جميعنا على دراية بذلك المشهد ورأيناه عشرات المرات في أقل الأحوال؛ مغني أو مغنية في عروض حية، يعتلون منصات عرض ذات مساحة كبيرة أمام حشد ضخم، يتمخترون بثقة أو بعدم اكتراث بينما تُلعب الموسيقى الأصلية في الخلفية ونستطيع سماع الغناء المسجّل بوضوح. نشاهد الشخص المؤدي واقفًا مؤديًا حركات أو شبه رقصات ممسكًا بالمايكروفون كما لو كان زجاجة مياه.
البلاي باك موجود منذ الثمانينات؛ وليس هناك مثال أفضل من عروض توب أُف ذَ بوبس في إنجلترا، التي تشبعت بغناء البلاي باك في التسعينات حتى توقف العروض في منتصف العقد الأول من الألفية.
ساعد مشهد التراب في أمريكا على انتشار الظاهرة بشكل أوسع لتطول الرابرز في أوروبا والمنطقة العربية وباقي العالم، بالإضافة إلى مشاهد موسيقية أخرى. يؤدي الرابر على المنصة على التراك الأصلي دون حذف سطور الراب المُسجلة، ومن حين لآخر يلقي بعض السطور بأوتوتيون منشزًا خارج سلّم الأغنية الموسيقي، بعد أن جرح صوته خلال أول ربع ساعة من العرض من فرط الحماس.
زاد الأمر في عروض البوب، لنفاجأ بانتشاره في الآونة الأخيرة في المشهد الإلكتروني، ولدى الفنانين الذين يشغلون المنطقة التي تتلامس عندها الموسيقى الإلكترونية مع البوب.
أشعر أنه في السنوات الأخيرة على قدر ما بات هذا المشهد مألوفًا، هناك نوع من التصالح والقبول بشكل واعٍ وغير واعٍ، فما يبحث عنه الجمهور أثناء العروض الحية هو “الفايب”، الحالة العامة، لتعد قدرة المغني على الغناء الحي شيئًا هامشيًا.
لا أود عقد مقارنات أو قياسات كثيرة لتوضيح تردي هذا النوع من “الأداء الحي”، لكن سأكتفي بواحدة بشكل موجز؛ لنتخيل دي جاي في مهرجان كبير وقد سجّل وصلته بالكامل مسبقًا وقرر لعبها كما هي أمام الجمهور. أمر مؤسف.
من لم يختبر هذه العينة من العروض، فبالفعل قد رآها على ريلز وبوستات إنستجرام، وقد ينبع تصالحه معها من تأثير الصورة عند رؤية المغني أمام حشد ضخم والكل سعيد في اللقطة القصيرة من العرض، أو الصورة عالية الجودة التي تعد أشبه بلقطة من عرض أزياء. في نفس الوقت تتزايد أرقام اللايك والتعليقات، فيشعر الشخص بضغط الأقران ويتماهى كليًا مع هذا المشهد دون التساؤل عن “لماذا ليس هناك غناء حي حقيقي؟”، طالما أن “الفايب” حماسية.
أعتقد أنه ليس هناك جدوى حقيقية من حضور هذه النوعية من العروض الغنائية، طالما يشوب مغنيها الكسل وعدم الاكتراث ولم يبذلوا الحد الأدنى من المجهود الذي يؤهلهم إلى اعتلاء المنصة أمام حشود كبيرة من الجمهور. يتطلب اعتلاء المنصة تمرينًا على الغناء، حتى وإن أخفق المغني في بعض لحظات العرض، فالعامل البشري بأخطائه مقبول.
بالفعل لا يزال هناك مغنين ومؤدين على قدر عالٍ من الثقة والمهارة ومؤهلين للعروض الحية. تطرقت إلى بعضهم في مقدمة كبسة معازف ٩. ليس هناك مثال أفضل من رابرز الجرايم في إنجلترا التي تطول قائمة أسمائهم، والذين لا زالوا متمسكين بصلابة عروضهم الحية.
من المهم احترام الجمهور، أو هذا الجزء منه الذي يزال يطمح في تجربة حية حقيقية، ما يبرر سعر التذاكر الغالية في خضم وضع مالي حرج لدى الكثيرين. يستحق الجمهور الحد الأدنى، وسقف حديثنا هنا لا يقترب حتى من ما هو أفضل. من المهم أيضًا أن يأخذ قيمي المهرجانات هذه المسألة في الاعتبار بجدية.
غير ذلك، أظن أنه من الأفضل الاستماع إلى الموسيقى في منازلنا أو الاكتفاء بتصفح الإنستجرام في بؤس.
ألبوم الشهر
Vladislav Delay Quintet – vd5 [We Jazz Records]
من المنتجين القلائل الذين ينجحون في كل قرار فني على مدار ثلاثين عام. من الموسيقى المحيطة والجليتش والهاوس إلى النويز والفوتوورك والهاردكور وغيرها من الموسيقات، لا يزال فلاديسلاف ديلاي قادرًا على إبهارنا في ألبومه الجديد في دي ٥ متبحرًا هذه المرة في الجاز.
دائمًا ما وُجد عنصر جاز في موسيقى فلاديسلاف ديلاي، لكن هذه المرة تصل معادلة الجاز إلى مداها الأقصى بفضل اعتماده على خماسي جاز تتصدره النحاسيات والبيانو والعزف الحي. يسود التراكات العشرة حالة من القلق ويدرك فلاديسلاف الديلاي اللحظات المناسبة من أجل الانفراجة واللحظات الهادئة التي تمتص الصخب والألحان المتنافرة والديناميكية المتقلّبة.
Martyn – Music for Existing [3024]
“إنه استكشاف عميق لما يعنيه التفاني في حرفة ما، في حقبة تعج بالضجيج الذي لا يهدأ.” هكذا يصف مارتين ألبومه الطويل الخامس ونستشف ذلك بسهولة من أول تراكين. بعيدًا عن ما هو راقص ومتوقّع من دبستب وغراج وغيرها من موسيقى البايس التي اشتهر بها، وبعيدًا عن التريندات الضاربة وموسيقى الخوارزميات والتصفح المهلك للسوشال ميديا والجماليات الإنستجرامية، يفعل مارتين ما يحلو له، حيث يقوده شغفه تجاه الجاز في ألبومه الجديد.
الألبوم منتَج بعناية وحرفية يدمج بين العزف الحي للجاز وعناصر من اليو كاي بايس مع ألحان جذابة مسترخية، إضافةً إلى إيقاعات وبايس حافليْن بالغروف. يأتي الألبوم كمقاومة للواقع الموسيقي المتسارع والتنافسي، دعوة للتركيز وتطرق إلى تفاصيل بدأنا بنسيانها من فرط التريندات والسعي وراء ما هو ضارب. ألبوم ناضج ومتماسك.
Church Andrews & Matt Davies – TILT [Odda Recordings]
طرح تشرتش أندروز ومات دايفيس ألبومهم الخامس، والذي نحسبه أفضل إصداراتهما؛ توليفة بين أصوات السنثات المصممة والمدوزنة بدقة، والدرامز وأساليب متنوعة في لعب الإيقاعات.
دائمًا ما يراودنا الشك عند زعم فنان ذي أذن غربية توظيفه للمايكرو توناليتي، حيث أنه في أحيان كثيرة يسفر الأمر عن انعدام للنغمية وشبه ألحان تفتقر للانسجام، وكل ذلك يُبرر بالـ “تجريب”، أو بمعنى أصح التخريب. يثبت الفنانان خطأ ظننا هذه المرة، حيث يحضر العنصر النغمي المنسجم بقوة، مضافًا إليه حرفية إيقاعية تمزج بين الإيقاعات المتأرجحة والعرجاء والأسّية، بالإضافة إلى الصوت الديجيتال اللامع بفضل استخدامهم المعتاد لسنث الإف إم.
ألبوم شديد الحرفية ومثير للآذان، ومن أكثر الأعمال التي نتمنى رؤية عروض حية لها.
Aho Ssan – The Sun Turned Black [Subtext Recordings]
على مدار مسيرته، شملت أعمال أهو سان أبعادًا مفاهيمية، ليأخذ في ألبومه الجديد استراحة من المفاهيم، منغمسًا كليًا في البعد التعبيري والتقنيات الصوتية.
على قدر تقديرنا لأعمال أهو سان منذ بدايته، يبدو هذا القرار صائبًا للغاية، إذ يفوق ألبومه الجديد جميع ألبوماته السابقة من حيث الجمال. يصل أهو سان إلى قمة إبداعه عند تطرقه إلى ثيمة شخصية خاصة بنشأته كجزء من الشتات الغاني في فرنسا، ليطلق العنان لمشاعر قوية تتكشف من خلال أكثر أعماله لحنية. في الوقت نفسه، لا يزال يحتفظ بعلامته المميزة الخاصة بالضجيج ذي الديناميكية العالية، والمدى المنخفض والأنسجة الصوتية الحادة؛ جميع العناصر التي تصيغ أسلوبه المكثّف الضاغط.
ألبوم مشحون عاطفيًا يبرز مهارة أهو سان في التصميم الصوتي ويؤكد أن لديه المزيد دائمًا ليقدمه.
COIDO x TRAKA – Plazma Shake Pt.1 & 2 [YUKU]
بعد نجاح تعاونهما العام الماضي على تسجيلات يوكو، يعود كويدو وتراكا بأربعة تراكات ذات طاقة راقصة عالية، تجمع أفضل ما في إصداراتهما المنفردة.
يعتمد المنتجان خامات مجرّدة تفرش أرضية للتوتر على مدار التراكات، بالإضافة إلى صوت محشرج غير مفرط في العنف، محتفظًا بديناميكية راقصة تصيب وسط حلبة الرقص. ينعش الإصداران شغفنا بالموسيقى الراقصة، ويضمّان كل العناصر التي تروق لنا، البايس الغليظ والإنتاج المبدع والإيقاعات الملتوية والجروف الذي ينبض بخفة.
Kaval – Lavawheel [Sneaker Social Club]
أتذكر سؤالي منذ شهرين لصديق لي من النقاد الموسيقيين “أين ذهب اليو كاي فانكي ولماذا لم تُكتب له الاستمرارية؟” بصرف النظر عن التحليل المطوّل لصديقي، تبث تسجيلات سنيكر سوشال كلَب الأمل في عودة جنرا قصيرة العمر، من خلال إصدار كافال المكوّن من أربعة تراكات.
يتّخذ المنتج الفرنسي اليو كاي فانكي كقاعدة يذهب منها إلى توجهات راقصة أخرى، ليبتعد تمامًا عن الصفة الاستعادية. نسمع عناصر من التكنو والغراج ويركز كافال على البايس وتدفق سلس من الطلقات الإيقاعية وعينات الفوكالز القصيرة. تراكات مثالية لوصلات الدي جاي الافتتاحية.
Circular Square – Non-Reply Signal [Ommaya Records]
بعيدًا عن الخامات الصوتية المخصصة للدرام أند بايس والدبست، يعتمد سركيولر سكوير هيكل هذه الجنرات وغيرها موظفًا أصواته الخاصة التي تكشف عن خياله الثري في التصميم الصوتي.
يأتي المنتج الفرنسي بصوت متموّج مغلّف بالبايس، وحافل بالأنماط الإيقاعية المتقلّبة، مستعينًا أيضًا بمقتطفات من الهايبر بوب والآي دي إم والجليتش. تناول ذكي للموسيقى الراقصة يجعلها أيضًا مخصصة للاستماع ويدعونا إلى التأمل في التفاصيل والأنسجة الصوتية غير المعهودة في هذه الجنرات.
Tim Reaper – Forever & A Day [STEEL CITY DANCE DISKS]
ألبوم قصير جديد لـ تيم ريبر لمن يبحثون عن ساعات الذروة في ليلة بايس راقصة. خمسة تراكات جانغل تتخللها تعاونات صائبة.
لأول وهلة، لا نفاجأ بشيء جديد يذكر، ليتبدل الأمر كليًا في التراك الثالث بالتعاون مع كلوكي، الذي يدمج بين الدرايم والجانغل بشكل ملفت. يحكم تيم ريبر طاقة الإصدار في تعاونه المرح مع نكتاكس، ليختتمه بتراك يعود بنا إلى هاردكور بداية التسعينات المطعم بالتكنو الذي تكسبه سنثات الرايف والسامبل الغنائية نشوة خاصة.
Async Figure – Unlink Atlas [Sea Cucumber]
يعود أسينك فيجيور بثالث إصدار له على تسجيلات سي كيوكامبر التايوانية. من الترك الأول يمكننا التعرّف على موسيقى الثنائي، حيث بات يتمتع بمعادلة صوتية واضحة.
على مدار عشرين دقيقة تحفل التراكات الستة بألحان جذابة لا تفلت أذاننا، حيث شلالات من السنث السوبر سو وأصوات سنثية أخرى معهودة للثنائي، تستحضر دور الترانس دون الخضوع للجنرا. يمتلئ كل تراك بالحركة وتنويعات إيقاعية تبهج المستمع وتكسب حلبة الرقص ذوقًا إضافيًا.
BADER – Libya on speed – the remix [Sawna records]
تعرفنا على موسيقى بدر عند إطلاق ألبومه القصير الأول على السريع في ٢٠٢٣ لنختاره في العام نفسه واحدًا من الأصوات الجديدة في المنطقة العربية. أسس بدر في العام التالي تسجيلات ساونا (تهكمًا على سوانا) ولا زالت في بداياتها، منعشًا إياها بإصدار ريمكسات لتراك ليبيا أون سبيد.
يعد إصدار ثمانية ريمكسات لتراك واحد بمثابة مخاطرة، لكن جودة المنتجين وسعيهم لإخراج أفضل ما لديهم فرضت نفسها على فكرة الإصدار. تتنافس التراكات في قوتها، ويأتي على رأسها ريمكس ويلا ذو الإيقاعات المتشابكة المعتمد على جانغل حرفي يتجدد من مقطع إلى آخر. على نفس الخط تأتي ريمكسات كلٍ من حمانو وويليلاه لتتبنى أنماطًا إيقاعية متباينة من الدرام أند بايس، بينما يذهب دعمور على عكس المتوقع إلى ملامح التكنو. يأتي اختيار أورتينسيو في البداية بشكل صائب ممهدًا بالدبستب الطاقة المتعاقبة في باقي الألبوم. كما يأخذ عكسوج التراك بشكل مثير إلى الفوتوورك.
الملفت في الإصدار أن جميع من شاركوا فيه نجحوا في إنتاج تراكات أصلية لتفوق فكرة الريمكس، فقط يجمعها عينة صوتية واحدة، وتتباين التراكات بشكل كبير.
Kaloja – A Body of Water [Artetetra]
تستضيف تسجيلات أرتيتيترا الإيطالية الألبوم الأول للثنائي الفنلندي، كالويا. ثمانية تراكات حافلة بسنثات متشابكة وأنسجة صوتية ممتلئة وألحان ذات طابع مرح، حيث يسيطر أداء ديناميكي حي وبنية مائعة مرتجلة.
يملك كالويا صوته السايكدلي الخاص، ويصعب على المستمع توقّع أي شيء من وفرة الأفكار الموسيقية والحس التجريبي المتراكم من خبرات المنتجيْن.
From the Lips to the Moon – From the Lips to the Moon [Akazib Records]
بعد أربع سنوات من العروض الحية، أصدر الثنائي الإيراني الإنجليزي فروم ذَ ليبس تو ذَ مون ألبومه الأول. يمزج الألبوم بين الشعر وفن الصوت والآلات الحية والإلكترونية، مع تعدد طبقاته يبدو كل شيء مستساغ للغاية.
هناك ملامح من الدب والجاز يغطيه إلقاء الشعر بأداءات متنوعة في مقابل العزف الحي بطيف واسع من الآلات، لتتجدد التجربة السمعية باستمرار. يسود الألبوم طابع مرح وعبثي في أجزاء، يوازيه إحساس بالغرابة والغربة وأجزاء مثيرة للتأمل والراحة، ويعد تراك بولدوزر تلخيصًا مكثفًا لما يمكن أن يختبره المستمع في الألبوم. يتقن الثنائي اللعب على المشاعر أو استحضارها تدريجيًا وبالطبع تلعب الكلمات، التي نسمعها كمقاطع مقصوصة، دورًا كبيرًا. ألبوم متنوع يؤكد على بداية إصدارات موفّقة للثنائي.
Tommaso Pandolfi – Tremula Luce [window seat]
يعود الفنان توماسو باندولفي بأول ألبوم له يحمل اسمه، بعد مجموعة من الإصدارات تحت اسم فرذر ست. كعادته يأسرنا المنتج الإيطالي بحسه النغمي الشاعري، مستعينًا بوفرة من السنثات والآلات الحية التي يأتي البيانو على رأسها.
الملفت في هذا الألبوم، تلاعب توماسو ببنية المقطوعات حيث تتطور باستمرار، تاركًا الاعتماد على عنصر التكرار الذي بات مستهلكًا نوعًا ما في الموسيقى المحيطة. يوفّق الألبوم بين أمزجة متنوعة تتجانس بسهولة، من الميلانكوليا ثم السكون، عابرًا إلى التوتّر ومتطرقًا إلى الملحمية، ليسفر عن موسيقى سينمائية. ألبوم جميل، يغمر المستمع في كم كبير من الأنسجة الصوتية والألحان العذبة.
Tegh & Adel Poursamadi – Bayal [Injazero Records]
يستمد شاهين انتظامي وعادل بورصمدي إلهامهما في تعاونهما الثالث من مجموعة قصصية للكاتب الإيراني غلام حسين سعدي، نواح بيل.
تدور أحداث القصص في قرية يسودها الجوع والقهر والوحدة والإحباط والخرافة؛ صفات يختبرها المستمع في الألبوم المشبّع بالغموض وإحساس بالمرارة والحزن. يدمج الألبوم بين سنثات شاهين ووتريات عادل التي تنصهر في بعضها البعض كما في ألبومَيهما السابقَين، لنتبين الطابع الارتجالي للألبوم.
يبعد الفنانان تمامًا عن الصدمة بالضوضاء أو الأصوات الجامحة والمكثّفة، حيث يعتمدان ألحانًا متنافرة غير مستقرة وأداءً زاحفًا متلصصًا ببطء ككيان شبحي يغمر متلقيه بالأسى ويتلذذ بذلك. بيل ألبوم ثقيل، مثير للاهتمام وغريب، يبث توترًا وعدم يقين مرتبطين بواقع نعيشه الآن. لا ينصح به للنفوس الهاربة من الواقع.
