ليس غريبًا على أبناء جيلي، مواليد التسعينات وما قبلها، وخصوصًا من نشأوا في الأحياء الشعبية، أن يحملوا في ذاكرتهم صورًا حيّة لمراسم الزفاف كما كانت: متعدّدة الطبقات، عابقة بالأغاني، وممتدة على مدار أيام. شهدت تلك اللحظات اندماجًا فريدًا بين الفتيات والشباب، والأكثر غرابة أن يمتد الاندماج بين الشباب ونساء العائلة الأكبر سنًا، حيث تختفي الفواصل والصراعات المؤقتة، وتتبادل الألسن أغانٍ تراثية بصوت عالٍ، وكأن الغناء هو لغة التواصل الوحيدة الممكنة وقتها.
المفارقة أن الجيل الأصغر، حين يُصادف هذه الحالة، يقف أحيانًا مندهشًا أمام ما تحمله من “مرقعة” لفظية وجرأة مباحة، لا يجدها في أغانيه اليومية. يبتسم بعضهم خلسة، ويصفّق الآخر – إن تجرّأ – ويتمايل، دون أن يدري أنه على وشك المشاركة في مجهود جسدي صاخب، لن ينتهي إلا بنقل أثاث العروس إلى بيتها الجديد بعد ليلة التنجيد.
يتجاوز الغناء هنا دور الخلفية ليصبح أداةً لضبط السلوك، وقياس الانتماء، وتحديد المقبول والمرفوض. تغني المرأة لكن بشروطها، ومن داخل موقعها في البنية العائلية؛ تتفاخر بالعروس، تلمّح إلى “المرة الأولى”، تتندّر على الحماة أو الزوج السابق، وتُدخل من خلال الكلمات ما لا يُقال صراحة.
تتجاوز الأغاني حالة الفرح في مقابل الانتماء الاجتماعي، فلا مانع من وجود أغنيات حزينة لرمضان البرنس، وذلك لم يكن غريبًا على الأفراح الشعبية بأي حال. عشت بمنطقة الشرابية طفولتي، وكانت تصدح الليالي بتحية كل المعازيم ولو على حساب الحالة. أتذكر حين شغّل حمادة بغلة منسق الدي جاي وصديق العائلة، أغنية محكمة، لأن أحد الأقارب كان مسجونًا حينها، وهو ابن أقرب النساء الى قلبي والتي لم يكن يُعرف للفرح صوت دون أغنيتها الأبيحة، رحمها الله.
بينما تتوزع الأدوار بين الرجال في الزفة، بين تبادل الهدايا واستقبال العريس، يبقى الصوت النسائي حاملًا للذاكرة الجمعية، من الموال الشعبي إلى الأغنية الحديثة، ومن طقوس الحنة إلى الأغاني الخاصة بدخلة العروسين، بكل ما فيها من إيحاءات، ومراقبة خفية، ورسائل مشفّرة، لتكون قصة الزفاف في مصر هي قصة النساء أنفسهن.
بخط سردي آخر تجري مراسم الزفاف في مصر على عدة مراحل وتختلف من محافظة إلى غيرها أو بالأحرى من إقليم إلى آخر، لكن كانت الأغنية والحالة التي تُخلق حولها هي العامل المشترك والأهم بينهم. بالرغم من أن سائر الأقاليم أصبحت تتجه إلى الأغنية الشعبية أو المهرجانات حديثًا، إلا أن ذلك لم يكن الحال دائمًا.
كيف توّجت مصر العروس وحثّت العريس على أداء جنسي فعال، وكيف جندت الشباب لنقل الأثاث، عبر الأغنيات؟
مدينة لا تعرف الفرح | القاهرة
رغم تنوع أغاني الزفاف في أقاليم مصر وتميزها بملامح محلية، تظل القاهرة استثناءً لافتًا؛ فهي لم تنتج تقليدًا زفافيًا مغلقًا، بل كانت مرآة لثقافات الوافدين إليها ومختبرًا لتحولات الذوق العام. لم تفتقد الأغاني أو الطقوس، لكنها افتقدت لطقس خالص يميزها، إذ تعيد تشكيل كل صوت بشكل حضري يناسب العاصمة.
منذ العصور الإسلامية، امتزج الزفاف القاهري بالدين والمقام والطبقة، ثم تحوّل مع الدولة الحديثة إلى غناء مديني طربي، ارتبط بالأغنية السينمائية والراديو، بينما ظهرت الأغنية الفاحشة في الأحياء الشعبية. ثم في النصف الثاني من القرن العشرين، صعد المغني الشعبي، ثم حل الدي جاي تدريجيًا محله، لتتحول حفلات الزفاف إلى عروض صوتية إلكترونية.
في أطراف القاهرة، برزت المهرجانات منتجًا موسيقيًا قاهريًا جديدًا ذا جذور متشعّبة، كصوت لحظة وانفجار للمدينة. ليس غياب أصل محدد للأغنية الزفافية القاهرية نقصًا، بل دلالة على هوية مركبة وهجينة، تتغذى على الامتصاص لا التكرار. إذ لا تحفظ القاهرة طقسًا، بل تعرض مشاهد متبدلة تصوغ الزفاف كل مرة من جديد.
قاهرة المماليك
من المألوف أن نجد في بيوت أهلنا القديمة أغنية محفوظة من جدّاتنا، تُغنّى في ليلة الحنّة أو حين يُحمَل جهاز العروسة. تحمل تلك الأغاني التي تبدو لنا عفوية، شعبية، وربما دون أصل أو تدوين، في طيّاتها تاريخًا طويلًا من التحول والتمدن؛ تاريخًا يعود بنا إلى القاهرة حين كانت مركز العالم الإسلامي، حين تجاوز الزفاف كونه مناسبة عائلية ليصبح عرضًا فنيًا واجتماعيًا، ترعاه السلطة ويباركه الفقيه ويُعزف فيه حتى الفجر.
“فإذا تكامل الأنس، وطاب المجلس، ولان السمع، وأخذ الطرب منهم مأخذه، وخلعوا ثوب الوقار للعقار، وتقلبوا في أعطاف العيش، بين الخفة والطيش، وضع في يد كل واحد منهم طاس ذهب زنته ألف مثقال مملوءًا شرابًَا عتيقًا، ويرقصون بأجمعهم وعليهم المصبغات ومخانق المنثور، فإذا أصبحوا عادوا كهيئتهم بالوقار والتحفظ بأبهة القضاء وحشمة المشايخ.” ابن الطحان: حاوي الفنون وسلوة المحزون، د. أسماء محمد.
بذلك اخترنا العصر المملوكي للحديث عن الزفاف وأغانيه، لأنه من أكثر العصور الإسلامية التي امتدت زمنيًا واستقرت اجتماعيًا، حيث حكم المماليك مصر قرابة ثلاثة قرون متواصلة، ما أتاح لتقاليدهم أن تترسخ وتتمازج مع العادات المحلية، وأن تترك أثرًا طويل المدى على الحياة اليومية والثقافية للمصريين.
كما أن هذا العصر، بخلاف غيره من العصور السابقة، شهد نموًّا ملحوظًا في مظاهر الاحتفال والفنون المرتبطة بها، حيث تراجع دور الغناء في الأنظمة التي سبقته واكتفت بأغانٍ تحث على الجهاد، إذ اكتفت دولة الأيوبيين بـ أناشيد الشديات / الجهاد في المشهد الرسمي للدولة، لما كانت تحتمه لحظتهم من تدجين الجُند للحراك العسكري الموسع، فأهملت باقي مظاهر الفرح والاحتفاء.
فكان النظام المملوكي أقرب ما يكون إلى المزاج المصري في حبه للغناء والمظاهر “وقد لاحظ الرحالة فريسكو بالدي أن الجِمال لا تمشي بالضرب بالسياط بل بالغناء.” بل إن كثيرًا من العادات التي عرفها الناس في الأفراح حتى اليوم لها جذور في تلك الحقبة، لذلك، فإن تتبع الزفاف المملوكي لا يكشف فقط عن شكل الاحتفال في زمن مضى، بل يفتح نافذة لفهم كيف تكونت ملامح الفرح المصري كما نعرفها اليوم.
يبدأ الأمر من الاستعداد للفرح، حين يقرر الأهل تزويج ابنهم أو ابنتهم، فتتحرك الخاطبة – وهي شخصية بارزة في هذا العصر “تعرف كل حرة وعاهرة، وكل مليحة بمصر والقاهرة” – متنقلة بين البيوت، تعرف وجوه الحارة، وتدخل البيوت بحجة بيع البخور، وتجمع معلوماتها ثم تعود لتربط طرفي الزواج، بينما يبدأ أهل العريس والعروس في تجهيز ما يلزم للحفل، وأول ما يُذكر هو الغناء.
على إثر هذا المرسم، يقول إبراهيم المعمار وهو إحدى أشهر شعراء هذا العصر:
لما جلوا عروسي وعاينتها وجدتُ فيها كل عيب يُقال / فقلت للدلال ماذا ترى فقال ما أضمن إلا الحلال
كان الغناء أداة تزيين للعروس نفسها، إذ كانت العروس لا تُزَف إلا بعد أن تُكحّل وتُضفّر وتُغنّى لها الأغاني التي تدعو لها بالحظ والذرية، وتصف جمالها، وتُقارنها بالقمر؛ وقد تتخلل هذه الأغاني دعوات مبطنة على الحماة أو على الزوجة الأولى. حتى فستان العروس، في بعض مناطق مصر، لم يكن يُلبس إلا على أنغام أغنية معينة، وكان تقديم الشربوش – تاج العروس – يجري أيضًا بإيقاع محدد، مصحوبًا بزفة صغيرة داخل البيت.
كان الزفاف حدثًا جامعًا تُستنهض فيه الطقوس والموسيقى وتُحشد له الطاقات، تتداخل فيه الزينة بالأصوات، والذهب بالنغم، وتصبح الأغنية جزءًا جوهريًا من بناء الفرح نفسه. كما تخللت كل مرسم أغانيه الخاصة، فبعد دفع الخطبة ودفع المهر كان يغنى للعروسين: “قال خطبت لك عروسة مهرها عشرين فروري / قلت لا عرايس النيل بجديد اتنين تريري” وبعدها يعقد القران.
إذا عُقد القران، في أغلب الأحيان داخل المسجد، ورافقته المباخر تبدأ التجهيزات للمرحلة التالية وهي نقل الأثاث، وكان ذلك يجري في موكب غنائي بصري، محملًا على رؤوس الحمالين، بينما تحمل النساء الأثاث الأيسر حملًا ليتطرقوا أثناء سيرهن لمظاهر الاحتفال “يُحمل على رؤوس النساء فكُن يقُمن بإطلاق الزغاريد أثناء سيرهن بالجهاز، تمضي فيه النساء حاملات الهدايا وسط المزامير، وتسبقه دقات الدفوف، وتعلو فيه الزغاريد.” وهو طقس ممتد حتى الآن كما نجد لاحقًا.
في تلك الأثناء يدور أصحاب العريس في الحارات وهو يرتدي ثوبًا حريريًا وحوله المغنون والطبول ويغنون له: “عريسنا مليح وأكبر وذاك مليح وأكبر”، وهكذا تأخذ العروس نصيبًا أكبر من الغناء والاحتفاء بها. تجلس العروس وسط الاحتفال حيث “يمتلئ المنزل بالناس وتتعالى الأغاني والزغاريد” وتلتف حولها النساء أيضًا ترقص واحدة تلو الأخرى وقبل الرقص تقدم لها كل واحدة منهن الهدايا وتنشد لها في تلك الأثناء:
يا عروسة بالدلال انجلي ولا تبالي / انجلي ست العرايس عزيزة في الأهالي كم لكي أوصاف جميلة يا بديعة في الجمال / شعرك أسود مدلي أظلمت منه الليالي قد ظهر تحتو جبينك في الضيا شبه الهلالِ
ما إن يُزف العريس إلى العروس، حتى تمسك العروس بسيف مزخرف وتقدمه له، وكأنها تُسلمه رمز رجولته، وسط غناء طويل كان يُنشد فيه اسم العروس وأوصافها، ويمتد أحيانًا لساعات. ولزفة السيوف تلك أثر باقِ في أفراح الثمانينات والتسعينات الشعبية، بينما تنحصر الآن في الزفة الميري لموظفي الدولة من الجيش.
في سياق آخر كان من المعتاد أن يُغنّي أقباط مصر في أفراحهم باللغة القبطية القديمة، وظلّت لتلك المناسبات طقوسٌ شعبية تشبه ما لدى باقي المصريين؛ تبدأ بليلة الحنّة، ثم موكب يسير من بيت العروس إلى بيت العريس، وفي صباح يوم الفرح – وغالبًا ما يكون يوم أحد – يتوجه العروسان إلى الكنيسة للصلاة والتناول، ثم يُقام الإكليل مساءً.
كان يأتي الكاهن ومعه الشمامسة إلى بيت العريس، حيث تُجهز قاعة كبيرة يوضع فيها منضدة وكرسيان، يجلس عليهما العريس وعروسه وتُفتتح الصلاة، وهي ما يُعرف بـ صلاة الإكليل، أحد الأسرار المقدسة في الطقس القبطي، والتي ظلّت تُقام بهذه الطريقة قبل أن تُنقل إلى داخل الكنائس لاحقًا.
من الكلمات الاحتفالية:
اسمعوا مني اسمعوا / وبالحنونة استشفعوا / وبالخلاص اتمتعوا / تنالوا العز والمنى قولوا لي يا مؤمنين / قولوا لي عن دي الصبية / والصبية دي بنت مين دي بتول.. بتول ومصطفية / والخواتم مسبولين
ويحكي عن اختيار العذراء لتكون أم المسيح وشفاعتها المباركة ثم يبدأ في الكلام عن العروس:
أنا مضيت لعروسة حرة / خيرة بنات أرضنا رأيتها على البئر لتملأ / ووجهها زاح عني علة قلت لها يا حرة اسقيني / يا عروسة بجرتك ارويني
العجيب أن هذه الحفاوة الغنائية كانت كذلك عادة الملوك، ومن فرط شغف بعض السلاطين بالغناء أتقنوه بأنفسهم، وبعضهم تعلم العزف، وتفنن في تلحين الأشعار، وامتدت هذه الموجة حتى شملت بنات الملوك وأميرات القصور، فمنهن من كانت تتقن الغناء والعزف، لا كفن أنثوي هامشي، بل كمكانة مرموقة، يمكن أن تصل بالمرأة لأن تصبح زوجة لسلطان، مثل المغنية اللؤلؤية التي هام بها ثلاثة من أبناء قلاوون، وكانت كل ليلة من لياليها زفافًا جديدًا.
في بيوت الأثرياء، أُجري الزفاف بإيقاع أكثر تنظيمًا، حيث تُستدعى جوقة من المغاني، ومعها العوادون، وفي بعض الأحيان كانت الجوقة تحوي أكثر من عشر مغنيات، يعزفن ويغنين بالتناوب، ويرمين بالغناء بينهن كما تُرمى الكرة، وتُلقى عليهن “النقوط” من الذهب والشقق الحرير، وتُرش الدراهم على رؤوسهن.
أما في المدن، وخصوصًا القاهرة، كان هناك شارع مخصوص يُعرف بشارع المغاني، من أراد مطربًا أو مطربة أو راقصة لحفل زفافه، ذهب إلى هناك، ووجد كل ما يحتاجه، كما كان يفعل الناس في شارع محمد علي، وقد سُجلت أسماء مشاهير ذلك الزمان، وكانوا يتنقلون من فرح إلى آخر، بعضهم من كبار القوم، وبعضهم من جوارٍ تدرَّبن على يد أساتذة كبار.
لذا كان الغناء في الزفاف القاهري المملوكي ثقافة كاملة، يتجلّى فيها حب الناس للحياة، وتفاخرهم وحنينهم، وحتى خصوماتهم.
الطقطوقة
مع صعود القاهرة الحديثة في القرن التاسع عشر، بدأ طقس الزفاف في التحوّل التدريجي. لم تعد أغاني الزفاف مقيدة بسياق ديني أو قبلي، بل بدأت تأخذ شكل الطقطوقة الخفيفة، تؤدى في حفلات السمر أو ليالي الفرح، وتُعبّر عن الرغبات والفرحة والحنين بلغة دارجة ومباشرة.
لم تكن الطقطوقة، بطابعها المديني البسيط، لا شعبية تمامًا ولا كلاسيكية ولا نخبوية؛ بل في المنطقة الرمادية التي يعاد فيها تشكيل الوعي بالحب والأنوثة والفرح. تميزت ببساطة لحنها وسهولة أدائها، مكونة من مذهب يُعاد على نحو لافت، تتخلله أغصان تحكي قصة أو مشهدًا.. كان هذا البناء اللحني امتدادًا طبيعيًا لأغاني الفلكلور في الدلتا والصعيد، حيث التكرار والوضوح العاطفي هما أساس الارتباط الجماعي بالأغنية.
بين عامي ١٩١٠ و١٩٣٠ بلغت الطقطوقة ذروتها من حيث الجرأة والانتشار، فقدّمت المغنيات خطابًا صريحًا في الزواج واللعب العاطفي، دون تورية أو مواربة. غنت منيرة المهدية: بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة، بينما صدحت نعيمة المصرية بـ هات الإزازة واقعد لاعبني، ولك عليّا لما تجيني تبقى ليلة أُبّهة. حتى الرجال غنوا على لسان النساء، كما فعل عبد اللطيف البنا: “ما تخافش عليّا، أنا واحدة سجوريا.”
تلك الجرأة متجذّرة في الفلكلور الريفي المصري؛ كما في طقوس التنجيد والزفاف، حيث يُغنّى: “يا منجد علّي المرتبة واعمل حساب الشقلبة”، أو “هو عليه يجيب الفستان وانا عليا أقلع له وأنام”. فلم تُخترع الطقطوقة هذا العالم، بل صاغته بلغة فنية تُبَثّ عبر الأسطوانات والإذاعة والمسرح.
في قلب هذا المناخ برزت أصوات عديدة، بعضها لامع في التاريخ الرسمي، وبعضها ظل مهمّشًا رغم عمق تأثيره. تأتي أول سيرة لبهية المحلاوية التي وضعت أيقونة الزفاف اتمخطري يا حلوة يا زينة ويا نخلتين في العلالي كانت بهية المحلاوية ابنة شرعية لثقافة الزفاف الشعبي، حيث يصبح الغناء أداةً مركزيةً لتأدية الفرح، واستدعاء الخصوبة، وإعادة تشكيل صورة العروس والمجتمع على السواء.
في تلك اللحظة التي تخرج فيها العروس من بيتها، تتسابق النساء بالغناء، ليُعلنّ أن الجمال أصبح مُلك الجماعة، وأن الجسد الأنثوي الذي كان مستترًا بات الآن في المشهد، يُحتفى به، يُشاد به، يُخاطب علنًا، وتُطلق عليه أغانٍ مثل: اتمخطري يا حلوة يا زينة، التي تُغنّى خصيصًا لمرافقة مشية العروس وهي تخترق الحشد في زينتها، ولحظة تتحول فيها الأنثى إلى رمز جماعي للبهاء والخصوبة.
تتجاوز بهية المحلاوية في تسجيلاتها السياق، مثل رقص شفيقة، وتقدّم نسخة مجازية مشفوعة بالسخرية من طقس الزفاف نفسه، فما تؤديه بهية من وصف لمشاهد السُكر والغنج والدلع هو قلب ما يحدث فعلًا في الزفاف الشعبي، لكنّه يُقال عادة بلغة مواربة أو مغلفة بالتورية. إلى حد بعيد، تشبه الأغنية، التي تبدأ بطلب شمبانيا وسيجارة حشيش ثم تُجبر فيها شفيقة الثملة على الرقص والغناء، المشهد الجماعي في الأفراح حيث تُدفع العروس إلى الغناء أو الدوران وسط الزغاريد، سواء أرادت أم لا.
ما تغنيه بهية مسرحة صريحة لما يقع فعلًا في طقوس الزواج الشعبي، حين يلتقي الفرح بالاضطرار، والاحتفاء بالاستعراض، والأنوثة بالخضوع الممزوج بالسلطة الشعبية؛ وتمامًا كما تُمجّد أغنية نخلتين في العلالي نسب العروس وجمالها كجزء من ميراثها العائلي والاجتماعي، تفعل بهية الأمر نفسه لكن بشكل ساخر ومقلوب، فمدحها لجسد شفيقة، أو لأفنديّ ما في الأغنية، هو إعادة صياغة فلكلورية للمباهاة الجسدية التي تشكّل جوهر الأغنية الزفافية، الفرق أن بهية تخلع القناع، وتسمّي الأشياء بأسمائها، وتحمل المتعة إلى حدودها القصوى، دون الخضوع لشكل أو رقيب. هنا يُحتفى فيه بالجسد بوصفه مركزًا للفرح والتفاوض والمكيدة والبهجة، في لحظةٍ يكون فيها الغناء أصدق من أي خطبة أو طقس.
تأتي سيرة سيدة حسن، كأحد تلك الأصوات التي نطقت بالوجدان الجمعي دون أن تمر عبر مؤسسات التوثيق الكبرى، وهي ابنة حي الجمالية بالقاهرة. وُلدت عام ١٩١٧ لأسرة فنية، وهي زوجة العازف زكي فوزي، ووالدة الملحن حسين فوزي، ومحيي الذي استشهد في حرب ١٩٦٧. لم تكن بدايتها من المسارح، بل من نقطة العروسة ومن حفلات السبوع التي تُفرش في الأزقة.
غنت سيدة حسن أغانٍ ارتبطت مباشرة بمناسبات الحياة اليومية: الزواج، الولادة، الانتقال إلى بيت جديد، ومن أبرز ما غنته: يا عروسة من حور الجنة،ومبروك عليكي عريسك الخفة، وحبوبتي الأمورة التي لحنتها وغنتها لابنتها الصغيرة الراحلة ليلى. غنّت هذه الأغاني بصحبة الموسيقي أحمد الشريف، في شكل دويتو يمزج بين الغناء والحوار الدرامي، وكانت أيضًا جزءًا من تيار نسائي غير معلن، تتقدمه امرأة تحمل الصوت والجسد والتجربة كلها إلى منصة صغيرة في قلب الزفاف.
في أغنياتها، خاطبت سيدة حسن الحارة كلها، فتردد البنات وتزغرد الأمهات، ويبتسم الرجال. كان أداؤها شعبيًا حيًّا، يستدعي الجسد كما يستدعي الصوت، في حوار متواصل مع الحضور، لتضع حجر أساس الاغنية الزفافية في القاهرة والتي توجت مع انتقال صوتها من الفضاء الشفهي إلى فضاء الأشرطة والكاسيت، لتصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية التي تمر عبر التلفزيون الرسمي.
رغم هذا، لم تحظَ سيدة حسن بمكانة مركزية في تاريخ الموسيقى المصرية؛ لم تغنِ أمام الملك، ولم تصعد على مسرح الأوبرا، ولم تُنتج ألبومات ضخمة، لكنها كانت حاضرة في أماكن لا تراها الكاميرات: في بيت العروسة، في يوم السبوع، في زفة المولود، في وداع الحبيبة.
تكمن أهمية سيدة حسن أيضًا في موقعها الاجتماعي: هي تمثّل مرحلة عبور بين الغناء الزفافي الشفهي التقليدي، والغناء المُسجَّل المنتج؛ بين المغنية كعاملة تُستدعى عند كل مناسبة، والمغنية كاسم يجري استهلاكه عبر وسيط تقني، ومن هذا الباب يختزن صوتها لحظة اجتماعية كاملة.
إلا أنه مع وصول ثورة يوليو إلى الحكم عام ١٩٥٢، بدأت موجة من “تنقية” الفنون تحت شعار “الدفاع عن الأخلاق”، فجرى تهميش هذا التراث الشعبي، ووُصِف بالابتذال، في مقابل صعود رموز مثل أم كلثوم وعبد الوهاب كممثلي “الفن الراقي”، إلا أن الطقطوقة ظلت، في العمق، الشاهد الأصدق على زمن عبّر فيه المصريون عن رغباتهم وأفراحهم بصدق، دون رقابة أو تزويق، حيث كانت النساء يُعدن قول الحياة بطبلة، وصوت، وبعض الجمال.
الأغنية الرسمية
مع صعود الإذاعة والسينما تحوّلت أغاني الزفاف في القاهرة إلى طقوس مرئية ومسموعة، دخلت أغاني عبد الحليم حافظ، محمد فوزي، ليلى مراد، بل وحتى محمد عبد الوهاب، إلى الزفاف كمؤسسة عاطفية تصنع الخيال الرومانسي نفسه. كان الزفاف في القاهرة لا يُكتمل بدون أول مرة تحب يا قلبي، أو يا أعز من عينيّ، ليصبح الغناء هنا مرآة للحب الحالم، المرفوع عن الأرض، والمصقول بلغة النخبة الجديدة.
بعد ثورة يوليو ١٩٥٢، شهدت أغاني الزفاف في مصر تحولًا جذريًا، حيث حوّلتها الدولة من تعبيرات شعبية عفوية إلى أدوات لترسيخ الخطاب السياسي والهوية الثورية الجديدة. في الأفراح النخبوية، اختفت تدريجيًا طقاطيق العهد الملكي الجريئة (كأغاني منيرة المهدية ونعيمة المصرية)، وحلّت مكانها أغانٍ تمجّد مشروع “الثورة”، مثل بستان الاشتراكية لعبد الحليم حافظ.
بل قد تحولت أفراح قادة النظام نفسه، كزفاف ابنة المشير عبد الحكيم عامر (١٩٦٦)، إلى منصات سياسية؛ إذ جاء غناء عبد الحليم حافظ لـ سواح بحضور جمال عبد الناصر تأكيدًا على ولاء “أبناء الثورة” للنظام الجديد.
في المقابل، شُنّ هجوم مؤسسي على الأغاني الشعبية المرتبطة بالأفراح لصالح خطاب أكثر ضبطًا وأقل تلقائية. وسط هذا السياق الرقابي، جاءت ليلى نظمي لتملأ الفجوة، حيث مثّلت نظمي حجر زاوية في الأغنية الشعبية المرتبطة بالزفاف، إذ رسّخت صوتًا جديدًا يدمج بين الطرافة والاحتفال وتنقيح أغاني التراث من الإيحاءات وإعادة تقديمها.
يُعد ألبوم أمه نعيمة من أكثر الألبومات تميّزًا في مسيرة ليلى نظمي، فقد احتوى على أغنيات أصبحت علامات ثابتة في الذاكرة الجماعية، مثل أمه نعيمة، وما اشربش الشاي، وما اخدش العجوز انا؛ تدور كلها في فلك الاحتفال بالزواج والفرح. تصدرت أغنيات الألبوم حفلات الزفاف والمناسبات الاجتماعية كوجه التراث المنقح لأغاني الزفاف، لذا بقي لعقود الصوت الرسمي في الافراح القاهرية.
كانت المحاولة الثانية بعد هذا المناخ المأزوم، بخروج ألبوم أفراح بلدنا (١٩٨٤) كمحاولةٍ ذكيةٍ لاستعادة الفلكلور من براثن النسيان، لكن بعد ارتداء قفازات “اللياقة”. صاغه أحمد جوهر وشادية حسني كسرديةٍ طقوسيةٍ متكاملة: من لحظة الخطبة في دبلة الخطوبة حيث تتحول الدبلة إلى رمزٍ للارتباط الاجتماعي المقدس، مرورًا بتهيئة العروس في ما تزوقيني يا ماما، ذلك الحوار الذي يعكس قلق الأمهات قبل فراق البنات، وصولًا إلى بهاء الزفة في دقوا المزاهر.
المشكلة أن روح الألبوم تشبه متحفًا للتراث؛ معروضات جميلة، لكنها محنّطة. في اتمختري يا حلوة، التي أعادت تقديم أغنية بهية المحلاوية الشهيرة، اختفى وصف الجسد الصريح، وحلّت محله استعارات وردية، حتى الإيقاعات الحميمة للدفوف، جرى ترويضها بتوزيعات كيبورد حديثة، كأنهم يخافون من همس التراث الحقيقي.
لكن رغم محاولات الدولة “تطهير الذوق العام”، ظلّ الفلكلور الشعبي صامدًا في الأفراح الريفية وطبقات الشعب في القاهرة، ففي قرى الصعيد ونجوع الدلتا استمرت الأغاني ذات الإيحاءات الجسدية الصريحة تُغنّى في ليالي التنجيد والحنة.
الأغنية الإباحية
قاومت الذاكرة الشعبية في القرى المترامية على ضفاف النيل في أرجاء القاهرة ذلك “التطهير”، إذ ظلت القاهرة لوقت قريب تمتلئ بالقرى، حيث ظلت الأغاني الشعبية تنبض بروحٍ لم تعرف قيود التحضر والأناقة الرسمية فظلت الجدات يهمسنَ بكلمات ليلة التنجيد للحفيدات.
هذه الأناشيد شهاداتٌ حيةٌ على حياةٍ كاملةٍ عُبِّر عنها بصراحةٍ تذهل من يسمعها اليوم، ودليلٌ عمليٍّ لتهيئة فراش الزوجية، جزءٌ من تراثٍ شعبيٍّ رأى في الجسد والرغبة لغزًا طبيعيًا لا يستحق التعتيم؛ وما إن تنتقل الحفلة إلى ليلة الحنّة حتى تتحول الأنغام إلى مدرسةٍ غير مكتوبة، العرائس الجالسات على كراسي الزينة، والمحاطات بنساء العائلة، يسمعنَ توجيهاتٍ تُقدَّم في قوالب غنائية: “اعملي له حلة محشي يغرق فيها ما يطلعشي / أهه جالك اهه”. طبق المحشي استعارةٌ لذكاء المرأة في إطالة أمد اللقاء الحميم، حكمةٌ تتناقلها الأجيال على إيقاع الدفوف.
كما أصبح سرير النوم من أبطال الأغنية: “ضيق يا نا / ما تحطش إيدك على خدي / ما تحطش إيدك ع الشفة / ما تحطش إيدك على نهودي” التحذير هنا لعبة إغراءٍ مقنّعة بالرفض، حيث تدخل البيئة الريفية نفسها النص: الترع، الحصاد، أدوات المطبخ، كلها تصير استعاراتٍ للجسد والعلاقة.
يؤكد الباحث محمد شحاتة في كتابه أغاني النساء في صعيد مصر أن هذه الأغاني كانت منهجًا تعليميًا شفهيًا، يُعد الفتيات لليلة الزفاف بصراحةٍ تخلو من الخجل، وحين يحل الصباح التالي، تتحول ليلة الصباحية إلى احتفالٍ آخر: “هلبس لك لموني واقلع لك لموني حاسب على عيوني”، حيث تُروى تفاصيل اللقاء الأول بلغةٍ تخلط بين الفخر والدعابة.
يكمن جوهر التفرد في هذا التراث في تحويل اليومي إلى شعر “هاتلي خمرة نضيفة واقلع لك بالقميص / تحت الصرة بشوية أرنب صايد غزال.” صار الأرنب البري، في المخيال الشعبي رمزًا للفحولة، والصيد هنا استعارة لملاحقة الرجل للمرأة في فراش الزوجية. تتحول حتى الثياب البالية إلى أدوات إثارة: “يا مفرتك يا قميص النوم يا مهيِّج شباب اليوم.”
المرأة في قلب هذه المعمار الغنائي راويةٌ فاعلة، يعلو صوتها مطالبًا بحقها في المتعة: “أنا اللي بطني بتوجعني لا واد ولا بنت هتنفعني / أنا عاوزة حبيبي يدلعني”، حيث ترفض أن تكون وعاءً للإنجاب فقط، بل تطالب بلذةٍ جسديةٍ صريحة؛ وفي ساعات السمر، تتحول إلى ساحرةٍ تتباهى بسلطتها: “بوّط فيا وارميني على الفرشة يا جميل بوّط من تحت بزي وحاسب على ضلعي”. هذه الأغاني مساحةً نادرةً للمرأة كي تُعبّر عن شهوتها دون وصاية؛ إذ كانت الأفراح بلياليها الثلاث، الحنّة والتنجيد والصباحية، مناطق “حظر أخلاقي” مؤقتة.
قال محمد شحاتة مؤلف الكتاب المذكور، إنه لا يجوز أن تتردد هذه الأغاني في مكان مشترك يجمع بين النساء والرجال نظرًا لما تتضمّنه من ألفاظ وكلمات خادشة للحياء، خاصة إذا كان المجتمع محافظًا بطبعه ومنغلقًا على نفسه مثل الصعيد.
هذا الإرث متحفٌ أنثروبولوجيٌ حيّ، كل كلمةٍ فيه تحمل فلسفة شعبية عن الجسد كهديةٍ إلهية، وعن الرغبة كطاقةٍ لا تُكبت، دراسة هذه الأغاني مهمة لفهم جذور ثقافةٍ رأت في الصراحة فنًا.
الأغنية الشعبية
منذ الثمانينات أخذ القطاع الأكبر من الشعب يشكل الفرح المصري بعيدًا عن النخبة وزفافها المُرتب، ودون الاهتمام برجال الأمن في الشارع، لتنتشر مجسمات المراكب التي تمتلئ بالفاكهة وزجاجات البيرة المحلية تقدم على كل طاولة في الأفراح، وتوزع أصناف المخدرات الشعبية على المعازيم دون تمييز واضح، لتقدم أهم الليالي على مدار ثلاث – أربع عقود متواصلة.
لتحتل الأغنية الشعبية في القاهرة مساحة جديدة داخل الأفراح التي يتعرى فيها الموجودون من كل شيء لـ لحظات النشوة، بل كان من المتعارف عليه في هذه الليالي أنه لا يوجد حد أو قائمة بالمعزومين، بل الجميع مدعو، كل من يصل إليه الصوت يمكن أن يأتي ليأخذ واجبه ويرقص كما يحلوا له دون سؤال.
برزت حينها أسماء مثل شفيقة ورمضان البرنس وغيرهم، كوجوه الشعب المفضلة والأقرب من أي لون آخر، ولا يهم في تلك الأثناء أن تثير كلمات الأغنية الدمع أو الفرح، لأن الحالة نفسها هي ما تقود الجميع إلى الرقص والسلوى.
لم يكن ذلك امتدادًا للتراث، بل هو تمثيل جديد لزفاف يتأسس على الرقص، والصوت العالي، والإيقاع البدني والحزن حينًا آخر.. فلم تعد الأغنية ترافق الطقس؛ بل أصبحت طقسًا متكامل في ذاتها، الرقص، الزغاريد، الأصوات الإلكترونية المسجلة، وهكذا الضحك، والموال، والبكاء، يتداخل كل ذلك في مشهد زفاف يطالب بالتحرر.
ليصبح العامل المشترك الأبرز بين تجربة البرنس وشفيقة في الافراح المصرية، إلى جانب قربهما الكبير من الجمهور وروحهما المرنة في التعامل مع الموسيقى، كان يتمثل في الإيقاع نفسه بوصفه عنصرًا مركزيًا في أغاني الزفّة والفرح في هذه الفترة، فكان هذا الإيقاع بحد ذاته حاملًا لتحول مفصلي في شكل الغناء المرتبط بالفرح.
في قلب أضواء مسارح الليالي الكبيرة التي كانت تستمر لأيام، تُختزل حكايات الناس في إيقاع الطبلة وكلمات الأغنية.. انبثق صوتٌ رمضان البرنس، ابن الشرابية، يحمل تناقضًا صارخًا: حزنٌ يرقص عليه الناس ناسجًا أسطورته كمرآة لجيلٍ بكامله.
حين قدم ألبومه الأول عايزة إيه (١٩٧٩)، ذلك الشريط الهش الذي كُتب على ظهره “مع تحيات سيد بخيت”، أحدث زلزالًا شعبيًا لم يتوقعه أحد، فقد أصبحت أغنية مثل يتيم الأم ندبةً جماعية، متجاوزة آلامه الشخصية، لتكون صوتًا مألوفًا في ليالي الفرح بالقاهرة!
أما موال الأم وارجعي فكشفتا الوجه القبيح للغدر والعوز. لقد حوّلت ثلاثيته الأثيرة، خيانة الصحاب وغدر الحبيبة وحِمل اليُتم، شرائط كاسيتاته إلى إنجيل الغلابة، حتى صارت قاعدة غير مكتوبة: “سائق الميكروباص من غير رخصة، يعدي من غير شريط البرنس، مستحيل.”
برز اللغز الذي حيّر الجميع: كيف يتحول المأساوي إلى وقودٍ للفرح؟ كمن الجواب في العفوية الجارحة لصوته، بجانب تماهي الأهالي من الفرح مع الشعور بالهم المشترك في أوضاع أجتماعية مضطربة فكان الفرح هو المنفذ، كما مثلت لحظات الفرح في المناطق الشعبية بمثابة لحظة تعري من الوقار كما سلف ذكره في العصر المملوكي، لذا كل ما يعري الجرح يسبب الانتشاء والسلوى بفعل التضامن المشترك، إذ نقل صوت البرنس المعاناة كما هي.
ظلّ تناقضه الأكبر هو تواضعُ أدواته مقابل ضخامةِ تأثيره. أنتجت شركات صغيرة ألبوماته الـ ١٢، مثل عبده الجزار وعزة فون، بتوزيعاتٍ بسيطةٍ تسمح لصوته بالانفجار كصاروخٍ في الظلام. حتى أغنيات الحب عنده، مثل سهر عيوني وعلميني ولمي الضفاير، حملت ذلك الطابعَ المرير: حكاياتٌ عن عذاب العشق، وكأنه يصرخ بأن الفرح الحقيقي يُنتزع من أحشاء المعاناة.
شاركته شفيقة هذا التناقض أيضًا، حيث امتلكت حضورًا طاغيًا على المسرح، دون افتعال، بإشارة واحدة كانت تُحرك جمهورًا بأكمله، وتخلق حالة جماعية من التماهي. جاءت ارتجالاتها داخل الأغنية، مثل “يا جماعة دا قلبي اتهدى من كتر الغرام”، تكثيفًا للمقام؛ لحظة اعتراف تنفذ منها إلى صدور المستمعين وتمنحهم شرعية الصرخة.
لا يقاس الأثر الفني لشفيقة فقط بشهرتها، بل بنوع التحول الذي أدخلته على الأغنية الشعبية، إذ كسرت الحدود بين المسرح والشارع، اختارت طابعها الخاص، ورفضت التقنين تحت مظلة المؤسسات الفنية، مفضلةً أن تكون صوت الهامش العالي. عندما لُقّبت بـ أم كلثوم الشعبي، كان ذلك إقرارًا بتجربة فنية صنعت لنفسها مجدًا من خارج القواعد.
تكمن الأهمية القصوى لها بأنها مثّلت الوجهة النسائية الأبرز للموجة الشعبية في عقد الثمانينات بالقاهرة والمناطق الريفية، إلى جانب البرنس، كما كانت حدثًا موسيقيًا مرهفًا، يُعيد تشكيل الجغرافيا الاجتماعية للفرح المصري.
بالإضافة إلى الأداء، تَمثّل تأثير شفيقة في الطريقة التي قدّمت بها نفسها كنقيض متكامل للصورة النسائية المؤطرة في الفن الرسمي؛ إذ غنّت عن الألم كقوة طاردة، تُنقّب به عن مشاعر مكبوتة في قلوب الجمهور، كما لامست كلماتها المباشرة الحياة اليومية مثل “جربت الحب مرة / كانت مرة وهي مرة.”
مع شرائط كاسيت حملت عناوين مثل راجع تاني وغلطة مين، انتشرت شفيقة خارج نطاق الإذاعة، واخترقت البيوت والأسواق والفرح الشعبي، لم تكن بحاجة لتقنيات الاستوديو المصقولة، فاختارت الغناء الحي، بضجيج الجمهور وصخب الآلات.
حتى في انحسارها، ظلّت وفيّة لمكانها الأصلي، ومع سقوط سوق الكاسيت في بدايات الألفية، عادت بهدوء إلى الأفراح الشعبية الصغيرة.
كانت الليالي الكبيرة التي جمعت نجوم تلك الفترة مركزًا ريفيًا لصناعة النجومية الشعبية، ومنها خرجت أصوات مثل شفيقة الطنطاوية وفاطمة سرحان وبدريّة السيد، حاملات تراث القرية الغنائي إلى العاصمة.
مهّد ذلك التطور المربك عند شفيقة ورمضان البرنس الطريق لظهور لون موسيقي جديد، ووجوه شابة تخلّت تدريجيًا عن النزعة الحزينة في الكلمات ومالت بدلًا من ذلك إلى موجة إيقاعية صريحة. بدأ هؤلاء كمغني أفراح حصرًا، حيث كان لإحياء الفرح سوق خاص يشبه ما كان قديمًا، ولم يكن نجاحهم مرهونًا بحفظ الألفاظ أو خلق حالة وجدانية عميقة، بل بإشعال الطاقة والفرح في ليلة لا تنتهي غالبًا إلا بمحضر إزعاج.. من هنا تراجعت أصوات النساء في القاهرة.
مع بداية الألفية الجديدة، بدأت تلك الأغاني تُحدث قفزة واضحة في عالم الشريط، وتمهّد – بشكل عفوي وغير مخطط – لقدوم عصر الفلاشة، إذ تراجع نسبيًا زمن الكاسيت، وبدأت الوجوه الجديدة تتجه نحو الحفلات الحيّة ذات الطابع المباشر المرتبط بالجمهور لحظة بلحظة. كان هذا التوجه رد فعل طبيعي على نزعة نخبوية ظلّت، رغم تغيّر مظاهرها، على مسافة واضحة من هذا النوع من الغناء، ومن قلب هذه المسافة خرجت أسماء شكّلت صورة جديدة للأفراح المصرية.
أنتجت أعراض انسحاب النبرة الحزينة أعظم أغاني تلك الفترة، والغريب أنها أحيت أفراحًا ظلت مشتعلة في ذاكرتنا حتى اليوم. بعيدًا عن كل الإنتاج المصري تظل أغنية محكمة لسيد الشيخ والخطية لمحمد رجب من أكثر الإنتاج الموسيقي إثارة للشجن والحركة وللسؤال أيضًا. كنت في المرحلة الابتدائية حين غناها صديق لي أمام معلمة الموسيقى، ويوضح هذا بشكل حقيقي إلى أي مدى وصلت تلك الأغنيات. في النصف الأول منها الجميع صامت وفي الثاني يرقص الجميع.
بعد ذلك برزت أسماء مثل علي الصالحين وأشرف مزيكا قدمت ما سُمي بالموالد – نسبة إلى حالة الفَرح – بروح جديدة، توليفة تجمع بين أغاني الكلاسيكيات المصرية وكلمات مرتجلة، وجمل لحظية تعبّر عن الحالة الآنية للفرح، بأسلوب يقترب من وظيفة النبطشي، وإن بقيوا على توليفة المآسي لكن صاحب هذا كلّه إيقاعات راقصة أكثر كثافة، مغمورة بـ سيمبلات الدرامز، وأصوات الكيبورد والبيز التي كانت ترُج المسرح بالمعنى الحرفي، في تلك اللحظات يمكن أن تشعر بالموسيقى وهي تسري في جسدك.
بإيقاعات أكثر تحررًا، برز من خلال أعمال تلك الفترة صوتي محمد الفولي، الذي قدم أهم أغنية في أفراح هذه الفترة،وعماد بعرور، حيث نجحا في نقل أجواء الفرح نفسها إلى شريط الكاسيت، ليصبح الفرح شيئًا قابلاً للتداول والحمل، لا حدثًا مرتبطًا فقط بالمكان واللحظة. مع انتشار هذا النمط، بدأت الأصوات النسائية تتراجع تدريجيًا في أفراح القاهرة، خاصة بين الطبقات الفقيرة التي اعتمدت على شرائط الكاسيت بدلًا من حضور المطربين، كانت هذه بداية الطفرة النوعية الأولى في ليالي الأفراح المعاصرة.
أما في الأفراح ذات الكلفة المالية الأعلى، فقد حلت فرق الزفّة محل الأداء النسائي، وكان الظهور الأكبر في هذا السياق لـ فرقة سعد الصغير؛ ورغم التحفظات التي أبداها البعض، خصوصًا من النخبة الثقافية، يظل سعد الصغير علامة فارقة في مشهد الزفاف والفرح المصري دون أن يتخلى عن الوظيفة التي يكلف بها من يحيي الليلة ايضًا وهي النبطشي.
كسر سعد الصغير واحدًا من التابوهات المرتبطة بالجسد الذكوري، حين جمع بسلاسة غير مألوفة بين الروح الأنثوية التي تميز أجواء الأفراح، وبين العرض الاستعراضي المتكامل. كان الوحيد من أبناء جيله الذي جعل “هزّ الوسط” الرجالي أمرًا مستساغًا ومقبولًا، فتماهت النساء مع الحالة، ووجد الرجال في الإيقاع ما يحرك أجسادهم هم أيضًا.
حتى على مستوى الغناء، لم يخرج الصغير عن التراث الشعبي لأغاني الزفاف، بل أعاد تقديمه بإيقاعات معاصرة قادرة على كسر الحواجز التقليدية والفجوة القائمة بين ما هو نخبوي وما هو شعبي، مثل أغنية اتدلع يا عريس.
طغت هذه الروح المعاصرة حتى على أغنياته الخاصة مثل هتجوز، والأكثر ارتباطًا بالحس النسائي الشعبي، كانت إوعى حد يزعّل أمي: “لو أمي شايفة الشبكة ع العروسة / يبقى تجيبوها وكمان فوقها بوسة / مع احترامي لأمك أو لعمي / في الاتفاق الكلمة كلمة أمي” تشابه حيوية الأغاني التي تحمل شيئًا من التلاسن أو الهجاء أحيانًا. لذا كان حضوره، سواء على خشبة أحد فنادق القاهرة الكبرى أو عبر شريط مُسجّل في فرح شعبي، يحمل الأثر ذاته والطاقة نفسها.
ثم بين كل تلك الأصوات والمساحات المتقاطعة التي سعت إلى إحياء أفراح القاهرة بطابع متجدد، ظل النبطشي يشكل العمود الفقري الحقيقي للفرح الشعبي. كان الامتداد الحيّ والديناميكي للصوت النسائي القديم، الذي لطالما تكفّل بمهمة استقبال المعازيم وتحيّتهم، ولمّ النقطة من الحضور؛ وهي مهمة التي ما زالت تتولاها النساء في بعض الأفراح ذات الميزانيات المحدودة، حين تقف أم أحد العروسين لتجمع النقطة وتغني طوال اليوم لكل مُحب، وأولهم العروسين، ولا مانع أحيانًا من بعض التلاسن الخفيف بين الأهل والمحيطين.
تطوّر النبطشي من مجرد مؤدٍ لهذه الوظيفة إلى شخصية مركزية ذات طاقة مؤثرة، بفضل قدرته على توليد الجُمل المسجوعة في لحظتها، وتأليف العبارات التي تلتقط نبض الجمهور وحالة الفرح الآنية، كما تدخّل أحيانًا بالغناء نفسه إذا تطلب الأمر، أو لتنسيق الفقرات بين الفرق.
أعادت شخصيات مثل بيطا النبطشي إحياء الأغاني الكلاسيكية لا كما أُلّفت، بل بجُمل ناشزة صوتيًا لكنها مُتقنة وظيفيًا؛ إذ تصل إلى ما هو مطلوب بدقة: تحريك الجمهور، إشعال الحالة، وربط اللحظة بما سبقها وما يليها. كان النبطشي، بهذا المعنى، صانعًا إيقاعيًا للحظة الفرح، ووسيطًا حيًا بين الذاكرة الشعبية وتحوّلاتها الجديدة.
وسط هذا المشهد المتنوع من الأصوات والعروض والطقوس المتوارثة، بدأ الفرح القاهري يتهيّأ لتحوّل جديد مختلف عما قبله تمامًا، بل يعيد ترتيب عناصره من الداخل. كانت الأرض ممهّدة لولادة شكل موسيقي أكثر جرأة وتداخلًا، يلتقط نبض الشارع ويخلط بين الإلكتروني والشعبي، والفوضى والذكاء اللحظي، وبين العشوائية المقصودة والانفجار الإيقاعي؛ فظهرت المهرجانات واللووب -loop- كان اللووب الأول على الأرجح لعمرو حاحا، ثم بدأت هذه الملفات تنتقل بين الأفراح للرقص قبل أي ظهور أي مهرجان.
انفجرت موجة المهرجانات كتحوّل أخير في مشهد الزفاف القاهري، لا لغة للحب، ولا أناقة في الغناء، بل مواجهة صريحة مع الواقع: وقفونا تلاتات تلاتات، أنا عيشتي حرام في حرام، الكلمات عنيفة، الصوت إلكتروني مشحون بالتوتر، والفرح يتحول إلى عرض عضلات وتفريغ غضب وتفاوض على من يملك الميكروفون في تلك الليلة، ثم الانطلاقة الحقيقية للمهرجان فيوديني التنجيد، التي كانت مكتوبة لإحياء ليلة تنجيد، والتي كانت تمثل طقس الزفاف المفضل للشباب الذين يشيدون مجسمات من الرمل المبلل أو الحناء ويرقصون طوال اليوم.
من القاهرة إلى الأقاليم
تتجلى في الأقاليم أغاني الزفاف بوصفها إرثًا مغلقًا، وصوتًا نسائيًا نقيًا لم يخضع بعد لمنطق السوق، ومن صعيد مصر نبدأ أولى محطات الرحلة.
وجه قبلي
في قرية مطلّة على الترعة القِبلية، تُقام حفلات الزفاف كما هو معتاد: مكبّرات صوت، مقاعد بلاستيكية مرصوصة، وساحة ترابية أمام منزل العريس يتحوّل ليلها إلى مسرح مفتوح. يظل هذا المشهد، رغم تغير التفاصيل من مكان لآخر، مألوفًا في الوجه القبلي، وهو الإقليم الذي يمتد جنوبًا من الجيزة وحتى أسوان.
لكن هذا الامتداد الكبير لا يشكّل وحدة ثقافية واحدة؛ إذ تكوّن المحافظات الواقعة على جانبي نهر النيل من بني سويف إلى قنا ما يمكن اعتباره كتلة متجانسة نسبيًا، تشترك في لهجة متقاربة، وطقوس زفاف متشابهة، وبنية اجتماعية تقليدية تتحكّم في تفاصيل المناسبة، بينما على الطرف الآخر، تختلف أسوان، سواء في لهجتها أو نمطها الموسيقي، بانتمائها النوبي وثقافتها القريبة من جنوب الوادي أكثر من شماله. أما الوادي الجديد، فسكانه من أهل الواحات، وتنعكس هذه الخصوصية في طقوسهم ولهجتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، ثم تأتي الفيوم كحالة خاصة، فهي حالة انتقالية، تقع بين الدلتا والصعيد، وتجمع في لهجتها وسلوكها اليومي بين مظاهر المنطقتين، ما يجعلها أقرب إلى نقطة تقاطع ثقافي لا تنتمي بالكامل لأيٍّ منهما.
أفراح الصعيد
تُعد حفلات الزفاف في قرى الصعيد امتدادًا حيًا لبنية اجتماعية عميقة، تتداخل فيها الأدوار والمواقف والمشاعر الجماعية؛ وبينما قد يَظنّ البعض أن النساء هناك محاصرات بالعزلة أو تحت سطوة تقاليد صارمة، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا. تملك نساء الصعيد حضورًا فعليًا في الشأن العاطفي والاجتماعي، يعشن الحب – بكل تعقيداته وحدوده – ويتعاملن معه داخل سياقات تُدار بالحذر أحيانًا، وبالحنين أحيانًا أخرى.
تبرز هذه الحقيقة بوضوح في الغناء، تحديدًا في الموروث الشفهي المرتبط بالأفراح، إذ تحمل النساء النصيب الأكبر من هذا التراث الغنائي؛ في المواويل، والردّات الجماعية، وأغاني الحنة والوداع.
على ورق اللوز على لبّه / لأبيع عمري على اللي بحبه / رحت لأسيوط جيت من أسيوط / بعت الزعبوط على اللي بحبه
من بين أبرز ما يظهر في هذه الأغاني قضايا مثل العزوبية، بالتعاطف مع العازب الذي لا يجد من يحنو عليه ويهتم به بقولهن: “عيني على العازب / يا عيني عليه / داخل يطل (إشارة لاختلاسه النظر) وطالع يطل / شاف الذل يا عيني عليه”، أو أنها تطلب منه التقدم لها بشكل واضح في ترديدة أخرى: “تمشي ورايا ليه / وإيه قصدك معايا؟ / إن كنت عايز تخطبني شيّع لأمك تطلبني / أبويا واعر يُضربني.”
يأخذ الاحتجاج أقصاه في الزواج على الزوجة الأولى، بترديد الزوجة الأولى: “ليه يا ابن عمي تتجوز عليا / لالبس لك قطيفة / واقلع لك قطيفة / وأنام في السقيفة / وأرمي الشال عليه.” تأتي تلك الإشارة الجنسية لاعتقاد أهالي القرى إن ذنب الزواج من أخرى يقع على الزوجة التي لا تهنئ له الفراش كما يجب، وعادةً ما تكون تلك الترديدات بين النساء وبعضهن.
كذلك تأخذ القيم الجنسية مرتبة مرتفعة بين نساء الصعيد، فإنه بعكس الشائع عن المجتمعات المحافظة فإن للجنس حضور قوي، ويُغنى للعروس بهذه الكلمات لأيام قبل موعد الفرح، كما يزف العريس عليها في اليوم نفسه لكن على استحياء قليلًا. تدور أغلب تلك الأغاني حول القيم الجمالية لمفاتن النساء ومدح زينتهن، فتبدأ النساء في ترديده لإحصاء المفاتن من اليد حتى الثدي: “لو شفت إيديه في الأساور ليه / لا تموت عليا يا ابن عمدة البلد / لو شوفت بزازي في البدلة الهزازي / لا تموت متغاظي يا ابن عمدة البلد.”
ليس من الغريب أن تصدح أغاني الصعيد بالتهديد المباشر في حالات الحب، فتردد المرأة مقسمةً: “والله ان ما جتني يا واد عمي / لأسوي افتعالة (جناية)”؛ وللسخرية لم يكن هذا بدافع الغضب بل توعدًا له بليلة جميلة تجمعهم سويًا:
إبقى تعالى في بيت سيدي يا ولا / وأفتح لك الراديو بإيدي يا ولا وابقى تعالى يا واد جنبي / والبس لك البدلة البمبي / بس انت هاود يا شلبي وابقى تعالى، وابقى تعالى ولا تخافي / والبس لك البدلة الصافي / وأفرجك على كتافي وابقى تعالى يا ولا
أخذت مكانة الجسد تتغير مع الظروف في الصعيد، فخرجت الأغنيات من الأعراس وانتشرت عن طريق الراقصات في الملاهي الليليةبعد الحرب العالمية الثانية، آخذة طابعًا إباحيًا مباشرًا، لذا لم تعد تغنى كثيرًا في أفراح الصعيد.. يقول درويش الأسيوطي على لسان راوية الأغنية: “يا شيخ ما تسيبك منها، دا غنا مايع، شغل غوازي” لربما لأنها تدور في سياق غير مشروع:
حط إيده بين عقودي / شيل كدا يا ابن اليهودي لا يشوفوك أهلي وجدودي / يضربوك تصعب عليّ
رغم ذلك ينفي درويش الأسيوطي بعض الترديدات المنسوبة لأهل الصعيد، والتي ذاع صيتها في القاهرة في ستينات القرن الماضي، مثل “ياللي ع الترعة حود على المالح / ضهري بيوجعني / من إيه؟ / ضهري بيوجعني من نومة امبارح”، وأخريات: “دخل الأوضة / لبسها الموضة / واتكل على الله”، و”يا من يجيب لي حبيبي ع السرير يرتاح / ياكل من التمر يتقلب على التفاح”، التي يعتقد أنها شاعت في الملاهي الليلية بالقاهرة عقب الحرب العالمية الثانية، باعتبارها من التراث الصعيدي.
إن حملت تلك الأغاني بالطبع نفس الطابع الجنسي في أغاني التراث الصعيدي، عكس ما ذهب إليه الأسيوطي، إلا أن الطابع الجغرافي فيها يشير إلى محافظات الدلتا كما يتبين لاحقًا، حيث لا تطل محافظات الجنوب على بحار مالحة ولم تكن في ثقافتها يومًا. لكن يبقى تأثير التداخل الثقافي أثناء الحرب العالمية له أثر في المبالغة الجنسية في الكلمات، أو أداء الأغنيات نفسها.
الخطوبة
تكتسب الأغنية في لحظة الخطوبة والزفاف حضورًا أقوى، وإن كان أقل مباشرة مما كانت عليه في أغاني الحب أو تلك التلميحات الجسدية الصريحة التي سبقتها؛ فمع الانتقال من الرغبة الفردية إلى الترتيب العائلي، تبدأ النساء بالغناء لترسيخ أدوار متعددة تتجاوز الفرح الظاهري، ليصبح أداة لإعلان التحالفات، وتثبيت التراتب الاجتماعي، وتكرار ما يُنتظر من كل طرف في العلاقة.
ما ترن يا واد ما ترن / ما ترن واحنا مالنا إن كنت فوق الراس / تجيبك تحت مداس دا إحنا ولاد الناس / ولا تقدر على أتماننا
في الوقت الذي تبدو فيه الأغاني مرتبطة بالبهجة والاحتفال، تخفي كثيرًا من ترديداتها تحتها مواقف مشحونة: غيرة نسائية، مفاخرة طبقية، أو حتى تذكير مبطن بدور الرجل، مثل ترديد أهل العروس “جاب لي القبقاب في وابور (قطار) ركاب / عاود القبقاب وهات لي العنب” تفاخرًا لطاعة الخطيب لها وفعل المستحيل لنيل رضاها.
مع تصاعد خط الصعيد، تتصاعد تلك المشاحنات في ملامح الأغنية في محافظة قنا، فتأخذ أم العروس بالتلاسن على أم العريس فتردد: “أم العريس يا نوارة / أتاريكي بدودة وغيارة / قالت عايزه مخدة ومنين نجيب مخدة / إدوها راس الحمارة” أو “وعرفت تخطب يابو عين نمسانة / وعرفت تخطب وتناسب رجالة.”
يكتفي أهل العريس في تلك الأثناء بالمواساة، فتقول الأم لابنها: “عملولك إيه يا واد نسايبك / عملولي وعملولي وجوز فراخ ودبحولي / وبعد ما كلت عايروني.” يأتي انعدام توازن الموروث بين ما يلقى على العريس والعروس للاعتقاد الراسخ عند أهل الصعيد بمكانة الفتاة وما يتحمله الشاب من مشقة رضاها في زواجهم.
حجلك ضرب في الطشط يا شلبية / أبوكي راضي ولا نزيده مية
ذلك لما تأخذه النساء من مكانة مركزية في إتمام الفرح نفسه، تتجاوز الزينة أو الاعجاب بالمظهر ليصبحن شريكات فاعلات في صناعة الحدث الاجتماعي بكل تفاصيله. إذ هنّ من يفتحن باب التواصل بين العائلتين عبر المفاتحة والزيارة، ومن يختبرن مقومات الزواج عبر طقس التفتيش الرمزي – صلاحية جسد العروس للحياة الجنسية والإنجاب – ويحرصن على ضبط كل خطوة؛ من اختيار الزفة وإعداد المأكولات، إلى توجيه البلاغات الصوتية بالغناء والزغاريد، بما يضمن المحافظة على كرامة الأسرة ومكانتها في المجتمع.
في صدور أغنيات يا أم العروس ويا أم العريس تتجسّد هيمنتهنّ الرمزية، إذ يحملن في صوتهنّ تراكم الذاكرة الجمعية وتفاصيل الأعراف، ويظلّل نقلهنّ للأغاني الشعبية قضايا مثل الشرف والخصوبة والوفاء، إلى جانب تبويب الفرح نفسه كطقس جماعي لا يكتمل إلا بوجودهنّ الفاعل والمتحكّم في إيقاعه.
بعد إدارة التحضيرات الأولى للزواج بين النساء، يظهر دور الرجال في مرحلة السياق وجلسة الرجالة. السياق هو وفد الرجال الذي يذهب لبيت العروس لطلب الزواج رسميًا، وهو اسم مرتبط قديمًا بما كان يُساق من مهر ماشيًا. تبدأ الجلسة بقراءة الفاتحة وكلمات مدح للعريس، ثم تجري المناقشة الهادئة حول المهر والذهب والأجهزة، بمشاركة المسنّين الذين يحرصون على الحلول الوسط، وبذلك تكتمل فرحة الزواج بموافقة الرجال الرسمية، بعد أن سبقهنّ الاتفاق النسائي.
ضربت طبوله تحت قصر الباشا / عبّوا البنادق واضربوا الرشاشة
يا موالي شرط البيض غالي / شرطك يا عروسة سهرني الليالي
لذا تُفهم أغاني الخطوبة والزفاف في الصعيد داخل هذا الإطار، فهي ليست حيادية ومنغمسة في الوظائف الاجتماعية التي تقوم بها، وإذا كان الغناء سابقًا يعبّر عن الحب من الخارج، أو الرغبة المؤجَّلة، فهو هنا يبدأ في التقاط اللحظة التي يتحول فيها الشعور إلى عقد؛ وبقدر ما يبدو الصوت نسائيًا في الغالب، إلا أن ما يُقال في هذه الأغاني، أو يُسكت عنه، يشكّل مرآة دقيقة لنمط العلاقات، وحدود المسموح والمسكوت عنه.
الليلة الكبيرة
حين تبدأ طقوس الزفاف، التي تستمر من سبعة إلى أربعين يومًا، قبل أن يُقرع الطبل، وقبل أن يُفرد الفِراش، هناك واجب يجب تأديته: إخراج الغلة. الفرح في الصعيد غناء وقمح يُطهى ويُقسّم وتشبع به البطون. لهذا، يصبح إخراج القمح من المخازن، بعد شهور من التخزين في الجرن، لحظةً مركزية في طريق الفرح، تُنقّى فيها الحبوب، وتُوضع في زكائب قماشية، ثم تُحمَّل على الجمال والحمير، وتتجه نحو بيت العروس في موكب لا يقل هيبة عن الزفة.
ترافق الزغاريد هذه الزفة الزراعية، إن جاز التعبير، وتخترق بها النساء والرجال طرقات القرية، ويشاهدها الجميع، الغرض منها واضح وصريح: الإعلان. لا يكتمل الزواج في عُرف الجماعة إلا بالإشهار، وهذه الزفة إعلانٌ صريح بأن الفتاة باتت على عتبة الانتقال، وأن أهل العريس قد أعدّوا وليمتهم من خيرات أرضهم، وها هم يرسلونها لتكون بركةً في بيت الزوجية.
في هذه اللحظة، تظهر الأغاني التي تعبّر عن الجهد والحب والعطاء، تغنّي النساء كلمات مثل: “ميتى يؤون الأوان / وترجح الغربال / ونطلع القمح اللي له زمان خزان” في هذا المقطع حديث عن انتظار طويل وغربال يُرجّ، وغلة قد خُزنت طويلًا وأُفرج عنها أخيرًا.. في أغنية أخرى: “يا القصر دا ما أطلعه / ساكن حبيبي فيه / يا القمح دا ما أسريه / يا طوب ما أنقيه.”
تتحول صورة إخراج القمح إلى استعارة عن المسافة والحب والاشتياق، فيصبح القصر رمزًا لحبيبٍ بعيد، والقمح المخزون مرآة لمشاعر محتبسه، والطوب هو العقبة التي لا يُمكن تجاهلها، تنزلق الأغنية، رغم أنها تتحدث عن الغلة، في رموز الحب والحنين، وهو ما يفعله دائمًا الغناء الشعبي.
كل ما سبق من زفة وغناء وموكب غلة، مجرّد مقدمة؛ إذ يبدأ الاستعداد الحقيقي في الليلتين الحاسمتين: ليلة الجلوة وليلة الحنّة، اللتان تُفرغ فيهما العروس من جسدها القديم، وتُلبس فيهما، رمزيًا وجسديًا، جسدًا جديدًا مؤهّلًا للانتقال، هنا تتقلص الدائرة لتشمل النساء فقط باعتبارهن الجهة المختصة بإعداد الجسد وتهييئه.
في ليلة الجلوة، التي تسبق الحنّة، تُزال كل الشعيرات الزائدة من جسد العروس. في طقس تجميلي وتطهيري، يجري غالبًا باستخدام خلطة الحلاوة المصنوعة من السكر والماء والليمون، كما في وصفات الجدّات. قد تبكي العروس من الألم، وقد تضحك البنات حولها، لكن كله يجري بطمأنينة قديمة، كأن الأجساد النسائية مبرمجة منذ قرون على هذا الطقس، بعدها تدخل العروس الحمام، ويكون معها شخصية مركزية تُدعى البلّانة، وهي سيدة متخصصة في التكبيس والتدليك، تُعيد ترتيب الجسد، وتُخرجه من إرهاقه.
في هذه اللحظة، يُغنّى لها، وتُدَلل كطفلة:
يا صغيرة ولا عندناش في حلاكي
أما ليلة الحنّة، فهي إعلان الفرح الحقيقي، تُعجن فيها الحنّة يدويًا، وتوضع في طبق معدني مزين بالشموع الصغيرة، يُحمل الطبق في طواف نسائي بين البيوت، ويُغنّى له، في مشهد يخلط بين الزينة والقداسة، والرغبة والتقاليد، فيها نداء واشتياق ورمزية مركبة. في أغنية شادية الشهيرة، يرمز قطر الندى للعروس النضرة، الطرية، بينما شباك الحبيب إشارة إلى الترقب والانفتاح على المجهول.
بالإضافة إلى كون الحنّة لحظة احتفالية، هي ساحة لصراعات رمزية؛ إذ يُغنّى في الخفاء أغنيات تهكمية تُوجّه ضد أم العريس، تُلمّح لصراع القوة بين الحماة والكنّة، مثل:
عيني سَامْرة للنوم \ عايزة نوم ومش نايمة علشان حماتي يا ناس \ ما اعرفش أعيش وياها
يلقي الغناء هنا بالغمز، ويقول للجماعة ما لا يُقال في النهار: إن الحياة القادمة فيها تحديات، والحماة ليست دائمًا “ست الحبايب”، بل طرف في معادلة القوى.
تعلّم ليلة الجلوة والحنّة الحاضرات، الصغيرات منهن خاصة، أن أنثوية الجسد لا تكتمل وحدها، بل تُنتج ضمن سياق نسائي كامل: بالتمهيد، التطهير، الغناء، وبالتحذير حتى تنطلق بالغناء والمزمار في شوارع القرى علانية.
بدل الأهازيج والزينة، تبدأ الليلة الرئيسية بمساحة جديدة مغلقة ينسحب منها الرجال عمدًا، ويتحول فناء بيت العروس إلى دائرة مغلقة للنساء والصغار فقط، أولئك الذين لم تتشكّل في أجسادهم بَعْدُ علامات الذكورة التي تفرض الحذر أو الحياء. هذه المساحة هي الأساس، الأرض الأولى التي يُبنى عليها الفرح، لأن الغناء والرقص هنا غير مقصور على المتعة المجردة، بل لفك عقد التوتر، وتكريس حضور العروس كجسدٍ وكيان فاعل.
تسمح هذه الخلوة النسائية بأن تُشارك العروس نفسها أحيانًا، ولو بخجل، في الرقص والغناء، وقد لا ترقص بمهارة، ولا تغني بصوت جميل، لكن مشاركتها تكون فعل إعلان: أنا هنا، أنا مشتاقة، وأنا موافقة؛ وتصبح الأغاني، بتكرارها وبساطتها، نوعًا من الغزل الجمعي، الموجه لها ونيابةً عنها في آن.
يقترب الغناء في هذه اللحظة من التراتيل الطفولية، في تكراره وسرعة حفظه ووضوح صوره؛ إذ يعيد المعاني نفسها كأنما يثبتها:
يا صغيرة يا حبّة اللولية ليها أيادي والعيون عسليّة ليها عمايم في الديوان عظمانة
يرسم البيت أيقونة جمالية: اليد الناعمة، العين العسلية، الجسد الذي يُعظم ويُكرّم في مكان الرجال، موحيًا باستحقاق العروس لزواج يُفتخر به.
أما أغنية مثل:
يا بِنْت يا منبّتة يا عاشقة سماعين طرح العنب والتين
فتخاطب الجسد المكتمل نُضجًا من الداخل، المهيأ للعشق والحمل، وللزواج، لـ تتحدث الأغنية عن أنوثة ناضجة لكنها لا تزال في طور الحلم: فتاة تعشق “سماعين” (الحبيب الغائب / المأمول) وتشبه ثمارًا ناضجة، عنبًا وتينًا، لا تُقطف إلا في أوانها، ما يجري في هذا الفناء تثبيت رمزي للعروس داخل شبكة الجماعة: ها هي بنتنا، كبرت وتجملت، وغنت.
في الجهة المقابلة من الفرح يكون الشباب في الجهة الأخرى قد أشعلوا زفتهم، زفّة العرب كما تُسمّى، وهذا هو الاحتفال المعلن، المُذاع للشارع كله، وهو أيضًا احتفال العائلة الطالبة، أي أهل العريس، فلا يُترك شيء للصدفة في هذه اللحظة، بل كل شيء محسوب بعناية حتى لو بدا تلقائيًا؛ متى يبدأ الغناء، من يقف في المقدمة، من يُنتظر أن يغني موالًا، ومن تتحاشاه العيون.
يتجمّع الفتيان في “رحبة العائلة” أو أمام البيت مباشرة، وتُقام الدائرة: رقصة شعبية، غناء جماعي، دقات كف، طبلة، في الصفوف الأولى من الزفة، تقف نساء العائلة؛ أمهات، خالات، زوجات إخوة، لكن مغطيات الوجوه بالبرقع أو الطرح، يشاركن بتحفيز الراقصين بالزغرودة أحيانًا، أو بهز الرأس والتصفيق المتّزن. يعرف الراقصون أن عيون النساء تتابعهم، وأن أي زلة ستكون موضوع تعليق طويل في المطبخ لاحقًا.
تنقسم الأغاني هنا إلى نوعين أساسيين: أغاني الكف والمواويل، تغنّى أغاني الكف جماعيًا، وترافقها دقات الأكف على الإيقاع، هي الأغاني التي ترقص عليها الأجساد وتتمايل فيها الأكتاف،بينما المواويل فهي لحظة فردية، يكلف بها رمز من رموز هذا الفن في الصعيد، تصل حد البكاء وما أشبهها باللطميات أحيانًا.
نصل لأخر خط قبلي مع الحنّة النوبية وتأخذ ذروة الطقس الاحتفالي في جنوب مصر، وهي أكثر أشكال الحنّة الصعيدية غبطة وامتلاءً بالحياة، إذ تتجسّد فيها تراكُمات التاريخ والهوية الإفريقية في لحظة فرح جماعي، لا يخفى تأثرها بالموسيقى السودانية، وبالسلم الخماسي الذي يمنحها طابعًا شجيًا وانسيابيًا في آن.
في الليلة الكبرى، تتقدّم النساء في حلقة الغناء والرقص، وهنّ يرددن الأهازيج النوبية المصحوبة بالتصفيق والدُفوف، فيتداخل الإيقاع مع زخارف الحنّة المرسومة على أيدي العرائس، هذه الليلة مسرح جماعي يُستعاد فيه الأصل الإفريقي عبر لحنٍ حزين-فرِح، يشقُّ مجراه بين أسطر الموروث الشفهي، ويربط النوبيات بالسودانيات، كما لو أن نهر النيل نفسه يتحدّث عبر الإيقاع والحنّة والأغنية.
في نهاية مراسم الزفاف الصعيدي تأتي في صباح اليوم التالي لليلة الزفاف، تستيقظ القرية على ما يُسمى بالصباحية، وهي امتحان صارم تُوضع فيه العروس وأسرتها كلها أمام معايير الشرف والعفة الجماعية، لا أحد يتحدث بصراحة، لكن الكل يترقّب: هل ظهرت العلامة؟ هل هناك أثر للدم؟ هل الفراش يشهد على العذرية؟
في المجتمعات التقليدية مثل الصعيد، لا يكفي أن تُزف العروس ببخور وزغاريد، فالفصل الأخير من هذه الحكاية يروى بالبينة، ويكاد هذا الطقس أن يكون أقسى طقوس الزواج كلها، فإن غاب الدم غابت الطمأنينة، وانهار كل ما بُني عليه الزواج من وعود وثقة. في إحدى الأغاني، تعيد أم العريس تأويل أغنية الحصاد يابو اللبايش يا قصب إلى:
يا ابو اللبايش يا قصب / عندنا فرح واتنصب خد المنديل بدمها / ونزل يفرج عمها
وفي أخرى:
اتكحرت الرمان / الشمس طلعت والعريس لسه ما نام
ثم يتوجهون بأغانيهم لطمأنة أبو العروس:
قولوا لابوها ان كان جعان يتعشى / قولوا لأبوها الدم عبى الفرشة قولوا لأبوها ان كان تعبان يرتاح / قفل متربس وجاله المفتاح
ما تكشفه هذه النصوص هو أن البكارة ليست مسألة شخصية، بل قضية اجتماعية عامة، تُختصر فيها مكانة المرأة، وسمعة أهلها، وحدودها في الفضاء العام. لا يهم إن كانت تحب أو تُحَب، المهم أن يكون الدم قد شهد لها.
وجه بحري
رغم ما قد توحي به الجغرافيا من انقسامات صارمة بين الصعيد والوجه البحري، يشي ما تكشفه طقوس الزواج في الريف المصري من تشابهات وتكرارات بانسياب ثقافي هادئ يتجاوز تلك الحدود، فحين ننتقل من محافظات الصعيد إلى قلب الدلتا لا يقع إلا تحوّل طفيف في اللهجة، أو تبدّل في نبرة الإيقاع. هنا، في هذه القرى التي تلتف حول السواقي وتُصلّي مع الأرض، يتبدّى الفرح الريفي كطقس أكثر هدوءًا، لكنه ليس أقلّ عمقًا.
آثرنا في هذا القسم أن نُقارب زفاف الوجه البحري كامتداد عضوي للنسق الطقسي نفسه الذي وُصف في الصعيد، ومن خلال رصدنا للممارسات والأغاني في نصوص جمعت من قرى الدلتا، اتضح أن الطقوس لا تختلف في ترتيبها أو رمزيتها، بل تُعاد صياغتها حسب البيئة المحلية ومفرداتها.
قد تختلف في النمط الموسيقي العام إلا أنه في الزفاف نادرًا ما تستخدم الموسيقى الكاملة فتبقى النساء على ضرب الدفوف، والجمل المسجوعة في شطرات قليلة في أغلب الطقوس؛ أما في الإسكندرية ومدن القناة، فرغم وقوعها جغرافيًا ضمن الوجه البحري، دفعتها خصوصيتها الساحلية والمدينية الحديثة إلى قسم مستقل.
سنقف عند مظاهر الاختلاف في النمط الموسيقي بين منطقة وأخرى، لنُميّز ما انبثق من إيقاع فلاحي ناعم، أو نبرة صعيدية عالية، أو لحن ساحلي متداخل مع موجات الهجرة، كما سنتأمل كيف حملت تلك الأغاني مضامين اجتماعية متباينة.
الجانب الآخر من أهمية هذه الطقوس هو كون الغناء المرتبط بها لم يبقَ حبيس البيئة الريفية، بل تسلّل تدريجيًا إلى القاهرة، حيث وجد من يقتبسه ويعيد توظيفه داخل سياقات مدينية جديدة.
في الوجه البحري لا تُقاس الهيبة الاجتماعية بالمعيار القائم في الصعيد، حيث ما زالت صورة ابن العمدة أو شيخ البلد تتصدّر المشهد الرمزي للوجاهة والمكانة. هنا، في قرى الدلتا، تتوزّع الوجاهة على مراكز جديدة أكثر حداثة، وأقل ارتباطًا بالبنية التقليدية للعائلة، قد يكون الظابط أو الدكتور هو مركز الانتباه والتقدير.
هذا التحوّل انعكاس لنمط اجتماعي أكثر سيولة، يربط الفرد بمكانته المهنية لا فقط بنسبه. هكذا، تتحرّك طقوس الفرح في الدلتا على إيقاع اجتماعي جديد، أكثر مرونة، يسمح بإعادة توزيع الرموز، ويمنح الطبقة الوسطى حضورًا رمزيًا يوازي، بل يتجاوز أحيانًا، نفوذ العائلة أو الجذور، لذا تصبح الأغنيات:
إوعيله يابت اوعيله / الظابط يبقى زميله
أيضًا، مع أن الأمر شبيه بالصعيد في شكله الخارجي، يبدو التفاوض أقل صلابةً في المتطلبات المادية وأكثر قابلية للمرونة، خاصة أن سكان الدلتا، وإن تمسّكوا بأعرافهم، فهم أقل تزمّتًا في إظهار العاطفة، وأكثر قبولًا للتواصل؛ وينعكس هذا بشكل مباشر على التراث الغنائي.
تبدأ استعدادات الحنة مبكرًا، وتُعدّ واحدة من أكثر الليالي خصوصية في الزفاف الريفي البحراوي، تحضر فيها النسوة من القرية بأزيائهن الملوّنة، ويتحلّقن حول صحن الحنّة الكبير، لكن ما يميّز هذه الليلة أكثر من مفهوم الطقس ذاته هو الحوار الكامن فيه: تتبادل النساء أسرار الزيجات، حيل الحياة، تعليقات لا تخلو من سخرية، ومقارنات لاذعة بين العائلات.
يُفرد المكان للغناء، لكنه أكثر غنًى صوتيًا من مثيله في الصعيد؛ إذ تسعف لهجة الدلتا الرقيقة الأغاني بجمال موسيقي خاص، يجعل الأداء أكثر طواعية للطرب، وأقل حدة في النبرة.
يحمل يوم الزفاف نفسه، وهو الذروة، نفس ملامح الطقس القروي من احتشاد الناس أمام البيت، وانخراط الجميع في الطقوس. ما يلفت في طقوس الفرح بالوجه البحري أنها تحمل روحًا أكثر انفتاحًا وطراوة. لا تغيب الرقابة الاجتماعية، ولا تُهمَل مفاهيم الشرف والهيبة، لكنها تُقال بطريقة أهدأ وعلى لسان الجدّات. فرح يشبه الحقول التي تعرف متى تنحني للريح، ومتى تصمد.
الصوت النسائي
إذا دقّقنا أكثر في بنية الغناء النسائي بوجه بحري نكتشف حضورًا لافتًا للإيقاع، كمحرّك أساسي للغناء. تعتمد النساء هناك على إيقاع أكثر تعزيزًا ومرونة، يتيح لهن حرية التمديد أو التقطيع وفق انفعال اللحظة، لا وفق قوالب صارمة، وقد يبدو هذا تلقائيًا، لكنه ناتج عن خبرة جمعية طويلة في تطويع الإيقاع ليلائم حركة الجسد، وصفّ النساء، واللحظات العاطفية المختلفة للفرح.
كما تُظهر الأصوات النسائية في الريف البحري تنوعًا أكبر في النغم، سواء على مستوى الطبقات الصوتية أو الأداء الشعري داخل اللحن، فبعضهن يحتفظن بنبرات منخفضة تنقل الحزن الخفيف الممزوج بالفرح، بينما يعلو صوت أخريات في نداءات تذكّر بأهازيج الحصاد وأغاني الموالد، وكأن الفرح امتدادٌ طبيعي لحياة الحقل.
تُسهم لهجة الدلتا السلسة والرخوة، والفائضة بالمدود الصوتية، بدورها في جعل الغناء أكثر طربية وانسيابية، فـ يتكثف الطرب، ويغدو الغناء شبه ارتجال شعري، تميّز هذه الخاصية أغاني النساء في الدلتا عن نظيرتها في الصعيد التي يغلب عليها التقطيع الحاد للنطق، فتبدو كأنها مصقولة، بينما تغني نساء البحيرة والدقهلية وكأنهن يعجنّ الكلام مع العجين، بهدوءٍ وانسيابية.
مع طقس الحنّة، حيث تهيمن الأغنيات النسائية الجماعية على الليلة، تنسج العرائس الأكبر سنًا كلمات متوارثة تصف العروس وهي تحنّى، تبارك لها وتبث فيها حكمة الأجيال؛ في إعلانٌ جماعي عن انتقال الفتاة من حيز البنات إلى عالم النساء، ويأتي هذا الإعلان في صيغة نداءات، أو تحريضات لطيفة، أو حتى ملاحظات مبطّنة على العريس وأهله.
لعل أكثر ما يميّز هذه الطقوس هو غياب الطابع الاحترافي: المغنيات هاويات، لكنهن يعرفن متى يقلن، وماذا يُخفين، وكيف يبتكرن كلمات جديدة بناءً على ما يجري في ساحة الفرح، ليتحول الغناء إلى موروث حيّ.
هذه السمات الصوتية، بكل ما تحمله من مرونة وانسياب وحسّ جماعي، محورية لفهم تأثير أغاني وجه بحري على المشهد الغنائي في القاهرة.
ساهم غزو أغاني وجه بحري لقلب القاهرة عبر الشرائط والهجرات في إعادة تشكيل الذوق العام، وصياغة جديدة للعلاقة بين الريف والمدينة، سواءٌ في موقع الصوت وفي بنيته، صارت القاهرة تُغنّي أحيانًا كأنها قرية، وتستعير زغاريد الدلتا لتعلن أفراحها، حتى لو كانت في قاعة فاخرة أو فندق كبير، تبرز أهم تلك التحولات في التجارب الغنائية المسجلة عند فاطمة عيد وغيرها.
يعود ذلك لعدة أسباب من بينها قرب أهل الدلتا من العاصمة جغرافيًا، واهتمامهم بالالتحاق بالوظائف المدنية دون الفلاحة. هذا إلى جانب أن أهم رموز الغناء العربي، أم كلثوم، كانت من بيئة ريفية، ما أعطى لها مكانة القدوة لأهالي الوجه البحري. كذلك الأمر مع بعض أهم الرموز السياسية والثقافية الذين تعود نشأتهم إلى محافظات الوجه البحري.
كما سبق تلك الحالة تراث ممتد من الطقطوقة التي كان أغلب روادها من وجه بحري، ما جعلها جزءًا من النسيج القاهري وله لغة مستساغة وموسيقى مألوفة بين سكان القاهرة، الذي يعود أغلبهم آنذاك إلى الدلتا ووجه بحري. ذلك ما يتضح مع ظهور الفرق الشعبية، إذ لم يشمل التراث الغنائي الذي تبنته أيًا من تراث مدن القنال مثلًا لغياب القطاع الاجتماعي الذي يستوعبه.
تبقى إحدى العوامل المباشرة لترسيخ تراث الوجه البحري بالقاهرة، والذي أسهم في وجود التسجيلات نفسها، هو اهتمام الدولة بإنشاء الفرق الشعبية منذ منتصف القرن العشرين، تماشيًا مع اهتمامها “بتنقيح” هذا التراث، ما جعلها تدعم أبناءه ليعيدوا صياغته وتقديمه لجمهور الجمهورية الجديدة.
الذوق الموسيقي في القاهرة تحت ضغط الفلكلور الرسمي
بدأ انفتاح القاهرة على الأصوات الريفية في خمسينات القرن الماضي مع بروز الإذاعة المصرية كنافذة جديدة للثقافات المحلية. تجوّل وقتها الزجال الشعبي زكريا الحجاوي في الريف بحثًا عن الأصوات المتميزة، فوقف عند خضرة محمد خضر التي انطلقت من موائد الأفراح الشعبية لتروي قصصًا فلكلورية عبر الميكروفون، وعند فاطمة سرحان التي أضفت على مواويلها الصوفية طابعًا إذاعيًّا ينقل روح المولد إلى البيوت الحضرية.
كانت تلك التسجيلات المبكرة أولى خطوات انتقال الأغنية الفلاحية من ذاكرتها الشفوية المباشرة إلى وعي مستمعي القاهرة، قبل أن تتخذ الدولة خطوة أخرى عبر تأسيس فرق رسمية مثل فرقة رضا عام ١٩٥٩ والفرقة القومية للفنون الشعبية عام ١٩٦٠، فتُتاح أمام هذه الأصوات شبكة مسارح ومدرجات مدعومة رسميًّا، ما منح الغناء الشعبي الرعوي صفةً احتفالية دورية أمام جمهورٍ جديد.
مع منتصف الستينات، صعدت إلى خشبة القاهرة جمالات شيحة بعدما دعتهَا موالد قريتها إلى عالم الفن الشعبي، فانضمت إلى فرقة الفلاحين التي أسّسها الحجاوي نفسه. هناك، تحوّل أداؤها من الموال المنوع إلى عروض منظمة تجمع بين الرقص والموسيقى الفلاحية والموشحات الصوفية، فلاقى ذلك تفاعلًا لدى الجمهور المدني الباحث عن لمحة من الريف ضمن إيقاع العاصمة السريع.
في تلك الورش الفنية داخل الفرق، تشاركت خضرة خضر وفاطمة سرحان وجمالات شيحة خبرات الأداء والتلحين والإخراج، فأُنشئت لدى كل منهن مرجعية صوتية مشتركة عزّزت من مصداقية الأغنية الشعبية لدى أهل المدينة.
مع مطلع السبعينات، دخلت التقنية التجارية للقِطاع الموسيقي؛ حملت أشرطة الكاسيت أول ألبومات بدرية السيد في الإسكندرية، حيث وجدت في شهرتها المحلية سوقًا أولية أعقبتها وكالات التوزيع في شارع عماد الدين بالقاهرة.
ثم خرجت أشرطة فاطمة عيد من السبعينات بعبق الريف الشرقي إلى مقاهي وسط البلد ومحطات الحافلات، حاملة بين ثناياها دمجًا بين اللحن الفلاحي الأصيل وتنويعات توزيعٍ مديني يراعى فيه الإيقاع المنتظم والآلات الموسيقية الشرقية لتعميق الصدى الشعبي في الحيز الحضري، هنا، تحولت الأغنية الفلاحية إلى رفيقٍ يومي للحضر المصري، لا مجرد ذكرى نردّدها في مناسبات محدودة.
خلال التسعينات ومطلع الألفية، عاد المنتجون إلى صناديق الأرشيف لإعادة طباعة أغاني الخمسينات والستينات بصوت مطوّر وتقنيات استوديو متقدّمة، بينما جابت بدّارة وفاطمة سرحان مع فرقتها لإحياء الموالد والحفلات الإذاعية، فتوالت عروض المهرجانات الدولية واحتفالات قصر الثقافة المصرية، حتى غدت الأغنية الريفية ركنًا في ذائقة المقهى والشارع والقنوات الفضائية.
غلب على أداء هؤلاء المطربات نبرة جهورية قوية وكلمات عامية مباشرة تحاكي صخب الحياة البسيطة، مع إيقاعات راقصة. انطلقت شرارة خفة ظلّ المغنيات والشعبيات في قالب الأغنية الشعبي عبر كاسيتات منتشرة في أسواق القاهرة والأرياف. على سبيل المثال، لُقّبت شفيقة الطنطاوية بأمّ كلثوم الأغنية الشعبية وسلطانة الكاسيت.
بهذا المسار المتداخل بين الاكتشاف الريفي ومظلّة الفرق الرسمية ومنصة التسجيلات التجارية، أصبحت القاهرة في نهاية المطاف مرآةً لعالم الريف المصري، وظلت الأغنية الفلاحية جسرًا حيًا يربط بين الماضي والحاضر في موروث القاهرة.
الزفاف في الإسكندرية ومدن القناة
حافظت الإسكندرية على نوع من العزلة الثقافية انعكست بوضوح في طقوسها، موسيقاها، وحتى في لهجتها. في هذه المدينة البحرية، التي تولي ظهرها للداخل ووجهها للمتوسط، تتراكم طبقات من الغناء الشعبي المستورد والمُهجن والمصقول بملح الميناء. من هذه البيئة، خرج رقص الإسكندرية الشعبي، أو ما يُعرف برقص بحري، بما يحمله من تراث حيّ متأصل في أحياء مثل السيالة وبحري، حيث يصير الرقص ذاته امتدادًا لحركة الجسد في الأسواق وعلى المراكب، أو في الحارات القديمة.
في هذه الرقصات مشهد كامل يُستعاد فيه المكان والهوية، رقصة بنات بحري على سبيل المثال تحاكي تفاصيل يومية من حياة نساء المدينة: مشية البحراوية، الإشارات بالأيدي، الحركات السريعة التي تدمج الحياء بالدلال، أما ملاية لف فهي رقصة قماشية بامتياز؛ قطعة قماش سوداء تتحول بذكاء الراقصة إلى لغة ودرع وزينة.
يظهر الاختلاف أيضًا في وظيفة المغني والمُقدّم، أو النبطشي. في الإسكندرية النبطشي شخصية ذات سلطة رمزية عالية، يقرأ المجتمع من خلال الميكروفون، ويجسّد علاقات القوة والخطوط العائلية، ويُعيد رسم المشهد الاجتماعي للأحياء. بينما في مدن القناة، تظهر شخصية الدي جاي الحديثة، أو المغني المتعدد الوظائف، الذي يقود الزفة كأنها حفل جماهيري، ينسّق بين الأغنية الشعبية والنكتة والتعليق، واستفزاز الجمهور، وكل ذلك في وقت واحد.
الفتحة الأولى | الإسكندرية عاصمة النبطشي المعزولة
عكس ما يتوقعه الغريب في مدينة مطلّة على المتوسط، مفتوحة على الريح، ومفعمة بميراث الكوزموبوليتانية، يتراجع صوت النساء شيئًا فشيئًا، حتى يكاد يُمحى من المشهد الغنائي لصالح طبقة صوتية رجالية خشنة، محمّلة بنبرة الشارع وعبء المدينة.
لا مواويل، لا عُرب، لا نداءات شجن. تُقصى الطبقات النغمية الرقيقة وتعلو بدلًا منها الهتافات الغليظة، والصيحات المنذورة للزحام. كأن الزفة لا تحتمل الحنين، بل تُدفع بالأكتاف وتُردد كأناشيد الملاعب. حتى أن كثيرًا فعلًا من أغاني الزفاف يستخدم في التشجيع والعكس. هنا بدل أن تغني المرأة لعريسها يغني الحي كله، للشارع والمدينة.
هذا الصوت الجماعي مكمّل لطبيعة إيقاع الزفة نفسه، حيث الدف سيد اللحظة والإيقاع القوي هو الحاكم، يُضرب بعزم يطالب بالحركة الفورية.
وسط هذا الطوفان الإيقاعي، ورغم تآكل كثير من أشكال الرقص التراثي من بنات بحري إلى ملاية لف لا يزال ميل الجسد للرقص حاضرًا بقوة لكنه اتخذ مسارًا آخر، أكثر اندفاعًا وأقل نظامًا. لا رقصة واضحة المعالم، بل تشنجات احتفالية، تمايلات غير محسوبة، اندفاعات مفاجئة.
في حين ينحصر دور النبطشي في بعض المحافظات الأخرى بجمع النقوط أو التنسيق، يتجاوزه هنا إلى أن يُبنى المسرح لأجله وتُربط الميكروفونات على نبرة صوته، وتُصاغ الأغنيات بما يتلاءم مع لحنه الشخصي في الأداء والتفسير؛ وتتحول كل عبارة تمر منه إلى جملة مشهودة تتداولها الحواري والأسطح، وكأنها حكمة الليلة.
كما قد يتضاعف تأثيره حين لا يكون وحيدًا، في بعض الليالي، يظهر نبطشيان في آن واحد ويتناوبان على الميكروفون في شبه مبارزة كلامية، يتبادلان فيها المديح والسخرية، ويرفعان من حرارة الليلة. يعلو أحدهم باسم العريس، فيرد الآخر باسم الحارة، يسرد أحدهم الكرامات، فيرد الثاني بالتواريخ، ويتحوّل الفرح إلى ساحة تتقاطع فيها الأصوات في عرض مسرحي حيّ.
يتقن النبطشي أيضًا السخرية، فلا يترك أمرًا يمر دون تعليق، وإن وقعت عيناه على شخص يُعجبه أو يُضحكه، قد يُطلق عليه لقبًا طريفًا يلتصق به سنوات، لا يتردّد أحيانًا في أن ينادي أحدهم: “يا ابو جَلمبُو” إشارةً لسرطان البحر أو السلطعون، كناية عن المشي الجانبي، أو نظرة غريبة. يضحك الجميع بما فيهم صاحب الاسم، فالسخرية هنا طقس محبة ساخر ولغة ضمنية يألفها أهل المدينة.
إلى جانب كل هذا الارتجال، لا يخلو أرشيف النبطشي من عبارات محفوظة تُستعاد مرارًا، لكنها لا تُقال بنفس الطريقة كل مرة، مثل “وردة علينا” أو “اقروا الفاتحة لابو العباس”.
لعل المفارقة الأجمل أن هذه الحالة تمتدّ بلا تمييز بين أحياء المدينة وسكانها، فحتى في الأفراح النوبية التي تُقام داخل الإسكندرية، يُعاد تأويل الكلمات السكندرية لتتناسب مع المجتمع النوبي القاطن هناك، لا غرابة أن تجد نبطشيًا ينادي بعبارة نوبية بعد جملة “وردة علينا”، أو أن تُغنّى أغنية مدنية بنبرة جنوبية. هذا لأن الفرح السكندري في جوهره لا يعرف حدودًا ثابتة، بل يُخضع كل من يقطنه ويمنحهم لغة موحدة: لغة الميكروفون والصوت العالي والضحكة التي لا تُترجم.
الفتحة التانية | الحليوة بيتمخطر
في الجهة الأخرى من الساحل، بورسعيد والسويس والإسماعيلية، تُغنّى الحكايات ذاتها بنبرة مختلفة، وإن كانت مشبعة بروح البحر ذاتها، تتشابه هذه المدن في عناصر تكوينها: موانئ، طبقات اجتماعية هجينة، تماس دائم مع الأجنبي، وكفاح طبقي متجذر في الذاكرة.
في زفاف بورسعيد تحضر الحدّة، الرقص الشعبي البورسعيدي المعروف برقصة البمبوطية، كنوع من التفاخر الحركي، يظهر فيه الجسد وكأنه في عرض بحر، حركات متكررة، خطوات واسعة، أذرع ترتفع وتنخفض كأشرعة، تعكس تاريخ البمبوطية، الذين كانوا يبيعون البضائع على المراكب وورثوا عن البحر غموضه ولينه وقسوته.
زفاف بورسعيد هو الآخر بعيد عن زفاف القاهرة أو دلتا النيل، هناك طقس خاص يُنظم فيه الحفل داخل أحياء متشابكة، وفيه تُقدَّم الأغنية الشعبية بأسلوب هجومي أحيانًا، فيه سخرية وعنف رمزي، وغالبًا ما يتضمن حدوتة طويلة، تتخللها جُمل مرتجلة وتعليقات مباشرة على الحضور. يبدو المشهد برمته كمسرح شعبي مفتوح، لا يفصل بين الجمهور والفرقة، في بعض الأحيان، تتداخل الأغاني التراثية مع نغمات السمسمية، وتعود أصوات السويسي والبورسعيدي لتنسج طقسًا لا يخلو من البطولة والتهكم.
في كلتا الحالتين، الإسكندرية ومدن القناة، هناك انخراط كامل للجسد في الزفة، فكما تتحرك بنات بحري بالملاية، يتحرك البمبوطي على إيقاع الموج، منتجةً طقوسها بعيدًا عن الموروث الفلاحي الذي يحكم زفاف وسط الدلتا وصعيد مصر.
رغم كل هذا التنوّع، يظل الرابط بين هذه المدن هو البحر، كرمز للانفتاح والتحوّل واللا-يقين؛ فالزفة هنا، حتى وهي تحتفل بالثبات (الزواج، الاستقرار)، تُقام على أرض متحرّكة، بين موجة وأخرى، بين غياب وحضور، وكأن الفرح نفسه مرهون بذاكرة الرحيل والسفر والحنين.
صنعت مدن القناة عالمًا صوتيًا لا يتقاطع مع الإسكندرية بقدر ما يوازيها، نابعة من تعب الحفّارين، ومن روح الموانئ والعمال والغربات. في هذه المدن، كان الغناء أداة يومية للنجاة من الوحدة، ووسيلة لترميم الهوية وتثبيت الوجود في وجه النسيان والتغريب.
بورسعيد والإسماعيلية على وجه الخصوص، لا تنتميان إلى الريف، ولا تغرقان في حضرية القاهرة، بل تقدمان نموذجًا مستقلًا، تنصهر فيه الحداثة الشعبية مع الذاكرة الجمعية؛ حيث يُعاد تدوير الأصوات وتُمنح الرقصات أسماءً محلية، ويعاد تأليف الغناء ليُلائم الميناء والمقهى والرصيف والمركب.
وُلد غناء الضمة مثلًا في لحظة تعب، كان طقسًا عماليًا خالصًا، حين كان الحفّارون يجتمعون ليلًا بعد ساعات العمل، يفترشون الرمال، ويتسامرون بكلمات موزونة، فيها من الحنين والهزل والمقاومة ما يجعل الليل أخف وطأة. بقدر ما هي لون موسيقي، الضمة فعل ضمّ للأجساد حول النار. في الأفراح الحديثة، ظلت الضمة حاضرة بصيغ جديدة: فرقة صغيرة، صوتيات، كلمات مرتجلة، ومؤدٍ يعرف كيف يُشعل الحضور.
أما السمسمية، فهي آلة المكان بامتياز، ليست شرقية تقليدية، ولا تطمح إلى أن تكون كذلك، بل هي ابنة الميناء، تشبه المركب الخفيف وتُعزف كما تُقذف الشباك في البحر؛ مرة بطيئة، ومرة سريعة، ومرة تنكسر النغمة كالموجة على الساحل. أغاني السمسمية أكثر لحنيةً ومقامية؛ وهي، خلافًا للضمة، تتطلب تمرينًا وإجادة، لذلك كان عازفو السمسمية يحظون بهيبة خاصة، كحفّاظ لذاكرة موسيقية تقاوم الزوال.
حتى الرقص الفردي في هذه الأفراح يُحاكي الميناء: خطوة للأمام كأنها صعود إلى المركب، وخطوة جانبية كأنها تفادي للارتطام، وحركة يد تشبه سحب الحبل أو فتح الشراع.
مع مرور الزمن وظهور الفرق الحديثة، لم تختفِ الضمة ولم تغب السمسمية، بل تأقلمت، ودخلت في صيغ جديدة. تعاد صياغة الكلمات القديمة لتناسب المزاج، وترتجل الألحان دون أن تفقد نَفَسها الأصلي.
هكذا يتكرر الطقس في السويس، لكن بإيقاعات أقرب لإيقاعات المعارك. يبدأ الفرح من الشارع، حين تُفرش الحارة بساطها الشعبي، وتُخرج النساء الأباريق وتُنصب الزينة، ليبدأ الفعل الثقافي بصوت السمسمية وهي تسقف أول وتر، وتصحبها الضمة حول الفرح وتغنى جماعيًا بصوت واحد، على مقام واحد، يكرّر اللازمة ويشحن الجمهور، في لحظة ما، لا يصبح العريس وحده هو موضوع الاحتفاء، بل تصير المدينة كلها كأنها تزف نفسها.
بدو سيناء | آخر صوت للنساء
لطالما كانت مدن القناة في حوارٍ مفتوح مع الضفة الأخرى: سيناء. هناك، في الامتداد الشرقي للقناة، لا تتوقف السمسمية عن الرنين، عابرةً المياه بخفة لتسكن أفراح البدو أيضًا، إذ تسللت إلى عمق الطور ونويبع ورفح، تسبق العريس إلى مضرب العرس، وترافق العروس في رقصتها الأولى.
في سيناء، يختلط وقع السمسمية بأصوات الدفوف والربابة البدوية، ويأخذ الغناء شكلًا جديدًا، يراكم ما حمله من مدن القناة، ويضيف إليه من موروث البادية، ما يجعل الفرح هناك حالة هجينة، على تخوم البحر والصحراء. بالإضافة إلى ذلك، تأثّر تراث سيناء من غناء وشعر وأهازيج بالسياسة؛ فبينما تبنّت الدولة المصرية بعد التحرير هذا التراث كجزء من هويتها الوطنية، حاول الاحتلال الإسرائيلي أثناء وجوده في الضفة الشرقية للقناة تقديمه ككيان ثقافي منفصل عن مصر.
أثّرت هذه السردية على النظرة إلى بعض القبائل، خصوصًا قبيلة الدواغرة، التي رغم انتشارها، وُصفت بأنها “أقل مرتبة”، ما انعكس في تحفّظات اجتماعية وصلت إلى رفض المصاهرة، وجعلها موضع التباس في خطاب الانتماء السيناوي.
وسط هذا التهميش، تراجع صوت النساء، فلا يشاركن في الغناء أمام الرجال ولا في صنع الفرح، بل يُقصين حتى عن قرار الزواج. مع ذلك، يجدن منفذًا في الرثاء أو الغناء الحزين، حيث يعلو صوتهن الحقيقي، كما في شهادة نقلتها الباحثة نهلة إمام عن امرأة أُجبرت على زواج مفاجئ.
“أخدوني على الجمال من العيد، لا كنت مستعدة؛ أصل عندنا البنت بتستعد للعيد زي الجواز، يعني بتستحمى وتتحنى ويمكن كمان تتكحل. كان في خمس جمال غير الجمل اللي راكبة عليه، ركبت ورا الواحد اللي سايق الجمل، وغطوني، رموا فوقي عمامة، أول ما حطوها الكل يزغرد، الستات تزغرد وهما بيشدوا الجمل وأنا أصيح، والحريم يشرحوا بالعمايم وأنا أعيط على طول، صوتي وأصوّت وأثوب، أخدني لمين؟ مش عارفة. واهدني لمين؟ وبعدين أخدوني الخلة، علموني أنا هتجوز مين وأنا في الخلة، وفضلت أرقع بالصوت، وعلى السابع شردت.”
في الخلة، الفراغ الرملي بين الجبال، تُخبر أخيرًا باسم العريس ومصيرها، هنا يصبح الجهل أداة والتجهيل طقسًا لحماية العرف من أي رفض.
رغم قتامة الشهادات حول زواج القاصرات أو القسر، تترك قبيلة الدواغرة مساحات محدودة لاختيار الأرامل والمطلقات، بل يُقال إن رأي العذراء يُؤخذ أحيانًا، وإن ظلّ خاضعًا لسلطة العُرف وشيوخ القبيلة، كما تروي إحدى النساء: “ما حدش بيفضل بنت، المهم ما تفضلش كده.” يُفكك المجتمع هنا مفهوم العنوسة ليصير عبئًا جماعيًا، ويُختصر الزواج في “لَمّ البنت” ولو على ضرة أو بطلاق لاحق، درءًا لـ العيب وحفاظًا على التوازن الرمزي للأنوثة والدور الاجتماعي.
مع ذلك، تظهر ملامح تحول بين الطبقات الأعلى، مثل تقليد الحنة المزين بالشمع، ومعه أغنية مألوفة من وادي النيل تغنيها الفتيات:
بس الليلة دي في حماك يا أبوها / والليلة الجاية في البيجو ياخدوها
تتحول الأغنية النسائية في هذا السياق إلى لغة مجازية، تحمل أحزان العروس وفرح الغير، وتعكس ذلك التوتر المعلّق بين الطاعة والانكسار في نمط غنائي مثل اللقش مثلًا.
اللقش نمط غير معترف به في الاحتفالات العامة، بل ينبثق كلحظة غنائية متمردة، يختلس فيها العشاق الكلمات، ويتبادلون القصائد في الخفاء أو في مواسم اللقاء العابر. لا يُغنّى اللقش في الأعراس أو المناسبات العامة بالضرورة، وإنما يُتبادل أحيانًا بين الفتى والفتاة في الخلاء، أو عبر رسائل شعرية تُتناقل شفاهيًا، وهو يتيح للشباب، والفتيات تحديدًا، التعبير عن مشاعر الحب والرغبة، حين يعجزن عن البوح بها في المجال اليومي المُقيد بالأعراف.
في إحدى الروايات، قيل إن شابًا أحب فتاة من أقاربه، وعندما لم يستطع البوح أمام أهله، أوصل لها أبياته عبر صديقة قريبة منها، فجاء رد الفتاة شعريًا، توازن البيت وتواجه به حُبّه بذكاء أنثوي ممزوج بالخذلان والعتب، تقول: “أنا أداري عواطفي في الضلوع مخفية / وإنتَ تبغى أمدّها على لوح الكفوف.” تلاعب لفظي ناعم يعكس عمق الحذر الاجتماعي الذي تعيشه النساء في التعبير عن الحب.
في الزفاف نفسه تأتي لحظة غناء الحنة في المساء السابق ليوم الزفاف، عندما تجتمع النسوة حول العروس، في دائرة غنائية تتناوب فيها الأصوات على إطلاق الأغاني القديمة، أو ارتجال أبيات جديدة تتناسب مع شخصية العروس، أو أمنياتهن لها. غناء نسائي بامتياز تُغنّى فيه أبياتٌ تمزج بين الحب، والغيرة، والتحصين ضد الحسد.
من بين ما سُجّل من هذا النوع نصوص تتغنّى بجمال العروس وتبرك بالماء والعطر، وأخرى تعبّر عن قلق الأم من فراق ابنتها، أو دعاء لها بأن تجد الراحة مع زوجها، وفي بعض الأحيان تعبّر عن رغبة في اللقاء:
حبيبها تزيح الهموم عن قلبها وتريحها / فحين وقف فوق الجبل تمكنت من رؤيته.
يحمل غناء الحنة بُعدًا وقائيًا أيضًا، إذ يُعتقد أنّ الغناء الجماعي في هذه الليلة يحمي العروس من “عين الحسود” ومن الأرواح الشريرة، خاصة حين يُرفق بالزغاريد والبخور.
بينما في الطقس الاحتفالي الخاص بالرجال، حيث يُعلن الزواج في صيغة تقريرية أولى: “قالوا تزوّج قلنا اليوم”، وهي صيغة تُشيع في الغناء البدوي لتأكيد الجماعة على حضورها ومشاركتها، كفاعلين وشهود على الحدث:
قالوا تزوّج قلنا اليوم / زغردت أم العريس وضربت الطبل ومال العقال على الراس يمّيل / والبارود يرقص من تحت الرجل
صوت النساء حاضر أيضًا في الكلمات التي تلقَّنها العروس عن الزواج قبل دخولها على العريس. تقول إحدى النساء: “لو سابوها تفضح روحها مع الراجل، وممكن ما تدّلوش حاجة، ما ترضاش لأن ما حدش قال لها إدي له الحاجة دي.” تتكفل النساء إذًا بتلقين الفتاة حدود الدور، ومعاني العلاقة، وطريقة تمرير الذات.
يوم الخميس جانا خطابك يا عريس / غنّى الطير فوق العِريش فرحتك فرحة وليّ / فيها الضيوف ألفين وخمسمية اللي حضر ما انحرم / واللي ما حضرش ندم يا زهرة سينا ما تبوري / إنتي قمر اللي ما يدري يدري
يجيء هذا النص من أغاني بدو الدواغرة كنموذج حيّ على مركزية الغناء في إشهار الزواج وإضفاء الطابع الرمزي عليه.
غناء الشِّلي، التعبير الأنثوي عن الحب والقهر
في خيام الدواغرة، يعلو صوت النسوة في الشلي؛ غناء مرتجل ينفجر في لحظة الفرح أو الحزن، ليكون وسيلةً للتعبير لا تحتاج إلى ترتيب مسبق. يمثّل الشلي فعل تملّك للمجال واحتجاج على كتم الصوت، في إحدى النصوص، تقول امرأة: “ياللى استوى والعقل مازونه / والقلب من جاركن شبه الحليب لونه” أي أن عقلها موزون وقلبها مثل صفاء الحليب، رابطةً بين النضج العاطفي والتفاني الكامل، ومشيرةً إلى صفاء قلبها وخلوه إلا من الحبيب.
لا تبقى الحكاية على هذا الصفاء، فحين يُقابل الحب بالرفض ينقلب النشيد إلى مرثية حزينة بين النساء ليغنوا سويًا: “أقرا لكي الفاتحة عنك وعن جديه / وانتي ارتاحتي وخلي الهم أراعيه” واعدًا حبيبته بقراءة الفاتحة نيابة عن الأهل وتحمل الهموم عنها. في هذا التقلّب العاطفي، يظهر الشلي بوصفه فضاءً نسائيًا للتحوّل؛ من حب صافٍ إلى حقدٍ نبيل، ومن تمسّك إلى انسحاب شعائري يرافقه ذكر الموتى وقراءة الفاتحة. هو حوار غير مباشر مع من رفضن مشاعر صاحبة الصوت، وفيه امتداد رمزي لقدرات النساء على التعبير عن الذوات المقهورة والمنكسرة، بعيدًا عن أعين الرجال وأحكامهم.
إذا كان الشلي هو ساحة الألم الأنثوي، فالبديع هو حلبة الرجولة؛ وهو غناء يرتكز على تبادل أبيات قصيرة، ملغزة، ذات حبكات محكمة ومشحونة بالرمز. في مقاطع من البديع يتجلّى صوت العاشق المسن الذي يعيش قصّة حب خجولة، فيقول: “فيه ناس بيكرهوا الضحكة مع اللوجه (ظهوره) / جينا البحر ما زهجنا من طياب موجه”، في صورة شعرية تربط البحر بالحب، وتحيل إلى الرغبة المكبوتة في الضحك والانطلاق، رغم ثقل الزمن، لكن الخوف من كلام الناس، ومن “يقولوا في نص العصا عوجه”، يجعل الاعتراف صعبًا.
لهذا الوضع الإجتماعي الصعب يميل الغناء الشفهي لدى بدو الدواغرة إلى المراوحة بين العتاب والحداد، إذ نجد بعض النصوص تأخذ شكلًا غريبًا من التشييع الرمزي للعاشق المهزوم، الذي لم يستطع كسر أسوار القبيلة أو مواصفات الزواج التقليدي.
في لحظة من لحظات التجمهر حول الفرح، ترتفع الأقدام وتتشابك الأذرع في صفّ طويل، لتبدأ الدّحية بطقوسها الجماعية، كأداء شعائري مكتمل يجمع بين الإيقاع، والنخوة، والجسد الذي يتحرك بدقة متناهية على وقع التصفيق والهتاف. تأتي نصوص الدّحية غالبًا بصوت رجالي جمعي، تتكرر فيه القوافي بقوة شبه عسكرية، وكأنها استدعاء لنَسب أو نخوة قبلية، أو إعلان فخر بالرجل المُحتفى به، يُفتح المجال لمن يسمى البادي أو البدّاع ليبدأ البيت الأول، بينما يرد الصف كله بتكرار نهايته، وتتصاعد الحماسة تدريجيًا في حوار شعري وجسدي.
لا تخلو نصوص الدّحية التي سجلت من إشارات إلى الشجاعة والهيبة، كما، بحسب في بعض الروايات، قد تتداخل أيضًا مع التعريض الخفيف، أو المنافسة الغنائية بين الفِرَق. بل قد تنقلب في بعض المناسبات إلى ساحة لتصفية التوترات الرمزية بين شباب العشائر المختلفة، فحين تُقال عبارة مثل “وقفيت وقف انحرف عني وخلانيه” في سياق إنشادي صاخب، تصبح الأغنية شكوى جماعية قد يجد فيها السامعون صدى مواجعهم الخاصة.
في ختام الاحتفال السيناوي تطلّ المجرودة ككلمة أخيرة تُلقى لتعلّق المشهد في ذاكرة الحاضرين، هنا يتقدّم الشاعر، وخلفه الرجال واقفون في قوس، يتبعونه بالتصفيق والهتاف، ويعيدون مقاطع القصيدة كمن يوقّع على عقد جماعي للمعنى.
وجدت المجرودة، التي وُلدت في ليبيا وبادية الجزيرة، في سيناء مكانًا خاصًا لها؛ وخلدت إحدى جملها في ذاكرة المدينة مذ ظهرت في فيلم أبو علي: “كعب البنت ريال مدوّر.”
على خطى الأعراس البدوية، يتجلّى في طقس بدوي أخير أحد أبرز أشكال التعبير الغنائي الجماعي، حيث تنبعث الشتوية أو الشتاوة كأغنية افتتاحية وختامية للزفاف، أو تُستخدم للفصل بين مجرودتين، وهي نمط غنائي شعبي لدى بدو مطروح والصابية منهم على وجه الخصوص، وتتكون الشتوية من بيت شعري واحد، يؤدّى جماعيًا بتصفيق حاد ومتناوب، يتقابل فيه فريقان أحيانًا، يتبادل كل منهما شطرةً واحدة من البيت ذاته.
تخلق الشتوية طاقة إيقاعية كثيفة تهيئ المكان لاستدعاء الحجالة إلى رقصة الحجل، فالإيقاع السريع الذي تتميز به الشتوية يشكّل ما يشبه الدعوة الرمزية لبدء الطقس النسائي الذي يحتفي بالحركة الجسدية، والسطوة الإيقاعية للمرأة الراقصة وسط الحلقة.
ثم بمجرد خروج الحجالة من ضميّة [حلقة الرقص البدوي.] الشتوية أمام الجمهور، تبدأ الشتوية في التلاشي تدريجيًا، مفسحة المجال لغناوة العلم، التي تتسيّد الساحة الغنائية عند الصابية بموضوعاتها التي تتراوح بين التغزل والود والثناء، والرثاء أحيانًا.
في هذه المرحلة، ينتقل الغناء من جماعي سريع إلى فردي أو شبه فردي أكثر شاعرية ووجدانية، كما في قولهم:
غياتك جن تماظن / نين القلب أركانه ناظن
أي بلهاثك قد جن جنوني، ومن فرط الحب، بات القلب لا يعرف أركانه.
سيوة | غروب النساء الأخير
ما زالت النساء السيويات في الزفاف يحملن لواء الصوت، في طقس غنائي مغلق لا يراه الغرباء، ولا الرجال عامةً.
تتناوب النسوة على الغناء والرقص في إيقاعات بدائية على الطبول الخشبية والصفقات المتلاحقة، ويعلو صوت الناي المعدني بطبقتيه المتعارضتين ليرسم الخط اللحني الوحيد وسط إيقاعات زيدان وعباد خبابة والنيج، التي تُشكّل البنية الإيقاعية العامة لغناء الزفاف في سيوة. لم تعرف الثقافة السيوية الآلات الوترية، بل ظلت على آلات الطبل البدائية ونوعين من الناي المعدني بطبقتين صوتيتين مختلفتين يشكلون كل الأغاني السيوية بجانب الأصوات البشرية.
حافظت سيوة بذلك على النمط اللحني البسيط الفضفاض المتولد من ارتباطه المباشر بالبيئة المحيطة، مثل تطهير عيون الماء وحصاد البلح والزيتون. يأخذ موسم الحصاد الأهمية الأكبر في تشكيل تلك البساطة، حيث تكونت أغلب الأغاني أثناء وجود العمال على نخيل البلح، وهم ينادون على بعضهم بأبيات شعرية ملحنة. ظل منها القليل توارثه أبناء البلد والباقي ذهب طي النسيان أو محفوظًا على أسطوانات شمعية في متحف برلين لا يستمع إليها أحد.
مثل كثير من أغاني العمل في سيوة، انتمت أغاني الزفاف إلى نمط الارتجال الشعري اللحظي، كأن تقول إحداهن: “لكنني قرأت اليوم في عينيك / أنك تتمنى أن آتي إليك الليلة.” لم تُمَس تلك اللغة الغنائية بتعاليم أخلاقية حديثة، ولم تخضع بعد لسلطة الخطاب الرسمي أو الديني، بل بقيت محافظة على فطريتها ورغبتها الأولى في الظهور والتعبير.
ما يميّز غناء الزفاف في سيوة أيضًا هو أنه يتعامل مع الفرح كبنية صوتية قائمة بذاتها، قابلة لإعادة التكوين حسب لحظة الحمية أو المزاحمة الغنائية بين المجموعات؛ كما حين يتبارى الصبية في القرى المختلفة في الغناء.
يصف أحد الباحثين هذا التناحر اللحني كتعدد كورالي منظم، فيه كل مجموعة تغني على إيقاعها الخاص، دون وجود تناغم مركزي، ما ينتج عنه حالة صوتية مركّبة، أقرب إلى تعددية صوتية حرة من أي نظام موسيقي صارم.
في غياب المؤثرات الحديثة، لا يزال أبناء سيوة يتوارثون تلك الأغاني كطقس شعائري يُعيد إنتاج ذاته مع كل جيل جديد، يعلّمه للأصغر كما تعلّمه من الأكبر؛ من فم إلى فم، ومن قلب إلى قلب.
خاتمة
انتهى الفرح المصري في إحدى مظاهره إلى نسخة مركبة من كل طبقات التفاعل والثقافات، لتصبح الثقافة الغالبة هي البذخ والاستهلاك الآني، وإن لم يحد كثيرًا عن ثقافة الفرح المصري، إلا أنه شُبع بثقافة مضادة لتلك اللحظة، راقصة من الدرجة الثالثة في عرض شبه جنسي، وأموال تتطاير ورغبة في إنهاء الليلة لحساب النقوط وشخص مؤجر لحسابها، ما يجعل من المنطقي تقسيم ساحة الفرح الى طبقات، إحداها لـ “معلمين الفرح”، وأخرى للمعازيم، ليكون الفرح أشبه بساحة تنافس ومشاحنة، مثل كباريهات الدرجة الثالثة في القاهرة.
لكن في النهاية، ما زالت تنصب شوادر بطول الشارع، ويأتي المؤدون والراقصات من كل محافظة حسب أهواء أصحاب الليلة، ويقام المهرجان. يأخذ الفرح المعاصر شكلًا موحدًا تقريبًا، لكن تبقى تفاصيله الأصيلة رهينة بكل سيدة لديها كلمات منسية، أو طاقة شبابية تفجر اللحظة، أو موال يُبكي، ولحظة نشوة مسروقة من الحياة اليومية.
مراجع
وصف مصر الموسيقى والغناء عند قدماء المصريين
الأغاني والموسيقى والأفراح في المجتمع المصري عصر سلاطين المماليك
الرجل والمرأة في التراث الشعبي
الطرب وآلاته في عصر السلاطين الأيوبيين والمماليك
المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك
طائفة المغاني في مصر في العصر المملوكي
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
موسوعة التراث الشعبي العربي
مأثورات شعبية من محافظة قنا
ألوان من التراث الشعبي في صعيد مصر
افراح الصعيد الشعبية
أغاني السمسمية فى الإسماعيلية
النهار الزين عادات الزواج في سيناء
المظاهر الثقافية لاحتفال الزفاف في الفيوم
واحة سيوة وموسيقاها
inherited customs and traditions associated with popular weddings in the villages of almataana in the city of esna yielding memories of nubian bodies the role of the nubian woman, the bearer of heritage, in preserving the cultural identity circumcision and excision in egyptian nubia