في عام ١٩٢٦ دخل المحمل المصري حاملًا كسوة الكعبة إلى مشعر منى، تتقدمه فرقة موسيقى عسكرية. عزفت الآلات النحاسية ألحانًا منتظمة وتحركت كتيبة الحراسة بإيقاع ثابت، ضمن تقليد استمر قرونًا. وقتها قوبل المحمل وفرقته الموسيقية باستنكار كبير من تيارات محافظة تطور إلى اشتباك مسلّح.
اكتسبت حادثة المحمل بعدًا يتجاوز الخلاف الفقهي حول الموسيقى، ودخلت ضمن صراع أوسع حول من يملك حق تنظيم المجال المقدس، وتحديد حدوده الصوتية والرمزية.
نتتبع في هذا المقال التحولات الصوتية المرتبطة بالمحمل وكسوة الكعبة، من طقوس ما قبل الإسلام إلى نهاية المحمل المصري في القرن العشرين، مع التركيز على عناصر الأداء الصوتي في كل مرحلة: الإيقاع والآلات والهتاف الجماعي والإنشاد الصوفي والموسيقى العسكرية. كما نحاول قراءة هذه العناصر بوصفها أدوات سياسية ومذهبية استخدمت لإعلان السيادة وتأكيد الشرعية.
مكاء وتصدية | الطقوس الصوتية قبل الإسلام
اقترنت الكعبة منذ مراحلها الأولى بفكرة التزيين والتعظيم، كما نجد في طلب الخالق من نبيه إبراهيم: “وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ”؛ وكانت الكسوة جزءًا من هذا الحضور الرمزي داخل الوجدان الديني العربي.
رغم كثافة الروايات المتعلقة بالكسوة، لا تقدم المصادر القديمة وصفًا واضحًا لمواكب احتفالية أو طقوس موسيقية مرتبطة بعملية الإكساء. لكن الحضور الصوتي حول الكعبة كان موجودًا بقوة في مواسم الحج والأسواق والتجمعات الدينية.
تعددت صيغ التلبية بين القبائل العربية، وحملت كل قبيلة نداءاتها الخاصة المرتبطة بآلهتها أو نسبها ومكانتها داخل الجزيرة العربية. وصف القرآن الكريم الأداء الصوتي عند الكعبة قبل الإسلام “وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية”؛ وفسرت كتب التفسير المكاء بالصفير، والتصدية بالتصفيق. إلى جانب ذلك حضرت الأشعار والهتافات الجماعية والنداءات القبلية داخل مواسم الحج. من أشهر ما نُفل هي تلبية قبيلة عك:
رغم غياب وصف تفصيلي لمراسم صوتية صاحبت عملية الإكساء في عهد النبي فإنه نقل عنه ترديده صيغة التكبير: “لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده” عند دخوله مكة والبيت الحرام.
تغير تدريجيًا شكل المشهد الصوتي المحيط بالكعبة، وانتقلت التلبية من صيغ متعددة إلى الصيغة الموحدة المعروفة اليوم “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك”. أصبح التكرار الجماعي للتلبية جزءًا أساسيًا من الإيقاع الديني داخل الحج، واختفت الهتافات القبلية المرتبطة بالأنساب والآلهة المحلية.
أولى المظاهر الاحتفالية بين العباسيين والمماليك
مع قيام الدولة العباسية، ظهر لأول مرة محمل الكسوة في طابعه الاحتفالي، حيث يُجرى احتفال كبير في بغداد يشارك فيه كبار رجال الدولة وعامة الناس. كما كان الخلفاء يترأسون مواكب الحج بأنفسهم في سنواتهم الأولى، وتتسم بالفخامة والعظمة.
مع تأسيس الدولة الفاطمية في القاهرة خلال القرن العاشر الميلادي، دخلت كسوة الكعبة مرحلة جديدة اقترنت بالصراع الهاشمي على الشرعية الدينية والسياسية.
اختار الفاطميون الأبيض لكسوة الكعبة في مواجهة السواد العباسي؛ ومن أجل تثبيت هذا الحضور داخل الحجاز خصص الفاطميون أموالًا ضخمة ومؤن ترسل إلى مكة والمدينة، شملت الطعام والكسوة والهبات الموجهة إلى سكان الحرمين والعلماء والقائمين على الشعائر. تزامن توزيع هذه الموارد بالمواكب الرسمية التي خرجت من القاهرة مصحوبة بالمُنادين والفرق الموسيقية، لربط سلطة الدولة بالصوت والحضور الجماهيري داخل الحرمين.
في عهد المماليك، سنة ١٢٤٧، خرجت شجرة الدر إلى الحج داخل هودج مغطى بالأقمشة الفاخرة تعلوه قبة، ترافقها قافلة تحمل الكسوة والهدايا. في الأعوام التالية تحول الهودج نفسه إلى رمز للقافلة المصرية، حتى مع خلوه من الراكب. منذ ذلك الوقت بدأ اسم المحمل يُستخدم للدلالة على قافلة الحج المصرية.
تبلور الشكل السياسي الكامل للمحمل في عهد الظاهر بيبرس، بعد سقوط بغداد سنة ١٢٥٨. كانت القاهرة في ذلك الوقت تسعى إلى تثبيت موقعها مركزًا للعالم الإسلامي، وكون سلطان المماليك هو “خادم الحرمين الشريفين” أصبحت حماية طرق الحج والكسوة أحد أعمدة الشرعية السياسية في القاهرة. لذلك حينما أراد حاكم مكة منع وصول الكسوة المصرية نشبت معركة انتهت بانتصار المماليك حسب ما يذكره الرحالة الفارسي ناصر خسرو.
حوّل بيبرس المحمل إلى عرض سلطاني واسع يعلن سيادة الدولة المملوكية على طريق الحج والحرمين. في هذه المرحلة ظهر المحمل الشامي والمصري بشكلهما المعروف؛ قافلة رسمية تحمل الكسوة إلى الحجاز ضمن بروتوكول عسكري وديني واسع، تشارك فيه الدولة والجيش والطرق الصوفية والعلماء والتجار والحجاج.
في هذا العصر أصبح للمحمل بناء صوتي واضح. تضبط الطبول الكبيرة (النقارات) حركة الموكب بإيقاع منخفض ومستمر، بينما تستخدم الأبواق والنفير لإرسال الإشارات بين فرق الحراسة وتنظيم حركة القافلة. خلف الجند ترتفع أصوات المنشدين الصوفيين الذين يرددون المدائح النبوية والنصوص الدينية بصورة جماعية، لتظهر أغانٍ مرتبطة بالمحمل اعتمدت على النداء الجماعي والإيقاع القصير والتكرار القابل للمشاركة.
تناقل الناس الأغاني بسهولة، من الحرفيين إلى النساء الواقفات على الشرفات، ما جعل شوارع القاهرة ساحة احتفال مفتوحة. وصف ابن إياس في كتابه بدائع الزهور خروج المحمل في عام ١٥٠١ وأمامه العوام وهم يرقصون ويرددون:
بيع اللحاف والطراحة حتى أرى ذب الرماحة بيع لي لحافي ذي المخمل حتى أرى شكل المحمل
تعامل المماليك مع الكسوة والمحمل باعتبارهما جزءًا من السيادة السياسية، فكانت تُقرأ أيُّ محاولة لمنافسة مصر في إرسال الكسوة بوصفها تحديًا مباشرًا لسلطة القاهرة على الحرمين.
في سنة ١٣٥١ وصل ملك اليمن المجاهد علي بن المؤيد الرسولي إلى مكة ومعه كسوة يمنية فاخرة، يصاحبه الشريف ثقبة بن رميثة الذي دخل في صراع مع أخيه عجلان على إمارة مكة. لجأ عجلان عند علمه بتحالف أخيه مع ملك اليمن إلى أمير الحج المصري وأبلغه أن المجاهد ينوي البقاء في مكة بعد مغادرة الركب المصري ونزع الكسوة المصرية وتعليق الكسوة اليمنية. في الثاني عشر من ذي الحجة تحركت القوات المصرية ضد الركب اليمني، وأُلقي القبض على المجاهد الرسولي الذي أُرسل مقيدًا إلى القاهرة.
تعدد الأصوات في العصر العثماني
مع دخول العثمانيين إلى مصر والحجاز في القرن السادس عشر، توسعت مواكب الحج، وأصبح المحمل الشامي يمثل الموكب الرسمي للدولة العثمانية حاملًا حجاج الأناضول والبلقان، بينما استمرت القاهرة في صناعة الكسوة وتجهيز المحمل المصري وإرساله سنويًا إلى الحجاز. تحرك كل منهما ضمن بروتوكول سلطاني واسع يربط الولايات العربية بالعاصمة العثمانية.
خلق هذا التعدد حضورًا صوتيًا أكثر تنوعًا؛ إذ دخلت الموسيقى العسكرية العثمانية (المهتر) إلى احتفالات المحمل، مع استخدام واسع للطبول الضخمة والآلات النحاسية والأبواق العسكرية. اعتمدت الفرق العثمانية على توزيع واضح بين الإيقاع والنفخ؛ طبول ضخمة تضبط حركة القافلة، وأبواق وآلات نحاسية تعلن مرورها، وسلامات عسكرية تُعزف خلال تحرك المواكب الرسمية.
صاحب المحمل الشامي ما عرف بـ الصرة الشريفة، وهي الأموال والهدايا التي يرسلها السلطان العثماني إلى مكة والمدينة سنويًا. كان يجري الإعلان عن وصول المحمل لبلاد الحرمين عبر المُنادين والموسيقى العسكرية، التي أدت وظيفة إدارية وسياسية مرتبطة بتوزيع الموارد وإظهار رعاية السلطان للحرمين.
رغم انتقال السلطة السياسية ولقب خادم الحرمين الشريفين إلى إسطنبول، استمرت مصر في صناعة كسوة الكعبة وإرسالها ضمن قافلة الحج السنوية.
في القاهرة، تميزت تشريفة المحمل ببروتوكول رسمي صارم؛ يحضر الوالي العثماني والقضاة وكبار رجال الدولة إلى باب القلعة، وتصطف الخيول والجند وفرق الموسيقى العسكرية، بينما يُقاد الجمل الحامل للمحمل وسط مراسم محددة. دوّن الرحالة العياشي مشاهدته لهذا الموكب سنة ١٦٦٢، وذكر أن لكل مسؤول مجلسه المحدد داخل الاحتفال، في حين يجلس الباشا في موقع الصدارة تحيط به فرق الجند والخيالة.
مع صعود الدولة السعودية الأولى وسيطرتها على الحجاز، ودخولها مكة سنة ١٨٠٣، تغيرت قواعد الطقس الديني في المدينة، وجرى التعامل مع المحمل والموسيقى المصاحبة له باعتبارهما ممارسات ينبغي ضبطها وفق التصور الديني الجديد.
فرضت السلطة الجديدة قيودًا على قوافل الحج القادمة من الشام ومصر، واشترطت دخولها إلى مكة دون محمل أو طبول أو آلات موسيقية، كما فرضت رسوم جديدة على القوافل. يذكر لويس كورانسيز في كتابه تاريخ الوهابيين أن العثمانيين حاولوا سنة ١٨٠٣ دفع ألفي كيسة، أي ما يعادل مليون بيزة تقريبًا (٥,٢٣ مليون دولار أمريكي تقريبًا اليوم) مقابل السماح لقافلة الشام بأداء الحج، لكن القافلة مُنعت من دخول مكة.
في السنوات التالية زادت الشروط وطالبوا بأن تخلوا القوافل من الغلمان وحليقي اللحى، والتخلي عن السلاح بصحبة الموسيقى والمحمل، وفي موسم ١٨٠٧ – ١٨٠٨ حاولت قافلة الشام دخول مكة وفق هذه الشروط، لكنها مُنعت كذلك. منذ ذلك الحين تعطل الحج من الإمبراطورية العثمانية.
كلف الباب العالي محمد علي باشا والي مصر الجديد في القاهرة بإخضاع الحجاز، لكن القاهرة كانت في لحظة إعادة ترتيب الأوراق. لهذا تأخر محمد علي حتى ١٨٠٩ في الإعداد للحملة العسكرية، التي رآها فرصة سانحة لتعزيز موقعه داخل الدولة العثمانية، وبسط نفوذه على تجارة البن اليمني والسلع الهندية المارة عبر جدة. باستخدام الشعارات النبيلة لتحرير مكة والمدينة استطاع محمد علي القضاء على المماليك، منافسيه في الداخل، فيما عُرف بمذبحة القلعة.
أسند محمد علي قيادة الحملة إلى ابنه طوسون باشا في ١٨١١، ورغم تعرض الحملة لهزائم في البداية، إلا أن طوسون تمكن من دخول مكة سنة ١٨١٣.
بعد استعادة مكة والمدينة، عاد المحمل المصري إلى مساره السنوي، لكن بطابع مختلف عن القرون السابقة. أُنشئت دار الكسوة في حي الخرنفش بالقاهرة، وتحول تجهيز الكسوة إلى عملية تديرها الدولة عبر الورش والأوقاف والموظفين الرسميين. صار الموكب جزءًا من المشهد السياسي للدولة الصاعدة، دولة تستخدم الموسيقى والانضباط العسكري والاحتفال العام لإعلان حضورها في الشوارع وفي طريق الحج معًا.
رغم ذلك بدا الموكب في تراجع واضح في الفخامة، وهو ما أورده إدوارد لين في كتابه المصريون المحدثون عما رآه في موكب المحمل سنة ١٨٣٤: “في السنوات السابقة كانت العادة أن يحمل المحمل بفخامة فائقة خاصة في أيام المماليك الذين كانوا يحضرون الموكب في أفخم ملابسهم عارضين أفخر الأسلحة وعدد الحرب.”
ضم الموكب حسب ما رواه لين مدفعًا ميدانيًا صغيرًا، ورجال يركبون الجمال ويضربون النقارات المربوطة إلى السروج، بينما تتحرك جمال أخرى مزينة بالسعف والأعلام والأجراس. في الوقت نفسه، ظل الإنشاد الصوفي حاضرًا داخل الموكب وفي محيطه الشعبي. يذكر لين أنه شاهد الفرق الصوفية بأعلامها الطويلة ونقاقيرها ومزاميرها وآلاتها المختلفة، وهم يرددون هتافات مثل “عرفات يا الله” و”الله بالسلامة”.
إلى جانب المدائح والأذكار الجماعية في المحمل، شاركت الطرق الصوفية في عروض جماهيرية واسعة، خاصة الرفاعية والقادرية. دوّن لين مشاهد لفرق رفاعية قدمت ألعابًا جاذبة للجمهور، حيث قدم بعض أتباعها عروضًا تقوم على إدخال الأسياخ المعدنية في الأجساد، أو حمل الثعابين، أو ابتلاع الزجاج.
مع انتقال الموكب من القاهرة إلى الصحراء، استمرت المدائح النبوية والأذكار الجماعية في مرافقة الحجاج، تؤدى بإيقاعات قصيرة تناسب حركة السير الطويل، وتساعد على ضبط الإيقاع الجماعي للقافلة، بينما امتزجت أصواتهم بأجراس الجمال والنقارات العسكرية ونداءات الحرس.
مع ابتعاده عن مركز السلطة، اقترب المحمل المصري من الطابع الشعبي، فاتسعت مساحة الأغاني المرتبطة بالحج مع اقتراب موعد الرحلة، خصوصًا ما عُرف باسم التحنين، وهو الاسم الذي استقر على الأغاني التي تؤدى لتوديع الحجاج أو استقبالهم. كانت النساء في مقدمة هذا الطقس؛ يجتمعن داخل بيت الحاج قبل السفر بأيام، أو يرافقنه حتى محطة الرحيل، بينما تدور الأغاني حول الدعاء والاشتياق وقلق الغياب وطول الطريق.
يربط الباحث محمد شحاتة اسم التحنين بالدعاء المتداول للحجاج “حج مبرور وذنب مغفور والله يحنن عليك” بالإضافة إلى ارتباطها بحالة الشوق التي تملأ الأغاني نفسها؛ شوقًا إلى الأماكن المقدسة، وشوق العائلة للمسافر، وشوق الحاج لأهله خلال رحلة تمتد لشهور بين الصحراء والبحر والموانئ البعيدة.
