الراب المصري ما بعد الماينستريم

مقالات - كتابة: عمر غنيم - ٢٠٢٦/٠١/٢٢
الراب المصري ما بعد الماينستريم
تحميل...

مر الراب المصري بتحولات كثيرة، بين فترات تذبذب وفترات ذهبية تخللها تفاوت حاد في الجودة والكم والإنتاجية. مع ذلك، لا يمكن إنكار التطور والنمو الذي حدث للراب المصري والمساحة الواسعة التي انتزعها من خارطة الموسيقى المصرية. يمكن القول إن حركة الراب المصري أهم حركة موسيقية ظهرت في العشرين سنة الأخيرة بجانب المهرجانات، ويتضح أهمية كليهما في التقاطع المتكرر الذي حدث بين المشهدين، والذي أسفر عن صوت راب مصري بالغ الخصوصية كان هو الأكثر انتشارًا في العقد الأخير. 

حملت موجة الراب المصري الحديثة، التي ظهرت بالتحديد منتصف العقد الماضي، حركة موسيقية شاملة ذات توجه واضح وجديد على يد رابرز ومنتجين ومصورين ومخرجين. 

يمكن تقسيم مشهد الراب المصري لثلاث مراحل: أولها مرحلة ما قبل المينستريم، والتي شهدت تجارب مؤثرة لكن مشتتة، غلب عليها توجهات صوتية قديمة وتمسُّك بأساليب عفا عليها الزمن. تلك هي المرحلة التي ظهر في آخرها أبيوسف وبدأ تأثيره يغزو المشهد مساهمًا بشكل رئيسي في تغييره ككل. يأتي بعد أبيوسف أسماء مثل مروان بابلو وويجز وليجي-سي ومروان موسى وموسى سام، مع منتجين مثل مولوتوف ودي جاي توتي ووزة منتصر وراشد وجلبة ومهيمن وعمر كيف. ساهمت هذه الأسماء في صعود صوت الراب المصري وتفوقه على كل الأصعدة.

المرحلة الثانية هي مرحلة المينستريم، وهي التي لمعت فيها أسماء مثل بابلو وويجز، الذين انطلقوا لتحقيق صعود صاروخي دفع المشهد بأكمله إلى الواجهة، وبأعمال تستحق الصدارة. لكن سرعان ما بدأت هذه الحركة تفقد بوصلتها، وفقد المشهد الكثير من العوامل التي ساهمت في بنائه. يرجع ذلك لعدة أسباب أبرزها عدم جاهزية الرابرز لهذا الكم من الوصول وتهافت الشركات الضخمة دفعةً واحدة، وعجزهم عن استيعاب ذلك بشكل يضمن استمرار نجاحهم واستقلالية رؤيتهم في نفس الوقت، لذا بدا الجنرا الأعرق والمضمون، البوب، أقرب نموذج يمكنهم البناء عليه. رغم هذا التشتت وهبوط مستوى الإنتاج وتخبط معظم الرابرز، ما يزال نجوم هذه الفترة في قمة نجاحهم التجاري، ويظل لمشهد الراب النصيب الأكبر من سميعة الموسيقى من الجيل الجديد.

الثالثة هي المرحلة التي تتكون الآن، وبالتحديد بدءًا من العام الماضي، على يد رابرز ومنتجين مثل زاف وغسان ومشرف وبرهان ويانج جيزا وحمادة بوي وديبويف، وهي ما يمكن تسميته بمرحلة ما بعد الماينستريم؛ يظهر فيها جيل جديد منطلق من الأندرجراوند، وبدأت أفكاره بالفعل بالعبور إلى المشهد الأكبر. نرى ذلك في تعاون مروان بابلو مع حمادة بوي في ألبومه الأخير وألبوم جدول الضرب لويجز.

يجمع هؤلاء الفنانون بعض الأفكار والأساليب والتأثيرات الصوتية، إذ تحمل موسيقاهم نفس الروح الخام التي حملها جيل فترة الماينستريم في بدايته. يتأثر هذا الجيل بعاملين رئيسيين: الريج راب على الصعيد الصوتي والمرحلة الحالية من الإنترنت المتمثلة في تيك توك والسوشال ميديا على مستوى الثيمات. نجد هنا تقاطعًا واضحًا في تأثر كلا الجيلين بالإنترنت، إلا أن التأثر الآن في هذه التجارب يبدو أكثر حدة على مستوى التوظيف والثيمات. كما نجد اختلافًا في طريقة تحرك الرابرز، فمعظمهم يتواجد حصريًا على الإنترنت ولا يرتبط بالضرورة بالشارع، الذي كان جزءًا اساسيًا في راب الجيل السابق. 

من خلال حديثي مع بعض الرابرز تحضيرًا لهذا المقال، تبين لي خيبة أمل تجاه الجيل السابق كما اجتمع معظمهم على أن هناك حركة طور التكون في الأندرجراوند. على سبيل المثال، يرى زاف أن الجيل السابق لم يعد يكترث بالثقافة ذاتها التي ارتبط بها في البداية، وأن بالنسبة للكثير من الرابرز، تحول الراب إلى وسيلة عبور للمشهد التجاري فقط. يقول زاف “الناس دي وصلت الراب من إنه يكون سين  صغير لإنه يبقى مينستريم ودي حاجة مهمة، لكن بعد النجاح تحس ان الشغف عندهم راح والراب وقع، وبقى بدل ما أشتغل على الراب لا أنا هعمل بوب. لكن لو انا رحت مينستريم هروح بالراب اللي انا بعمله دا.”

يعد زاف أبرز أصوات هذا الجيل، وقد أصدر ألبومه الأول بعنوان تامبلر العام الماضي. لقي الألبوم نجاحًا نسبيًا في دوائر الهيب هوب وحقق أرقامًا جيدة على صعيد الاستماعات والمشاهدات. يعد ألبوم تامبلر أبرز إصدارات هذا التيار الآن، ويلعب على صوت الريج بشكل أساسي لكنه لا يستلهمه مباشرةً من نظيره الأمريكي كما رأينا في محاولات زياد ظاظا سابقًا. نجد أن الألبوم مليء باستعارات وعينات مصرية، يتواجد معظمها في أعماق المحتوى المصري على السوشال ميديا، بالإضافة إلى تركيز أكبر على الجودة اللحنية.

ربما يكون هناك بعض التحفظات على القدرة التقنية لتلك الموجة من ناحية الكتابة والمضمون، لكن الراب الحالي بشكل عام والريج بشكل خاص، يضع أهمية قليلة جدًا للقدرة التقنية والكلمات، ويهمشها في كثير من الأحيان. ترتكز قوة هذا الصوت على الطاقة والأداء الصوتي. يقول زاف إنه لا يعير أي اهتمام للكلمات، هو مهتم بصناعة موسيقى الحالة أو “الفايب” ، الكلمات هنا عنصر صوتي آخر يخدم تلك الحالة، لكنه لا يخدم المضمون. 

من المهم هنا ذكر تجربة زياد ظاظا كتجربة مؤثرة في المشهد، حيث مثّل حلقة وصل بين الجيلين، وهو أول رابر يقدم الريج في المشهد المصري. رغم استعارته المباشرة من بلايبوي كارتي أحيانًا، إلا أنه كان الأجرأ على الخوض في هذه المساحة، لتتبعه تجارب مثل مشرف ويانج جيزا ودخان وزاف. أثبتت تجربة ظاظا توجه الراب الجديد نحو موت المعنى وانحصار أهمية القدرة التقنية والكلمات، وهو الذي أثبتته أيضًا تجربة كارتي في المشهد الأمريكي، وكلُّ من التجربتين كانت شديدة التأثير في مشهدها. 

على الصعيد الأمريكي الذي يظل مرجعًا للجنرا، بدأت موجة الأندرجراوند التي تأثرت بكارتي في التمدد والانتشار على يد أسماء مثل ييت وأوساما سون ونيت سبيند وريكس في تو وغيرهم. تخوض تلك التجارب بوعي في صناعة موسيقى الحالة أو “الفايب”، فتلعب على الحدة في الصوت وتفضيل الصيغة على المحتوى، حيث تكون بنية التراك العامة هي الأهم بدون تركيز على المضمون. عبرت هذه التجارب إلى المشاهد الموسيقية الاخرى تدريجيًا، وهو ما نراه يحدث الآن في مشهد الأندرجراوند المصري الذي يبدو متأثرًا بهذه التجارب بشكل مباشر. 

رغم خيبة الأمل المنتشرة بين سميعة الهيب هوب حول ما آل اليه مشهد الراب المصري، نجد بتتبع أنماط تطور المشاهد الموسيقية أن ما يحدث في الراب المصري تطور من السهل فهمه والتعامل معه. إذ انتشر الصوت وخرج من كونه ثقافة فرعية متمردة على الموسيقى السائدة إلى صوت رائج وتجاري، وتدخلت ماكينات الرأسمالية لتنعيمه وتحديد أطرافه، وأصبح بالتالي الموسيقى السائدة. نرى أنه في كل مرة يخرج مشهد فرعي إلى الثقافة السائدة، يتكون مشهد مضاد يحمل تمردًا على ما قبله ويأتي بالأفكار الجديدة التي تتسرب تدريجيًا إلى المشهد الموسيقي ككل. 

في حين يبتعد جيل الماينستريم في الوقت الحالي عن المخاطرة، ويتوجه بعضهم إلى البوب بصورة صريحة، أو يعيد تقديم أصواته القديمة في أحسن الأحوال، يلعب الجيل الجديد على الطاقة والأداء الخام والانغماس في روح العصر التي يمثل العبث ركنًا اساسيًا فيها. ورغم أن هذا التوجه قد يفقد تأثيره ومن المتوقع سرعة استهلاك ثيماته، نجد إنتاجات منعشة ومحملة بطاقة لا تكترث بالعبور إلى السطح. رغم أن هذا التيار ما يزال في طور التكوين، وتبدو إنتاجاته غير مصقولة بعد، إلا أنه يعطينا إشارات واضحة على التغيير.

رغم طغيان الريج على تلك الحركة، أعتقد أنه يجب التعامل معه كمرحلة مؤقتة أو وسيط صوتي فقط يحتضن أفكار تلك التجارب. الريج إلى الآن جنرا محدودة العناصر، وهي في جوهرها ترسيبات نهائية لصوت التراب، وتعد آخر أنفاسه ومن المحتمل أن تخرج تلك التجارب من إطار الريج الى مساحات أخرى أكثر تنوعًا، أو على الأقل نأمل في ذلك. المهم في ذلك الإطار هي الأفكار التي تحملها تلك التجارب من حيث التجديد. 

سيكون من المهم هنا أيضًا متابعة تطور هذه التجارب والمسارات المحتملة التي قد تسلكها. فحتى الآن، لا نلمس أي تشابك حقيقي بينها وبين الصوت المصري أو الشرقي عامةً. ما تزال هذه التجارب حتى هذه اللحظة تستمد من المشهد الأمريكي بشكل شبه كامل، دون اشتباك فعلي مع الموسيقى المصرية أو خوض تجارب جادة في هذا النطاق، وهو ما أراه عنصرًا أساسيًا لضمان استمراريتها وتطورها. فالقوة الحقيقية التي اكتسبها التراب المصري جاءت من التجريب والدمج بين عناصر التراب الكلاسيكية والمهرجانات، وهو ما أفضى في النهاية إلى تشكّل التراب الشعبي.

انفصال مضمون ما تقدمه تلك الحركة عن الشارع قد يخاطر باستمرارية الصوت وفراغه وسرعة استهلاك مواضيعه كما حدث في جنرات وأصوات سابقة كالهايبر بوب وغيرها، حيث أن التركيز الكامل على جانب واحد فقط كالفايب أو استهلاك عناصر وثيمات الإنترنت كمحور وحيد – على قدر ما يعد تأثيره اللحظي قوي – فإنه يهدد استمراريته ويسرع من تدهوره. لا يقتصر هذا على المضمون أو الثيمات فقط، بل يشمل أيضًا الاختيارات الإنتاجية التي قد تؤدي الى فقر في التنوع فتصبح كل الإنتاجات شبيهة ببعضها وهو ما حدث مسبقًا في الدريل وأدى إلى تدهوره السريع. 

قد يؤدي انفصال ذلك التيار عن الشارع إلى النتيجة ذاتها. من خلال تلك المقابلات لاحظت آراءً متناقضة حول هذه النقطة بالتحديد، فبينما يرى البعض أن تلك هي متطلبات هذا العصر وضرورة مواكبته ويرى أن الشارع قد تم استهلاكه بالفعل، يرى البعض الآخر أن التواجد في الشارع مهم لبقاء الحركة واستمراريتها ونضجها على الصعيد الفني. يقول مشرف: “فيه حركة بتحصل فعلًا، لكن مش كله بيتحرك على النت والشارع، معظم الناس على النت بس ودا مش صح.”

بالعودة إلى جذور الراب نفسه، نجد أن الشارع يرتبط ارتباطًا لصيقًا بتلك الثقافة، ومهما تطورت الجنرا وتشكلت وأُعيد تعريف جمالياتها، تبقى ثقافة الشارع في جذورها. لا شك أن اقتصار بعض التجارب على التواجد افتراضيًا يحد من عمقها وتأثيرها، ولا يحمل نفس الثقل ونفس العمق الذي قد تحمله التجربة الشخصية والمجتمعية.

يشمل هذا التيار أيضًا توجهًا مُقابلًا – رغم محدوديته – يتمثل في تجارب مثل داود المنطقي ووجدي ياكتر ودي جي قرفاني، الذين تختلف رؤيتهم تمامًا عن حركة الريج، فتقدم تجارب صوتية توظف عناصر مثل اللوفاي والبوم باب الحديث وتركّز على المعنى والكلمات والسياق المجتمعي والشخصي. ما يتّسق أيضًا مع حركة تطور الراب عالميًا ومشهد الأندرجراوند الأمريكي الذي يحمل النقيضين، فنرى بجانب تجارب الريج والسوبرتراب في أمريكا، فنانين مثل مايك وبيلي وودز يحدثون تجديدات وإصدارات مهمة في محيط البوم باب. 

إذا نظرنا إلى الراب المصري من منظور أوسع، نجده مشهدًا حديث النشأة مقارنةً بالمشاهد الأخرى. أعتقد أنه الآن فقط، بدأ يتكون مشهد أندرجراوند حقيقي لا يقتصر على تجارب منعزلة أو محاولات فردية. إذا استمر هذا التيار في الإنتاج على بنفس الذهنية، من الممكن أن يطرأ تجديد وحركة واسعة النشاط من شأنها أن ترفع جودة الراب المصري ككل، عبر اشتباكها مع المينستريم وضخ الأفكار الجديدة إلى السطح.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف