نادرًا ما تستحضر الموسيقى المحيطة إحساسًا بالحركة إلى الأمام. هي أقرب إلى حالة من السكون والتأمل، أشبه بالأثاث الذي تدور حوله الحركة. عندما تتحرّك، فإنها غالبًا ما تلتف عائدةً إلى نفسها، كاشفةً تدريجيًا عن جوانب جديدة مع كل دورة، وحين يحضر الزخم، فعادةً ما يُفرض كقوة خارجية تدفع مجرى الأحداث. على سبيل المثال، كان جاس يدفع المشهد الصوتي بكيك ثابتة، بينما فعل لوسيل ذلك عبر نبضات مقلّة ومستمرة.
بينما يوحي عنوان ألبوم شربل هبر الجديد بانسجامه مع سكينة الموسيقى المحيطة، فإن موسيقته تنحسر وتتدفّق باستمرار، وتروي حكاية ذات سردية واضحة وقوية.
صُنع الألبوم أثناء تجوال شربل في شوارع باريس، في محاولة لابتعاد مؤقت عن حالة اللا استقرار التي تبدو بلا نهاية في مدينته بيروت، ويتكشف كسلسلة من التأملات الداخلية؛ ليجد المستمع نفسه وقد دخل في منتصف الفكرة.
تأتي التراكات دون بدايات ونهايات محددة، إذ تبدو مثل مشاهد صوتية معلّقة في الأثير، وفي حالة حركة قبل وصولنا إليها. تمتد اللوبات وتتآكل مع الزمن؛ جميلة ومتألقة، لكنها تكاد تكون دائمًا ملبّدة باللايقين. يشكّل التراك الثاني مثالًا قويًا على ذلك؛ مشرق وجاذب، تتصاعد زخارف حادة من قلب الدرونز لتعكس الضوء، بينما تسحب الدرونز والمقاطع المقطّعة المسار مجددًا نحو العتمة.
تتواصل في الألبوم ثيمة العناوين الإيحائية التي تعكس الموسيقى نفسها، ويظهر ذلك بوضوح في التراك الباهر: أتلعثم عندما أتكلم عن الحب والموت. يستند التراك إلى بحر ممتد من درونز الجيتار، بينما يخيّم تأثير التريمولو طوال مدّته، إضافةً إلى جوقة من الأصوات المفتتة تقود لحنًا متكررًا يذكّرنا بتراك براين إينو، أن إندينج (آسنت). لكن بينما تبدو مقطوعة إينو نقية وصافية، يأتي تراك شربل مضطربًا وعميق التأثير، مغمورًا بالحنين والشوق.
على النقيض، يقدّم التراك قبل الأخير بصيص أمل، مستحضرًا صورة خصبة وغنية، من النوع الذي رآه كثيرون منا ويمكن استدعاؤه فورًا في المخيلة. يتباطأ الزمن بينما تزداد الكوردات والبادز ثقلًا، وتواصل الألحان اختفاءها بين طيّاتها. يعتمد شربل هنا على الترددات المنخفضة والعالية في مواجهة بعضها البعض، ثم يترك إحداها تنطوي داخل الأخرى، مولّدًا حركةً تجعل المستمع راضيًا بترك الموسيقى تغمره بالكامل.
غالبًا ما تقودنا التمشيات الطويلة إلى أماكن غير متوقعة داخل عقولنا، وقد التقط شربل هذه الحالة بدقة مدهشة؛ فعندما نُترك لأنفسنا، تتنقّل أفكارنا من النشوة إلى البؤس، ومن الحسم المطلق إلى التردد الخجول. تمتزج لحظات الماضي بهموم الحاضر وعدم يقين المستقبل كلها معًا بينما نسترجعها ونتأملها. باعتماده على الجيتار، والبدّالات، وبعض الوحدات الإلكترونية، ينجح شربل في إبقاء كل ذلك متماسكًا؛ النشوة، والبؤس، واللايقين، حيث لا شيء يُحسم، لكن كل شيء يُحَسّ.
