نُسمّي المهرجانات بأسماء مؤديها؛ فنقول مهرجان حمو بيكا أو مهرجان عصام صاصا، ونحفظ أسماء الموزعين مثل دي جاي ساسو وفيجو الدخلاوي وكيمو الديب وماندو العالمي، لأننا نسمع أسماءهم قبل بداية المهرجان. لكننا في الغالبية العظمى من الأحيان لا نعرف من كتب المهرجان نفسه إلا إذا تكرر داخل الأغنية، مثل: “كتب كلامنا الشاعر الفاجر”، فنحفظه كجزء من المهرجان؛ أو إذا كان الشاعر هو نفسه المغني مثل زيزو النوبي وفيلو وحودة ناصر (شاعر الغية).
ربما في لحظة ملل أو فضول نضغط على خانة الوصف في يوتيوب لنعرف اسم المؤلف، لكننا سرعان ما ننساه، لأنه لا يتكرر حتى في أخبار المنع والشطب الرقابية. إذ لا نسمع عنهم شيئًا رغم أن أسباب المنع الرئيسيّة هي الكلمة غير المناسبة لـ “قيم الأسرة المصرية”، فأين نصيب كاتبها من الشهرة السلبية حتى؟
كاستلو، شمس الناسف، عبده روقة، إسلام المصري، مصطفى الجن، حودة الجوكر، وعمر آي دي وغيرهم من كُتّاب المهرجانات؛ كتب كل منهم ما لا يقل عن خمسين مهرجانًا، وساهموا في تغيير وتطوير جلود المؤدين وبزوغ مؤدين جدد. أدخلوا تراكيب لغوية معقدة، واخترعوا إيفيهات على الجملة الشعرية الغنائية، بجانب تغييرهم ولعبهم في بنية المهرجان. منهم من كتب خطابًا سياسيًا واجتماعيًا، ومنهم من كتب قصصًا كوميدية أو فانتازيا أكشن.
مرّ أكثر من عشرين عامًا على إصدار أول مهرجان، مهرجان السلام، الذي تبعه تصاعد إنتاج المهرجانات تدريجيًا ليبلغ ذروته خلال السنوات العشر الأخيرة. كما يحدث في المعامل البحثية، قرأنا العديد من المقالات التي تحلل وتفكك التوزيع والحالة الكلية للمهرجان من منظور اجتماعي وعدسة أنثروبولوجية، وكأنّ فنيات الكتابة وتطورها لا يليق بها أن تُحلل وتُرى من منظور نقدي.
لا يمكننا قصر فضل تطور المهرجانات وانتشارها على التوزيع، خاصةً عند النظر إلى كلمات المهرجانات بعد عام ٢٠١٦، حيث برزت فنيات الكتابة ومرونتها وسرعتها في التطور والتكيّف مع ما يريده سميعة الشارع وما يريده المستمع المحافظ؛ فإلى جانب استعانة كُتّاب المهرجانات بكلام الشارع، وضعوا قواميس وتراكيب جديدة أصبحت لغة للشارع ومرجعًا للسينما والتلفزيون.
من الصعب تتبع كل من كتبوا المهرجانات وتحليل فنيّاتهم؛ إذ هناك من ظهر واختفى بعد أن كتب مهرجانًا أو اثنين، وهناك من قرر أن يتجه للبوب، والكثير منهم أعاد إنتاج ما نجح وصعد إلى التريند. كما أن جزءًا كبيرًا من المهرجانات قبل عام ٢٠١٦ غير مؤرشف، أو غير معني بكتابة أسماء الكُتّاب، وأحيانًا الموزعين الذين لولا ذكرهم في المهرجان نفسه لما عرفناهم. ربما يُذكر اسم الكاتب في قناة أو صفحة ما لكن لا سبيل للتأكد أنه المبدع الأصلي؛ لأن بعض الإيفيهات والألعاب اللغوية في حقبة ما تكون مكررة، فيصعب استنباط اسم مبدعها الأول.
لذلك، أركّز على من يسهل التأكد من أسمائهم على المهرجان، وبالأخص من ظلوا متمسكين بتلك الصنعة وطوروا فنياتها ومواضيعها، رغم تغير سوق المهرجانات واستبعادها لمواضيع وألعاب واستدعائها لمواضيع وألعاب أخرى.
في بطن الحوت المسمى حارتنا
تحدد الثيمة والموضوع شكل الكتابة واللغة؛ وبما أن المواضيع في المهرجانات تتمحور حول العنف، غدر الصحاب، خيانة الحبيبة، الفانتازيا الشرطية، السجن والفراق، الأخوّة، الفقر، الجوع، الفساد، الثورة، وزرع أسس الأداء الذكوري المثالي، فإن تلك الثيمات لم تتغير على طول تاريخ كتابة المهرجانات وإنتاجها، لكن طريقة كتابتها هي ما تغير.
بين عامي ٢٠١٠ و٢٠١٦، كانت الكتابة على شكل خطاب موجه من الذين في الأسفل إلى الذين في الأعلى، وهذا ما نسمعه عند فيلو وحودة ناصر، وزيزو النوبي ككُتّاب ومؤدين؛ وبما أنه خطاب، فيجب أن يكون بسيطًا، ومكتوبًا بزمن الحاضر أو بزمن دائري، حتى لا يفقد الخطاب حماسته.
يفسر ذلك أن مهرجانات تلك الحقبة بالذات تتقاطع في أن أحداثها تجري في حيز مكاني واحد وضيق وهو الحارة. لذلك كان بوسع الجميع أن يستمعوا إليها ويفهموها لأنها تدور في مكان واحد شبه فانتازي وشبه واقعي.
على سبيل المثال، في حالة مهرجانات الدخلاوية، سواءٌ من كتابة فيلو أو حودة ناصر مرورًا بزيزو النوبي، الذي خرج من مدرسة فيلو قبل أن يؤسس فرقته (فريق الأحلام) مع بُنوا وحمو صبحي كمؤدين ومساعدين في الأفكار والكتابة، نرى العالم من منظور أناس خرجوا مضطرين خارج الدخيلة أو الحارة المتخيّلة. كما في مهرجانَيّ المنشية والسبع بنات الجزء الثاني وإتحاد القمة من كتابة حودة ناصر، ومهرجان مملكة الشارع من كتابة فرقة مافيا الشياطين وعمر آي دي.
هذا ما جعل الجزء الأول من حقبة المهرجانات مليئة بالحكم، لأن مهمتها الأساسية هي إعطاء المستمع مانيفستو للتعامل الاجتماعي. لذلك تأتي الحكمة من خارج المكان الذي يعيشون فيه كطبقة خاضعة تحاول تدبّر أمرها ونقد الطبقة المهيمنة؛ لكن تظل كل الأماكن هي حارتنا التي رأينا فيها “ناس غلابة بتموت م البرد وناس متغطيين بالورد.”
أحيانًا يجري تغيير اسم المنطقة بسبب إحياء فرح أو ليلة، لكن ذلك لا يغيّر المساحة المتخيّلة للجغرافيا وما بها من حكم ودروس. بين عام ٢٠١٢ و٢٠١٣ مثلًا دخلت أسماء مناطق المنتزه، وادي القمر، العطارين، وبقيت الدخيلة أيضًا. نرى ذلك في مهرجانَيّ اتحاد القمة وفرحة على القرموط وفرحة أحمد الدكر لـ فيلو وتوني وتيو وشاعر الغية. تعكس هذه الأماكن قسوة الدنيا والأحلام المؤجلة، أو الأوهام بسبب مرور العمر سريعًا بسبب المخدرات، بالإضافة إلى فلاش باك بسيط لاستخلاص حكمة من الفقر ورمنسته أحيانًا حتى يلائم الرقص والزيطة.
شاعر الغية والدخلاوية
من الصعب فصل فيلو الذي كوّن فرقة الديابة الستة واتحاد القمة والدخلاوية عن حودة ناصر شاعر الغية فيما يخص الكتابة، إذ بدأ تعاونهم مبكرًا في اتحاد القمة ثم الدخلاوية ثم توينز الشظية، حتى استقل ناصر ككاتب ومؤدٍّ مؤخرًا. كتب ناصر وفيلو سويًا وبشكل متداخل، فلا نعرف أي شطر تدخل أو كتبه فيلو وأيهم كتبه ناصر، خاصةً في المهرجانات المبكرة.
مع مهرجانات ما بين عامي ٢٠١٣ و٢٠١٤ يمكن أن نستشف ابتعاد فيلو عن الكتابة بشكل حساس أو رومانسي، بالتزامن مع تجربته الفاشلة أن يكتب ويغني أغاني بوب رومانسية. إذ ينطوي أسلوب فيلو على كلمات بسيطة وحماسية، شاعرية أحيانًا، كما في أغنية كل اللي فات بنكهة المهرجانات، مع قوافيه التي تُخدّم على اللحن والتوزيع حتى وإن كانت لا تتسق مع القصة.
نجح فيلو بقوة حينما كتب مهرجان حكاية الصحاب الذي يعتبر من أوائل المهرجانات المتماسكة ذات القصة. جاء المهرجان بعد فترة من الموالد ذات أسلوب الكتابة العشوائي، إذ تقوم على فكرة الهلس لإحياء قعدة أو ليلة للعريس. يغني فيلو في حكاية الصحاب مع أخيه اللول السبع، الخارج لتوه من الحبس، ليسترجع معه لوعة فراق الإخوة داخل الزنزانة؛ فيحكي لنا فيلو من خارج الزنزانة ممسكًا بصورة أخيه المسجون، يسأله ويُسائله: “إيه رماك على كدا يا خويا / ما انا ياما حذرتك م الصحاب.”
ما يحدث في هذا المهرجان هو النقيض تمامًا لطبيعة الشعر الغنائي، فالبناء هنا يطمح ليكون قصيدة نثر تعتمد على سرد متصل يُسلّم فيه كل مشهد للمشهد التالي دون فراغات يتنفس فيها الإيقاع، وإن كان يحافظ على قوافٍ متطابقة ونهايات متشابهة لجذب أذن المستمع.
هذا ما نجده في مهرجان حكاية الصحاب ولا نجده في حكاية الصحاب الجزء الثاني، الذي يمكن أن نتخطى منه دقيقتين أو ثلاثًا دون أن يختل شيء. نلمس في المهرجانين طريقة أقرب للمواويل بجمل طويلة وقافية ممدودة وقوية، بسبب رثائها لحال شخص حيّ لكنه يعيش عيشة الأموات طالما أنه مسجون.
الزمن في حكاية الصحاب هو الحاضر، حتى في وقت استرجاع الماضي نشعر كأن المهرجان يُكتب في لحظة غنائه. نصبح بذلك مستمعين ومتلصصين أيضًا على رسائل بين أخ وأخيه، يتحدثان بحميمية ووجع لا نجدهما في الجزء الثاني من كتابة حودة ناصر، الذي يبدو الزمن فيه غير ممسوك. تلك نقطة بقي حودة عاجزًا عن التمكن منها، وبقي الزمن عنده مشوشًا.
بعد ما كانت روحي فيك بقوم من نومي وانا مش لاقيك وابص في صورتك واسرح فيك واقول فينك دلوقتي يا خويا يا رتني عارف فين أراضيك
تلا ذلك مهرجانات كثيرة كتبها حودة ناصر مع فيلو، أحيانًا يغني، وأحيانًا أخرى يكتفي بالكتابة. لكنه قلل من مثالية فيلو الشاعرية، وأضاف كلمات خشنة وقوية، وصورًا تشبيهية، وقوافٍ معقدة تجعلنا نقف عندها؛ كما في مهرجان العو حضر من ألبوم الضجة في عام ٢٠١٤، الذي انشغل بالعنف وبالفرتكة بالسجع لأجل الإفيه، مستخدمًا جملة طويلة تتبعها جملة قصيرة، ثم جملة طويلة أخرى. إذ تبدأ الكتابة بتمهيد، ثم تتصاعد الجملة لتُخلّق أكثر من إيقاع، نظرًا لأن توزيع فيلو الموسيقي كان يعتمد على إيقاع واحد رتيب لا يتغير، فيوازن تدفقُ كتابة ناصر ذلك المللَ الموسيقي.
في الدنيا ناس تعبانة في الدنيا ناس مرتاحة وناس واخداها سياحة وأدم نزّلنا الأرض علشان قطف التفاحة
كما ينشغل ناصر بالصورة الكبيرة لا الحارة الضيقة فقط، والتي ظلت حاضرة معه حتى عندما استقل عن فيلو وغنى مهرجانًا يلف به مع مكنته البطة مدينة الإسكندرية واصفًا كل شبر فيها. جعله ذلك الانشغال يضيف انعطافات في السرد، كما في مهرجان السبع عظماء أو ألبوم الضجة وألبوم الانطلاقة. الانعطافة في السرد غير المبررة هي ما تميّز كتابة المهرجانات بالأساس، بمعنى أن نحكي حكاية متماسكة ثم بلا مقدمات نحكي أو نعلّق على شيء آخر وبشكل متماسك، ثم يُختم المهرجان دون ربط المواضيع ببعض، إنما باستخلاص حكمة أو التوكيد على انحياز لخطاب اجتماعي بعينه كما في مهرجان اسبارطة المنشية. حافظت المهرجانات على ذلك التكنيك لكن مع استحداث أساليب حماسية وطازجة أكثر.
يُعد كل ما كتبه حودة ناصر وفيلو سويًا مهرجانات حكائية مرحة، هدفها الأول والأخير الانبساط حتى يأتيهم شغل في الأفراح. مهرجانات بنيتها بسيطة مثل مقدمة أو موال قصير، مع لازمة مكررة، بردود بينية داخل الفريق لإشعال الحماس، بالإضافة إلى كوبليهات قصيرة من قصص متعددة، ولغة عفوية خادمة للتوزيع والطبلة، مع الكثير من السلامات حتى لا يتوه المستمع عن الرقص.
زيزو النوبي هيفتح القاموس
أنا زيزو النوبي لما بخطط بضرب طلقة الكل بيتقمط شارعنا اللي يتكبر فيه يتعفط اسمي لوحده في الساحة بيشقط
قبل أن يؤسس زيزو النوبي فريق الأحلام في أواخر ٢٠١٣ ككاتب ومغنٍّ رئيسي مع حمو الشبح وأشرف بنوا، كان تحت عباءة فيلو. أسس فيلو فرقة الديابة الستة وضم إليها النوبي مع طارق المرعب وحمو العربي، وكتب زيزو للفرقة أهم وأكمل مهرجان في مسيرته، مهرجان الديابة الستة ولعبة الرجولية. دائمًا ما أتمنى أن تكون الفانتازيا داخل المهرجانات مثل مهرجان الديابة الستة؛ خيال بسيط وخاص بأساطير منطقة بعينها، خيال مباغت لكنه مألوف ويمكن استيعابه. حتى الجزء الثاني من مهرجان الديابة الستة، لعبة الأحلام، يستكمل خط الخيال المباغت ويزيد فيه الإيفيهات.
يقدم زيزو في الديابة الستة وفي معظم المهرجانات نقدًا شعبيًا، كما في مهرجان هتروحوا فين من ربنا. يحاول أن يكون حياديًا أثناء نقده، فيقف على مسافة قريبة من كل شيء وكل شخص حتى يرى بعين صادقة. في مهرجان الديابة الستة ولعبة الرجولية ينتقد الرجولة ويحاول ترسيخ أركانها، يخترع لها امتحانًا لكشف الرجل الحقيقي ومعدنه. جزء من الذكورة المثالية التي يتطلع إليها النوبي، وحودة ناصر أيضًا، هي أن تكون سببًا في إمتاع منطقتك.
عند النوبي وناصر وفيلو وزياد الإيراني رجولة مؤكدة، لم يكن هناك الاحتياج الرهيب لتوكيد الرجولة والذكورة، كانوا شبابًا مشغولين بأحوال الشارع ومدركين قيمتهم وغير مهتمين إلا بتذكير الخصم أنهم ساعة الخناق يستطيعون، ولكنهم اختاروا الفرحة والرقص، وتكبير الدماغ.
يدفع النوبي تلك الرجولة المؤكدة وطاقة العنف ليردد الثنائيات والمقارنات في مهرجاناته: الفقر والغنى، الجشع والرضا، الأكل والجوع، ثم يرمي بعدها مساءلة لأشخاص غامضين ومهيمنين يقفون أمامه؛ لأنه لا يسعى لتفكيك أو حل التناقضات إنما الإشارة إلى ما يراه ويزعجه.
ناس تموت علشان معهاش ناس تعيش ما بتحسبهاش ناس اكلها بتلعب بيها وناس تلاعبها وما تطولهاش راح فين حق الضعيف؟
يحضر الزمن عند النوبي بشكل دائري، فننتهي من حيث ما بدأنا، لأن المهرجان عنده فكرة أو مبدأ يجب تكريسهما. بينما نحن نلف داخل دائرة الحكاية معه، يوقفها ويركز بالتفصيل على مشهد بعينه، وأهم ما في ذلك ما يدور داخل البطل وإحساسه بالمشهد ومشاعره تجاه ما مر به.
في مهرجان الغرقانة عمالة بتلف لفريقه فريق الأحلام، يتورط أحد أبطال الحكاية في قعدة حشيش ويورطنا معه، فنسمع جملًا طويلة جدًا بقوافٍ ساكنة تشعرنا بالخنقة، لنلف مع الغرقانة ومع دماغ البطل التي خفّت ولا ينقذنا سوى التوزيع المفرفش من خنقة الدخان.
يأتي المكان عنده كمسرح وكفرصة كبيرة لقول ما يريده لأكبر عدد ممكن، ما يفسر إخلاص زيزو لفكرة الخطاب السياسي؛ فإن كان فيلو وحودة ناصر هدفهم أكل العيش والاستمتاع وإمتاع الناس، فإن هدف النوبي كتابة شعر جاد يريد خدمة مستمعيه، أي الانحياز للغلبان وأن يكون لسان حاله ضد السلطة والحاكم كما في مهرجان هنغني شعبي. جزء من خطاب النوبي السياسي العفوي هو الاشتراكية المثالية، ففي كتابة النوبي الاشتراكية يمكن أن تتحقق حينما يأكل الجميع، ويعم الحب بين الناس وتقسم الثروات بالعدل.
ينشغل زيزو بالحِكَم كأخ كبير رغم أنه أضعف جزء لغوي عنده. إذ تأتي حكمته مباشرة وتقريرية، فكلما انشغل بالحكمة أو الدلالة أو الدفاع، تنازل عن قاموسه.
ما فيش إنسان معصوم من الغلط بس بلاش تتمادى في الغلط هنذيع ونقول حكاوي م القعدة على القهاوي وكمان تكون مستمع واحنا لساننا يكون الراوي ع الناس جواها وجع مش لاقين دكتور يداوي
حجر الأساس في كتابة النوبي هي الواقعية اللذيذة، والآملة. تشبه مهرجاناته أفلام عادل إمام التي كتبها له وحيد حامد؛ كوميديا داخل عرض قضية اجتماعية. هذا نفس الشكل الذي ينتهجه النوبي؛ هلس داخل الجد، هموم يجب أن نناقشها كما في العيان والميت والحاكم والمحكوم، فيتحدث عن أحوال البلد والظلم من القضاة ووكلاء النيابة والجوع، والقيمة سواء الإنسانية أو المادية للأشياء والأشخاص. جمل طويلة تقريرية كأنها نشرة أخبار متّسقة مع أحوال ما بعد الثورة ومحاولة استدعاء المطالب، والتذكير أن لا شيء تم حله بعد؛ ما زالت الأسعار عالية على الفقير، وما زال هناك ناس جعانة، وفرص العمل قليلة.
وآهات بالكوم والناس بتقوم وتنام تحلم باليوم اللي المظلوم فيها والمحروم يتخلص م الهموم
يرمي النوبي سردًا خطابيًا موجهًا للمستمعين ببنية درامية متماسكة، وبشكل مباشر يرمي علينا المسؤولية وأننا طرف في تلك المشكلة، وحتى إن تجاهلناها فيورطنا فيها كشاهد. أسلوبه أقرب للشهادة أو شريط الأخبار؛ أعتبر النوبي “عرضحالجي”:
طول عمر الغلابة صوتهم ضعيف بيطلع لجوه يعمل نزيف
يكتب للذين لا يجيدون الكتابة من أجل توصيل صوتهم، وليس للنقاش أو فتح حوار أو تفاوض، إذ يحاول طوال الوقت تذكير المستمع بأحوال الشارع وبشكاوى الناس.
يمكن رؤية مهرجانات النوبي كوثيقة اجتماعية للخطاب الآمل في التغيير؛ وثيقة للأسعار لأنه يذكر أسعار العيش واللحم والخضار كنوع من التدليل على صعوبة الأحوال، ووثيقة للجغرافيا التي تتغير أو تغيرت في الإسكندرية، وأيضًا كعهد أخير من حمل الرسائل الهادفة والفن الهادف فوق أكتاف كُتّاب المهرجانات.
الـ ٨٪ يا عم
منذ ظهور أوكا وأورتيجا قامت ممارستهم الفنية على اختراع العجلة من جديد. يكتبون من حيث بدأ فيفتي والسادات كتابة المهرجانات. في أول مهرجاناتهم مهرجان عنابي ومهرجان يا عيني يا ليلي، كانوا أقرب لمهرجان السلام لفيفتي وأنا بابا يلا للسادات من مهرجانات ومدرسة الإسكندرية.
بجمل قصيرة وبسرد متقطع ورمي المسا وتذكير المستمعين بأسمائهم. المكان عندهم الأميرية حيث نشأوا، والمطرية حيث العمل في الأفراح. كانت حالة من الهذيان الجميل الخاص بمنطقتهم وأهلهم؛ لكن بدايةً من مهرجان الوسادة الخالية الذي يعتبر بدايتهم في الشهرة، ركزوا على الخروج من تلك البقعة الضيقة وكتابة كلمات حماسية وخفيفة الدم تصلح لجميع المناطق. زادت شهرتهم وتوسعوا عمليًا، خاصةً بعد تعاونهم مع وزة مطرية الذي أصبح مدير أعمالهم وساعدهم في التوزيع وتسجيل مهرجاناتهم في السايبر الذي يملكه، وغنى معهم أحيانًا في الأفراح.
أرى كتابة أوكا وأورتيجا ممارسة للتخلي عن النجاح المضمون. أفكر كم كان من السهل نحت تجربة الدخلاوية بالنسبة لأوكا وأورتيجا، وكيف حفروا طريقًا أبسط لهم وشديد التأثير والانتشار.
على سبيل المثال، تخلى أوكا وأورتيجا عن مواضيع غدر الصحاب والشكوى من الدنيا وأحوال البلد التي ظهرت في مهرجان يا عيني يا ليلي. تخلوا أيضًا عن تثبيت أركان الرجولة أو الحلم بذكورة مثالية، بالإضافة إلى عدم اللجوء إلى العنف و الإيحاء به في مهرجاناتهم رغم صعود نبرة العنف في الأفلام والأغاني والمهرجانات.
حتى عندما شاركوا بالغناء في فيلم عبده موتة لمحمد رمضان بمهرجان أنا اصلًا جامد وعبدة موتة أيوة أيوة مع شحتة كاريكا وعمر الجزار، رغم أن فيلم عبده موتة شديد العنف ومشغول بفكرة الذكورة والرجولة، التزموا بكلمات ليس لها أي علاقة بأحداث الفيلم، متمسكين بفكرة الحماسة واللذاذة حتى يظلوا متاحين للجميع ولجميع الأفراح والفئات المجتمعية.
أنا درويش وماشي ماشي بنور الله واللي معاه ربه عمره في يوم ما تاه
كما تخلوا عن هم الرسالة الهادفة ومفاهيم السلطة الغامضة والهموم، ليكتفوا بخفة الدم والأداء، بينما تظهر معهم من حين لآخر الرسائل الهادفة بنزعة دينية.
تعتمد كتابة أوكا وأورتيجا على السرد المتشظي أو المتقطع، جمل قصيرة ومشاهد غير مترابطة من قصص متعددة وحكم متداولة.
ما ساهم في استيعاب تجربة أوكا وأورتيجا أو فرقة الـ ٨٪ وما مر عليها من تعاونات، أن إنتاجهم متّسق مع مفهوم المجتمع عن المهرجانات، من حيث أنها غير مفهومة أو أي كلام في كيس، مع إيقاع راقص وخفة دم، حكمة مرمية على جنب، وكلام موجه للمستمع للفت الانتباه وإدخاله في حالة من البهجة. أي أنهم مثلوا شكلًا حديثًا لما هو فلكلوري، إذ يحرر الفلكلور الفرد المستهلِك له من ضرورة تفكيكه وتحليله؛ المهم أن يشعر بالحالة، وهو ما فهمه وتمسك به أوكا وأورتيجا مبكرًا في طريقة كتابتهم لفترة طويلة، خاصةً بعد اتحادهم مع شحتة كاريكا.
قبل أن ينفصل الثنائي، نجد أن خبرتهم في السرد المتشظي زادت. نسمع ذلك في إضفاء فكرة متماسكة على المهرجان كما في العب يلا، آخر عمل للثنائي، والذي سموه أغنية لا مهرجانًا.
رغم اختلاف مدارس أوكا وأورتيجا وعالم واستديوهات الدخيلة في الكتابة، إلا أنهم تقاطعوا في كونهم آخر عهد التجمهر والرقص في الشارع، والمسارح المجانية في فضاءات مختلفة، والتعامل بحرية في المساحات العامة. آخر عهد حمل هم إثبات حسن النية عند المستمع وعند الزبون وعند السلطة.
نحو سينما لأحلام اليقظة
لأن كل لغة تصبح قديمة حالما تتكرر، دخلت المهرجانات في حالة الصورة النمطية سواء مع الدخلاوية أو الصواريخ، أو أوكا وأورتيجا. مع هذا التكرار تعيد الخوارزميات تشكيل سلطتها حينما يتغير العمر أو الجغرافيا والاهتمامات، أو كل ما سبق، لتنشغل بفلترة أشياء أخرى.
اكتشفت أن جزءًا من حقبة في تاريخ المهرجانات لم يكن على فلاشاتي ولا سمعته في أي توكتوك وصّلني على أول الشارع أو ظهر لي على يوتيوب. ربما لأن تلك الحقبة التي بين عام ٢٠١٦ وبداية عام ٢٠٢١ مزدحمة بالإنتاج، وبقيام وانهيار لنجوم المهرجانات، إضافةً إلى شكل الإنتاج الفني من كتابة وتوزيع وتسويق وظهور لفكرة التريند.
ظهر حسن شاكوش وحمو بيكا وعمر كمال وشواحة كنجوم جدد، ليظهر بالتحديد الشاعر الفاجر وإسلام المصري ومصطفى الجن ومصطفى حدوتة باستعارات جديدة وصوَر متكيّفة مع الكورونا والانعزال والقفلة السياسية.
بكتابة شديدة العنف والجرأة والبذاءة المدعّمة بفانتازيات جنسية وأكشن، كتب شعراء فترة الـ ٢٠١٦ لإيذاء المستمع، أو لإيذاء خصم المستمع. انطلقوا في كتابتهم من مكان يحدث فقط في أحلام اليقظة، حينما تقرر أن تستجمع في خيالك كل أعدائك ومخاوفك لتقتلهم قبل أن تذهب للعمل. كتابة غير مهتمة بالرسائل أو الفن الهادف لأنها مرتكزة حول الذات، بعد انهيار كل المثل والحكم والأمل.
ظهر معهم عالم مرتبك بمعجم وبناء درامي شديد الخصوصية؛ يحكمه الموضوع بدراما سوداوية وحادة، مثل فرض السيطرة على منطقة كاملة عبر النزول بحملات للضرب في الوش بسلاح أبيض، والهيجان على العالم ومن العالم. هذا عالم السندلة ولعب الدنيئة وبلع الأمواس والشهوة المندفعة للأكل والجنس وكل أنواع المخدرات والخمور، تؤطره المعايرة بأخلاق وسمعة الستات وتنفيس الإحباط والهزائم فيهن، والأهم، التكريس الحقيقي والمتماسك لموضوع غدر الصحاب.
عالم يجعلنا نرى الدخلاوية وزيزو النوبي كحقبة رومانسية وبريئة. ما أقصده بالرومانسية ليس العاطفة للحبيب أو الحبيبة، إنما من الأفق الواسع في الجملة وخفتها، والمواضيع التي ركزوا عليها. إذ لم يكن هناك من ينتظر شيء من المهرجانات وقتذاك سوى أن تثبت أنها فن في المقام الأول، وفن هادف في المقام الثاني. تشبع الجيل الأول من كتاب المهرجانات ومؤديها بين ٢٠٠٩ وحتى ٢٠١٥ بمحاولة اختراع صيغة تجمع بين تخريب شكل الشعر الغنائي وتقديم رسالة هادفة في المهرجان. فيما بعد خاصة من ٢٠١٩ وحتى ٢٠٢٢ سمعنا وقرأنا نصوصًا متحررة ويائسة من كل ذلك.
الشاعر الفاجر
عالم الشاعر الفاجر منفلت وخرب، زمنه خط مستقيم حاد ومكانه أحلام اليقظة، حيث ينشغل مع حودة الجوكر وعمر آي دي وإسلام المصري بحفر أساسات جديدة للرجولة قائمة على الفحولة والقدرة الغاشمة ضد الأخصام. يمتلك الفاجر تراكم إنتاج طويل كتب فيه لمعظم المؤديين، وتمتلئ كلماته بإشارات مباشرة لاحتقار المرأة وصور جنسية تعنيفية، بجانب خطاب محرض على التخريب والعنف.
تراكيبه اللغوية ساذجة أحيانًا، ومدهشة في أحيان أخرى، وسواء سمعت المهرجانات التي صعدت للتريند من كتابة الفاجر أو حتى التي تنصل منها، أسأل نفسي هل يمكن أن يكون هناك فن مؤذي؟ أفكر أنه ربما ما يجعل الفن المؤذي مقبولًا أو محتفًى به على سبيل المثال كراب التسعينات والألفية في أمريكا، الذي ينضح بذكورية وتشييء للمرأة وتهديدات وسب وقذف وتحريض على القتل، هو الجماليات والمجازات والألعاب اللغوية والاشتباك مع قضايا سياسية وحقوقية في الأساس، ما يسرنم السامع والقارئ ويجعله يكيل بميزان حساس تطب فيه كفة الجملة الجديدة والتراكيب المدهشة والدفاع عن الحق، على التحريض على العنف.
منذ بدايته الغامضة في ٢٠١٦، يكتب الفاجر شعرًا مخرِّبًا عن قصد لشكل القصيدة الغنائية المعاصرة، محولًا المهرجان من فن احتفالي إلى تعبيري وذاتي يتمسك بالشكل القصصي، كما في عنبر جنايات وقصة عن الصحاب ومسجون في نفسي مع تيم المدمرين. نلمح في بداياته الأولى محاولة لمحاكاة مهرجان حكاية الصحاب لفيلو ولللول السبع حيث يُظهر ارتباكًا بين مدرسة زيزو النوبي وفيلو التي تنشغل بالنبل والرجولية؛ لكنه في النهاية يتحرر من ذلك الارتباك ويرسم شكلًا جديدًا للبطل الشعبي، بطل غير نبيل وضائع بكتابة قائمة على تكديس التشبيهات التحذيرية والمجازات الجريئة المباغتة:
مش كل واحد بيصلي مبروك وحلو من الصالحين الجنة ممكن تبقى كمين
الدخلاوية الجدد
اتّحد الفاجر في نهاية ٢٠١٦ مع حمو بيكا ومودي أمين وفيجو الدخلاوي مكونين فرقة في آي بي الدخلاوية، وصدر ألبومهم الأول وسط القناصة ليضم عشرين مهرجانًا طويلًا. أزاحوا بهذا الألبوم الدخلاوية الذين جاؤوا قبلهم وخاصة فريق الأحلام، وأول ما أزاحه الفاجر هو الشاعرية التي حاوطت فريق الأحلام واتحاد القمة واتحاد القوة، ليتخلى عن احترام الكبير والعطف على الصغير ويقدم بطلًا شعبيًا ضائعًا وواثقًا من نفسه في نفس الوقت. يطفح الألبوم بالفانتازيا الجنسية والسياسية كما في مهرجان كل البنات ببلاش، واصفًا رغبة أبطاله في مشاركة الأجساد والشهوة المندفعة في الحكي ومشاركة التجربة حتى مع ظهور شعور القرف بعد انتهائها.
تبدو هذه المهرجانات كأنها تعليق طويل متماه مع العنف والاعتداء اليومي الذي تواجهه النساء في الشارع والبيت، حيث أضافت موسيقى ومجازات موجهة لنوع معين من الذكور المدمن للتماهي مع البطل المهيمن وفحولته المؤذية. يبدو كأن الفاجر يستعمل فانتازيا الاعتداء كتمرد ذكوري على الخطاب النسوي والفني للطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة ورقابته الأخلاقية، إذ يرى في هذا المجتمع ممارسات غير أخلاقية لا تحاكَم بسبب وضعهم الطبقي، فيعمد الفاجر إلى جرجرة خصومه لمنطقة طبقية أدنى لإهانتهم، وتغيير صفتهم من رجال إلى نساء لتكتمل دائرة “التحقير”. ما يدعم هذه القراءة هو تزامن مهرجانات الفاجر الفاحشة مع نمو خطاب حقوق المرأة بعد الثورة ومقاومة دور الذكر المهيمن، والذي ظهر بالتوازي معه خطاب مضاد ديني وسينمائي سُمّي بخطاب الفلحو سرسج، لتأكيد هيمنة الرجل الفقير وقوامته وأحقيته في ارتكاب الأخطاء الأخلاقية أمام الهيمنة الاقتصادية والفكرية للطبقة المتوسطة، بل ويمتد هذا لتخيل تنويعات من الاعتداء على الرجال الذين يرفضون الامتثال لخطاب العنف هذا.
يمكن تتبع هذا الخطاب في حوالي تسعين مهرجانًا للفاجر من ٢٠١٦ حتى ٢٠١٩ لتكريس هيمنة الرجل، وتأتي المرأة على رأس القائمة كونه يراها عنيفة فكريًا فيردعها بالعنف الذي يفهمه. في المقابل، لا يشتبك مع السلطة بنفس العنف، بل يعظمها ويمسي على اللواءات والضباط في آخر مهرجاناته، في ثيمة متكررة يترك فيها الضابط المجرمين يرجعون بيوتهم، كأنه يوثق بشكل كتابي العلاقة غير المتوازنة التي تنشأ بين المشبوه والباشا لكنه يصر على جعلها ندية ومليئة بالجمايل الرايحة والجاية في مهرجانات مثل ضبط وإحضار:
عمرت الخزنة عليه أخصامي اللي مجريهم أنا روحت خلاص للباشا قلتله أنا ملزم بيهم قالي دا إزعاج وحيازة قلتله مش عايز اترازى قالي انت جدع وبحبك أنا مش عايزك في جنازة
يعد ألبوم وسط القناصة مرجعًا لأعمال الفاجر وما أتى بعده كان تكرارًا له في احتراف التعظيم للسلطة والسرد القصصي المشغول بالمدمنين والضائعين، مثل مهرجان المتهم ابن القاضي في ٢٠١٧ ومهرجان خارج عن القانون. تكمن براعة الفاجر في هذه المهرجانات في ظهور الراوي العليم كشاهد أو محكم على القصة غير البطل، وهو ما أصبح إحدى مميزاته لتمرير مواجهاته وحواراته مع السلطة.
مع بداية ٢٠١٨ شيّد الفاجر عالمًا أكثر انفتاحًا بدخول مؤدين آخرين لفرقة في آي بي الدخلاوية بتوزيع فيجو، وتغيرت الثيمات على مدار عامين ومائة مهرجان ليصعد العنف ويقصر الكلام في مهرجان كتر الكلام يجرح ويخسر عبر تكديس الصفات التي تسبب التوتر والضيق للمستمع.
لاحقًا، استغنى الفاجر عن الكثير من ثيماته. ربما يعود تغيُّر هذا التناول المتوحش للجنس إلى رغبة في تجنب إثارة الجدل أو تغير طلبات السوق واختلاف تعاوناته بعد تحقيق الشهرة، فأبقى على ثيمة الغدر والخيانة والشكوى الناتجة عن أزمة وجودية واجتماعية، مثلما يظهر في مهرجان عالم فاسد، حيث أصبحت المخدرات دليلًا على الندالة والاستسلام لا وسيلةً التفاخر.
رب الكون ميزنا بميزة
يقترب أسلوب الشاعر إسلام المصري من الشاعر الفاجر: قصة طويلة يروي فيها أحداث معركة خاضها بطله. لكن إسلام يبتر قصصه دائمًا كأنه لا يعرف كيف ينهي الحكاية. ربما لأن الزمن لا يسعفه؛ فالزمن عنده خطي لكنه يتأرجح بالفلاشات إن كانت ستخدم أو ستضيف تفاصيل على الخناقة فيمكن استرجاعها لإخافة الخصم.
كما في مهرجان حكاية مع بيكا الذي يحكي عن بيكا وهو يحاول أخذ حق زميله نور التوت وما تلا ذلك من معركة دامية والتورط في جناية وإكمال المعركة داخل الزنزانة. العنف عند المصري كأنه فيلم كرتون، لا تصدقه ولا تأخذه بجدية رغم أن حمو بيكا بطل عنده كما هو عند الفاجر. لكن المصري يضيف شيئًا كارتونيًا لدرجة أننا نشعر كأننا في إحدى حلقات توم آند جيري.
ربما لأن إسلام المصري انشغل بالسوشال ميديا وصناعة التريندات، وكان هذا من بعده الشغل الشاغل لكتاب المهرجانات. كتب مثلًا في ٢٠١٩ مهرجان رب الكون ميزنا بميزة الذي صوّر جزءًا من تسجيله في الاستوديو، وجرى تداولها بشكل غير مسبوق بسبب تعثر بيكا في الغناء والحفظ. يعمل المصري على تلك النقطة، على الإيفيه الآتي من التعثر فحمو بيكا كبطل عند المصري بطل متعثر ومتهور ولن يفعل شيئًا مؤذيُا رغم ما يخبرنا به.
تخلى المصري مع الوقت عن فكرة الملاحم الشعبية وركّز على الكلام التريند في كتابة الرصة، مستخدمًا أسلوب الصورة العنيفة والصادمة لفرض الهيبة والسيطرة بإيقاع داخلي سريع جدًا تتلاحق فيه الكلمات دون أن تترك للمستمع فرصة التنفس، عبر معارك متصاعدة ينهيها بتهكم ليعلن الانتصار.
ما يلفت نظري للمصري هو قدرته على كتابة نصوص فيها تدرج شعوري، بل أحيانًا يقسم ارتبكاته الشعورية على مجموعة المؤدين كما في مهرجان وداع يا دنيا وداع، والذي يعتبر مواجهة ذاتية كئيبة فيها من عدمية الأحياء الفقيرة، وفيها تخلٍّ عن قناع البطل الخارق ليظهر في صورة الضحية؛ لينتقل المصري من كآبة البطل الداخلية إلى العداء الموجه للخارج، فينهي جمله بقافية ساكنة حادة تمنح المستمع شعورًا بالخنقة.
مجتمع الفرجة
أزاح الشاعر الفاجر وإسلام المصري وحودة الجوكر كل المفاهيم عن الشعر وعن الكتابة، ووضعونا أمام سؤال: ماهو الشعر وليس فقط الغنائي، هل هو كتابة الشعر في الحلوين، فقط؟ بلغة جزلة، مهذبة ورومانسية وحساسة؟
أخص الشاعر الفاجر لأنه الأكثر إنتاجًا ولأنه يكتب ذاته بفجاجة وعنف. لكن يمكننا أن نرى كتابات الفاجر كلها كأنها نص طويل جدًا، عن الحب والصداقة والخيانة والجنس والعراك والثورة والمخدرات والخوف من الستات. شعر يركز على ما لا يريد الشعر المرضي عنه قوله، عن اليومي في طبقات لا نريد أن نعترف أنها قادرة على الإنتاج الفني غير الفولكلوري، شعر الطبقة الخاضعة الذي تنتقد فيه الطبقة المهيمنة بشراسة، الطبقة غير المعنية بمعايير فنية. شعر يتتبع ويوثق عشر سنوات من تاريخ المهرجانات، مع غياب آليات الأرشفة الرقمية. شعر عن الثورة وعن انهيارها دون أن يقول أنها انهارت، فقط اكتفى بنزع كلمة ثورة من سياقها السياسي ووضعها بمعناها اللغوي السلبي، ليستخدمها في الخناقات.
أرى أن ما أنتجه الفاجر خلال العشر سنوات التي عمل فيها في مجال كتابة المهرجانات تمثيل حي لمفهوم مجتمع الفرجة عند الفيلسوف غي ديبور، إذ يصف ديبور المجتمعات المعاصرة بأنها تحولت إلى “تراكم هائل من المشاهد”؛ حيث يحل المظهر والسلعة محل التجربة الحقيقية. هو مجتمع يفضل الصورة على الشيء، والتمثيل على الواقع، ويصبح فيه الأفراد متفرجين سلبيين على حياتهم. يشاركنا الفاجر المشاهدة السلبية تلك بدون تجميل، بل يزيد من تطرفها.
جيل جديد، جدًا
يمكن تلخيص عالم المهرجانات بين عام ٢٠٢٢ و٢٠٢٥ في: صعود عصام صاصا وهيمنته المطلقة على الإيرادات والتريندات بتركيبة لغوية ونفسية مختلفة بخليط بين البكاء على الحظ، وجلد الذات، بكتابة من شمس الناسف وكاستيلو؛ والاختفاء التام لشكل المهرجان القديم ودخول التراب-مهرجان وسيطرة السنثات والدرامز الجديدة وموزعين مثل كيمو الديب وأمجد الجوكر؛ وأيضًا انتهاء حقبة الفريق وصعود المغني الفردي الذي ينشر تراكًا كل خمسة أيام، بمعجم جديد يرتكز على لغة المال والأرقام كأداة للإذلال البصري والمعنوي. كما أصبح مجال المهرجانات محكومًا بصلاحية التيك توك، فالكلمات لم تعد تكتب لتعيش لسنوات، فتُنحت كإيفيه سريع، سهلة التكرار والقص. أي أننا بتنا نسمع معجمًا مصممًا مسبقًا لكي يتحوّل لستوري أو صوت خلفي لفيديو مدته ١٥ ثانية.
قاعد أعد الدولارات
ظهر شمس الناسف ليكتب على مقاس حمو الطيخا مستوعبًا طبيعة صوته وأدائه، ومحافظًا على بناء المهرجان الكلاسيكي كقصة لها بداية ووسط ونهاية، بسرد متواصل ينتهي فجأة كأن البطل قرر اعتزال الكلام. يتجسد ذلك في بتر الناسف لجمله وقوافيه الموحدة المتتالية التي تشعرنا بالحصار اللغوي كما إسلام المصري.
الناسف غير مهتم بالهوكات أو الإيفيهات بعكس زميله كاستلو، الذي يركز على تقطيعات التيك توك والريلز بإيفيهات وهوكات تضمن سهولة الاستهلاك على السوشال ميديا، متنازلًا عن صنع سرد متماسك. بينما يركز الناسف على القصة نفسها، إذ يبدأ بموال هادئ وقصير يفرش الأرضية للحكاية، ثم يتصاعد الإيقاع وتدفق المهرجان، ليتسارع مع دخول البطل في صلب المعركة أو الحكاية.
يتقاطع الناسف وكاستلو وحتى الفاجر في ثوبه الجديد من حيث الكتابة على التقطيع والتنغيم والاعتماد على قوافٍ متلاحقة سريعة تعطي شعورًا بالحصار والمطاردة، ورغم أن اللغة عادية تظهر قوة صنعتهم في تسييح تلك الجمل ورصها بجانب بعضها لإنتاج فقرة مألوفة داخل سياق جديد غير مألوف.
أيضاً أرى المال كزاوية لقراءة أسلوب الناسف وكاستيلو وعبده روقة، إذ يأتي المال في المهرجانات بعد عام ٢٠٢٢ كضرورة لوجوده في مشهد الراب المنافس. إذ في الأغاني الشعبية يحضر المال كشيء مادي هو السبب في كل المشاكل، ومن الرجولة والنبل الابتعاد عنه: “العز مش فلوس العز في النفوس”، بينما في المهرجانات الجديدة: “قاعد اعد الدولارات / مانا مش فاضي للحوارات / أنا عايز أعمل كام أرنب.”
يظل حضور المال ضرورة عند الشعراء الجدد لكن برمزية مختلفة عند كل منهم. عند الناسف المال اختبار للجدعنة وللصداقة، وعند كاستلو أداة تعذيب نفسي للخصم وبديل للمطوة أحيانًا، وأيضًا مصدر ارتباك وحيرة سواء لمالك المال الذي لا يُرحم من الحسد، أو لناظره الذي سيفعل أي شيء للحصول عليه حتى وإن باع نفسه للغلط. أما روقة فيعتمد كارت تذكير للبطل بغبائه بسبب الصرف على الأصدقاء الخائنين.
لكن الناسف يعمل بهدوء ويركز على إضفاء شرعية أخلاقية على بطله فيسميه مقاتلًا لا بلطجيًا، وتنشغل موضوعاته بكشف المرشدين والتعليم على الأخصام بالأصول مع حضور قوي للثقة بالله التي تنجي من الخطط الغادرة. أيضًا، إذا حضر المرشدون والأخصام يحضر بالطبع الضابط والسجان، ونجد ذلك عند إسلام كابونجا وكاستيلو أيضًا، لكننا نجد عند الناسف حالة من المناورة لعالم القانون وفي نفس الوقت استسلامًا له.
يرسم الناسف في مهرجان مسجون حزين صورة بصريّة حيث السجان يضرب السجين المشاغب بدبشك البندقية متجهًا للأعلى نحو السحابة، كرمز للأفق، للمدى المفتوح، للحرية، أو ربما للسماء التي لا تصلها الشكوى. تعكس هذه الصورة عبثية المواجهة، إذ يملك السجان القوة المادية العنيفة ويحاول بها قمع شيء لا يمكن حبسه: السحابة / روح السجين. يقنعنا الناسف أن العنف الموجه ضده تخطّى جسده ووصل إلى حد محاولة خنق الأفق نفسه. في نفس الوقت يتعرض بطله لمؤامرة من المرشد في الزنزانة وينتهي البطل في التأديب مستسلمًا بل ومرحبًا لأنه كإنسان يحتاج أن تُهذب روحه بعد أن كاد يقتل نفسًا أخرى. ما يشبه تراجع حودة الجوكر صاغرًا في مهرجان يا أم أحمد لمي بناتك عام ٢٠١٩ بعد ضرب عنيف من السلطة.
سجان شيطان عينه عليا يضرب بدبشك السحابة حبس انفرادي يابا عادي مش فارقة لو تأبيدة يا قاضي
يظهر هذا الخوف المبطن في اختيارات الناسف للموضوع عبر سيناريوهات مخترعة تشبه أفكار ما قبل النوم عن خيانة الأصدقاء وسرقة الحشيش وتبليغ الشرطة واشتهاء الحبيبة، كما في مهرجان مسجون واعر. في تلك السيناريوهات دائمًا يتحرك بطله في مثلث بين البيت أو بيت الأصدقاء وبين الزنزانة التي يتواصل من داخلها مع شخص في البيت، وتحضر الخمور والمخدرات كجزء جمالي أو ديكور، كما في مهرجان حكاية مقاتل. بينما عند كاستيلو وعبده روقة أو القلم الجارح فالمشروب والمخدرات بنيوية وأساسية، إذ يلجأ أبطال كاستيلو المتعالين أو أبطال روقة المكسورين إلى كأس الويسكي أو المخدرات كعتبة من عتبات الحزن والانكسار.
يدشن الناسف لأركان رجولية مختلفة عن ما سبقه؛ أداء رجولي متّسق مع اللحظة الحالية من حالة استنفار أمني واقتصاد مهتز وفجوات كبيرة بين الطبقات. الرجل الحقيقي عند الناسف هو الذي يأكلها بالحلال، حتى إن لم تحضر الإغراءات، فهو اختيار واعٍ حتى يتلافى البطل أي خطأ يخسره نفسه. تلك الرجولية تمتد في كتابة الناسف وحتى كاستيلو أحيانًا في عدم استدعاء النساء في مواضيعهم إلا على مضض أو في حالة معاكسة للزوجة أو الحبيبة لأن مهرجاناتهم هي حضور ذكوري مثالي، مثالي لدرجة يصعب تصديقها.
ربما ما جعل الشاعر الفاجر مستمرًا في كتابته للمؤدين الجدد هو فهمه لتلك المسألة في نصوص مليئة بالألعاب النفسية واللغة المتعالية التي تحط من الخصم دون أسلحة، عبر المنظرة المادية التي تشعره بالنقص وقدرته على تركيع الظروف والناس بدماغه. نلاحظ غيابًا تامًا لسردية التحدث من الأسفل لمن هم في الأعلى، التي اتبعها كل من فيلو وزيزو النوبي في السابق، بل إننا نرى فيلو في مهرجان العودة بعد غياب من كتابة كاستلو وهو في ثوب الطيخا وصاصا، فيتلبس ثقتهم في أنهم مسموعين وغير مشغولين غير بأنفسهم.
جابوا الناهية
في كتابه ما معنى أن تتكلم؟ يتخيل عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو العالم كسوق للغة، يجادل فيه أن القدرة على التحدث بأسلوب ولهجة معينة تمثل رأس مال يمكن استثماره لتحقيق مكاسب ونفوذ؛ وليس الأسلوب الذي يكتسب شرعية في تلك السوق اللغوية هو دائمًا الأصح أو الأجمل، إنما هو الأسلوب الذي تنتهجه الطبقة المهيمنة التي تمتلك السلطة. يفسر بورديو ظاهرة شعور البعض بالعجز عن الكلام في مواقف معينة كنتيجة لعلاقات قوة تجعل بعض الأصوات أكثر شرعية، فيتحول الصمت أحيانًا إلى إخضاع رمزي لأن الكلمات لا تمتلك القيمة نفسها في جميع السياقات، فسلطة الخطاب ترتبط بمن يتكلم، وأين، ولمن.
ما يثيرني في لغة المهرجانات أنها متحررة من كل ذلك، فهي ليست لغة مهيمنة بل منطلقة من كل ما هو مهمش ومحتقر وغير مرضي عنه، ومع ذلك تجد المفردات التي تعبر عن متكلمها ولا تراقب نفسها فتندفع ناحية البذاءة والعنف بلا اعتذار، بل استطاعت أن تكون رأس مال يمكن استثماره داخل تلك السوق اللغوية. لذلك أرى أن المشكلة مع لغة المهرجانات من حيث القرف منها، منعها، وشطب مؤديها، قادم في الأساس من صراعات هيمنة واقتصاد وليس صراعات تواصل أو عدم فهم.
أيضًا أرى أن كتّاب المهرجانات يمتلكون خطابًا يقطعونه ويثقبونه دون أن يفقد معناه، مقدمين صبغة حكائية مفككة كخطاب يمكن من خلاله قراءة تغيّر اللغة وقواميسها الأكثر مرونة مع الأحداث اليومية، فنسمع لغة استهلاكية تحول الألم الشخصي والحيرة والعوز والوحدة إلى منتج قابل للتداول. هي لغة تطورت لتصبح سلطة قائمة بذاتها بقاموس يتلوى وينكمش لكنه عصيّ على الاختزال في اقتباس جملة أو وصف واحد. إذا أخذنا السردية كاملة نجدها جديدة وطازجة تشعرنا بالحالة، وبأن اللغة في المهرجانات هي السياق والخطاب والحدث الذي ينطلق منه الكاتب.
إذا كان المعجم قبل عام ٢٠١٦ هو معجم اللمة والشكوى من الدنيا، ومعجم الكورونا هو معجم العدمية والضرب في الوش، فإن المعجم الحالي هو معجم الخلاص الفردي والشراسة الرقمية، معجم الشخص الذي يقتحم العالم بمفرده مسلحًا بكلمات حادة تضمن له البقاء داخل خوارزميات السوشال ميديا، في لغة تعكس تحول المهرجان من صوت المهمشين إلى استعراض قوة للمهمش المحظوظ الذي نجا بمفرده.