يا مُلهم غضب الأحرار | الأغنية السياسية السودانية

مقالات - كتابة: ويني عمر - ٢٠٢٦/٠٧/١٠
يا مُلهم غضب الأحرار | الأغنية السياسية السودانية
تحميل...

هذا المقال هو مشروع تخرّج الكاتبة ويني عمر من الأكاديمية البديلة للصحافة العربية.


في ٢٠٢٠ كنت في زيارة لمدينة كادوقلي بجبال النوبة. لفتتني التحولات التي حدثت في الفضاء المكاني؛ جداريات تحمل وجوه ذاكرة وتاريخ جبال النوبة، المك (أي الملك) أندو رحال كادوقلي مؤسس مدينة كادوقلي، علي عبد اللطيف قائد ثورة اللواء الأبيض، مكي كوه مدني القائد السياسي، وهناك تعرفت على الفكي علي الميراوي، قائد ثورة شعبية في جبال النوبة لأكثر من عشرة سنوات ضد عَسَف الاستعمار البريطاني في جبال النوبة. لم أعرف عنه من قبل، عرفته وقتها لأن ثورة ديسمبر (٢٠١٨ – ٢٠١٩) مثّلت فرصة استعادة للتاريخ المنزوع والمنسي ومساحة لإعادة تعريف الذات بعيدًا عن هيمنة السلطة. بحثت لأعرف عن الفكي علي الميراوي وثورته، بحثت عن أغانِ تخلد هذه المقاومة، فلم أجد سوى مارش جيش وحيد يُسمى مارش الفكي علي الميراوي.

منذ ثلاثة سنوات بدأت حرب أخرى في السودان، أوسع نطاقًا وأكثر وحشية وعنفًا، تحول فيها كل شيء إلى سلاح، التراث والتاريخ وثقافات المجتمعات المختلفة، ضمن عناصر أخرى استخدمت لنزع إنسانية الآخر وتجريده من أية قيمة سياسية أو أخلاقية.

صرت أفكر منذ بداية هذه الحرب حول التاريخ وفهمه وكتابته في سياق مضطرب ومُتنازع عليه. لجأت للأغاني السياسية لفهم جزء من التاريخ الذي ارتبط بالثورات والانقلابات العسكرية وما بينها من تحولات، المشاعر السياسية التي تكثفت في لحظات الفعل الجماعي وعبرت عنها الأغاني، وكيف تشكل وعي قومي ما عبر الأغاني السياسية، وكيف قدّمت هذه الأغاني المشاعر والمطالب السياسية. 

يحضر سؤال مركزي في هذا المقال: هل تُعيننا الأغاني السياسية، الحاضر منها والغائب على فهم ما هو مركزي في تاريخنا الوطني وما هو هامشي وما دُفع به نحو حدود الذاكرة؟ وما الذي يقوله هذا الغياب؟ 

من زمن الاستعمار وبدايات الأغنية السياسية، مرورًا بالغناء للانقلابات العسكرية ومن ثم للثورات، ومن ثم التفكير في الأغنية السياسية كأرشيف عاطفي، يحاول هذا المقال الانفتاح على الأغنية السياسية  لتذكر وفهم ونقد التاريخ.

في زمن الاستعمار 

عندما غنى خليل فرح أغنيته الخالدة الشرف الباذخ، استدعاه ضابط المخابرات البريطانية صمويل عطية إلى مكتبه للتحقيق. يتمثل هنا أقدم اشتباك نعرفه بين الأغنية السياسية والسلطة. واجه مغنون آخرون حوادث استدعاء واعتقال مماثلة في زمن الاستعمار الإنجليزي، مثل العبادي بعد أن غنى:

نحن الشروق يا أهل الغروب
نحن المشاهير في الحروب
بنقبل أفواه الكروب
ناصفونا قبل ما نبقى روب 

معتزًا بانتمائه للشرق في مقابل الغربي المستعمر، ومُشيرًا لتاريخ السودانيين في محاربة الاستعمار، ولمدفع الكروب ، ومهددًا بأنه إن لم يحدث الإنصاف فإن الاحتجاج سيبلغ مداه كما الحليب الذي يُترك ليتخثر. سُجن العبادي ولم ينقذه إلا تدخُّل القائد الديني عبد الرحمن المهدي، بشرط ألا يغني مثل هذه الأغاني مجددًا .

وصف علي المك خليل فرح بأنه الوجه الثقافي لثورة ١٩٢٤، إذ اكتست ألحانه وقصائده بوعي قومي، ففي أغنيته الخالدة عازة في هواك، أنشد خليل فرح الوطن بوصفه امرأة (عازة):

‘انت شنو طفيلي دخيل
يا نزلانا أمرقوا الذمة
كيف ينطاق هوان الأمة
شالوا حقوقنا وزردوا حلوقنا
ديل عاوزين دمانا تسيل

جاءت هذه الأغنية في سياق حراك مقاوم للاستعمار الإنجليزي في السودان، حيث ازدهرت المقاومة السياسية للاستعمار الإنجليزي في سياق الجمعيات الثقافية. في الشرف الباذخ يطالب خليل فرح الزعماء السياسيين بقول الحقيقة، أو أن يتوقفوا عن التواطؤ مع الاستعمار، مشيرًا للمظلمة الواقعة على السودانيين.

في مساحات تبلور ثورة ١٩٢٤، في دار فوز وفي الجمعيات الأدبية، وُلدت أغنية سياسية حاملةً معها جدول الأعمال السياسي لتلك المرحلة. في تماس هذه الأغاني مع السلطة ممثلةً في الاستعمار البريطاني وقتها، ومع السلطة الاجتماعية متمثلةً في قادة الطوائف المتناحرة والقادة الأهليين أيضًا، برز صراع اجتماعي وقتها واتجاهين في تشكل عملية بناء القومية السودانية: تيار تزعمته قيادات دينية وقبلية بمباركة من الاستعمار الإنجليزي، مباركة متبوعة بامتلاك الأرض ومشاريع القطن، وتيار آخر قادته جمعية اللواء الأبيض، وهي حركة سياسية قامت في ١٩٢٤ لمناهضة الاستعمار البريطاني وقادت ثورة ١٩٢٤. صراع بين قادة تقليديين وبين تيار مثّل التبلور الأول للوعي القومي يُعيد التفكير في بناء الأمة وفق شروط عادلة. قاد هذا التيار مثقفون ومجموعة ممن ورثوا عبء مؤسسة الرق في السودان .

برزت هذه الصراعات كتابةً في منشور سري ذُيل بتوقيع “سوداني ناصح أمين” في ١٩٢٠، ومقالة علي عبد اللطيف، مطالب الأمة، في ١٩٢٢. تقول مقالة عبد اللطيف بتقرير المصير، وإلغاء احتكار السكّر، والمساواة في الوظائف بين السودانيين والإنجليز، ما أدى لاعتقاله بعدها. 

رافقت جريدة حضارة السودان هذا الصراع منحازة للتيار الأول، إذ أصدرت مقالًا بتوقيع ود النيلين يقول فيه: “إنها أمة وضيعة التي يقودها أمثال علي عبد اللطيف، من هو علي عبد اللطيف وإلى أي قبيلة ينتسب؟” وعلي عبد اللطيف هو أحد قيادات الثورة وكان ممن ينتمون لمن سماهم الاستعمار الإنجليزي بالمنبتّين قبليًا؛ وهم الذين انقطعت صلتهم بمجتمعاتهم سواءٌ كانت من الرقيق أو من القبائل، فلم يعودوا محمّلين بانتماءات ضيّقة واستطاعوا النضال باسم السودان كاملةً. 

حفظت الذاكرة الجمعية هذه الأغاني التي ما زالت حاضرة في الإذاعة وفي التلفزيون المركزي، وفي أغاني المدرسة، وفي الاحتفالات القومية. 

في موازاة أحداث ثورة اللواء الأبيض هذه، حدث أن ثار الفكي علي الميراوي على الاستعمار الإنجليزي لأكثر من عشرة سنوات في جبال النوبة (١٩١٤ – ١٩٢٧)، وأن امتدت مقاومة السلطان علي دينار ضد الاستعمار الإنجليزي حتى معركة برنجية لفك حصار الفاشر في ١٩١٦، دون أن نتلمس أثرًا غنائيًا حاضرًا لهذه البسالات. غاب أيضًا أثر مندي بت السلطان عجبنا التي قادت معركة مع والدها السلطان ضد الإنجليز. 

في روايته التاريخية آخر السلاطين، التي تحكي قصة السلطان علي دينار، يُقدم الروائي السوداني منصور الصويم سردًا بديعًا لسيرة علي دينار استعاد فيها سرد بعض الأجزاء من ديوان السلطان الشعري، أبرزها هذه القطعة التي يُقال إنها من تلحين الحكامتين صافيات وفاطمة فور، والتي نعرفها الآن كمارش عسكري للجيش السوداني: 

فقرا شيلو جلالة
لعلي ود زكريا
والرسول خير البرية
فاطمة بنت النبي
نور أبوكي زي القمر ما بنخفي
والشقي ما بنسعد
الحسين جدو النبي
والنبي طالب الذكر 

يُنتج أناس الحياة اليومية الغناء الذي يقاومون به السلطة، لكن بقي تاريخ الأطراف هذه على هامش الذاكرة المركزية الحضرية، وحين تُستدعى هذه الأغنيات تُستدعى كفلكلور، كحدث عرضي ومؤقت.

يتصل هذا الغياب بالسياسات الثقافية واللغوية للأنظمة الوطنية ما بعد الاستعمار في السودان؛ إذ انخرطت الأنظمة السياسية منذ حكومة الفريق عبود (١٩٥٨ – ١٩٦٤) بحماس في سياسات الأسلمة والتعريب. 

في فحصه وتحليله للمعضلة السياسية السودانية، قدم المفكر السوداني عبد الله بولا مساهمة مهمة في نقد التأسيسات السلطوية والإقصائية للنخبة السياسية ما بعد الكولونيالية، بوصفها معضلة لها تأسيساتها التاريخية. 

في أكثر من سياق وأكثر من مداخلة، قدم بولا نقده لمفهوم الذات الثقافية القومية وطرح تساؤلاته حول حِيرة الصفوة القومية ما بعد الاستعمارية بشأن هويتها وبشأن ذاتها، حِيرة جرى التعاطي معها بنفس منطق المستعمر المستعلي والمترفع عن الفهم. نقد بولا مقولة الذات القومية الثقافية بوصفها مشحونة بنوايا الهيمنة ومحاولة مواربة الواقع الثقافي وطمس صراعاته وتنوعه، وباعتبارها أزمة تُجسد معضلة نخبة البرجوازية الكولونيالية. حيث واصلت ذات نمط العنف الاستعماري الذي يُجرف الذات المُستعَمرة بحثا عن الهيمنة وانتزاعًا للجدارة.

الغناء للسلطة / للثورة

في ١٧ نوفمبر ١٩٥٨، بعد عامين من الاستقلال، نفذ الفريق عبود انقلابًا عسكريًا على الحكومة الديمقراطية. غنى الفنان وردي نشيد ١٧ نوفمبر، الذي يحتفي باستلام الجيش للسلطة وأسماها “ثورة”، رافضًا التنازع بين الطوائف الذي شاب عامي ما بعد الاستقلال، ومتأثرًا أيضًا بتجربة عبد الناصر في مصر بحسب ما قاله وردي نفسه.

افرح وطني هلل وكبر في يوم الحرية     
في ١٧ هبت ثورة ثورتنا الوطنية
جيشنا الباسل هب وعلا راية الجمهورية
لا سادة لا رعاع لا ضمائر تتباع
جيشنا الباسل هب وعلا راية الجمهورية

غنى وردي أيضًا لثورة أكتوبر التي ثارت على الانقلاب العسكري في أكتوبر ١٩٦٤، ومن ثم غنى للانقلاب العسكري الذي جاء على رأسه الجنرال نميري في ١٩٦٩، ثم غنى أيضًا ضد الجنرال. تخبرنا هذه المراوحة بين دعم الانقلابات العسكرية ودعم الثورات الشعبية عن اضطراب العلاقة مع السياسة، وعن قيمة الأغاني السياسية في تحديد مواقع الناس من الانتقال السياسي الطارئ، وعن تنازع شاب تعريف علاقة الجيش بالسياسة وأنتج الكثير من الأغاني التي تُمجد الانقلابات العسكرية، والتي يصعب معرفة النية خلفها هل هي محاباة للسلطة وإسراع لحصد المكاسب، أم هو إيمان فعلي بأن الاتجاه الجديد للأحداث هو الأفضل. 

يُركز هذا الشكل من الغناء على تقديم قائد الانقلاب العسكري كشجاع مخلّص يحاول حماية الوطن عبر فرض سلطته بقوة الجيش وسلاحه، مترفعًا عن التنازع السياسي وعن العمل السياسي الذي ينخرط فيه الملكيون . عززت هذه الأغاني صورة ما ينبغي أن تكون عليه السياسة كفضاءٍ مُحتكر للجيش وسطوته وعنفه؛ دافعةً إلى متاهة ما زال السودان غارقًا فيها.

في مقابل الغناء للسلطة وللجنرال، للغناء للثورات صفحة عامرة في تاريخ الأغنية السياسية في السودان، عبرها يمكن فهم تبلور الوعي السياسي الثوري، والمطالب السياسية وقتها، وتنوعات الموسيقى التي رافقت الأغاني السياسية. في أغنيات ثورة أكتوبر مثلًا نرى الأوركسترا والكورال الغنائي والمسرح الكبير الذي يُقدم كل هذا.

من ضمن الأغاني العديدة التي خلدت ذكرى ثورة أكتوبر يأتينا نشيد أكتوبر ٢١:

أكتوبر واحد وعشرين
يا صحو الشعب الجبار
يا لهب الثورة العملاقة
يا ملهم غضب الأحرار
***
من دم القرشي وأخوانه
في الجامعة أرضنا مروية
من وهج الطلقة النارية
أشعل نيران الحرية
بارك وحدتنا القومية
واعمل من أجل العمران

هنا بدأ الغناء لأول ثورة شعبية بعد استقلال السودان، يدعو للوحدة القومية والعمران. إذ حملت ثورة أكتوبر معها قضية الجنوب، وكانت الحرب في جنوب السودان وقتها قد قاربت التسع سنوات بلا حل وبتعنّت سياسي من نظام الجنرال عبود فيما يتعلق بالأسلمة والتعريب كسياسات للدولة يجب أن تُعمم على الجميع، حتى غير المسلمين وغير العرب في جنوب السودان وغيره من الأقاليم. 

انطلقت شرارة ثورة أكتوبر ١٩٦٤ إثر ندوة طلابية حول مشكلة الجنوب، هاجمتها قوات الشرطة وأطلقت النار على الطلاب فقتلت الشهيد القرشي وقتها، وامتدت بعدها الاحتجاجات إلى أن سقط نظام عبود. 

تُعد ثورة أكتوبر الثورة التي اكتشف السودانيون فيها أنفسهم كشعب، بحسب وصف التشكيلي السوداني حسن موسى، إذ كانت أول تبلور لفكرة الجماهير ما بعد الاستقلال. اكتشف الناس الفكرة التي تجمعهم خارج القبيلة وخارج الإثنية، إذ يقول “إن الناس لمسوا مفهوم الشعب لمس اليد. فالشعب فاعل والشعب يريد والشعب يخرج في الفضاء العام لتحقيق إرادته، ويدفع في سبيل ذلك الغالي والنفيس، ثم يعود غانمًا ويجري الانتخابات ويختار ممثليه في البرلمان وينازع ’السادة’؛ في ندية سياسية مفعمة بالتفاؤل والأمل في غد مشرق.” تكثفت مقولات الشعب والحرية والتطلع للبناء والوحدة القومية عبر أغاني ثورة أكتوبر.

الأغاني السياسية كأرشيف عاطفي

بالإضافة إلى مساعدتنا على فهم التوترات والانتقالات السياسية والاجتماعية، تشكّل الأغاني السياسية مخزنًا للمشاعر السياسية، لنتمكن من فهم العواطف التي تشكّلت بين الجموع. نرى هذا الحضور للمشاعر السياسية وهذا الشكل من الغناء السياسي المُفعم بالعاطفة بشكل كثيف في سياق أقرب للحاضر، حيث قدّمت هبّة سبتمبر ٢٠١٣ وثورة ديسمبر ٢٠١٨ – ٢٠١٩ نماذج تُشكّل أرشيفًا عاطفيًا غنيًا.

في أغنية الميدان، التي أنتجت بتعاون مستقل بين الشاعرة نجلاء عثمان التوم والموسيقية ميادة محمد الحسن، تُستعاد ذكرى هبّة سبتمبر، الحراك الذي واجهته السلطة في ٢٠١٣ بقمع شديد. 

في بداية الفيديو تظهر والدة هزاع، الذي استشهد في الهبّة، في سياق قمع نظام الإسلاميين وقتها للحراك الذي نهض ضد رفع الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية. واجهت السلطة وقتها عمليات القتل والقمع هذه بتغييب إعلامي كبير، وصودرت الصحف التي حكت عن هذا القتل، حيث قُتل أكثر من ١٧٠ متظاهر، واعتُقل العشرات وتعرضوا للتعذيب. 

في محاولة لبناء سرد مضاد لسرد السلطة حول هبّة سبتمبر، ولبناء ذاكرة جمعية حول حدث حاولت السلطة أن تُنكره وأن تُغطي عليه وتتناساه، تأتينا أغنية الميدان؛ والمقصود هنا هو ميدان شمبات الذي كان مركزًا لعدد من التظاهرات في هبّة سبتمبر، وفيه اغتيل الشهيد هزاع عز الدين جعفر.

تحضر أيضًا أم الشهيد هنا كفاعلة سياسية؛ إذ تقف أحلام خضر والدة الشهيد هزاع أمام قبره وتؤكد على فخرها بابنها. 

تكرر ذلك الحضور في سياق ثورة ديسمبر ٢٠١٨ – ٢٠١٩ أيضًا، حيث نرى حضور أمهات وآباء الشهداء كفاعلين سياسيين، ينقلون فعل المقاومة ليكون فاعلًا يوميًا في فكرة وجودهم. يحمل هذا الحضور مشاعرًا كثيفة حول الفقد والفخر، والموقع الواعي في الخارطة السياسية.

فدا للمستقبل / هزاع اترجل 

عن هذه الأغنية تقول الشاعرة التي كتبتها ولحنتها نجلاء عثمان التوم، أنها كُتبت في سياق هبّة ٢٠١٣، لكن احتفظت بها كل هذا الوقت لأنها أحسّت بعار ما؛ فبينما الناس يموتون بسلاح النظام ويواجهون بعنف شديد، تكتب أغنيتها وهي بعيدة وآمنة. لكن ما إن بدأت التظاهرات في ديسمبر ٢٠١٨ مشتعلةً في كل بقعة في السودان، ضد الفقر والجوع، وضد القمع والعنف أيضًا، شعرت أن هذه اللحظة التي يجب أن نُحيي فيها الثورة بأغنية، عن امتداد النضال وذاكرته التي ترصف الطريق لما بعدها، وعن الشهيد الممتد عبر الزمن. 

من أجل ذاكرة عادلة

غابت المقاومة والأحداث السياسية في الأطراف عن ذاكراتنا الغنائية، التي خلّدت ما حدث في المراكز الحضرية التي تدفع بتحولات سياسية ما. ما يجدد التساؤل حول كيفية صناعة ذاكرة غنائية عادلة، تُخلّد فيها المقاومة والبسالات والأحداث السياسية التي لم تجد مكانها حتى الآن. 

دعانا المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي للتفكير في سياسات الذاكرة، وشروط بناء مستقبل عادل قائمة على استعادة التواريخ المقموعة، والخروج من “الزمن الاستعماري” الذي يكون فيه الماضي غير مكتمل، والحاضر هش، والمستقبل غير واضح، إلى حاضر ومستقبل يستعيدان ما جرت محاولة محوه. لذا، بينما نتتبع عمليات صنع ذاكرة عادلة عبر الأغاني السياسية، لا يجب أن تكون دافعًا نحو الانغلاق الثقافي أو إعادة صنع التراتبيات الاجتماعية والثقافية.

كيف ننفك من أسر الثقافات المهيمنة؟ يحضُر هذا السؤال الآن أكثر مما مضى، ربما بألحان ولغات ولهجات تأتي من كل مكان تحمل معها تواريخ المقاومة والنضال السياسي التي غابت عن التاريخ الرسمي، لتُبنى الذاكرة الجماعية بأن تُروى القصة. 

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف