يا طول ما بكيوا | أغاني النواح في السويداء

مقالات - كتابة: آنجيلا السهوي - ٢٠٢٦/٠٣/٠٦
يا طول ما بكيوا | أغاني النواح في السويداء
تحميل...

أُنتجت هذه المادة ضمن فترة الدراسة في الأكاديمية البديلة للصحافة العربية.

توفي جدي وجدتي لوالدي الصيف الماضي معًا. رحلا في نفس اليوم، ولم تفصل بين وفاتيهما سوى ساعات قليلة، بعد صراع مع المرض امتدّ لأيام معدودة. انتهت قصتهما كما أرادا، وجعلتني تلك النهاية أفكر فيما قاله جدي جرجي: "سنموت معًا كما عشنا معًا"، وكيف كانت جدتي نبيهة تؤكّد له: "رجلي على رجلك."

كثيرًا ما تساءلت: أيصير الموت قرارًا في مرحلة ما؟ وكثيرًا ما استعدتُ ذكرى تلك السنة التعيسة التي أصبحت فيها يتيمة الأجداد والجدّات. راودني شعور غريب اعتصر قلبي حين دخلت غرفتهما بعد العزاء. أصبح المكان باردًا خاويًا وتحوّلت الغرفة الدافئة المُضيئة إلى متحف للذكريات. تذكّرت في تلك اللحظة سرير جدتي في قريتنا، الهيت بالسويداء، وكيف جلستُ عليه منذ بضعة أشهر، لعلي أحسّ بشيء تبقى من حضورها. اختبرتُ معنى الفقد.

عند عودتي من مجلس العزاء في الكنيسة، استمعت إلى تسجيلات الفيديو التي صوّرتها لأرسلها لعمّتي في المهجر، والتي لم تتمكن من حضور جنازة والديها. أصغتُ السمع لنواح النساء، وتحديدًا للموّال الذي قالته إحداهنّ:

نطرت الليل ليمروا

يا نطرت الليل ليمرّوا

والله يا إمي ما مرّوا

والله يا ويل الليل ع المحزون

سألت والدتي عن الكلام الذي تقوله النساء في المآتم، فأجابتني بأنّها تنويحات وهي عادة قديمة في قرانا الجبلية. لم تكترث أمي كثيرًا للنواح ولا البكاء، ولم تشارك النسوة في طقسهنّ هذا. لدى أمي طريقتها الخاصة في الحزن. تبكي وحدها خشية أن يراها أحد، لكنني كثيرًا ما رأيتها تبكي وهي تقلّب بين صور جدتي وجدي وخالاتي اللواتي وافتهنّ المنيّة منذ سنوات.

فقدت أمي كثيرين من عائلتها خلال فترات متقاربة، ورغم ذلك لم تفهم هوسي في البحث عن طقوس الموت بعد أن توفيت جدّتاي وجدّي في نفس العام. سألتني: ما الفائدة؟ إلا أنها احترمت رغبتي في محاولة جمع الأبيات التي طالما ردّدتها جدتي في عزلتها. حكت لي، على مضض، كيف كانت تيتة شكريّة (اسم جدتي) تنوح على أخيها الوحيد الذي فقدته شابًا، ثم على جدي وبناتها.

فقدت جدتي شكريّة كثيرين أيضًا، وكانت تمتلك، كما نساء الجبل، عزة نفس كبيرة، وطريقة متفرّدة في التنفيس عن حزنها في الرثاء. في كل أمسية أمام جمر الموقد، حين تدقّ الذاكرة بابها، تستعيد بضعة أبيات من مواويل وتنويحات قديمة، تردّدها ببحّة صوت لا مثيل لها. حتى بعد أن تعثّر نطقها إثر إصابتها بجلطة دماغية، ظلّت تئنّ وتعيد مرثياتها، لم تكترث إن لم يفهم أحد منا قولها، إذ كان هدفها الوحيد البحث عن شيء من العزاء.

"بخاطرك يا دار أهلي ما عاد دوسك"، تبدأ أم حيّان تنويحتها بهذا البيت في عزاء تيتة شكرية. أقمنا لها موقف عزاء في الكنيسة في قريتنا، بحضور كثيرين من العائلة ومن جيرانها ومعارفها.

أمّ حيّان هي جارة جدّتي الجويدة، والجويدة هي المرأة الملتزمة دينيًا عند طائفة الموحدين الدروز. يختلف الأجاويد عن الناس العاديين بالالتزام الجاد في الدين والاطّلاع على تعاليمه وأسراره. أمّا على صعيد المظهر، فيمكن تمييز نساء الأجاويد من خلال اللباس البسيط والفوطة السميكة (غطاء الرأس الأبيض) التي تلتفّ حول رؤوسهن مُغطية الفم والجبين، على عكس النساء غير المتدينات من نفس الطائفة اللاّتي يلتزمن بارتداء فوطة رقيقة في مواقف العزاء؛ حتى أن النساء المسيحيات في قرى السويداء يرتدينها في المآتم أيضًا.

حفظت أمّ حيّان قصيدتها من جدتي المتوفاة، سجلتها بعد أن سمعتها بصوت تيتة كما أخبرتني. لاحقًا، أطلعتني على دفتر صغير، تجمع فيه الأقوال والأشعار، فيه قصاصات ورق، سجّلت فيها ما تيسّر من القصائد مجهولة المصدر، إذ تناقلتها النسوة في مختلف المناسبات.

تكمل أم حيان قولها في وداع الدار:

بخاطرك اختي الحنونة، ما عاد تشوفك عيوني

غراب البين صاح من فوق دورهم صياحِ

وأخذ عقلي عقب ما كان صاحي

لوين ماخذهن يا خطّاف الارواحِ

بلكي الموت فيهن ما سخا

لفيت ع الدار لـ دوّر عليهن

لقيت الدار عبتبكي عليهن

قلت يا دار وين راحوا اصحابك

قالت الدار صاروا مع الغيّاب

لفيت ع الدار لـ دوّر عليهن

لقيت الدار عبتبكي عليهن

ياحسرة تزيد من شوقي إليهن

ويا ذل الدار من بعد الهنا

تطرح النسوة في أبياتهن أسئلة وجودية عن الحياة والموت والفقد بصوت عالٍ داخل فضاء الجنازة الذي يتحوّل بفضلهنّ إلى مساحة للبوح دون قيود وقواعد صارمة. لا تقبل النساء هنا الواقع بسهولة. من أمنية واحدة: "ياريت ما متوا ولا شاع الخبر"، تُطرح الأسئلة التي يخشاها الآخرون بصوت مسموع: لماذا الموت يأخذ أحبابنا ولماذا يأخذ الكثير منهم باكرًا؟ لماذا يُرسل أطفالنا للموت في المعارك بينما مكانهم الطبيعيّ بيننا؟ لماذا أزفّ ابني شهيدًا لا عريسًا؟ لماذا خطف الموت ابنتي عروسًا؟ إلى أين ذهبوا وفي أي طريق؟ ترفض النساء واقع الموت، باحثات عن أثر الفقيد في كل الأماكن المألوفة.

يقول الأستاذ المسرحي التونسي عادل بوعلاق في حوار مع موقع الكتيبة: "الرجال يبحثون عن فائض قيمة ديني، ويعتبرون الموت نهاية مرحلة وبداية مرحلة مع الله، في حين أن المرأة تعتقد أنه فقد. الفقد دليل على بقاء هذا الكائن الذي رحل، وربما يعود، لذلك فإنّ النواحة هي رحلة بحث بالنسبة للمرأة."

يظهر هذا في مآتم الرجال في السويداء من خلال قيام ذوي الميت بشكر الحاضرين لحظة دخولهم، على مساندتهم لهم وتمنيّ ألا يفجعهم الله بعزيز. يذكر الحاضرون محاسن المتوفى بأقوال مثل: "عزّ علينا، كان صاحب بيت واسع، ويدين بيضاء، كان لا يرد قاصدًا ولا يعبس بوجه زائر." ابتداء الجمل بـ "كان" تأكيد على أن الميت لم يعد بيننا ولم يتبقّ منه سوى الذكرى وصيته حسنًا كان أم سيّئًا. في المقابل تُخاطب النساء الميّت كما لو كان حاضرًا، فيتحلّقن حوله، وتدّق بعضهن خشب التابوت كمن ينتظر إجابة. يطالبنه بإعادة النظر في الغياب كما لو كان قراره، يسألن الخالق والخليقة عن الأسباب، يصوّرن في التنويحات مشاهداً عن شكل الحياة، شكل الفقد، الدار الفارغة، القبر، ولا تخلو الصور من صفات الميت ومعالمه، صفات ذويه وأهله، مع الكثير من عناصر الطبيعة من نبات وحيوان وجماد. تصف التنويحة حالة وجدانيّة مُقاومة للفقد من خلال رسم صورة ومشهد مادي مليء بالحياة، في تعبير صوتي هو النواح، وكما يقول عادل بوعلاق: "الطاقة الصوتية تتجاوز الحيز المكاني، نجد النواحة تحاول أن تنشر الصوت عبر الفضاء الذي هيئ للمناحة"؛ فضاء الجنازة بوصفه مساحة تسمح بالتساؤل، والعتب، والاحتجاج، وإطلاق العنان للحنجرة وللعين لتفيض بمكنوناتها.

بالرغم من أنّ أمّ حيان امرأة درزية ملتزمة بالدين إلا أن حبّها لجدتي المسيحية دفعها لرثائها قائلة: "يا رايحة عالجنّة"، متيقنة أن جارتها الحبيبة ذاهبة إلى الجنة لا محالة، لترد النساء عليها: "الله يرحمك الله"، وتكمل النواح وتكمل النساء ردّ اللازمة وراءها: "فيها اللولو (اللؤلؤ) والمرجان."

الله يرحمك الله

فيها السيد المسيح

عم يقرأ بالإنجيل

ويفسر معانيها

هنا استخدمت اسم السيد المسيح والإنجيل، لتنسجم كلمات شعرها مع إيمان جدتي، ثم تعود للتنويحات الشعبية:

لابكي عليهن طول الزمان يا عيوني / ولاصبغ عليهن ثياب العز لحموني

واني لاقول للخلق ان كان لاموني / كوني دلف كانون يا دمعتي كوني"

نفهم من البيت أنها ستصبغ ثيابها حدادًا وهي عادة كانت سائدة بين النساء اللاتي يفقدن أعزاءهن، وتؤكّد أنه في حال لامها الناس على حزنها، ستقول لعيونها أن تسكب الدمع كما يتسرب المطر دافقًا من السقوف (الدلف) في شتاء كانون.

انتهت الجنازة وعدتُ إلى بيت أمّ حيّان لأسألها عن التنويحات والأقوال. لمست عندها بعض الحذر لأنّها تعتبر الحديث عن الموت والميّتين في البيت نذير شؤم، لكنها سمحت لي بلطف أن أطّلع على التنويحات التي سجّلتها على دفاترها.

مسرحة المآتم

في جنازة جدي وجدتي، استهلت النسوة مراسم استقبال الجثامين في صالة الكنيسة القابعة في دمشق، بالبكاء والعويل. بعد أن استقرت النعوش في وسط الجمع، أطلقت سيدة العنان لحنجرتها دون أن تقف أو تُظهر نفسها بين الجموع؛ وهو أمر لاحظته في جنازات عديدة، حيث تتعمّد النساء القوّالات أن يكنّ غير مرئيّات، مردّدة أبياتًا بإيقاع مألوف ذكّرني بالجبل وغمر قلبي بالحنين. بعد أول شطر ردت الحاضرات عليها، بينما صمت الرجال على الجانب الآخر من القاعة، مصغين بإمعان ومهابة لتلك العجوز التي استطاعت دون تكلّف أن تحوّل النساء إلى جوقة متناسقة.

وجدت نفسي بجوار النعشين أرافق نساء عائلتي في رحلة التصوّف تلك، رحلة استمرت لساعة، توقفت فيها عن البكاء مصغيةً، ومشاركة بكل جوارحي في ترديد أبيات أسمعها لأول مرة. ساهم تكرار كل بيت منها أربع مرات أن أحفظها فورًا.

استخدمت تلك المرأة اللهجة العامية، وردّدت تنويحات جديدة غير تلك التي سمعتها سابقًا. اصطفت الأبيات على وزن واحد، وبالرغم من أن أبياتها تضمّنت ذكر اسمَي جدتي وجدي، وأفرادًا من عائلتنا، إلا أنها اجتهدت في ضبط الأبيات والحفاظ على اللحن. أضفى حسن إلقائها وتجاوب الحاضرات معها حالة موسيقية على موقف العزاء.

ليست تلك الحالة الموسيقية في مآتم السويداء غريبة؛ ففعل النواح يبدأ ببساطة من تفكيك البكاء كإيقاع الشهيق والزفير، من نفخة "أوف" إلى الصوت فالكلمة، مع نغمة كل حرف، وصولًا إلى السجع الذي ينظم الجملة في إيقاع تُغْنيه الألفاظ المحلية بتنوعها بين بادية وجبل وسهل، وكذلك التكرار الذي يجعل الأذن تألف ماتسمع. من فعل التنفس، إلى الصوت والكلام، وصولًا إلى البوح الذي يتحوّل إلى جملة شعرية مرتجلة تستقي مرجعيّتها من ذاكرة مخزونة؛ النواح فعل مشحون بالمعنى.

ندهتك يا أم سامي (جدتي نبيهة) كلميني

صليب ومسبحة بإيدي اليمينِ

أمك يا سامي شرّقت (اتجهت شرقًا) زعلانة

مَروا بهودجها (محمل له قبة يحمله جمل ، كانت النساء تركب فيه)على الجبّانة (المقبرة)

واطلع وراها يا حسان (ابنها الثاني) وردّها

واحلف عليها وعظّم الإيمان

وامك يا غسان (ابنها الثالث) شرّقت غدويّة (بعد فترة الغداء)

ومقنّعة بالجوخ والشمسية (مظلّة تتقى بها الشمس)

واطلع وراها يا حسان وردّها ( أعِدها)

بدلِ المقابر حطِّها بعليّة

يا أم طارق (قريبة الفقيدة، توفيت قبلها) شاقني ملقاكي (اشتقت للقائك)

يا ما احلى الزمان اللي كنت أنا وياكي

بالله قوليلي ايمتى يكون اللقى (اللقاء)

وبعرس عامر (ابن الفقيدة الثانية الأعزب) كون اني وياكي

يا أم سُنان يا جوهرة مكنونة

يا طول ما بكيوا عليكي عيوني

حطو الجواهر بميزان الذهب

حينها (تعبير بمعنى خسارة) الجواهر بالثرى مدفونة

تُنكر هذه الأبيات الموت كنهاية، وتحثّ الأبناء على الذهاب للبحث عن الفقيدة الجوهرة التي لا يجب أن تدفن في التراب. يتغير الاسم حسب اسم الفقيدة بالطبع، وتحاول القوّالة أن تحافظ على الوزن باختلاف الأسماء.

تعتمد الأبيات بشكل كبير على القوافي والتكرار، لازمة تعاد، بيت أو شطر أساسي، تردّ فيه النساء على القائلة الرئيسية، تكمل قولها ببيت جديد، وتلتزم النساء بإعادة البيت الأساسي. في بعض الحالات، يرددن وراءها كل بيت جديد، إذ لا توجد قاعدة موحدة، فبعض الأشعار تستوجب تكرار لازمة معينة حسب العادة، وهذه الطريقة مستقاة من فنون الغناء الشعبية وامتداد لها.

لا تُستخدم عادة أية آلات موسيقية أو إيقاعية في هذا الفن، الموسيقى الوحيدة فيه تنتج عن حنجرة القائلة، ورد النساء عليها في إيقاع معين. هذا الفن صوتي بامتياز، يشبه المواويل في أدائه، وربما تتجنب النسوة استخدام الإيقاع كنوع من الحفاظ على حرمة الفاجعة، ولا تذكر أية مراجع استخدام آلات موسيقية في هذه المناسبات.

بالنسبة للقرى الصغيرة في السويداء، عادة ما تختار النساء امرأة واحدة لتصبح القائلة المشهورة. لا يجري هذا الاصطفاء بصورة رسمية، بل يحدُث بشكل عفوي ناجم عن توافق وتراض بينهنّ. غالبًا ما تكون المرأة المُختارة صاحبة صوت قوي وجميل. هناك ميزة أخرى يتوجب توافرها أيضًا، وهي الحدّة في الصوت، والبحّة التي باتت طابعًا معروفًا في أصوات نساء الجبل.

على القائلة أن تعرف بعض المعلومات عن عائلة ونسب المتوفي، مثل أسماء أقربائه، ومهنته، وبماذا كان يشتهر كي تستخدم الأبيات المناسبة له. الغريب أنّه في زمننا الحاليّ مازالت الأبيات التي تتحدث عن الفروسية، والسيوف، والمضافات الواسعة مُحبذة الاستخدام لإعلاء شأن الفقيد فيقال:

أني لندب وردّوا يا قرايب

وخلّوا دموعكن تنزل سكايب

أني اللي بقول قولي عالمناصب

قبر هالشايب علّوا له النصايب

الدلّة تندب والصواني يردّوا

والجرن والمحماس كلّهن حدّوا

ع خيّر يبني لهن ديوانه

صدّوا عليه من البكا واسودّوا

يمكن اعتبار ذلك امتدادًا لتراث المنطقة الذي تحافظ عليه الأشعار وتقدّسه، فالقهوة وأدوات تحضيرها من جرن ومحماس تحزن على غياب صاحبها. للسيوف والخيل نصيبها في النواح أيضًا فيقال:

يا خيلهن تِسرح بلا رعيانِ

ورمحه طويل خيولته عُبيّاني

غدالي سيف من بين السيوف

غلاته ما تساويها الألوف

أي أن خيولهم من شدة قوتها لا يجرؤ أحد على سرقتها فترعى وحدها دون حراسة، ورماحهم الطويلة دليل على قوّتهم. أمّا خيول العبياني فهي منسوبة إلى العُبيّة، وتُعدّ من الخيول الأصيلة؛ وغدا أي ذهب، والسيف هنا كناية عن الشخص، فيصبح هو السيف الغالي.

كما أشرت سابقًا، هذه الأشعار محمّلة بتراث وعادات المنطقة، كذلك عادة النواح حاضرة في سياق البادية والجبل من حوران إلى منطقة الفرات حتى العراق، وتختلف تسميتها هناك لتصبح الكولات، أي الأقوال، وفي درعا التنويحات وتمتد في المنطقة العربية لتصل تجلياتها إلى مصر في فن العديد، فتونس في النياحة. توازى وجود النواح مع وجود الشعر العربي خصوصًا الرثاء، وامتزج مع القيم الاجتماعية القبلية والقروية وتأثر بمفرداتها واعتباراتها الاجتماعية المتنوعة.

آمال التي تستهويها الأحزان

اكتشفتُ آمال من خلال فيلم قصير عنها، صوّره شاب يدعى سامي عبد الباقي كمشروع ضمن دراسته الإخراج السينمائي. نشر سامي مقطعًا من الفيلم إثر المجازر المروّعة التي حدثت في السويداء في صيف عام ٢٠٢٥. يصوّر المقطع آمال تنوح في موقف عزاء في مقام عين الزمان، وهو مقام دينيّ تُقام فيه المآتم بمدينة السويداء.

تمكّنتُ من الحصول على رقمها والاتّصال بها. حاولتُ جاهدة زيارتها لكنّ الأوضاع الأمنيّة بالسويداء وظروف الحصار حالت دون ذلك. قرّرنا تبادل الرسائل كي نتعرّف على بعضنا البعض أكثر، وتهاتفنا لساعات. حكت لي قصتها مع النواح، وحدّثتها بدوري عن تجربتي معه، وكيف اشتبكت للمرة الأولى مع هذا الطقس، واهتمامي به.

تقول آمال: "اللحن اللي لفت سمعك، لما كنت طفلة، روح عالمآتم مع أمي، كمان لفت سمعي. الأحزان لا تنتهي وأنا من نوع الشخصيات الحزينة." كانت آمال تُردّد كلّ ما تسمعه من والدتها القوّالة، رغم اعتراضات والدتها التي كانت دائمًا ما تنهرها قائلة: "ما بيسوى هالقول ينقال وين ما كان، هذا القول إله بيت الجنازة."

في سنّ الـ٢٤ تُوفيّ جدّ زوج آمال وطُلب منها أن تقول بعض الأبيات، فناحت كلّ ما استطاعت تذكّره من أبيات العتابا، وعندما توقّفت أعطتها إحداهنّ ما يُسمّى بـ السفينة وهي كتاب صغير تدوّن عليه الأشعار. شعرت آمال بأنها تُريد الاستمرار في قول الشعر في المآتم خاصّة مع تواصل الكثيرين معها، وبعد أخذ الإذن من عائلتها، اكتسبت صفتها الجديدة كقوّالة.

أتذكر جدتي حين كانت تندب في المساء وحدها، كأن لا أحد يراقب. تقيم كل عشية موقف عزاء خاصّا بها. كنت أراقبها بصمت وأخشى سؤالها عن الكلمات، لكنني كنت أدرك حالتها: فهي تبحث عن أحبابها في هذه التأملات. تسأل الله لماذا أخذ صغارها وتركها وحيدة دونهم، تلومه أحيانًا، كيف تركها تعيش ولم يعطهم من عمرها، بل أعطاها عمرًا لتفتقدهم وتبكيهم به. ندمت كثيرًا بعد وفاة جدتي لأنني لم أسجل أو أدوّن كل ما قالته، لذلك عقدت العزم على البحث عن كل الأبيات التي كانت تُردّدها، هكذا أخبرت آمال التي شاركتني بدورها تجربتها:

"كل إنسان يحمل في قلبه حزنًا عظيمًا. في هذه المناسبات، عندما تنوي المرأة أن تقول الأشعار أو أبيات العتابا، عليها أن تستحضر كل الحزن في قلبها، لترسل الشعور لأهل الجنازة، وتشعر هي نفسها أنها تشاركهم الحزن." والعتابا هو ضرب من الغناء الشعبي ومعنى الكلمة هو العتاب أو العتب، وعادةً ما تبدأ بقول أوف (أي التنهد). شاعت العتابا في بلاد الشام ولكن يقال أن أصلها فلسطيني، من أشهر أبيات العتابا في السويداء تلك التي تخاطب القائلة فيه الذئب، تشبه نواحها بعويله، وتسأله عن مصابه في ذلك الليل:

أنا نطرت الليل ت يمروا ... ما مروا

يا ويل الليل ع المحزون

يا ويل الليل ع المحزون … مامروا

بيي اللي كان من هون … مامرّ وهجرني وطول عليي هالغياب

قلت أخ قليلو يا خيي (تارة تخاطب الأب، تارة الأخ)

انا ياذيب بكاني عويلك / عويل الليل ما يشبه يا خيي عويلك

وانت ياذيب يا مضيع عويلك / وانا ياذيب ع فراق الحباب

أي أنها تفترض أن الذئب أضاع صوته في الليل أما هي فقد فارقها أحبابها:

بلا يا ذيب تعوي واه من عيّك / مجروح يا ذيب ولاّ صوّبوا خيك

وان كان يا ذيب عويلك على بنيّك / أني العثيري ويلّي صابني زيّك

وهنا الذئب يعوي على فقدان ابنه، وهي تنوح على ابنها كذلك.

تواصل آمال قولها: "من قبل ما فوت على بيت الجنازة، يكون عم تمر قدامي حالات الوفاة التي حدثت في عائلتي، أمي، أبي، أخي، أختي، حتى أصدقائي، لأنه إذا ما كنتي حاسة بحالة الشخص يلي قبالك، حالة الفقد، صعب تعملي الشيء المطلوب منك." لمست هذه الحالة في كثير من الجنازات التي حضرتها، حيث تتجه النسوة صوب جثمان المتوفى ويندهن عليه: "بخاطرك، سلّم على الأحباب". يذكر بعضهن جميع أفراد العائلة والجيران المتوفّين كنوع من التأكيد على الروابط العائلية وتحفيز الحاضرات على البكاء، فكلّ يبكي على مصابه في النهاية.

تُرسل النساء في السويداء مع كل فقيد جديد رسالة للذين سبقوه، وهو ما فعلته بدوري عندما كانت جدتي تُحتضر، فقد طلبتُ منها أن تسلّم على عمّي الشاب الذي فقدناه في حادث سير باكرًا وهو بصدد التحضير لحفل زواجه. تذكّرت كيف عزّت العجوز الدرزية جدّتي بوفاة عمي قائلة:

مرّيت عَ قبر المعثّر، لاقيت شباكو مكسّر

سألتو: مجوّز يا إمّي؟ قالي: جهازي عم يتفصّل

أصل التنويحات

سألت آمال عن أصل هذه العادة، فأجابتني: "مابعرف أساس هي العادة، لكن اللي بعرفه إنه من فيض الحزن، تولدت هي الأقوال، من قبل ما ينعرف تسجيل هذا الكلام أو تخطر فكرة تدوينه. انطلاقًا من قول شهير: ‘لابكي عليهم طول عمري' عرفنا النواح على الميت بالفطرة، من فيض الحزن الإنسان بيحكي، وسميناها تنويحة على الميت."

تقرأ لي، في تسجيل الصوت، واحدة من الأبيات الأقرب إلى قلبها:

طلع غيمًا جديد وبرق شتا، يا عقلي من صميم الراس شتا (تشتت فكري من الحزن)

يا كم طارش (انسان عابر) مع طارش نشدتا (ناشدت) عـ أي (على أي) دروب مشيون الحباب

حسب آمال فإنّ أبيات العتابا التي درجت والأشعار التي قيلت باللغة المحكية تحولت إلى تناويح على الأموات، ومن ثم أضيف إليها قصص الأنبياء خاصّة أيوب ويوسف، وقصص بعض الشيوخ، وقصّة الست شعوانا، وهي سيدة اشتهرت في التراث الدرزي كفتاة تنكرت بلباس شاب لتحضر مجالس الدين المُحرّمة على النساء. تُذكر هذه القصص حصرًا عندما يكون المتوفى أو تكون المتوفاة من أهل الدين.

عند كل الطوائف والأديان في الجبل، لكل فقيد قول مخصوص، شهيدًا كان أو شيخًا، أمًا أو أبًا. يؤكد الباحث فوزات رزق، في كتابه ذاكرة الجبل، أنه: "حينما نتحدث عن مراسم العزاء في جبل العرب فإننا لا نخص طائفة المسلمين الموحدين بهذه المراسم، لأن هذه المراسم واحدة عند الطوائف المسيحية والسنية التي تسكن الجبل مع اختلاف بسيط يقتضيه اختلاف المذاهب والأديان في إقامة الشعائر الدينية. فبيت الميت للجميع، وطريقة العزاء والتأبين والبكاء على الميت واحدة." كما يذكر رزق أنّه: "من المتعارف عليه عند الموحدين أن الشيوخ التقاة لا يندب في مآتمهم بل تتلى الأشعار الدينية. ثم بدؤوا يحرمون الندب عامة يقينًا منهم أنه شكل من أشكال التفجع الذي يتعارض مع مشيئة الله."

تحدثتُ إلى شيخ من طائفة الموحدين من قرية ريمة اللحف عن هذه العادة، فأجابني بأنهم لا يفضّلونها بل يفضّلون بث آيات من القرآن في موقف العزاء عبر مسجّل صوت، لأن في هذا النواح اعتراض على قضاء الله وقدره. رغم احتجاجات رجال الدّين على النواح إلاّ أنّه ما زال حاضرًا كأحد الطقوس الجوهرّية في مجالس العزاء.

لفت انتباهي، خلال رحلة البحث هذه، أنّ النساء يمتنعن تمامًا عن قول الشعر عندما يكون الميّت شخصًا سيّء السمعة أو مات منتحرًا. قد يبدو ظاهريّا أنّ النساء يتركن الميّت المُذنب أو المُنتحر يرحل في صمت كنوع من العقاب، وربّما يصحّ هذا التأويل في بعض الحالات. غير أنّ هذا الامتناع يكون، في حالات كثيرة، تعبيرًا عن خشيتهنّ من المجتمع ورجال العائلة.

ترفض آمال نعتها بالندّابة أو النوّاحة، لما يحمله من وصم اجتماعيّ، فقد شاع في السابق أن يستقدم أهل الجنازة امرأة لتندب على المتوفي وتحثّ النساء على البكاء، وتتقاضى في المقابل أجرًا على عملها، على عكس آمال التي ترفض أي تعويض ماديّ عمّا تقوم به. تتفق معها ريما (أم عهد) وهي امرأة اشتهرت في قرية الصورة الكبيرة بصوتها الجميل في قول العتابا في المآتم: "أنا أفعل هذا كحسنة لوجه الله، لأعزي أهل الميت، أهون عليهم، من الضروري أن تقال هذه الأبيات في المآتم، كي لا تكون مناسبة جامدة، لكي يحس أهل الميت بشيء من العزاء."

قابلتُ ريما أوّل مرّة داخل قاعة عزاء. كانت في ذروة موّالها، يصدح صوتها في القاعة كناي من خشب ثمين، وما إن دخل الكاهن ومن خلفه رجال العائلة نهرها مُشيرًا إلى النساء بالتوقّف عن البكاء. يبدأ الكاهن صلاته، تتكئ النسوة على بعضهن، وأعود من الرحلة الروحية تلك إلى الصالة الباردة المضاءة بلون أبيض قبيح، إلى كاهن يردد صلاة سريعة روتينية، يرسم الصليب في الهواء مثل مايسترو فاقد للإيقاع.

أفكر: هل سيحين وقتٌ تتوقف فيه النساء عن النواح في المآتم؟ هل ستندثر هذه العادة في ظلّ الأهوال التي نعيشها؟

شهدت مدينة السويداء مذبحة فظيعة، أعادتنا إلى مربّع المقابر الجماعية، وأموات يدفنون على عجل، ومآتم متلاحقة حرمتنا من النواح ودفعتنا إلى تأجيل أحزاننا وأسئلتنا المُعلّقة. من هول ما حدث صرتُ ممتنّة أن عائلتي استطاعت دفن موتانا، بشكل لائق على عكس كثيرين. تشبّثتُ بهذه الفكرة كي لا أنهار تمامًا وأنسحب من الحياة.

عدا عن كونه طقس وعادة توارثناها جيلًا بعد جيل، وجدنا كنساء في النواح مساحة نادرة في هذا الزمن الموحش لاختبار مشاعرنا وفهمها.

النساء هنّ من يعشن الفقد؛ فهن من يشتبكن مع المتوفي في الجسد: غسله، وإلباسه، وحضوره في الجنازة بينهنّ، إلى أن يأخذه الرجال إلى اللحد، حيث لا تذهب النساء ولا تشهدن آخر لحظة لوجود الجسد على الأرض لتساعدهن على التسليم بالرحيل، تشهدن فقط انتزاعه من بينهن. هنا يتجلى الفقد بصورة فجّة، تفسح مجالًا للعواطف ولأسئلة لا تلقى طريقها نحو أيّ إجابة لكنّ لا بدّ من طرحها كنوع من تخفيف ثقل الرحيل.

وهكذا، بينما يُستدعى الرجال لإتمام مراسم الدفن ومرافقة الميّت إلى مثواه الأخير، تُترك النساء وحيدات، فيعدن كسرب طيور إلى بيت العزاء. خطفن من تلك المناسبة لحظات من حرية التعبير، حرية البكاء في الحيز العام، فقلّما تتاح لهنّ فرصة للتعبير الصارخ دون فلترة، دون احتساب للمحظورات الاجتماعية، التي تجد في ارتفاع صوت المرأة مهانة، وفي النواح فضيحة، وفي الاحتجاج على الموت كفرًا وخطيئة.

صورة الغلاف لسامي العلي.

الكلمات الدلالية

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف