أصاب الوسط الصحافي والموسيقي في الآونة الأخيرة وباء ترويجي لفكرة الوصول إلى العالمية، وأصبح مصطلح “going global” يظهر في كل مكان عند الحديث عن الموسيقيين العرب؛ دون سياق أو وعي أو نقد لتداعيات تأثيره.
يطرح هذا المقال عدة أسئلة حول سبب تفشي هذا الخطاب، وحول الهدف والسعي للعالمية؛ إضافةً إلى رؤية الفنانين العرب لذاتهم وفنهم، ورؤية الصحافة المنشغلة بالشأن العربي من ناحية، وجمهور الفنانين العرب وموقعهم في خريطة الفن العالمية من ناحية أخرى.

كشف طوفان الأقصى وما تلاه من أحداث عن قناعات الغرب الحقيقية تجاه العرب، وانهارت “القيم” التي لطالما بشر بها المجتمع الغربي وتبناها كمعايير مثلى؛ فتبين أنه لا وجود فعلي للقانون الدولي أو حقوق الإنسان، ولا قيمة لحرية التعبير والحريات عامةً طالما لا تفيد المنظومة الاستعمارية وسياسات الرأسمالية الليبرالية.
مع سقوط المبادئ الغربية الليبرالية وزوال هيمنة الغرب الثقافية تدريجيًا، ومع رؤيتنا للمقاومة في غزة وخارجها بالتوازي، كان من الطبيعي أن تتمدد تلك المقاومة إلى الفنون والثقافة في منطقتنا، وتظهر أعمال متمسكة بهويتنا ومنبثقة منها. على الرغم من وجود بعض التجارب التي حملت تلك المقاومة، ظهرت موجة فنية، وموسيقية بالأخص، تطمح إلى الحصول على اعتراف غربي بأي شكل، عن طريق صناعة موسيقى بأهداف عالمية مجرّدة من سياقها الثقافي والسياسي والتاريخي.
تلعب تلك الموجة على جماليات الهوية العربية فقط دون الاشتباك مع ما تحمله من أفكار وقيم ومقاومة، فتصبح الهوية عنصرًا جماليًا فقط. نجد في تجارب هذا التيار غناءً بالإنجليزية أو إقحام فيرسات بلغات غربية كما نرى في موسيقى سانت ليفانت وإليانا وفلوكة وغيرهم بهدف الوصول إلى جمهور غربي.
عززت تجارب مثل ساينت ليفانت وإليانا وديستانكت من هذا التوجه عن طريق توظيف نفسها كممثل للموسيقى العربية في الغرب، وأنها تضع بالتالي الموسيقى العربية على الخارطة العالمية؛ ويمكن القول إنها نجحت بالفعل في ترسيخ هذه الصورة في الخارج والداخل أيضًا. لكن مع تحليل تلك التجارب نجد ضحالة في رسالتها السياسية والثقافية، وأن كل ما تحققه هو التغذي على جماليات الهوية العربية، وتوظيف اللغة والهوية البصرية كأدوات، وإعادة قولبتها لتكون موجهة بالأساس إلى عين غربية مستشرقة.
حدثت نجاحات ساينت ليفانت وإليانا بالتحديد مباشرة عقب طوفان الأقصى، وكان أوضح ما ظهر في التجربتين هو إعادة توجيه كاملة لمشروعهم الموسيقي ليكون متمحورًا حول أصولهم الفلسطينية بدون احتكاك فعلي مع المحيط الجغرافي الغربي الذي يعيشون فيه، محققين نوعًا من المعادلة الآمنة. كانت النتيجة موسيقى ناعمة منقحة من أي شيء يمكن أن يهدد نجاحها في الخارج.

إذا اعتبرنا تلك التجارب عالمية بالأساس كونها نشأت في الخارج ثم أتت إلى الداخل، فإن هذا التيار يمتد أيضًا إلى التجارب المحلية المتأثرة بهذه الموجة وبفكرة الوصول إلى العالمية. على سبيل المثال، نلاحظ هوس بعض الفنانين العرب المحليين بالاعتراف الغربي في كل موسم لجوائز الجرامي، حيث تمتلئ السوشيال ميديا بمنشورات فنانين يحتفون بقبول أغانيهم للجرامي، وهو أمر مثير للشفقة على أقل تقدير، فتقريبًا، بنسبة ٩٩ بالمائة، تقبل الجرامي أية أغنية مقدمة لها، ولا يعني هذا أنها ستدخل الترشيح أو ستتخطى مرحلة التقديم. يبرز هذا الطقس السنوي المحرج فكرة اللهاث خلف التقدير الغربي والتعامل معه على أنه أسمى سبل النجاح والتقدير.
تزيد شركات الإنتاج الأجنبية في المنطقة ومنصات الاستماع مثل سبوتيفاي وغيرها من هذا الهوس وتدعمه وتروج له، فنجد تقريرات شبه دورية أبرزهم تقرير الاتحاد الدولي للصناعات الصوتية (IFPI) الذي يفيد بأن المشهد الموسيقي العربي هو الأكثر صعودًا عالميًا. كما نجد مبالغات ترويجية من سبوتيفاي وشركات التسجيل الأجنبية من أمثلة “الموسيقى العربية تجتاح العالم”. مبالغات ذات نبرة ترويجية فقط مهووسة بفكرة التصدير للخارج، وتتعامل مع المشهد كسوق تجاري بحت.
إن كان من الطبيعي أن تتعامل الشركات مع الموسيقى بمنطق السلعة وتروّج لفكرة تصديرها، فالمشكلة الأكبر تأتي من الصحافة. حيث تحتفي عدد من الصحف والمجلات في المنطقة – أغلبهم من الصحافة المتحدثة بالإنجليزية التي تغطي الشأن العربي – بتلك الموجة وتشجعها، ويجري إقحام مصطلح الذهاب للعالمية عند تناولهم لأي من تلك التجارب أو ما يشبهها، وأحيانًا يجري إقحامه عند تناول تجارب محلية بحتة.
نجد عناوين مقالات مثل “ويجز يأخذ الراب المصري إلى العالمية”، و “ديستانكت يأخذ الثقافة المغربية إلى العالمية”، “إليانا تذهب للعالمية مع كولد بلاي”… إلخ. يوظف هذا الخطاب الوصول للعالمية كهدف وغاية وصك النجاح، مجرّدًا التجارب الموسيقية العربية من سياقها المحلّي، فتصبح محلّيتها عنصر ثانوي وبذلك يجري تهميش الجمهور المحلي الذي يعد الوقود الأساسي لأي فنان.
كما يتسرب هذه التوجه أيضًا إلى الصحافة النقدية؛ فبجانب ترويجها لفكرة العالمية كصك نجاح، تستخدمها كدليل على القيمة أيضًا، وهي مغالطة أخرى، حيث أن جزءًا كبيرًا من تلك التجارب التي يجري تصديرها تعمل على فكرة واحدة تقريبًا وهي تنقيح وبرد الجماليات المحلية وتسطيح محتواها لتناسب الغرب وتشبهه.

يمتد هذا الاحتفاء إلى الجمهور العربي أيضًا، فيظل هناك اعتقاد عند الكثيرين بتفوق الغرب في معايير الجودة، ونجد احتفاءً مبالغًا فيه مع أي نجاح لفنان عربي في الغرب، أو استخدام عينة موسيقية عربية من فنان غربي، وهو ما حدث مؤخرًا مع استخدام يي لأغنية فايق عليا لفيروز. السؤال هنا: هل ننتظر من يي تأكيدًا على تأثير وجودة فيروز في منطقتنا؟ بالطبع لا، فتاريخ يي بأكمله لا يقارن بحقبة واحدة من تاريخ فيروز الموسيقي، لكن على الرغم من ذلك تظل عقدة المستعمر في عقل الجمهور والصحافة العربية .
إن كانت النية هي صناعة فن عربي موجه للغرب، فهذا لا يدل على شيء إلا خلل في الرؤية، وينم عن عقدة دونية مترسخة في وعي الفنان والصحفي الذي يدفع هذه الفكرة. هي عقدة تحفز السعي لاعتراف غربي دون الأخذ في الاعتبار المخاطر التي تأتي مع هذا التوجه وتأثيره.
أما إن كانت النية صناعة فن مقاوم ومرتبط بسياقه العربي والمحلي ومنبثق منه، وهو الأقرب للمنطق في ظل ما يحدث حولنا، فإن الحديث عن الذهاب للعالمية يصبح بلا معنى. لأنه لا يمكن السعي لـ “العالمية” دون تجنب كل ما ذكر، ودون المخاطرة بالمنتج الفني نفسه وتجريده من سياقه.
لو نظرنا إلى التجارب الفنية والثقافية العربية التي حصلت على تقدير دولي حقيقي مثل نجيب محفوظ وأم كلثوم على سبيل المثال، كانت تجارب غارقة في المحلية، ونابعة من سياقها الثقافي والسياسي العربي، ولا تقدم أي تنازلات في سبيل اعتراف الغرب بها. لم يكتب نجيب محفوظ للغرب، ولم تغن أم كلثوم للغرب، وأتى التقدير الدولي في تلك الحالات من فضول خارجي نابع من جودة المنتج الفني والثقافي وارتباطه الوثيق بسياقه المحلي، لم يكن تسويقًا ثقافيًا أو متاجرة بالهوية بهدف اعتراف غربي.
هناك مصطلح في الأوساط الأكاديمية، خاصة في دراسات ما بعد الاستعمارية يسمى بالمرشد المحلي “Native Informant”. يشير هذا المصطلح إلى ديناميكية قوة غير متكافئة حيث يقوم الشخص المحلي بترجمة ثقافته للغرب، ما يضفي الشرعية على أنظمة المعرفة والثقافة الغربية على حساب ثقافتهم الخاصة؛ ويُستخدم أحيانًا اليوم كعلامة ازدرائية في الدراسات ما بعد الاستعمارية لوصف الأشخاص الذين يتبنون وجهات نظر غربية ويسوقون ثقافتهم الخاصة لتحقيق مكاسب شخصية أو لتعزيز الصور النمطية التي تشبع فتيشية الغرب.

بالنظر إلى موجة “العالمية” الحديثة التي نراها الآن في الأوساط الموسيقية، نجد أن كل من يشجع فكرة الوصول للعالمية ويروج لها – سواءٌ كانوا صحافيين أو فنانين أو جمهور – يندرج تحت وصف المرشد المحلي؛ فالعملية هنا هي بالأساس تسويق ثقافي للهوية العربية ليس إلا.
مثلًا، بعد النجاح الساحق الذي حققه باد باني، يُنظر إلى تجربته على أنها نموذج تحقيق الوصول للعالمية. لا شك أن تجربة باد باني تستحق الإشادة والتقدير على مستويات عدة، فالرابر البورتوريكي رفض التنازل عن لغته، فغنى بالإسبانية وتمسك بجماليات هويته بدون محاولة قولبتها لترضي الجمهور الأمريكي، كما رفض تعلم الإنجليزية، ومع ذلك حقق نجاحات غير مسبوقة في الولايات المتحدة بالنسبة لفنان لا يتحدث الإنجليزية. لكن تجربة باد باني تحمل أبعادًا سياسية وجغرافية مختلفة تمامًا لا يمكن القياس عليها، فبعيدًا عن أن بورتو ريكو تقع تحت مظلة الولايات المتحدة، قد جرى احتواء تجربته من قبل التيار الليبرالي الذي يتحكم في صناعة الترفيه والموسيقى، وبالتالي حدث نجاحه في أمريكا فقط وليس على صعيد عالمي كما يروج له ويقاس به.
لم نر أيًا من الفنانين الذين ذكرناهم سابقًا يريد الوصول إلى الهند على سبيل المثال، أو جنوب إفريقيا، أو أمريكا اللاتينية، لا يريد هذا لأنه يحمل، واعيًا أو دون وعي، نفس المنظور الأمريكي الغربي بأن أمريكا هي المركز وأنها المعادل للعالم. يظهر هذا النمط تقريبًا في معظم المناطق التي سبق استعمارها من الغرب، فنجد عناوين مماثلة في الهند وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، ويأتي ذلك الخطاب عادة من أذرع الصحافة الغربية في تلك المناطق.
هذا الخطاب في جوهره هو إعادة إنتاج لثنائية المركز والهامش، التي قُتلت بحثًا وتفكيكيًا من قبل مفكري ما بعد الاستعمار وأبرزهم إدوارد سعيد. لا تزال أفكار سعيد حاضرة اليوم وتكتسب أهمية بالغة في تحليل وفهم خطاب العالمية. يرى سعيد أن العالمي دائمًا ما يأتي على حساب المحلي، واستفاض في كتاب الاستشراق عن إعادة إنتاج السردية الغربية من الداخل. بأخذ أفكار سعيد وبالنظر إلى هذا التيار، فإن ما يحققه هذا التيار في حقيقة الأمر هو عملية استشراق ذاتي تنتج منظورًا غربيًا مريضًا إلى الذات والهوية.
عندما تكون سياسات التمثيل محركًا للفن، ويكون الهدف من إنتاج الفن هو تسويقه للخارج فإنه يفقد أصالته وجذوره المحلية، لأنه بالضرورة سيكون هناك تنازل ويكون الفنان مضطرًا لإعادة قولبة هويته وكل ما تحمله من أبعاد وتعقيدات إلى منتج فني سطحي لكي يفهمه الغرب. ليس التقدير الدولي في حد ذاته شيئًا مكروهًا، لكن السعي له كهدف هو أساس المشكلة. إن أتى التقدير فلا يضر، وإن لم يأت فهو لا يلعب دورًا حقيقيًا في أهمية الفن ونجاحه.
