كلن على همه سرى | من الأغاني السعودية إلى الأمثال الشعبية وبالعكس

قوائم - كتابة: عمر آل عبد الهادي - ٢٠٢٦/٠٦/١٠
كلن على همه سرى | من الأغاني السعودية إلى الأمثال الشعبية وبالعكس
تحميل...

في كل مناسبة تحضر كلمات الأطلال بتغريدة أو منشور: “واثق الخطوة يمشي ملَكًا”، أذهب لأصدقائي مشيرًا: هل كنتم تعلمون أنها في الأصل بيت من قصيدة كتبها إبراهيم ناجي قبل أن تحولها أم كلثوم إلى أغنية؟ في أغلب المرات لا أتفاجأ وأسمع الردود ذاتها: “ظننتها مقولة معروفة واستخدمت في الأغنية” أو بيت للمتنبي. 

دومًا مع الأغاني تصبح عملية الحفظ والاستحضار مضاعفة. على سبيل المثال، يروى أن أعرابيًا أسلم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فبدأ يعلمه الصلاة وعدد ركعاتها، لكن الأعرابي لم يحفظ، خلط بين الأربع ركعات والثلاث. فهِم عمر أن الذهن يستجيب للنغم أكثر من الرقم، فقال: “إن الأعراب أحفظ شيء للشعر” ونظم له الفرائض:

إن الصلاة أربعٌ وأربع
ثم ثلاثٌ بعدهن أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيَّع

في الأغاني الخليجية يصعب أحيانًا توثيق وتحديد ما إذا كانت تلك الأبيات من الأساس قصيدة مغناة ونعيد ترديدها بشكل يومي اعتقادًا منا بأنها مثل شعبي، أم أنها جزء بالفعل من الأمثلة الشعبية أو القصائد الدارجة وتموضعت في قالب غنائي؛ كما في أغنية في أمور لراشد الفارس “أدري ما نيل المطالب بالتمنّي بس عمري عشته وياك اتمنى”، أو مقولة “مصير الحي يتلاقى” التي أضاف عليها لطفي زيني بصوت طلال مداح “ويتهنى مع احبابه”، وعبد الله الشهري بصوت ذكرى “ونار الشوق حراقة.” حتى في قصيدة الشاعر اليمني حسن المحضار “ومهما قفّلوا الطاقة” التي غناها عبد الله الرويشد، أو كما يقول مزعل فرحان “مصير الحي يتلاقى ولو هي طالت الأيام.”

في التالي أبرز الأمثلة التي تشمل الاحتمالين.

سرى الليل | راشد الماجد

يشاع استخدام “سرى الليل” في الشعر وتحضر مثل اللازمة التراثية، تنتقل بين الفولكلور البحريني في أغنية مثل “يا ساري الليل” التي غناها طلال مداح، إلى التراث اليمني “سرى الليل وأنا نايم على البحر” التي غناها محمد عبده، ورابح صقر “سرى الليل ما حي فطن لي”، أو حتى “من وحي الحبايب” لليمني عوض أحمد واشتهرت بـ”وا ساري سرى الليل.” تغنى بهذا المطلع الكثير من الفنانين أبرزهم جورج وسوف وعمر العبد اللات ووائل جسار، وتحضر في كثير من دبكات المجوز في بلاد الشام. يقول الشاعر عبدالعزيز المتعب:

سرى الليل وحنّا ما سرينا

يتسلل هذا الشطر الى ألسنتنا بعفوية ويختزل معاني ثقل الوقت، وعتاب التأخير أو التردد في المواقف الروتينية، فأصبحت مقولة جاهزة للاستخدام في مجالسنا ومنشوراتنا الساخرة. صدرت الأغنية ضمن ألبوم المسافر عام ١٩٩٦.

سرى | رابح صقر

تُتداول في المنتديات قصة قد تبدو حقيقية لشرح هذا الشطر: أن رجلًا هو وامرأته كانت لهما بنت في سن الزواج، وكانت لديه ناقة يريد بيعها، وعندما حل الربيع ذهب هو وامرأته وابنته يخيمون في البر لترعى الناقة وتأكل. أتى لهم رجل وأشار بيديه ملقيًا السلام، فقال الزوج لأمرأته ما رأيك؟ ظنًا منه أن الرجل يريد شراء الناقة، وقالت الزوجة إن المكان مناسب لاعتقادها أن زوجها يسأل عن راحتهم في المكان، وقالت البنت: “والله مدري مير اللي تشوفونه إن كان صالح تزوجته”، تنهد الزوج وقال:

كلن على همه سرى وأنا على همي سريت

قد لا تكون هذه القصة أكثر من أسطورة نسجها الخيال الشعبي لتفسير الأثر الذي تركه رابح صقر عندما تغنى بهذه الكلمات.

صدرت الأغنية ضمن ألبوم رابح ٢٠٠٢، بعد انقطاع عن الساحة استمر قرابة خمس سنوات إثر احتكار فنون الجزيرة، التي جددت عقد رابح تلقائيًا وأبطلت عقده مع روتانا الذي استمر قرابة ٧ أشهر. تظل هذه القضية مجهولة التفاصيل.

مجموعة انسان | محمد عبده

في عام ٢٠٠٠ صدر ألبوم مجموعة انسان، وحمل عدة أغاني منها سرى الليل التي سبق ذكرها، كذلك كالحلم جئت التي كتبها غازي القصيبي. أما بالنسبة لأغنية مجموعة انسان التي صاغت مثلًا بصريًا نردده في كل مرة نعيش فيها حالة صراع، إذ يقول الأمير خالد الفيصل:

في عيني اليمنى من الورد بستان / وفي عيني اليسرى عجاج السنين

تمثيل بصري يهرع إليه الناس لوصف حالة المقارنة بين أمرين، والمفارقة الساخرة على حسب السياق وتأتي تلك المفارقات في أغلب أبيات القصيدة بدءًا من “من كل ضد تلقين فيني” حتى الليل والنهار والفرح والحزن، وكذلك شطر “أضحك ودمعي حايرٍ وسط عيني” الذي يشبه قصيدته الأخرى الونّة، حين قال: “أون وكلٍ يحسب اني أغني / عليل وكلٍ يحسب اني مداوي.” 

من الأبيات الأيقونية في الأغنية التي كانت ذروة التضاد وجمعت بين الأنفة والرقة “تهزمني النجلاء وانا ند فرسان”، حيث يقبل الفارس الهزيمة باختياره، ولا يستعر من هزيمته لأنها لم تأت من عدوٍ ند ولكن مما هو أعنف، عيون النجلاء الواسعة.

يقول من عدى | محمد عبده

ظهر الشاعر علي بن حمري في مقطع مجيبًا عن سؤال لماذا لا تعطي قصائدك لبعض المغنين لتغنى، فقال إن بعضهم يدمرون القصائد، الا محمد عبده مستشهدًا برائعة السديري يقول من عدى: “محمد عبده يصهر الحديد، هو اللي منجّح يقول من عدى على راس عالي، وش عرّف اللي عمره ١٥ و١٦: ’تلعب به الأرياح مع كل نسناس’ يبغالهم مترجم جوجل. محمد عبده نجحك ودرسك وفهمك ووصلك المعنى بدون لا تسأل أبوك.”

المستريح اللي من العقل خالي

رائعة الأمير محمد بن أحمد السديري التي تغنى بها محمد عبده في ألبوم المعاناة عام ١٩٩٥، وتعتبر من أشهر القصائد النبطية المعاصرة المشحونة بالرموز التي تصف حالات الضيم والخيبة ولا تخلو من الحكم والعبر. يجري التعامل مع هذا الشطر على الإنترنت كـ ميم، وتعليق أو ردة فعل على شخص خالٍ من المسؤوليات، مع تبديل مفردة العقل بـ الهم لسبب ما.

تأصيل الدارج

نكتشف عند تذوقنا للفن أن ذاكرتنا الشعبية أصبحت محفوظة بإيقاعات صاغها الفنانون: فعندما نمنح أنفسنا حكمًا نهائيًا نستشهد بأحلام الشامسي “ما يصح إلا الصحيح” لإنهاء أي جدل، وفي أغنيتها قول عني ما تقول نجعل من شطر “واللي ما يطول العنب حامض عنه يقول” ردًا على عجز الحساد. في سياق آخر، وظّف راشد الماجد في أغنيته ضيعتني المثل القديم: “اللي ماله أول ماله تالي” تمامًا كما أكدها نبيل شعيل بنبرته المغايرة في قوله: “اللي ماله أول / شيء أكيد ماله تالي.”

أيضًا، كلما أردنا إعلان عزة النفس أمام الجفاء نهتف مع محمد عبده “من تغلى تخلى” في أغنية أقرب الناس، حتى نصل في النهاية إلى اللحظة التي نردد فيها رائعة منصور الشادي (البلوي)، الأماكن: “كل شي حولي يذكرني بشي.” لنكتشف أن ذلك الشيء هو حالة امتزاج معقدة اختلط فيها الحابل بالنابل، فالأغاني استعارت الموروث الشعبي حتى ذابت فيه، ونحن في المقابل نسبنا للأغاني أصالة الكلمات واقتبسنا منها دون أن نشعر.

مع هذا الذوبان يصبح التوقف والنبش وراء هذه الأصول مهمة بالغة الصعوبة والتعقيد، إذ يتوجب تفكيك وعي جمعي تلاحمت تفاصيله للفهم الحقيقي لكيفية ظهور هذه الأمثال وإعادة الاعتبار للسياق الأول التي خرجت منه قبل أن تتحول إلى ملكية عامة.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف