يعود الثنائي تاكاك تاكاك إلى تسجيلات نييجي نييجي مع ألبومهم الثاني، أبو. يتمحور مفهوم الألبوم حول جزيرة بركانية متخيلة لا وجود لها على أي خريطة، وتُعد حصيلة التجارب المتراكمة عبر المواقع الثلاثة التي سُجّل فيها الألبوم؛ يوجياكارتا وشفينتشيونيلياي وبرلين.
مواصلةً للأسس التي أرساها ألبومهما الأول الذي حمل اسمهما وصدر عام ٢٠٢٤، يقدّم الثنائي يوهانيس (مونج) سانتوسو بريبادي، وشيجيرو إيشيهارا، بوتقةً تنصهر فيها الموسيقى التجريبية والضوضائية، وطبول التايكو اليابانية، والجاميلان الإندونيسي. ينسج تاكاك تاكاك الأسطورة والتقاليد بإحكام داخل الموسيقى وعملية إنتاجها الإبداعية، وهو أمر لم نختبره بهذا العمق منذ فترة طويلة. يشع الألبوم بأجواء طقوسية واحتفالية، ويقدّم تعبيرًا صادقًا عن الإرث التقليدي من خلال منظور حديث يجمع بين البراعة التقنية والرؤية الفكرية.
يفتتح الألبوم بتراك هاي نو أوتا، الذي يثبّتنا في حالة من التنويم الهادئ؛ إذ تبني أصوات الغونج ونايات الخيزران مشهدًا صوتيًا آسِرًا يدفعنا إلى تكريس انتباهنا الكامل للحظة، ممهّدًا الطريق لما سيأتي لاحقًا. أما تراك أبو، فهو على الأرجح أكثر أعمال الثنائي تعبيرًا، حيث تتقاطع فيه تأثيرات تمتد عبر طيف موسيقي واسع؛ حيث تتجاور الإيقاعات المتدفقة والأجراس مع ريف جيتار ميتال كئيب وهتافات أجشّة، لتشكّل قطعةً فريدةً.
ما لفت انتباهي خلال النصف الأول من الألبوم الاعتماد الضئيل للغاية على العناصر الإلكترونية، مقابل تركيز أكبر على الآلات التقليدية والعلاقة بين الأنماط الإيقاعية المختلفة، التي تواصل رسم مسار الألبوم باستمرار. تؤدي هذه الأنماط دورًا بالغ التنوع في توجيه مشاعر المستمع طوال الألبوم من خلال تحولات إيقاعية معقدة.
يرتقي تراك أبي في منتصف الألبوم إلى مساحة أكثر طقسية، حيث تتصادم تأثيرات طبول التايكو مع إيقاعات إلكترونية غامرة من الناحية الجسدية ومدى منخفض مهيمن تدعونا جميعها إلى فقدان الإحساس بالواقع. يشكّل التراك دليلًا على الكيفية التي يمكن بها للتوزيعات غير التقليدية أن تفتح آفاقًا جديدة وغير مستكشفة أمام التجريب.
تراك هينو-توري ربما أغرب نقطة التقاء بين الطقس والتطهير الوجداني، إذ تتداخل أنماط الجاميلان مع سينثات متأثرة بموسيقى الجابر وكيكّات لا تعرف التوقف. يُعد هذا التراك أبرز لحظات الألبوم، لما يبرزه من توترٍ بين التكرار التأملي والانفجار العاطفي.
في النصف الثاني من الألبوم، تبدأ الأمور في اتخاذ منحى أكثر غرابة، إذ يصبح الاعتماد على العناصر الإلكترونية أكثر وضوحًا وعمقًا. يمنح هذا التحول الموسيقى إحساسًا بحرية تعبيرية أكبر، بينما يرسّخ المزج بين ما هو تقليدي ومعاصر الأجواء المهيبة التي تميّز تراكات كيلابو نو أوتا ونيمبال ونيجي، رغم أن الآلات التقليدية تظل العنصر الأبرز في التوزيع الموسيقي على امتداد الألبوم.
نجح مونج وإيشيهارا في إثبات أن موسيقى الرايف والطقسية القديمة يمكن أن تتقاسما المساحة نفسها دون أن تطغى إحداهما على الأخرى. كما أثبتا أن التعاونات العابرة للثقافات لا يشترط أن تنتهي دائمًا بمزج تلك الثقافات. في الواقع، يمثّل هذا الألبوم تصادمًا كامل القوة بين ثقافات متعددة، حيث يقدّم كل فنان ما يحمله معه من إرثه الثقافي ومن التجارب الحياتية التي كوّنها عبر احتكاكه بثقافات أخرى.
لا شك أن أبو ألبومٌ صعب بالنسبة إلى كثير من المستمعين، إذ تتطلب بنيته التجريدية وتجريبيته الصارمة قدرًا من الصبر واستعدادًا لتقبّل أشكاله غير المألوفة. أما أولئك الذين يمنحونه هذه الفرصة، فسيجدون أنفسهم أمام تجربة مرحة ومنوّمة، وفي بعض اللحظات مرعبة بحق.
