٢٤ ساعة موسيقى | أوكنفست بنسخته العاشرة

مقالات - كتابة: ليلى العاجيب - ٢٠٢٦/٠٨/١١
FI
تحميل...

هذه الذكرى العاشرة لمهرجان أوكنفست؛ إذ بدأ أول مرة عام ٢٠١٣، بالخطأ، حسبما تعبر إحدى المنظِمين إلسا سعاده، وتكرَّرَ سنويًا بتوسّع تدريجي حتى عام ٢٠١٨، حينما فرض تطوّره العفويّ على منظميهْ التعامل معه كحدث عام يجب إعداده ضمن بنية واضحة متماسكة رغم مرونتها. بعد هذا القرار توقف سنتين بسبب جائحة كورونا، ثم عاد عام ٢٠٢٢. أما هذه السنة فالاختلاف الحقيقي الذي أثر عليه أنه يحصل في ظل أوضاع مضطربة والبلد في حالة حرب.

تقول إلسا إنها سمعت يومًا من جار لهم في منطقة لحفد التي تحتضن المهرجان بين هضابها عبارة: "لو الولد بيِسمع من أهله كان بعدنا عايشين بكهف. بس ما لازم ينسى هو من وين جايي." ترى أن العبارة تصف اختيارها لقريتها لإقامة المهرجان فهي تجمع بين إقدامها على إحداث شيء جديد دون نسيان من تكون وما هي قريتها وماذا يحب أهلها: "لهيك مثلًا بتلاقي فقرة زجل بأوكنفست."

هذا العام على عكس الأعوام الماضية كانت مدته يومين وليلة بدل ثلاثة أيام وليلتين. كان اليوم الأول أثناء النهار تحضيريًا وهادئًا، احتوى على فقرة استديو شارع موسيقية؛ حيث جلس بالقرب من البوابة عدة موسيقيين منهم اللبناني كميل الفغالي على القانون والأسترالي ماكس على السكسافون وآخرين على الأكورديون والناي والبزق وآلات الإيقاع والأورغ، يعزفون ألحانًا جعلت الناس يتحلّقون حولهم ويغنون معهم بأجواء تشبه الرحلات المدرسية؛ خاصة أنهم لعبوا ألحانًا مألوفة لنا جميعا في المنطقة: فوق النخل والحلوة دي ولاقعدلك عالدرب قعود، وبعض أغاني وردة وأم كلثوم.

تصوير يوان زغبي

في هذه الفقرة المفتوحة ظل الناس يقفون حول العازفين برهة ويذهبون، تصلهم الموسيقى أثناء لقاءاتهم ببعضهم؛ ما أضفى جوًا من الألُفة بسبب اختياراتهم للموسيقى التي يعرفها معظم الحضور وكانت جزءًا من الطفولة في سهرات السمر ورحلات المدرسة.

أثناء تنقلي بين الأكشاك والمبادرات المحلية، التي تحاول قدر الإمكان الحفاظ على اقتصاداتها الصغيرة ضمن الظروف المحيطة عن طريق تقديم أنواعٍ مختلفة من المشروبات والأطعمة والمنتجات، وعلى صوت موسيقى استديو الشارع، استوقفتني أحاديث الناس العابرة. سمعت الكثير من قصص الحرب: فلان هُدم بيته عدة مرات، فلان اضطر للخروج من المنزل بعد إنذار سريع ولا يعلم ما حال قريته، فلان يسكن في منطقة قريبة من الاعتداءات لكن الحمد لله لم يحدث شيء في قريته. الوجوه متعبة رغم الكثير من الابتسامات واللقاءات التي تبدو متلهفة بعد فراق. جماعات صغيرة تواسي بعضها وتستطلع الأخبار وجملة تتكرر: "بس الحمد لله نحنا اللي صار معنا ولا شي مقارنة بغيرنا."

سألت إلسا وثمار الضهر، وهي أحد المنظمين أيضًا، عن شعورهن تجاه أجواء المهرجان هذا العام. أجابت إلسا أن المهرجان منذ تأسيسه قائم على فكرة محاكاة الأوضاع المحلية في لبنان وساعدهم في هذا تنوع خلفيات مجموعتهم التنظيمية، وأضافت أن هذا العام بالنسبة لها هو العام الأكثر تميزًا على مستوى الشعور. إذ رافق التنظيم دومًا تردد حول جدوى الفن والموسيقى بحد ذاتهم بالإضافة لتعرض عدد من المجموعة لأحداث كارثية في أوقات مختلفة مثل التهجير أو هدم البيوت بالقصف، ما جعل قرار إقامة المهرجان بحد ذاتها محل تساؤل أخرّت بدء الإعداد ثلاثة أشهر.

بعد العزم على إقامته كان جزء من الثيمة يذهب نحو الفنانين والفرق الذين قدموا أعمالًا متعلقة بالحرب، المتضررين منها مباشرة مثل الرابر هادي، وفنانين يدعمون استمرار وجود المشهد الثقافي مثل التاسع وجنا صالح وبوستكارد ومسعود وأفرام، إلى جانب فنانات مثل كريستينا كروز ولين أديب.

أضافت ثمار الضهر أنها تشعر بأنها في عزاء كبير. مكان يتجمع فيه الناس لمشاركة مشاعرهم ومخاوفهم وتقديم الدعم لبعضهم في حدث جميعهم بحاجة إليه. تقول ثمار إنها لم تكن تستطيع الاستماع للموسيقى منفردة في أوقات كثيرة خلال الأحداث الماضية، لكنها شعرت أن وجود جماعة تتشارك العزف والغناء طقس يخفف عنهم جميعًا؛ ليس بصفتهم ضحايا، خاصة مع مقارنة الضرر بينهم وبين آخرين، بل بصفتهم أصدقاء ومجتمع يحتاج أن يدعم بعضه بعضًا في أوقات عصيبة لا يمتلك الإنسان فيها غالبًا القدرة على تنسيق لقاءات وخروجات يسلّي بها نفسه ويشعر أنه ليس وحيدًا، ويحب الغناء والضحك ورؤية أصدقائه. كان يحب على كلٍّ منهم أن يشعر أنه قادر على عيش لحظات عادية.

تصوير يوان زغبي

تضيف إلسا أنها طوال السنة الماضية كانت تشعر بمسؤولية تجاه أصدقائها الفنانين الذين تعتبر الحفلات مصدر رزق لهم. فعملت في أوكن هاوس وهو بيت ثقافي للموسيقى مرتبط بالمهرجان – قدر استطاعتها – على استدامة العمل وإقامة حفلات. من خلال هذه الحفلات استشفّت أن كثيرًا من الناس يريدون حضور فعاليات مشابهة. يحتاجون لفسحة يستطيعون من خلالها الانخراط بشيء غير أخبار الحرب؛ وهذا شيء حسم ترددها وجعلها دائمًا تقرر أن عليهم الاستمرار في تنظيم المهرجان.

الساعة السابعة مساءً، بدأ الحفل، وتوافد الناس حيث أقيمت منصة المهرجان. بدأت كريستينا كروز الفقرة بأغنية عذبة ثم أخرى أكثر حماسة، تبعتها باند آلان آبي وصار الناس يتفاعلون مع الموسيقى متخفِفين من الأجواء المرتبكة التي استمرت طول اليوم. رقصوا وغنوا مع أغنياتهم المفضلة واحتفلوا بها؛ لكن الجو بقي غير احتفالي بالكامل خاصة مع وجود أغنيات تضامنية وجمل افتتاحية يقولها الفنانون تعبر عن شعورهم أو تروي قصصهم وقصص أغانيهم المرتبطة بشكل ما مع الأوضاع، ما جعل الكثير من الحضور يبدو عليهم بين حين وآخر شرود أو حزن. استمر ذلك حتى الساعة التاسعة والنصف حين صعد الرابر هادي المنصة.

في اليوم الثاني من المهرجان وقبل بدء فقرته، التقيت هادي. جلسنا قرب منصة المهرجان التي أعدت وسط فراغ تحوّطه أشجار البلوط، والذي كان يضج في الليلة السابقة بالفنانات والفنانيين والجمهور القادم من كل أنحاء لبنان وبعض البلدان الأخرى. هدوء بعد تعب وصخب لا يقطعه إلا زعيق عصفور يخرج عن نسق الجوقة وهمهمات شباب يعملون لتفكيك الأدوات ونقلها، كان هادي يعمل معهم قبل أن نجلس لإجراء مقابلة سريعة.

كانت فقرة هادي بوصفه رابر من قرية عين بعال قضاء صور في الجنوب مباشرة جدًا؛ تحكي الحدث كما هو دون مسافة. تشعر بالناس وقد أصابهم ارتباك ما. هو نفسه كان متعبًا، وافتتح واحدة من أغانيه بقوله أنه كتبها في السيارة وهو في طريق النزوح من المنزل بعد إنذار إخلاء. كانت فقرته مشحونة وكأنها ذروة اليوم. روت كلمات هادي وصوته وموسيقته شعورًا واضحًا على تماس مع قلب الموضوع الذي يجري تداوله بحذر منذ الصباح، وتفاعل معه معظم الجمهور وكأنه يعبر عن نفسه. عندما جلست مع ثمار وإلسا، أخبرتني ثمار أنها أثناء هذه الفقرة ابتعدت عن منصة المهرجان وذهبت خلف الجماهير ونظرت إليهم من بعيد وبكت.

أخبرني هادي أنه أيضًا تردد كثيرًا في المشاركة، تردد حتى قبل صعوده المنصة بثوان؛ لكنه منح المنظمين كلمة وعيب يتراجع عنها. طغى هذا السبب اللحظي، الذي دفعه للصعود بآخر إرباك شعر به، على الأسباب المنطقية التي فكّر بها سابقًا وبناءً عليها رغب في المشاركة. بحسب هادي، رأى أولًا في المهرجان منفسًا يحتاجهُ للتعبير، وثانيًا مصدر رزق فهو يعتاش من هذا العمل، والسبب الثالث يعتبر ملازمًا لكل عمله هذه الفترة؛ وهو أن الفنانيين الجنوبيين قلة مؤخرًا ما يجعله يشعر بواجب أخلاقي للتعبير عن صوت الناس هناك. يقول: "مش لأفصل البلد مناطقيًا بس فيه واقع معين ما عم يتعبَّر عنه. وبعتقد إنه أنا بعطي حالي أولًا المسؤولية وتاني شي الحق إنه كون عم قدم هالصوت."

تصوير لارا كرم

نشأ هادي في صور طوال حياته ويعمل في الأساس في الإنتاج الموسيقي، لكنه بعد الاستماع لعدد من مغني الراب اللبنانيين شعر أنه يحب لو يعبر عن نفسه بهذه الطريقة. لكنه ما زال متعلقًا بالموسيقى كأساس أكثر من الكلمات التي يراها مكملًا للعمل يرفع قيمته، يكتبها بشكل عفوي بعد إتمام العمل على الموسيقى.

بتعبيره فإن نشأته في بيت يساري ووجوده في الجنوب ومؤخرًا أحداث الحرب جميعها تؤثر عليه: "هلأ ما بعرف بشكل واضح كيف الوضع السياسي بالبلد عم يأثر عليّ. بس حاسس إنه فيه تأثير عم يصير. أنا بقلب الحدث بصور ذا سيكند هاند لحتى ما قول فيرست هاند. فيرست هاند مختلف [يضحك]. بس بلاحظ عحالي موسيقيا هلأ عم ببعد عن الجدية. بس عم حس بدي كفي بدون جدية معش بدي شي جدي."

بعد فقرة هادي كان المنظمون موفقين بصنع توازن باختيار الفقرات اللاحقة. صعدت للمنصة لين أديب وبصوتها ونوعية غنائها استطاعت إعادة الأجواء لتصبح أكثر هدوءًا وحميمية شيئًا فشيئًا، وتجهز الجمهور لأجزاء احتفالية أكثر بعد فقرتين مشحونتين عاطفيًا. توالت الفقرات متتابعة بين الصخب والهدوء.

حضر المهرجان ألف شخص من الفئات العمرية كافة. لم يتجمعوا كلهم في نفس المساحة بوقت واحد، تنقلوا بين أجزائه حيث تقام الأكشاك ومطعم القرية ومساحات التخييم والمنصة الرئيسية؛ تنقلًا سلسًا كان مفيدًا لتوزيع الزخم وتبدّل سمة الحفل بين الفقرات.

في اليوم التالي استيقظ البعض مبكرًا للمشاركة في فقرات التأمل الصباحية، مستفيدين من موقع المهرجان المميز، بينما استغرق البعض الآخر في النوم، إلى أن استيقظ الجميع بطاقات متفاوتة، وجلسوا في مجموعات متفرقة. صرت تسمع أحاديثهم عمن أعجبهم من الفنانين، وعن الفقرة التي أثرت فيهم أكثر، إلى جانب أخبار متفرقة عن الحرب هنا وهناك.

بدأت فقرة الزجل تصدح، جلس الزجالون على طاولة مستطيلة يتناوبون مقاطع زجلية شعرية بأصوات جبلية تشبه روح غابة البلوط يشاركهم الناس بترديد اللازمة بين حين وآخر، وبعد انتهائهم أكملوا جلستهم كأصدقاء يغنون ويعزفون سويًا، لكن رحابة المكان والألفة وجمال أصواتهم لم يدع لهم خصوصية، ظل الناس يأتون للجلوس معهم أو الوقوف حولهم لغاية الذهاب للتحضر للرحيل.

انضممت وهادي لبقية الناس نلملم أشياءنا على صوت جلسة الزجل التي تبعد عنا مسافة عشرات الأمتار بالقرب من بوابة المهرجان. اقتربنا لنلحق بمقاطعها الأخيرة، ثم تفرقنا، كل في وسيلة نقله عائدين أنا إلى بيروت وهو إلى صور وكل منا إلى وجهته. بعد يومين وليلة قضيناها في غابة انسجمت فيها الموسيقى مع الطبيعة، ومكان بعيد عن المدن وأصوات الدرون والحرب.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف