وايت بوني | دفتونز

المراجعات - كتابة: محمد أشرف - ٢٠٢٥/١٢/٠٢
دفتونز | مراجعة ألبوم وايت بوني
تحميل...

جاء ألبوم دفتونز، برايفت ميوزيك، في المركز الخامس على لائحة بيلبورد ٢٠٠ عند صدوره قبل شهرين. أما أغنيته المنفردة الأساسية ماي مايند إيز أَ ماوتن فقد منحت الفرقة المركز الأول على الإذاعات العامة، بعد ثلاثين عامًا من صدور أول أغنية منفردة لهم ووردز ٧. قلة من الفرق قادرة على أن تستمر على مدار هذه المدة، بل وأن تبقى محبوبة بالقدر نفسه لدى نخبة المهتمين بالموسيقى والمستمعين العاديين، بينما تحافظ على فرادتها المطلقة التي يمكن تمييزها على الفور.

لا شك أن برايفت ميوزيك ألبوم جيّد جدًا، لكن مساحته الإبداعية وعالمه الصوتي يعودان بجذورهما إلى ألبوم آخر ومخاطرة ضخمة أقدمت عليها الفرقة قبل ٢٥ عامًا. ذلك الألبوم هو وايت بوني.

يبدو ألبوم مثل وايت بوني وكأنه موجود منذ الأزل، أيقوني من النظرة الأولى، والغلاف البسيط الذي يحمل صورة حصان أبيض على خلفية رمادية مألوف حتى لمستمعي الروك أو الميتال العابرين. إن شاهد أحد  قناة إم تي في في أي وقتٍ من بدايات الألفية، فصورة تشينو مورينو وهو يتزلّج على لوح في ساحة مدرسة ستبقى مطبوعة في ذاكرته.

قد يبدو وصفه بالمخاطرة أمرًا غريبًا، لكن عند مطلع القرن، حين كانت فرق مثل كورن وليمب بيزكيت ولينكين بارك تتصدر القوائم وتحطم أرقام مبيعات الألبومات، جاء هذا العمل مخالفًا للتيار، رافضًا تصنيف النيو ميتال، ومعتنقًا صوتًا أكثر رهافة وهشاشة واتّساعًا.

كان الألبوم السابق له، أراوند ذَ فُر الذي لا يقل روعة، ثقيلًا ولزجًا، ويبدأ بأحد أكثر الريفّات أيقونية في عالم الميتال في الأغنية المنفردة الأساسية ماي أون سمر (شوف ات). كان ألبومًا قاتمًا وعنيفًا، تتصدّر فيه جيتارات ستيفن كاربنتر معظم التراكات.

لكن كانت الأغنية المنفردة الثانية بي كوايت آند درايف (فار أواي) مختلفة. برز فيها أسلوب تشينو الغنائي المميّز؛ كان أقرب إلى سماشينج بامبكينز منه إلى هلمت، وكانت تلك أول لمحة عمّا هو قادم.

“كنت أريد أن أنحرف عن المسار [بعيدًا عن النيو ميتال]، ليس لأنني شعرت أننا أفضل من تلك الفرق. أردتُ لفرقتنا أن تقف على قدميها. كان النيو ميتال في ذروته. المصير كامن في الاسم نفسه، نيو ميتال، إذَا سيصبح قديمًا مع الوقت. في النهاية، فعلًا مات. كانت فكرتي كلّها أنه عندما تغرق تلك السفينة، لا أريد أن أكون على متنها. حاولنا أن نبعد أنفسنا قدر الإمكان، وأفضل طريقة للقيام بذلك كانت بأن نتّبع الطريق الذي كنا نسير فيه.” من مقابلة ذَ رينجر مع تشينو مورينو.

حتى يومنا هذا، بعد مرور ٢٥ عامًا، ما يزال تنوّع الأصوات والأنسجة الصوتية والمواضيع الغنائيّة في وايت بوني أمرًا مذهلًا. إذ يحتوي الميتال والنيو وايف والشوجايز والتريب هوب في آنٍ واحد، ومع ذلك يتدفّق بانسجام. تأتي الفجوات بين التراكات في حدّها الأدنى، فلا يحصل المستمع على أي مساحة لالتقاط أنفاسه مع تغيّر المزاج والأنماط.

تأتي أغنية الافتتاحية محلّقة، قاتمة واندفاعية بجدران صوتية تلتف حول غناء تشينو المضغوط عن حادثة اختطاف، لتنساب بسلاسة إلى أغنية ديجيتال باث. ريف من كورد على وترين، محاط بعالم من الأجواء الاصطناعية، يبني توتّره حتى يصل إلى ذروة تنفجر في أغنية إيليت بهجومها المعدني المليء بريفات الأوتار المكتومة واستخدام الفوكودر. خلال ١٢ دقيقة تقريبًا فقط، يكون المستمع قد عبر عوالم صوتية متعدّدة دون أن ينتبه لذلك.

نحصل في آر إكس كوين على لمحة من مساهمة دي جاي فرانك ديلجادو. في حين كانت فرق مثل ليمب بيزكيت ولينكين بارك تستخدم التيرن تيبلز تقريبًا كآلة منفردة، أضاف ديلجادو أنسجة محيطة وإيقاعات تريب هوب إلى أقرب أغنية إلى موضوع الحب في الألبوم. يمكن ملاحظة مساهمته مرة أخرى في تين أيجر، بإيقاعاتها المتقطّعة وأجوائها المكبوتة، أكثر أغاني الألبوم محيطية ودون جيتارات.

سأمهّد لكل ما سيأتي لاحقًا بملاحظة صغيرة: كان وايت بوني أقرب نظير ميتال لألبوم دارك سايد أُف ذَ مون، وأغنية نايف بارتي دليل على ذلك. إذ تأتي في النصف الثاني من الألبوم، ومع الكورس: “Go get your knives, now kiss me”، يأخذ المزاج طابع جاز ضبابي، ثم تدخل رودلين جيتسيك بصراخها المتصاعد، لتجلب إلينا ما يشبه أغنية بينك فلويد جريت جيج إن ذَ سكاي. تأتي بعدها أغنية كوريا لتكون آخر تراك ميتال تقليدي في الألبوم.

يختتم الألبوم بثلاثية أغاني مثالية. حيث يتبادل مورينو وماينارد جيمس كينان في أغنية باسنجر العبارات في الفيرسات، ليشكل امتزاجًا رائعًا بين عالمين ينتهي بصوتٍ يذكرنا بأفضل تراكات أَ برفكت سيركل. أما تشينج (إن ذَ هاوس أُف فلايز) فتجمع كل العناصر الناجحة في هذا الألبوم؛ إنّها مخطَّطه الأساسي: مغرية، مُقلِقة، متفجّرة، مصحوبة بآلاتٍ وترية باعثة على الدوار، وكورس يلتصق بالذهن لساعات طويلة. لو انتهى الألبوم عند هذا الحد لاعتُبر بالفعل عملًا كلاسيكيًا، لكن الخماسيّ القادم من ساكرامنتو احتفظ بإحدى أكثر قطعهم رسوخًا للنهاية.

تقدّم أغنية بينك ماجيت الأجواء المحيطة والهشاشة، وما يمكن اعتباره كورسهم الأكثر تميّزًا. رغم أن مدتها سبع دقائق، يمكن لتتابع الكوردات أن يستمرّ لضعف المدة وسيظل مُلائمًا. ترتفع وتعلو، وتتكرّر مغذيةً النشوة، ثم تتصاعد وتنتهي ليبقى المستمع راغبًا في المزيد.

أراد الجميع المزيد بعد وايت بوني؛ أرادت شركتهم أغنية منفردة، والجمهور تعطش لعمل لاحق. حصلت الشركة على أغنية ميني ماجيت (باك تو سكول)، التي شعرت الفرقة مرارًا بأنها فُرضت عليهم. بعد ١٠ سنوات وألبومين افتقرا لبعض الاتساق، جاء دايموند آيز ليعيد ذروتهم الإبداعية.

يُعد وايت بوني ألبومًا لا يتكرّر سوى مرة في العمر، لكنه رسّخ مكانة دفتونز كواحدة من أكثر الفرق تأثيرًا في عالم الميتال.

بوصفي معجبًا، أتذكّر أنّني رغبتُ في المزيد من طابع الميتال عند صدوره. لكن منذ ذلك الحين، أصبح واحدًا من تلك الألبومات التي تملك ما تقدّمه في كل مرحلة من مراحل حياتي الموسيقية.

يمكن لمعجب النيو-ميتال أن يجد ضالته في ستريت كارب، وتُشبع كلٍ من تشينج وديجيتال باث نزعة الشوجايز، ويعشق معجب البروج-ميتال أغنية باسنجر. أما محبّو الموسيقى الإلكترونية فلديهم آر إكس كوين وتين أيجر. كل شيء في ألبوم واحد.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف