نهاية العواذل | كيف شهدت الطقطوقة على عصرها

مقالات - كتابة: عمرو نصحي - ٢٠٢٦/٠٥/٢٤
نهاية العواذل | كيف شهدت الطقطوقة على عصرها
تحميل...

في ليلةٍ دافئة من ستّينات القرن الماضي، كان يجلس علي في بيته القابع في أحد أزقة حيّ عابدين، ذلك الحي الذي عرف في شبابه صخب المقاهي وهدير المسارح، وكان يبحث في أوراقه القديمة إلى أن وقعت عيناه على كتابٍ عتيق، هش الأوراق، يسمى المغنى المصري الجديد.

لفت الكتاب أنظار علي، فشرع يتصفّحه بفضول، حتى استوقفته طقطوقة أيقظت في داخله مخاوف قديمة؛ إنها طقطوقة خايفة يا نينة ما اخرجشي لوحدي. تقول الطقطوقة:

خايفة يا نينة ما اخرجشي لوحدي / خلّي ليلى تخرج معايا
أصل الحكاية ميتين نتاية / راحم ضحايا كل الدعارة من المومسات
الغربي كان هو المدير / ومن زمان عمّال يدبّر خطف البنات
أعراضنا راحت هدر يا ناس / وبناتنا خافت تروح بلاش ليه السكات
لابس أساوره في جيبه ساعة / عمال يكابر تقول إيه ملوش صفات
قبضوا عليه قال ذنبه إيه / بكرة العدالة تقطع إيديه يكفي اللي فات.

سمع علي في الطقطوقة صوت ابنته، التي لطالما خشي عليها من وحشيّة المواخير. إذ تحكي الأغنية بلسان فتاة قاهرية تخشى الخروج بمفردها، حتى لا تكون صيدًا سهلًا لأشهر تجار الرقيق الأبيض في ذلك الوقت، إبراهيم الغربي. ثم تمضي الفتاة في سردٍ يكاد يكون توثيقيًا للقضية التي هزت أركان القاهرة، وجعلت البيوت ملاذًا دائمًا للبنات خوفًا من الوقوع في مصيدة البغاء. كانت المشاعر تعود إليه مشوشة؛ فعلي الآن قد تجاوز السبعين من عمره، لكن مع كل غصنٍ من الطقطوقة كان يستطيع أن يرسم في مخيلته صورة واضحة لتلك الأيام.

الأم وبنتها: سرعة التطور بين جيلين، غلاف مجلة الفكاهة، العدد ١١٧، تاريخ ١٩ فبراير ١٩٢٩، رسم أحمد رفقي

اعتمد الغربي على طرق متعددة في استدراج القاصرات وإغواء البالغات؛ فإما أن يتتبع الفتاة ويرسم أمامها وعودًا وأماني كاذبة، أو يحصل عليها عبر مكاتب التخديم، لتُرسل لاحقًا إلى منزلٍ متفق عليه مسبقًا. هناك تتولى صاحبة المنزل الاعتداء عليها وكسر مقاومتها حتى تخضع تمامًا، ثم تُلبس الحلي والمجوهرات وتُجبر على التوقيع على كمبيالات يستحيل عليها سدادها .

تذكّر عليّ كيف كان جيله، في مطلع القرن، ينظر إلى الدور باعتباره قمة الفن؛ بناءً معماريًا شامخًا من الآهات والهنك والرنك، لا يدخله إلا المترفون والسمّيعة. لكن في لحظات الخوف تلك، حين كان إبراهيم الغربي يتربّص بالبنات في المنعطفات، لم يسعف علي دور لسي عبده الحامولي، ولم يجد في آهات الدور وحديثه الدائم عن العذّال ما يهدئ روع أبٍ قلق، أو على الأقل يصف خوفه.

هنا، انحسر الدور بقامته العالية بينما راحت الطقطوقة تتشكل من جديد لتلائم مجتمعًا حديثًا بات يعي ما يُقال، يملك رأيًا يود التعبير عنه، أقام ثورةً وأرسى دستورًا. استوعبت الطقطوقة المجتمع الذي مزّقته أهوال الحرب العالمية الأولى، وهزّته ثورة ١٩١٩، فلم يعد يملك ترف الاستماع لمطربٍ يعيد غصنًا واحدًا عشرين مرة ؛ مجتمعُ أراد صوتًا يشبهه، يغني عن بطالته ومساوئ مجتمعه، وعن الأفكار الوافدة التي بدت دسيسة في الوجدان المصري المحافظ.

يمكننا تفسير هذا الانحسار للدور أمام الطقطوقة بمنطقٍ طبقي بديهي، يفسر لماذا ظل الدور متعففًا عن ذكر مشاكل الشارع؛ فالدور كان يُصاغ بأقلام الباشاوات والشعراء القابعين في كنف السلطة، من طراز إسماعيل باشا صبري، محافظ الإسكندرية وأبرز ناظمي أدوار عصره، وعثمان الجندي، سليل شاعر العائلة الخديوية محمد الجندي.

​في المقابل، كانت الطقطوقة تكتب بأيدي الطبقة الكادحة التي تقدّس الفرجة والاحتفال. من هنا نبع الشقاق الشاسع بين القالبين. كان هذا الانفصال محط لومٍ قادم من محمود سامي البارودي، الذي عتب على صديقيه، الحامولي وصبري، حين زاراه في منزله عقب عودته من المنفى. عاتبهما البارودي على صمتهما وتجاهلهما للأحداث العاصفة التي مرت بالبلاد، فانفعلت وطنية الحامولي، ثم أوصى صبري باشا بكتابة نصٍ وطنيّ عهد بتلحينه إلى رفيقه محمد عثمان، فكان دور عيشنا وشوفنا سنين، المحاولة الخجولة لإنقاذ وقار الدور .

في الفترة بين عامي ١٩٠٣ و١٩١٤، كانت حصيلة الأدوار المسجلة على الأسطوانات تدور في فلكٍ ضيق: العذول، هجر الحبيب، وعذاب الشوق. في المقابل، كانت الطقطوقة قالبًا وليدًا، تسلّل من صخب الأفراح وحفلات الختان إلى استوديوهات شركات التسجيل، مستمدةً مواضيعها من طقوس الاحتفالات الشعبية أو أغاني الطوائف العاملة.

بعد الحرب العظمى، ​دفع هذا الجمود في الدور حتى المحافظين من حراس الموسيقى إلى الانقلاب عليه وذكر عيوبه، مثل إسكندر أفندي شلفون، الذي وصفه بالنكبة التي تشبه الموال في تشابه المعاني، حيث قال: “أما الدور، فحدّث عن عيوبه الكثيرة ما طاب لك الحديث، فهو كالموال قد نكب بتشابه المعاني. وبالرغم من العدد الكبير من الأدوار، فجميعها شكوى وهيام وسهر ليالي وتعداد نجوم، ولا سيما العواذل فهم يلعبون فيها دورُا هائلُا، وندرت الأدوار التي خلت من ذكر هؤلاء العواذل الأجلاف.” .

لم يرضَ شلفون كذلك عن الطقطوقة، المساحة التي لم تخضع لتهذيب النخبة أو قيود الصالونات؛ فقد نظر إليها التيار المحافظ كقالب فني متواضع. تظهر الإشكاليّة المركزيّة هنا من التباين الجوهريِّ في منظور التمثيل الاجتماعيِّ بين القالبين؛ فبينما انهمكت النخبة والمثقفون في صياغة ملامح الهويّة المصرية الحديثة عبر المدوّنات الفكرية والصحفيّة، كانت الطقطوقة تمارس دورًا مغايرًا بوصفها أرشفة شفهيّة للواقع كما يعيشه أصحابه.

عودةً إلى عليّ في ليلته تلك، بعد أن فرغ من تصفح كتاب المغاني، حين أدرك أن الورق وحده لا يكفي لاستعادة روح العصر.

​تحرّك علي نحو مخزنه الصغير، حيث تترتب مئات الأسطوانات في صناديق خشبية. كان يسعى لاستعادة محطات عمره التي تشابكت مع تحوّلات المجتمع المصري. من بين تلك المجموعات، استخرج أربع أسطوانات بعناية، اختارها لتكون شهودًا على رحلته من الصبا إلى الكهولة.

الأسطوانة الأولى | تعدد الزوجات

​وضع الأسطوانة الأولى على الفونوغراف، وانتظر تلك اللحظة التي تسبق خروج الصوت، حين يقول مقدّم الأسطوانة: “بيضافون كومباني، صالح أفندي عبد الحي الشهير”، ليعود به الزمن إلى بدايات الشباب، وتحديدًا إلى أزمة تعدد الزوجات التي جسدتها طقطوقة يكون في علمك .

تبدأ الطقطوقة بلسان زوجٍ متبلد المشاعر، يخاطب زوجته الأولى التي جلب لها ضُرّة ، مستفتحًا حديثه بنبرةٍ تفيض بالتعالي، وكأنه لا يملك وقتًا لمهاتراتها أو اعتراضها على قراره، فيقول:

يكون في علمك / أنا مش فاضي / كل ساعة اعملّك قاضي

​ثم يكمل الزوج خطابه في موقفٍ متأرجح؛ ففي الغصن الأول، يبلغ ذروة التبجّح حين يضعها أمام الأمر الواقع بقلبٍ بارد: “أنا واخدك على ضرّة / وان ما عجبك انتِ حرّة / على بيت أبوكي روحي تاني / وبلاش شغل كاني وماني.” ​لكنّه سرعان ما يغيّر استراتيجيّته في الغصنين الثاني والثالث، فيتخلى عن “بجاحته” قليلًا؛ ليحاول كسب رضاها بأسلوبٍ فيه من الالتفاف بقدر ما فيه من التحايل: “إنتِ جميلة وهي جميلة / أعملّك ليلة وهي ليلة / احترت معاكي ما بيدّي حيلة / ما فيش لزوم تعملي هلّيلة.” بل ويذهب أبعد من ذلك في استجداء عاطفتها حين يقول: “حرام عليكي وحياة عينيكي / أبوس إيديكي لإمتى اداديكي.”

في الختام، يعود الزوج لقلب الطاولة عليها، مصورًا نفسه في دور الضحية أمام تجبّرها وعدم انصياعها لنصائح الأهل وكبار العائلة: “قلت لابوكي قلت لاخوكي / ما أمكنهمش يرجعوكي / أشكي لمين يا مسلمين / أروح لمين خليكم شاهدين.” لينتهي بتوجيه الاتهام لها بأنها هي من تستفز ضرّتها وتختلق النزاعات: “إن عشتي معاها تناقريها / وكل ساعة بتضايقيها.”

تكمن أهمية هذه الطقطوقة في كونها توثيقًا حيًا لنظرة شريحة من المجتمع المصري في العشرينات لقضية تعدد الزوجات؛ فهي تعكس صوتًا ذكوريًا لا يرى في التعدد اعتداءً عاطفيًا، بل حقًا طبيعيًا يجب أن تتقبله الزوجة وإلا فبيت أبيها هو البديل. لكن، لكي تكتمل الصورة، لا بد من النظر إلى الوجه الآخر؛ فبينما كانت شركات الأسطوانات، في أواسط العشرينات، تروج لصوت الزوج المعتد بنفسه، كانت هناك طقاطيق أخرى تتردد في مجالس السيدات، نُظمت في الأغلب قبل الحرب العالمية الأولى، نابعةً من حناجر العوالم لتعبر عن لسان حال المرأة المقهورة؛ كما في تسجيل عزيزة سعد لشركة ميشيان حوالي العام ١٩١٧ .

في طقطوقة مسكينة اللي لها ضرّة ، نجد رصدًا لواقع البيت المنقسم ونار الغيرة التي وصفتها الكلمات بدقة: “مسكينة اللي لها ضرّة /ودي تبقى عيشتها مرّة /آه يا ليلة ما يبات برّا /تبقى ليلة ونارها حارّة.”

الأهم من ذلك، تقتحم الطقطوقة الجانب الاقتصادي المسكوت عنه، فتوجّه للزوج سؤالًا منطقيًا ينم عن وعيٍ بحقوقها، قائلة:

لما انت فقير الحال /والبيت مليان عيال / تتجوّز ليه أمّال / تجيلك يا بعيد حسرة

في مقدمة كتابه، الزواج والحداثة، يطرح كينيث كونو تناقضًا مثيرًا بين حالتين توضّح كيفية تغير أيديولوجية الطبقات العليا في غضون ثلاثة عقودٍ فقط: الفرق بين إظهار الخديوي إسماعيل لزوجاته وتفاخره بهنّ؛ إذ كان ذلك مرتبطًا بالفحولة والقوة، وبين إخفاء الخديوي عباس حلمي الثاني لزواجه من ثانية؛ حيث صار هذا الزواج، في زمنه، موضع حرج داخل الدوائر العليا .

لا يقف هذا التحول عند حدود التمثيل الاجتماعي أو الذوق العام، بل يمتد إلى بنية الممارسة نفسها؛ إذ تشير الوقائع التي يستعرضها كونو إلى أن تعدد الزوجات، وإن ظل حاضرًا عبر طبقات مختلفة، أخذ يفقد تماسكه كقيمة مستقرة داخل النخبة الحضرية، ليصبح أقرب إلى عادةٍ تتآكل تحت ضغط تصورات جديدة عن الزواج والأسرة. في المقابل، ظل حضوره قائمًا في شرائح أخرى، مدفوعًا باعتبارات متباينة؛ من تثبيت المكانة وبناء التحالفات لدى الأعيان، إلى منطقٍ معيشيّ لدى الفئات الأقل دخلًا، حيث كانت مشاركة الزوجات في العمل تفتح إمكانًا عمليًا لاستمرار هذا النمط .

تكشف هذه الصورة المتباينة عن توترٍ داخلي في المجتمع أكثر مما تعكس استقرارًا؛ فبينما تتغير لغة القبول والرفض في الطبقات العليا، تستمر الممارسة بأشكال مختلفة في مستويات أخرى، مصحوبةً بتجارب يومية معقدة، تتجلّى آثارها خصوصًا في موقع الزوجة الأولى، التي كثيرًا ما وجدت نفسها أمام واقعٍ جديد يُعاد فيه توزيع السلطة داخل البيت على نحوٍ لا يضمن لها موضعًا آمنًا أو مستقرًا. هذا التوتر الاجتماعي، بما يحمله من تناقضات بين الخطاب والممارسة، هو ما تلتقطه طقطوقة مسكينة اللي لها ضرة بدقة؛ إذ تمنح الصوت لمن يعيشون هذه التحولات.

الأسطوانة الثانية | إدمان المخدرات

رفع عليّ الإبرة ببطء، ثم مدّ يده إلى أسطوانة أخرى. كان ملصقها مخدوشًا، فقرّبها من عينه قليلًا حتى تبيّن عنوانها: ضيّعت عمرك هدر، بصوت نعيمة المصرية . وضعها وأسقط الإبرة، فانطلق صوت نعيمة يملأ الغرفة.

غلاف مجلة المصور، العدد ١٢، تاريخ ٩ يناير ١٩٢٥

جاءت البداية مربكة؛ خطابٌ بلا مخاطَب واضح: “ضيعت عمرك هدر / دا إنت شُفت العِبَر / يا للعجب” قبل أن تنكشف الصورة: “يا مصري قوم يا جدع / واهتم يكفاك دلع / والباب كلونه انخلع / وأنا شُفت جوا الودع / إنك في غاية الخطر / إيه السبب” هنا بدأ الخطاب يتخذ ملامحه، كاشفًا أن اللوم موجّه إلى المصري نفسه.

قبل أن يستقر المعنى في ذهن عليّ، مضت نعيمة خطوة أبعد في الغصن الثاني، محددةً موضع اللوم: “الجوزة بتصهينك / والخمرة بتلخفنك / والكوكايين جنّنك / والهيرووين كفّنك (…)” عندها، ترددت الكلمات داخله، كأنها تُستعاد من زمنٍ يخصه وحده.

تسللت إليه ذكرى قديمة؛ يوم جلس على كرسي طبيب الأسنان في أواسط العشرينات من عمره، مرهقًا من ألمٍ لم يدع له ليلًا ولا نهارًا. يومها، لم يكن يدري أن ما سيُعطى له لتسكين الوجع، بضع ذرات من الكوكايين، سيترك أثرًا أبقى من الألم نفسه، وأن هذا “العلاج” سيغدو لاحقًا بابًا لوجعٍ من نوعٍ مختلف

شعر علي بغصّةٍ حادة وهو يستعيد تلك اللحظة، لكن صوت نعيمة لم يترك له فرصة للغرق طويلًا؛ إذ سرعان ما تبدّل الإيقاع، وتحول الخطاب من تأنيبٍ فردي إلى نداءٍ يكاد يكون جماعيًا في الغصن الثالث: “مش عيب عليك والنّبي / إنك تشوف أجنبي / وتقول دا خَد مكسبي / وانت السبب يا غبي / الله يسلمك نفر / ما تقول وجب” وكأن الطقطوقة تضع الفرد في مواجهة موقعه داخل عالمٍ يتغيّر من حوله.

ثم، في ختامها، تلجأ نعيمة إلى نبرةٍ أكثر حميمية، تخاطب فيها ما تبقى من عاطفة: “دي مصر دي والدتك / وانت ابنها حضرتك (…)” لتتحول الطقطوقة من تقريعٍ ولوم إلى رجاء ومحاولة استعادة شيءٍ مفقود.

إلى جانب صوت نعيمة، إذا انتقلنا إلى زجلٍ آخر من نظم عزت بك صقر: “إيه اللي شُفته في شرب الكاس” (يمكن الاطّلاع على كلمات كل الأغاني والأزجال المذكورة من خلال هذا الرابط)، وجدنا أنفسنا أمام خطاب أكثر صرامة يضع الإدمان في موضع الجريمة الأخلاقية الصريحة، ويخاطب المتلقي من موقع العارف المُقوِّم، كما في قوله: “يا ظالم يكفاك”، و“راعِ شرفك وكرامتك” .

لا يمكن الجزم بكيفية دخول الكوكايين إلى مصر، غير أن تتبّع حضوره في الكتابات الطبية يفتح بابًا لتفسيرٍ أقرب إلى الواقع؛ إذ تشير مؤلفات طب الأسنان في أوائل القرن العشرين إلى استخدامه، إلى جانب المورفين والأفيون، في تسكين آلام التسوّس والعصب المكشوف، وفي قتل حساسية الأعصاب تمامًا .

كاريكاتير نُشِر في مجلة اللطائف المصوّرة في عددها الـ٥١٨ بتاريخ ١٢ يناير سنة ١٩٢٥ يصوّر مصر مستنكرةً ضعف الحكومة في مجابهة والقضاء على آفة الكوكايين وتاجر المخدرات ممثّلًا في تمثال جاثم على ضحاياه من المدمنين، تحت الكاريكاتير تعليق من المجلة (مع الشكر لحسناء).

من هذا المدخل الطبي، الذي بدا في ظاهره علاجًا، تسلّل الكوكايين تدريجيًا إلى نطاقٍ أوسع، حتى خرج من عيادات الأطباء إلى فضاءاتٍ أخرى أقل انضباطًا بعد الحرب العالمية الأولى؛ إذ تجاوز المقاهي والحانات إلى ما عُرف بالبؤر، وهي أماكن مخصصة للتعاطي، قادرة على استيعاب أعدادٍ كبيرة من الروّاد. تشير بعض الشهادات المعاصرة إلى أن عدد المترددين على البؤرة الواحدة كان يتجاوز الثلاثمائة، يتجمعون بكثافة في ساعات العصر، ثم يتناقص العدد تدريجيًا مع امتداد الليل.

داخل هذه البؤر، يتخذ المشهد طابعًا أقرب إلى طقس جماعي؛ إذ يجلس المتعاطون في صفّين متوازيين، حفاةً شبه عراة، في حالةٍ من الخضوع التام، بينما يتولى التجار إدارة المكان بصرامةٍ لا تخلو من عنف، تصل أحيانًا إلى جلد الروّاد ومعاملتهم معاملة العبيد .

ترصد مذكرات المسؤول البريطاني توماس راسل، حكمدار القاهرة آنذاك، انتقال الظاهرة من فضاءٍ محدود إلى أزمة عامة شملت مختلف طبقات المجتمع. يشير راسل إلى أن ضعف التشريعات في تلك المرحلة، حيث لم تتجاوز العقوبة غرامةً زهيدة أو حبسًا لأيام ، أتاح للتجارة أن تزدهر على نحوٍ سريع، حتى صار من المألوف العثور على حطامٍ بشري في أحياءٍ مثل بولاق، وقد استحالوا إلى أجسادٍ منهكة “لا تعيش، بل تكتفي بالوجود”، على حد تعبير راسل.

امتدّت آثار الظاهرة لتُعيد تشكيل النسيج الاجتماعي ذاته؛ إذ اختلطت داخل دوائر التعاطي فئات لم تكن تلتقي من قبل: عمال، وموظفون، وفنانون، بل وأبناء أسر عريقة، في مشهدٍ يعكس مدى تغلغل المخدرات في جسد المجتمع. ولم تبدأ الدولة في التعامل الجاد مع هذه الأزمة إلا بعد عام ١٩٢٥، حين صدرت أولى التشريعات الرادعة، بعد أن كانت الظاهرة قد ترسخت بالفعل، واتسعت شبكاتها إلى حدٍّ يصعب احتواؤه .

الأسطوانة الثالثة | البطالة

سكت الصوت قليلًا، وراحت الإبرة تدور في آخر الأسطوانة محدثةً خشخشةً رتيبة. مدّ علي يده ورفعها، ثم ظلّ للحظةٍ ممسكًا بها في الهواء، كأنّه لم يفرغ بعد من صدى ما سمع.

تردّد قليلًا قبل أن يمدّ يده إلى الأسطوانة التالية. لم يكن يدري لماذا وقعت عينه عليها تحديدًا. قرّبها، وقرأ عنوانها: بكالورية إيه يا بو بكالوريا، بصوت صالح عبد الحي . ابتسم ابتسامةً باهتة، فيها شيء من السخرية التي لا تخلو من مرارة.

وضع الأسطوانة في موضعها، وأسقط الإبرة.

لم يكد الصوت يبدأ، حتى شعر أن النبرة مختلفة؛ أخفّ، أقرب إلى المزاح، لكنها تحمل في داخلها شيئًا يعرفه جيدًا. لم يكن هذا صوت من يلوم، ولا من ينصح، بل صوت من يسخر.

بدأت الطقطوقة على لسان خريجٍ مقهور من سوق العمل: “بكالورية إيه يا بو بكالوريا / دا انا عندي بكالوريا ودبلوم / لكن تدوّر على جيبي ما تلتقيش / فيه ولا ابو النوم” ثم تنتقل الطقطوقة سريعًا من الشكوى الشخصية إلى حيّزٍ أوسع: وصف شكوى المجتمع ككتلة واحدة من فقدان الشهادة وظيفتها التقليدية كوسيلة للترقي الاجتماعي، وتحولها إلى علامة على خلل في منظومة التوزيع، حيث لا يقود الاستحقاق إلى مقابل، بل إلى ترحيل إداري مستمر:

في مصر ألفين بكالوريا / وألفين دبلوم دايرين
يومي نلف بيهم سبعًا / وندور على كل الدواوين
يمشورونا ويمطوحونا / ويمضيعونا ويقولوا دا مش يومكم اليوم

ثم يكمل على النحو ذاته: “سبع شهادات في إيدينا / والبخت ضايع نلقاه فين / دول غلّبونا ليه علّمونا / ويسيبونا نمدغ ظلط ونقرقش دوم.”

استؤنف الغناء قليلًا حين بدّل علي الأسطوانة على وجهها الثاني، ليكمل صالح عبد الحي في شكواه.

كاريكاتير نُشِر في مجلة الفكاهة في عددها الـ٣٦٣ الصادر بتاريخ ٧ نوڤمبر سنة ١٩٣٣ عن الأسباب الثلاثة لانتحار الطلاب في مصر، رَسْم الفنان التركي أحمد رفقي (مع الشكر لحسناء)

انتحى صالح نحوًا آخر في النقد؛ إذ انتقل من وصف الحالة المجتمعية إلى نقد الدولة في تقديرها لـ “أولاد النكتة”، قاصدًا بذلك الفنانين، وإهمالها للمتعملين.

يمكننا أن نستشفّ من هذا القول أن المطرب أو الملحن ليس معنيًا بالضرورة بما يغنّيه، وأن نموذج “الفنان الثائر” يظلّ، في كثير من الأحيان، نموذجًا متخيّلًا، على الأقل في حالة موسيقيّي عصر النهضة.

على كلٍّ، نختم بآخر غصنين في الطقطوقة؛ إذ يقول صالح عبد الحي: “لو أخدنا دبلوم في التهويش / ولا كفاءة في النكتة / بالذمة كنا عرفنا نعيش (…) بلاش طبيعة ولا كيميا ولا شهادة / دا إحنا في بلد النكتة والقافية.”

يمكن إسناد هذا التصوير الغنائي إلى معطيات اجتماعية واقتصادية موثّقة عن تلك الفترة. فقد اتسعت فئات العمالة غير المستقرة في المدن، خصوصًا العمالة اليومية وأصحاب الدخول غير الثابتة، وبلغ عددهم في أواخر العشرينات مئات الآلاف، إلى جانب فئات “دون حرفة” أو من اضطروا إلى التسوّل بعد فقدان العمل. كما تشير البيانات إلى تضخّم ملحوظ في أعداد من لا يشغلون موقعًا إنتاجيًا محددًا، في مقابل محدودية قدرة السوق على الاستيعاب.

كما تُظهر المؤشرات الاقتصادية تراجعًا في متوسط الدخل الحقيقي للفرد عبر العقود الأولى من القرن العشرين، نتيجة الأزمات المتعاقبة وزيادة السكان بمعدلات تفوق النمو الاقتصادي. انعكس ذلك في ارتفاع معدلات البطالة، وانتشار الأعمال الهامشية، وتزايد الاعتماد على مصادر دخل غير مستقرة .

الأسطوانة الرابعة | زواج القاصرات

بعد أن كادت الإبرة تخدش الشمع الميت ، رفعها علي ثم أتى بأسطوانةٍ أخرى سريعًا، وكانت هي الأسطوانة الأخيرة.

حملت الأسطوانة الرابعة عنوان أبوها راضي وانا راضي ، وكانت أيضًا من تسجيل صالح عبد الحي، الذي يمتلك النصيب الأكبر من الأسطوانات في مخزن علي. 

قلّب عليّ الأسطوانة بين يديه، فلاحظ شرخًا دقيقًا يشق أخدودها، لكنه آثر أن يمضي في التجربة على كل حال. ما إن استقرت الإبرة حتى أخذت الخشخشة تنتشر في أرجاء الغرفة، كأنها تمهيد خافت لبعثٍ وشيك. في خلفية هذا الصوت ظهر صوتٌ آخر: زكريّا أحمد، الذي شغل مكانًا في التخت بسبب كونه ملحّن الأغنيّة، فقام ينادي: “صالح أفندي عبد الحي”، كإعلان افتتاح التسجيل، ثم انطلق كمان سامي الشوا، يعقبه قانون عبد الحميد القضابي، في آداء دولاب البياتي، كي يرسّخ الإطار النغمي قبل دخول الغناء .

بدأ صالح في تشنيف الآذان مؤديًا المذهب: “أبوها راضي وانا راضي / مالك إنت ومالنا يا قاضي.” لم يلبث طويلًا حتى بدأ في غناء الغصن الأول:

البنت سن ١٣ / والوش قمر ١٤
والجسم ما شا الله راخر / ميفتش من بيت القاضي

عند الاستماع الأول، قد يُفهم هذا التعبير على نحوٍ مجازي؛ فيُظن أن سن ١٣ توصيفٌ دارج للجمال أو النضارة، على نحو ما تحتفظ به العامية من بقايا تعبيرات لم يعد معناها الحرفي حاضرًا. غير أن التمعّن في سياق الكلمات وأحداث تلك الفترة، خصوصًا بعد إرساء دستور عام ١٩٢٣، ومقارنتها بغيرها من نصوص الفترة، يكشف أن الرقم كان إحالةً مباشرة إلى سن الفتاة، ويتأكد ذلك مع سماع ما تبقّى من الأغصان.

يكمل صالح عبد الحي: “یا ست أبوكي ظلموكي / وفي الشوارع هملوكي / وبالمناظر بهلوكي / والوالي عارف والقاضي / البنت بتشوف الزفة / تفرح وهي في اللفّة /  وتقول عريس أختي خفّة / وتبيضّ على ما يجي القاضي / اكتب كتابها وطاوعني / واوعى يا قاضي تلاوعني / ولا انت عايز بقى يعني / دایمًا نشاكي ونقاضي.”

تعكس هذه الأبيات رؤية شعبية ترى الزواج المبكر جزءًا طبيعيًا من دورة الحياة، وتتعامل معه كامتداد بديهي للنشأة الاجتماعية، لا خيارًا مؤجلًا أو محل تردد. كما تكشف صورة الطفلة التي “تفرح وهي في اللفة” بالزفّة عن تشرب مبكر لقيم الزواج، حيث يتحول إلى أفق متخيل يُغرس في الوعي منذ الطفولة. في المقابل، تُصوَّر البنت التي تُترك بلا زواج باعتبارها عرضة للانكشاف والضياع، كما في “في الشوارع هملوكي”، وهي عبارة تشير إلى فقدان الغطاء الاجتماعي الذي يمنحه الزواج.

من خلال مخاطبة القاضي بنبرة استعجال ورفض للمماطلة، يتشكّل صوت ساخر يميل إلى اعتبار التعطيل أمرًا غير مفهوم، ويُحمّل الإجراءات مسؤولية التعقيد الذي يطرأ على مسار يُفترض أنه يسير بسلاسة. بهذا، ترسم الأبيات عالمًا تتحدد فيه قيمة الزواج بقدرته على توفير الحماية والاستقرار، بينما يُنظر إلى تأخيره بوصفه خللًا في انتظام الحياة الاجتماعية أكثر منه اختيارًا مشروعًا.

يمثّل الجدل الذي دار في مصر عند صدور قانون تحديد سن الزواج في ديسمبر ١٩٢٣ لحظة كثيفة في تاريخ التشريع الاجتماعي الحديث، إذ تلاقت فيه سلطة الدولة مع ميراث الفقه الإسلامي. صدر القانون بصيغة حذرة لا تقضي ببطلان الزواج دون السن، وإنما تمنع المحاكم من سماع دعواه.

انقسم حول هذا التمييز كبار رجال الدين؛ فبينما رأى شيخ الأزهر محمد أبو الفضل الجيزاوي أن الفقه الحنفي يجيز تخصيص القضاء تحقيقًا للمصلحة ، عارض مفتي الديار الأسبق محمد بخيت المطيعي القانون من منطلق أن تقييد الزواج بسن محددة يناقض مفهوم البلوغ كما قرره الفقهاء بعلاماته الطبيعية لا بالأعمار المجردة .

تكشف هذه المواقف أن الجدل كان نزاعًا داخل الحقل الشرعي نفسه بين توظيف أدواته في تنظيم الواقع وفق المصلحة، والتمسك بمفاهيمه المستقرة خشية أن يتحول التنظيم إلى منع فعلي. من خلال هذا السجال تتضح لحظة إعادة تعريف العلاقة بين الشريعة والقانون في مصر الحديثة؛ التي شهدت عليها طقطوقة عبد الحي.

العودة إلى المكتب

بعد نهاية الأسطوانة الأخيرة، اكتفى علي من السماع، فقام في حالةٍ شعوريّةٍ نوستالجيّةٍ لم يشعر بها منذ فترة طويلة. أحس علي أن الأسطوانات التي اختارها كانت تروي مراحل حياته؛ بين تجاربه المريرة في التخرّج بدون عمل أو إدمان الكوكايين، وبين الصدمات الحضاريّة المتمثّلة في القضايا التي عاصرها.

شهد علي تغيّر المجتمع وتغيّر نفسه؛ حيث أنّه، حتّى بعد التخبّط الشديد الذي لاقاه بعد التخرّج ثمّ تجربة الإدمان المريرة، وجد نفسه يستقرّ نوعًا ما، وغدت حياته تأخذ مسارًا روتينيًا لم ينكسر إلا في تلك اللحظة التي قرّر فيها أن يتصفّح أوراقه القديمة.

رَسْم من جمعية الهلال الأحمر المصري الأهلية لمكافحة والتحذير من خطر المخدرات، نُشِر في مجلة الدنيا المصورة في عددها الـ٥٨ الصادر بتاريخ ١ مايو سنة ١٩٣٠ (مع الشكر لحسناء)

عاد علي إلى مكتبه، وبدأ بالنظر إلى كتاب المغنى المصريّ الجديد، لكن هذه المرّة بنظرة ألفةٍ لا استغرابٍ كبادئ الأمر. أحسّ علي بمشاعر متضاربةٍ، كأنّه يريد توجيه الشكر إلى مجهولٍ على تلك التجربة التي أعادت ترتيب خبراته الحياتية في دقائق، لكنّه لا يعلم من يستحقّ الشكر أوّلًا: أيكون عبد الحكيم محمود، الذي جمع ورتّب كتاب المغنى المصريّ الذي أثار فضوله؟ أم أنّه يريد شكر صالح عبد الحي، الذي كان صوته خير صديقٍ في تلك الليلة الحافلة؟ أم أنّه يريد توجيه الشكر إلى غافريلو برينسيب، القوميّ الصربيّ الذي اغتال ملك النمسا فرانتس فرديناند، وأصبح بذلك شرارة الحرب العالميّة الأولى التي غيّرت مسار الغناء المصريّ جذريًا؟

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف