يعيش إل جراندي طوطو أفضل فترات مسيرته خلال العامين الأخيرَين، فمنذ نهاية ٢٠٢٣ مع إصداره ألبوم ٢٧، بدأ طوطو بإستراتيجية الاختفاء لعام كامل ثم العودة بإصدار دسم. في نهاية ٢٠٢٤، أصدر طوطو ميكس تايب سال جوت الأول، والذي كان متوسط المستوى، سواءٌ من الجانب الإنتاجي أو الأدائي، ورغم الحرية الكبيرة التي يمنحها إنتاج المكس تايبس على عكس الألبوم، لم يسفر المشروع عن تنوعٍ كافٍ.
أصدر طوطو الجزء الثاني من سال جوت، والذي يقدم فيه بعض التجارب التي لم نشهدها منه، مع ترتيب يأخذ المستمع في رحلة متقلبة بين الحدة والهدوء؛ حيث تتصاعد الحدّة برويّة في التراكات الهادئة من خلال توظيف طوطو لنبرته لوضع المستمع في حالة ترقّب، لنتفاجأ بتراك مثل سوفيتيل الذي يكسر هدوء تراك غيتويل بشكل عنيف. نفتقد هذا التدفق المُحكم لمشروعِ، لا يُصنفه طوطو كألبوم، في ألبومات المشهد مؤخرًا.
على صعيد التعاونات، يخرج طوطو من المساحة المتوقعة منه غالبًا، والتي شهدناها بشكل موسّع في الجزء الأول في البحث عن الأسماء المغاربية والأوروبية الكبرى مثل بايبي جانج ومراد وسمارا. يتجه طوطو هنا إلى خليط من الأسماء الشابة في المشهد المغربي مثل جيلو ونجم، مع بعض الأسماء الفرنسية مثل جولا جرين و زكريا (زي كاي آر)، وعودة لعلاقات قديمة في التعاون مع دراغانوف.
يعكس تراك غوش دواغت صعودين مختلفين في المشهد المغربي في التعاون مع دراغانوف، حيث يمكن ملاحظة التطور الكبير الذي مر به الاثنان منذ تعاوناتهم من ٢٠٢٢. يقدم دراغانوف مقطعًا بأسلوبه الغنائي من إصداراته المهجنة بين الراب والراي، بينما يقدم طوطو مقطعًا متفوقًا في المهارات الكتابية مع افتتاحية التراك باللازمة. يلقي طوطو بأحد أقوى التشبيهات في التايب: “سبيلي بين ليمن ليسر تحت الكرسي بيريتا (ماركة أسلحة إيطالية) / تسيركيلا بين ليمن ليسر، كامي تحت الفيلّيدا (ماركة أقلام).”
نشهد في كتابة التايب استمرارًا واضحًا لأسلوب طوطو، مع تطورات على مستوى البنية، وتركيز أكبر على بروزة المواضيع التي تخاطب الشارع المغربي الشعبي والحرّاقة في نفس الوقت. في أكثر تراكات التايب حدّة، سوفتيل، يتحدث طوطو من بدء اللازمة عن تحطم أبناء حارته ورغبتهم في حياة الرفاهية. يتحدث طوطو بشكل صريح عن سلبيات هذه الحياة وتأثيرها عليه كما في تراك كومي أفانت، حيث يتطرق بشكل واسع إلى مشاكل مظاهر الرفاهية، وفقدان أمه.
يُظهر هذا الأمر جزءًا من التغير الذي مر به الجراندي طوطو، والذي رغم توزيع سوني ميوزك لألبوماته، لم يسكت عن الإبادة في غزة، أو عن مشاكل المغاربة والعرب في أوروبا، ولم ينصع لتمجيد حياة البذخ والمخدرات والجنس بالشكل الذي تريد الشركات الكبيرة استغلاله.
أحد أبرز المواقف التي يقف عندها طوطو مشاكله مع السياسيين المغاربة، الذين حاولوا لفترة طويلة سجنه أو إسكاته. نتبيّن ذلك في حديثه الموسّع عن انتصاراته التي أدت بشكل أو بآخر إلى وصوله إلى هذه المرحلة من الشهرة، كما في تراك كومي أفانت: “حتى لو كنت مكتئبًا ومحاصرًا، فأنا ما زلت المنتصر.” مع ذلك، لا ينفك طوطو يعبر عن رغبته في تحسين صورته أمام النخب السياسية والإعلامية في المغرب، كما في تراك جو ساي باس: “بغيتهم يشوفوني كي شي ولد لبلاد كيمثلها بوالو غير بالهيب هوب.”
عزز اختلاف شخصية طوطو من قوة المكس تايب في الجانب الكتابي. لكن من ناحية أخرى، يتبنى الإنتاج الأصوات المكررة في المشهد رغم التقدم التقني، مع نفحات تغيير خجولة في دمج بعض الجنرات، تمنيت لو استمرت على مدار التايب. جاءت أغلب تلك اللمحات على مستوى الإيقاعات، بينما تظهر الألحان بمستوى منخفض ورتيب، وكأنها مأخوذة من مكتبة سبلايس. يظهر طوطو بعض التغيير في أسلوب أدائه بناءً على الإنتاج، كما في تراك ليبرتي، يسير طوطو بشكل متمايل ويغير نبرته باستمرار على إيقاع يدمج بين الهوود تراب والسيكسي دريل.
يؤكد المكس تايب على مستوى طوطو بين أقرانه في المشهد المغربي، ويمثّل وجهًا لإجابة سؤال يدور في كل مشاهد الهيب هوب العربية؛ ما سبب تفوق المشهد المغربي؟ أعتقد بأن السبب الحقيقي خلف ذلك هو مدى التطور التقني لدى العديد من رابرز المغرب، والذي يمكن ملاحظته سواءٌ من ناحية المهارات الكتابية، أو الفلوهات المبتكرة؛ ميزات أصبحنا نفقدها في مشاهد أمريكا.
رغم التكرار الذي يسيطر على منتجي الراب في مشهد الماين ستريم، والتي انعكست على مستوى العديد من فناني الصف الأول، تمسّك راب المغرب بأساسيات الراب، وبحرفية الكتابة. باتت غالبية رابرز الجيل الجديد غير مكترثة بهذه التفاصيل، والتي تعد السبب الحقيقي خلف نجاح مشهد المغرب. يرى هؤلاء الكلمات والفلو كعناصر موسيقية ثانوية لملء الإيقاعات، دون النظر إلى تركيباتها ومواضيعها، أو ثبات الفلو على الإيقاع، حتى أصبح الراب معتمد على حرفنة المنتجين في المكسينج، بعيدًا عن مستوى الرابرز. رغم عدم تجديد سال جوت فوليوم ٢ على الصعيد الإنتاجي، استطاع أن يقدم منتج راب دسم.
