كبسة معازف ١٢

كبسة معازف - كتابة: رامي أبادير - ٢٠٢٦/٠٢/٠٣
كبسة معازف ١٢
تحميل...

بدأ هذا العام بإعلان هام من قبل باندكامب بمنع المنصة للموسيقى المولدة حصريًا بالذكاء الاصطناعي. شمل القرار أيضًا الموسيقى التي تحتوي جزءًا كبيرًا أو أساسيًا تم إنتاجه بالتقنية نفسها. لم تعلن باندكامب بعد عن آلية فلترتها للموسيقى، لكنها دون شك خطوة إيجابية وهامة بالأخص في التوقيت الحالي مع تنامي موسيقى الإيه آي على المنصات الأخرى بشكل مبالغ فيه. 

حددت باندكامب موقفها برسالة قوية يمكن تلخيصها بانحياز المنصة لتمحور الدور البشري.

استقبلت الأغلبية العظمى من الفنانين والمستمعين الخبر باحتفاء، بالأخص من المشهد الإلكتروني. لكن من بين الأصوات التي عارضت هذا القرار كانت مجموعة من التويتات لهولي هرندون على إكس. كان ذلك متوقّعَا من جهة كونها من أشد المتحمسين للذكاء الاصطناعي وتوظيفه في الموسيقى وتجاربها الصوتية مع شريكها مات درايهرست. تشهد مشاريعها مثل ألبومها بروتو وبنتها الإيه آي الملقبة بـ سبون ومشروع هولي+ ومعرض ذا كول وحماسها من قبل للـ إن إف تي لشغف شديد تجاه التكنولوجيا. لكن من جهة أخرى بدا اعتراضها على موقف باندكامب غريبًا، حيث أنها تؤكد دائمًا على نهجها الأخلاقي في توظيفها للذكاء الاصطناعي، فتنقيبها عن الداتا وتدريب نماذجها لا يتم إلا بموافقة المتعاونين معها وأصحاب الداتا. 

بالتالي فإن هرندون وغيرها من متبعي النهج الأخلاقي في الأغلب سيتم استثنائهم من معادلة باندكامب، فهي وأمثالها أبعد كل البعد عن الحسابات التي تغرق باندكامب وسبوتيفاي وديزر ويوتيوب بكم ضخم من الموسيقى المولدة بنص توجيهي، غالبًا ما تلجأ إلى سونو أو يوديو وغيرها من الشركات التي تعاني من إشكاليات أخلاقية خاصة بحقوق الملكية. 

مع ذلك، بدا اعتراض هرندون بسيل كبير من التويتات كمن يدافع عن الذكاء الاصطناعي؛ وهو بالفعل قلب مشروعها الذي استثمرت فيه برؤية يوتوبية تعود بنا إلى الحديث عن فكر السولار بانك ونظريات ما بعد إنسانية، خاصة بالتعامل مع التكنولوجيا بطريقة من الممكن أن يرتقي بها الإنسان. أرى أن هرندون وأمثالها أسيري العقد الماضي، حيث أن ما تغفل عنه هرندون وغيرها من المتحمسين لقدرات الذكاء الاصطناعي أن الواقع المادي يفرض نفسه، حيث أن التغيرات المادية التي حدثت في السنوات الأخيرة من تنامي خطر الذكاء الاصطناعي وتوحشه من قبل شركات رأسمالية ذات نزعات كولونيالية وأغراض رقابية وإبادية وتسليحية، إضافةً إلى تغلغل هذه التكنولوجيا في حياتنا اليومية في الموسيقى والفنون والسوشال ميديا، جعل العديد من الفنانين والمتابعين للمشاهد الموسيقية ينفرون من الذكاء الاصطناعي، ويجعلهم أكثر ميلًا إلى الجانب البشري. 

حتى في حالة تناوله بطرق أخلاقية كما يحدث في الأوساط الأكاديمية، ينم هذا عن انفصال عن الواقع في حالة الحماس الشديد وعدم وجود حس نقدي تجاه هذه التكنولوجيا والقائمين عليها من شركات رأسمالية وسياسات دول  توسّعية. من ناحية نرى فنان مثل براين إينو المعروفين بشغفهم التكنولوجي يعترض وينتقد سياسات شركات بعينها وتوظيفهم للذكاء الاصطناعي، نرى هرندون تنتقد باندكامب لأن المنصة على حسب قولها لن تستطيع أن توقف الذكاء الاصطناعي، كونه الوسيط المحدد للعصر. 

تدعونا هرندون والمتعطشون للتكنولوجيا إلى التماهي، فإذا افترضنا أن الذكاء الاصطناعي يحدد العصر بصبغته الليبرالية والرأسمالية فهل من الواجب أن يحدد أيضًا الموسيقى وصناعتها دون الاشتباك مع ذلك ومقاومته؟ قد يكون كلام هرندون صالح قبل ست سنوات، قبل أن تتضح الرؤية تجاه هذه التكنولوجيا، أي أثناء ترويجها لإبنتها سبون الإيه آي، التي صراحةً لا أرى أن كان لها أي قيمة مضافة إلى موسيقى ألبومها بروتو. 

قد يحمل كلام هرندون نوعًا من الصحة، فبالفعل يلهو الذكاء الاصطناعي بيننا في الموسيقى والفنون في السنوات الأخيرة، لكن ما هي النتيجة بعد هذه السنوات؟ أسمع البعض يقول ربما لم تأت ثمارها بعد، وإن أتت بالفعل ثمار تدميرية في مجالات أخرى، لكن في حقب زمنية مضت لعبت التكنولوجيا دورًا فعالًا للغاية لخلق مشاهد على الأرض وأصوات وجنرات موسيقية. بالطبع كان هناك نوع من مقاومة تكنولوجيات مثل الدرام ماشينز والأوتوتيون والسنث وغيرها، لكن في فترة زمنية قصيرة اتضحت فائدة وقدرات هذه الأمثلة بشكل مادي، على عكس الذكاء الاصطناعي الذي لم تتعدَّ قدرته المحاكاة وحصاد بيانات موجودة من الإنترنت وصناعة أو توليد موسيقى أشبه بالمحتوى، وفي أحسن الأحوال توفير الوقت.

كان العقد الماضي حافلًا بتيارات تسارعية تدعو إلى الانغماس في التكنولوجيا وانتزاعها من الرأسمالية، للأسف لم يسفر ذلك عن نتائج تذكر وبقيت مجرّد نظريات. لكن من الواضح أن هناك من لا يا زال منفصلًا عن الواقع وغير مدرك للحاضر المظلم أو مهتم بتغييره، فقط تكرار الأخطاء نفسها والتماهي والهروب إلى مستقبل ما.

هناك إصرار على الانبهار بما هو جديد دون أدنى نقد، كأن مثلًا لم تكن ظاهرة الإن إف تيز درسًا قاسيًا. في حين أن التكنولوجيات الموسيقية التي قامت بالفعل على مشاركة جماعية وفي مشاهد موسيقية بعينها وبمجهود بشري عابئ بالثقافة على الأرض هي التي كُتب لها الاستمرار، فأي ثقافة يستند عليها الذكاء الاصطناعي؟


Sully – The Still [GD4YA]

ينجح سولي مع كل إصدار في جذب انتباهنا وخاصةً محبي اليو كاي بايس، مع الحفاظ على جودة إنتاجه ومفاجأتنا دائمًا مع كل تراك جانغل يصدره.

في إصداره الجديد، ستيل، المكوّن من تراكين وريمكسين، يأخذ سولي توجهًا أكثر غموضًا وقتامة، لكن دون استعادة النيورو فنك. تنساب الإيقاعات بديناميكية وبخامات غير معتادة بالأخص في تراك لايز الذي يتألق فيه في تقطيعات الدرامز والتلاعب بها بحس بشري متقن. إضافة جديدة إلى جنرا لن تنتهي أبدًا.

Shackleton – Euphoria Bound [AD 93]

يعود شايكلتون إلى جذور صوته الألفيناتي محملًا بخبرة وفضول كبير تجاه ثقافات شتى اكتسبها على مدار سنوات ومن خلال تعاوناته المختلفة، لينعشنا بأحدث ألبوماته. من غير المجدي تصنيف الموسيقى هنا تحت أي جنرا، فقط شايكلتون في أبهى صورة له.

يتدفق كل تراك كوصلة حية يتبّع خلالها المنتج الإنجليزي حدثه ممطرًا إيانا بسيل من الإيقاعات والسنثات والمشاهد الصوتية وتأثير الدَب والبايس، مسورًا إياهم بلمسته السايكدلية التي يحافظ عليها على مدار السنوات الأخيرة والتي تدمج بين حالات من الهلوسة والترقّب والتنويم. ألبوم ممتع مثير للتأمل، وغني موسيقيًا.

Various Artists – Pornographic-Time, Vol. III: The Horizonless Interface [Drowned By Locals]

أطلقت تسجيلات دراوند باي لوكالز الجزء الثالث والأخير من سلسلة ألبوماتها التجميعية، احتفالًا بمرور خمس سنوات على إنشائها. يضم الإصدار توليفة متجانسة من فناني المشهد الإلكتروني وأسماءً لامعة مثل إيوماك وألكس وانج وساينت عبد الله وتشينو أموبي ودي جاي داي سون وإلفن براندي و١١٢٧ وجوووووز.

يعد هذا الجزء الأكثر شراسةً وقلقًا وغموضًا من بين الأجزاء الثلاثة، جرعة مناسبة من الضجيج والأصوات الملتوية والإيقاعات الصادمة تشبع شهية المستمع الفضولي القابل للاستفزاز.

Various Artists – Tempa Allstars Vol. 9 [Tempa.]

كان العام الماضي حافلًا بالنشاط والإصدارات لدى تسجيلات تمبا، وعودة حقيقية لها. توّجت تمبا ذلك بألبوم تجميعي يعد خلاصة هذه الإصدارات وأفضل التراكات التي نزلت. 

تحمل جميع التراكات طفرات في الدبستب وتبعد عن النزعة الاستعادية، لعل تراك ٩٦ باك خير مثال على ذلك. كما يحتوي الألبوم تراكات لـ سليكباك وكاري وهودج ودي١ وغيرهم. ثمانية تراكات تعطي نبذة عن حالة الدبستب اليوم واستمراره في التنوع والتغيّر.

Molecular – One Dub [1985 Music]

يأخذنا موليكيولر في الجزء الغامض من الدرام أند بايس، يصيغها بخامات متنوعة من البايس. لا يتوقف الأمر عند خطوط بايس مصاغة بـ سيرم مثل العديد من إصدارات الدرام أند بايس والدبستب، بل يملك المنتج البرتغالي سردًا موسيقيًا صلبًا، موظفًا جميع عناصر الجنرا ببراعة. كما نتبين مع المزيد من الإمعان وفرة الأنسجة الصوتية التي تتسلل في التوقيت الأمثل. 

يتّبع الإصدار نهجًا تقليليًا وتبرز فيه تفاصيل من الدَب التي تكسب التراكات مذاقًا خاصًا.

Seven Orbits – EP0002 [Self-released]

بعد إصداره القصير الأول على تسجيلات سبكالت الذي تلاه بألبوم ملفت للغاية بالتعاون مع تي إس في آي، يعود سفن أوربيتس بعد ما يقرب من أربع سنوات بـ إي بي٠٠٠٢. ثلاثة تراكات تشهد على تصميم صوتي حرفي، يعتمد على التلاعب بالديستورشن لصياغة أنسجة صوتية حادة وغنية تندمج مع الأنماط الإيقاعية كسبيكة صلبة. 

لا يبالغ سفن أوربيتس في الخامات المشبّعة والحادة، حيث يأتي توظيفه لها بحرص وخبرة تتيحان التراكات خلال ساعات الذروة في حلبة الرقص، مع الاحتفاظ بتأثير الإنتاج الكثيف والديناميكي والضاغط على الصدور بفضل السب بايس والإيقاعات المتشابكة.

T.NO – CODEX [Self-released]

برز اسم تي.نو العام الماضي في الموسيقى الراقصة بسبب هجينه سهل الهضم المكوّن من موسيقات شتى والتي تظهر في الوجه. في ألبومه الأحدث، كودكس يسير تي.نو على نفس الطريق، بهجين من الجوم والأمابيانو المسرّعيْن.

هناك نقطة تفصل بين أي هجين موسيقي والماش أبس، تقترب بعض لحظات الإصدار منها، لكن سرعان ما يوجّه تي.تو عجلة القيادة إلى الطريق الصحيح، مستعينًا بكثير من التنويعات الإيقاعية واللحنية. إصدار قوي، محمّل بإمكانيات وأفكار إلى الموسيقى الراقصة الوظيفية.

ZIZO – El Dayra [PATCHWORKS]

في أولى تجاربه الراقصة، نزّل زيزو ألبومًا قصيرًا، الدايرة، على تسجيلات باتش ووركس، مسفرًا عن تجربة ناجحة. أربعة تراكات راقصة مصحوبة بإشارات وأصوات مصرية يعالجها زيزو في إطار راقص مستعينًا بإيقاعات متشابكة تتوالى كصدمات من الكيكّات والطبلة والرق.

انطلق الألبوم من ديمو بسيط أثناء سفر المنتج المصري من لندن إلى القاهرة، ليحمل في النهاية طاقة عالية إلى حلبة الرقص. إصدار صلب، يحفّز حماسنا لمزيد من الإصدارات بصوت مماثل.

Praktikal – Magenta [Markham Road Records]

يعد براكتيكال واحدًا من الوجوه الشابة والهامة في المشهد الصربي في بلجراد، ومن أكثر الدي جايز الذين من الواجب تسليط الضوء عليهم لمهارتهم.

في ثاني إصدار له يأخذنا براكتيكال إلى اللحظات الإحمائية في ليلة راقصة؛ ثلاثة تراكات ذات طابع تقليلي ومسترخي مغلّفة بالبايس وألحان تتسلل في خبث. تأخذ بنية التراكات مجراها وتتطور وتتنوع تدريجيًا ليأخذ الراقصين والمستمعين كفايتهم منها دون إسراف. كما يحتوي الإصدار ريمكس للمنتج فيلونيزي، يعيد صياغة التراك الرئيسي في إطار دب. 

DJ Narciso – DENTRO DE MIM [SVBKVLT]

بعد بضع سنوات من تعاونه السابق مع إند جايم على تسجيلات سبكالت، صدر الألبوم الفردي الأول لـ دي جاي نارسيسو محتويًا سبعة تراكات وريمكسين لـ كوب-زي وسويمفول. يستمر دي جاي نارسيسو في تجريبه في الكودورو والتاراشو مستعينًا بخامات إلكترونية غير مألوفة لدى الجنرتين، مطعمًا إياها بطابع يميل إلى التوتّر.

يعد الألبوم بذرة مبشّرة لتغيير صوت الجنرتين ورغبة في الخروج إلى صوت جديد لا يزال مجهولًا. أثناء بحثه وتجريبه، يحتفظ المنتج البرتغالي بديناميكيته الإيقاعية المعهودة.

Ursula Sereghy – Unlock [Gin&Platonic]

قبيل نهاية العام الماضي، فاجأتنا تسجيلات جين أند بلاتونيك بألبوم قصير للمنتجة التشيكية أورسولا سيريجي. توظّف أورسولا دائمًا مقتطفات من صوتها عن طريق سمبلته، لكن هذه المرة تنحي الخجل جانبًا وتغني بصوت جميل في ثلاثة تراكات، إضافة في محلّها من الواجب الاستثمار فيها.

يكشف الألبوم عن الدقة المعتادة لـ أورسولا من حيث توظيف العينات الميكروسكوبية والتقطيعات القصيرة وألحانها المبهجة، بالإضافة إلى إنتاج يغطي طيفًا واسعُا من الموجات. مع ذلك، تأتي بعض التراكات بمثابة فرص ضائعة، فبرغم جمالها واحتوائها قدرات كامنة، يحدّها قصرها وإنهاؤها بشكل مفاجئ.

Reinartz – Irradiated [appendix.files]

إصدار جديد من تسجيلات أبنديكس.فايلز ذات الجودة الثابتة والأداء منتظم الوتيرة. ألبوم جديد والإصدار الثالث للمنتج المقيم في برلين راين أرتس. يعود بنا الألبوم المكوّن من ثمانية تراكات إلى دب تكنو التسعينات من حيث أصوات السنثات، مصحوبًا بإنتاج معاصر وطابع شخصي لا يرتكز فقط على الماضي.

يأخذ راين أرتس المستمع إلى عالمه الضبابي اللحني والمكوّن من مشاهد صوتية واسعة وتجانس وتدفق محكم بين التراكات وبعضها لتسفر عن نتيجة أشبه بوصلة حيّة. ألبوم جميل يعكس مجهودًا إنتاجيًا واضحًا وعناية بالتفاصيل، مكافئًا مستمعيه بتجربة سمعية مريحة.

Francesca Heart – Cognitive Silk [Self-released]

يبعث ألبوم فرانشيسكا هارت إحساسًا بالراحة، كمن يطفو على سطح مائي وتداعبه الريح بخفة. تنقل الفنانة الإيطالية متعددة الوسائط هذا الشعور بالسنث والتسجيلات الميدانية وآلات نفخية لتأسر المستمع بسحر خاص. 

ستة تراكات ذات بنية رخوة مصحوبة بخامات وألحان رقيقة، تناسب الاستماع المتمعن وهذه الفترة من العام التي دائمًا ما تلقى فيها الموسيقى المحيطة ضالتها.

EXLRUTH – Romeo’s Fall [Accidental Meetings]

يمكن وصف ألبوم إكسلروث بعناصر صوتية قليلة ذات أثر هائل. يتمركز الإصدار حول صوت إكسلروث الساحر مع ملامح إلكترونية والكونترباص، ليسفر ذلك على أربعة تراكات ذات قدرة تعبيرية وأداء بالغ الشاعرية.

من السهل تخيل عرض حي للألبوم في إحدى الكنائس أو قاعات ذات ريفرب طويل المدى. ألبوم رائع لا يمل منه، سهل التعلّق به، والأهم، إنه قادر على إشباع عطش المستمع الذي يفتقر العنصر البشري الخالص في الموسيقى.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف