترونية والشعبية معتمدًا بشكل قوي على موازين إيقاعية غير معتادة.
يتميز الألبوم بإرضائه طيفًا كبيرًا من الأذواق والفئات العمرية، حيث يمكن وصفه بعبوره السلس للمكان والزمان. لا يتقيّد باركو باتجاه بعينه، فيمزج بين ما هو راقص ومحيط وبطيء بطابع دَب دون كسر ثيمة الألبوم، كما يحتوي أمزجة شتى ويعرضها بتدرج محكم.
ألبوم فريد ومركّب ذو جماليات غنية، لا يشبه أي عمل آخر، ويتعامل مع محيطه الثقافي بخيال مبدع.
Jake Muir – Campana Sonans [enmossed]
بعد نجاح ألبومه السابق باث هاوس بلوز، يستكمل جايك موير أعماله المستمدة من الأماكن التي تجذب فضوله. هذه المرة تأسر أجراس الكنائس المنتج وفنان الصوت الأمريكي، ليأسرنا بدوره وسط هالة من التسجيلات الميدانية المبنية بالأساس من أجراس كنائس ألمانيا وإنجلترا وأجوائها المحيطة. واحد من الأعمال الصوتية البارزة لهذا العام، حافل بالتفاصيل ويرتقي بموسيقى الإلكترو أكوستيك إلى منطقة معاصرة.
أربعون دقيقة لتدليك الأذن، تمضي كأنها بضعة دقائق، ما يؤكد على مهارة جايك في السرد الصوتي المتماسك لكم كبير من التسجيلات الميدانية لأماكن شتى، وقدرته على التلاعب بها.
يفتح الألبوم المجال للعديد من الأسئلة المتعلقة بثقافة وتاريخ بلدين. المثير أيضًا هو لفت انتباهنا لطبيعة البلدين الصوتية بعيدًا عن الكليشيهات المتمثلة في ضجيج المدينة وصخب النوادي الليلية.
khaled kurbeh – Likulli Fadāin Eqāéh [Research Records]
خلال عشرة تراكات يصيغ خالد قربة يومياته ببراعة وينقلها لنا موسيقيًا بشكل سائغ جدًا. ينتقل الفنان السوري بين ثيمات خاصة بالليل والنهار والمد والجزر، والبيروقراطية والصدفة والفوضى والحظ الجيد، في إطار يجمع بين الإلكترو أكوستيك والموسيقى المحيطة في سرد صوتي لا تشوبه شائبة. يجيد خالد توظيف مصادره الصوتية بدقة في موضعها الأمثل والتي تحتوي السنث والهارمونيوم والفندر رودز مع لمسات إيقاعية وتسجيلات ميدانية.
تتباين الأمزجة وتتداخل الأنسجة الصوتية برقة وبحس موسيقي محكم، حيث يجعل جميع الأصوات والألحان تأخذ مجراها في التحوّل والتطوّر متسللةً ببطء، ما يكسب الألبوم ديناميكية من نوع خاص تتخللها لحظات صمت مثيرة للتأمل. ألبوم جميل ومريح، مناسب لمن يبحث عن لحظات من السكينة.
Oneohtrix Point Never – Tranquilizer [Warp]
ألبوم وان أوتريكس الجديد من عينة الألبومات التي لا تقدّر من الاستماع الأول. على عكس أعماله الأخيرة، لا توجد تراكات تلتصق في الأذن ولا البعد الملحمي وتنوّع الأصوات وتباينها. مع ذلك، يتضح جمال الألبوم بعد بضعة استماعات نظرًا لقوة انسياب التراكات وتجانس الأصوات، والأهم، بنائه عالمًا صوتيًا ساحرًا من عينات صوتية تسعيناتية مخصصة في الأصل لأغراض استهلاكية.
لدى دانيال لوباتين خبرة جيّدة في مفاهيم أعماله، حتى مع استمراره في ثيمة الذاكرة، دائمًا ما يجد طريقة ما لتوظيفها بزاوية مختلفة كل مرة. يذكرنا الألبوم موسيقيًا بـ ربليكا وأر بلاس سفن لكن يأتي أكثر استرخاءً وهشاشة، بمثابة استراحة يستحقها من الألبومات الثلاثة الأخيرة والأكثر ثراءً من حيث الأفكار والصوت. لا زالت النتيجة جيّدة ومتماسكة، ليس بالطبع أفضل أعماله، ولكن قد يكون من أفضل ألبومات هذا العام؛ ما يعكس قدرته العالية كمنتج.
Yara Asmar – everyone I love is sleeping and I love them so so much [Hive Mind Records]
“لا يوجد مستقبل أشتاق إليه، والماضي لا وجود له بالنسبة لي. هناك حاضر ضخم، ممتد، ومروّع يلتهم كل ما يعترض طريقه. هذه التسجيلات متجذّرة بعمق في الحاضر، في الأصوات التي تتسلّل إلى منزلي الذي أبذل جهدًا كبيرًا لأبقيه هادئًا، في الأصوات التي أحملها في جيبي، وفي الأصوات التي أجد فيها ملاذي.” تصف يارا أسمر بهذه الكلمات ألبومها الجديد على تسجيلات هايف مايندز، وصف يجعلنا نتوقف عنده بالأخص مع هوس جزء كبير من المشهد الإلكتروني بالمستقبل.
يشهد الألبوم على تغّير في صوت المنتجة اللبنانية، في حين أن الطابع المحيط والتأملي لا زال حاضر، نسمع أساليب تختلف عن ألبوميها السابقين مثل توظيفها للقوس على أشياء معدنية، تسجيلات ميدانية وأكورديون وصناديق موسيقى أقل، واستخدام لقسم المطارق وخامات معدنية وزجاجية.
تنتقل يارا إلى مرحلة جديدة من مسيرتها، إذ تجدد صوتها بهذا الإصدار القوي وتؤكد أن لديها الفضول لمزيد من التجريب وعدم الاتكال على صوت واحد.
BJ Holy – Broken Horns [SCORPIO RED]
يعد الألبوم الأول للمنتج بي جاي هولي واحدًا من كنوز باندكامب المخفية، وبالطبع ليس هناك مكان أفضل لإطلاق الألبوم من تسجيلات سكوربيو رد لمؤسسها كلمان دوران.
يملك بي جاي هولي خيالًا تجريبيًا نفتقده كثيرًا مؤخرًا، حيث لا يحاكي أحد. ينساب الألبوم بسلاسة بالغة، جامعًا بين التراكات المحيطة وأخرى تغازل الإندستريال من بعيد وألحان جميلة تسيطر على المستمع من الوهلة الأولى. يأتي توظيف الغناء والأصوات البشرية صائبًا للغاية. ألبوم غني موسيقيًا، يتجدد مع كل تراك، مبدع ويستحق كل تقدير.
Obeka – A World No More [YUKU]
كثيرًا ما ينسينا عامل الزمن المصدر الأساسي لموسيقى البايس البريطاني والموسيقات المتأثرة بثقافة الساوند سيستم. قد يبدو الأمر ورديًا داخل المجتمعات وفقاعة المشهد الموسيقى المنفتحين في المدن البريطانية الكبيرة تجاه ثقافة الشتات الكاريبي والأفريقي، لكن يأتي ألبوم الفنان البرمودي، أوبيكا، لتذكيرنا بتاريخ وحاضر محمل بالعنصرية والطبقية والاستعمار. إضافةً إلى ذلك يذكرنا بتأثير المهاجرين على جزء كبير من الموسيقى المتداولة في المشهد الإلكتروني الإنجليزي وخارجه.
يخطف الألبوم المستمع من أول ثلاثة تراكات، إذ ينفّس أوبيكا عن غضبه عن طريق البايس وتراكاته التي تغلي بالإيقاعات. نستمع هنا إلى طيف واسع من أصوات الدانسهول والدَب والجوم والكودورو والدبستب، والأجمل في ذلك أنها لا تتوقف عند أصواتها الكلاسيكية.
إصدار متماسك، غني ثقافيًا وإنتاجيًا، يسلّط الضوء على فنان ذي رؤية ملحة في الوقت الحالي.