لهذا جاءت الكلمات محملة بصوت البيت الذي يستعد لغياب أحد أفراده:
ولما انت ناوي يا بوي لما انت ناوي مين يحيّي الضيوف ويوزع قهاوي
كما احتفظت بعض الأغاني ببنيتها الإيقاعية القصيرة القريبة من الهتاف الجماعي وحداء القوافل:
يا حاج سلامات إن شاء الله سلامات إن شاء الله عرفات إن شاء الله بركات
في مقاطع أخرى، يظهر الحج أمنيةً جماعية تتكرر على ألسنة الناس:
يارب والنبي توعدنا نحج بيت الله ونزور
كان المحمل المصري يبدأ رحلته من باب النصر في القاهرة، متجهًا إلى عجرود في السويس، ثم إلى عيون موسى للتزود بالمياه، قبل أن يواصل السير نحو نخل في سيناء، ثم العقبة، وصولًا إلى ينبع، ومنها إلى مكة المكرمة. على امتداد هذا الطريق تشكلت ذاكرة سمعية كاملة للحج، تشكلت حول الموانئ والقوافل ومحطات التوقف وأصوات المسافرين. لعل أشهرها أغنية طريق النبي:
في طريق النبي جنينة رشوها بنوها الحبايب والله لفاطمة وأبوها
قبل صعود الحجاج إلى البواخر من ميناء السويس، كان كثير منهم يزورون مقام الشيخ الغريب واحتفظت الأغاني الشعبية بأثر هذه المحطة:
يللي دعاك النبي زور الغريب قبليه
وفي انتظار الباخرة، يتحول الميناء نفسه إلى مساحة للإنشاد الجماعي:
تحت ظل الجبل واريح شوية تركبوا البواخر وانا أمدح نبينا
ثم تتسع الأغنية لترافق حركة السفر نفسها:
يا زايرين النبي خدوني معاكم تركبوا البواخر وانا أمدحه وياكم
يورد المؤرخ إبراهيم حلمي في كتابه المحمل نماذجًا من الأغاني التي حملت إيقاعًا قريبًا من حداء القوافل، حيث تتكرر الجمل القصيرة بما يناسب حركة السير في الصحراء:
في مواكب المحمل نفسها، كانت أصوات الحجاج والمنشدين تختلط بالحركة الجماعية للقافلة:
وديني يا دليل وديني ع النبي أشوفه بعيني النبي آهه عدا وفات على منى وجبل عرفات
صراع الإمبراطوريات في الحج
مع تولي عبد الحميد الثاني الخلافة وعرش السلطنة العثمانية، اكتسب المحمل بعدًا سياسيًا أكثر وضوحًا، إذ استُخدم الحج بوصفه مساحة لإظهار سلطة الخلافة العثمانية في مواجهة التوسع الأوروبي. في إسطنبول أُقيم على شرف تدشين المحمل احتفال سياسي واسع؛ فكانت الموسيقى العسكرية تُعزف بينما يسير جمل مكسو بالأقمشة المطرزة يحمل هودجًا أخضر يمثل سلطة الخليفة على الأماكن المقدسة، مع نقش حروفه الأولى على كسوة الكعبة سنة ١٨٩٢.
لم يؤد عبد الحميد الحج، شأنه شأن أسلافه، لكنه تعامل مع لقب خادم الحرمين الشريفين باعتباره أساسًا لشرعية الخلافة. كتب في مذكراته: “لابد من التأكيد دومًا وفي كل مكان على أني أمير المؤمنين.”
أثار هذا الدور العثماني قلق القوى الأوروبية، خاصة مع إصرار السلطان على تقديم نفسه راعيًا لجميع الحجاج المسلمين، بمن فيهم القادمون من مستعمرات خاضعة لبريطانيا وفرنسا وروسيا. حصل حجاج من تونس والهند وآسيا الوسطى على وثائق حماية عثمانية، ورفض العثمانيون تدخل القنصليات الأوروبية في شؤونهم داخل الحجاز.
في عام ١٩٠٠ أعلن السلطان عبد الحميد مشروع سكة حديد الحجاز لربط دمشق بالمدينة المنورة تمهيدًا لربط إسطنبول بمكة. قدم المشروع باعتباره خدمة للحجاج وتسهيلًا لرحلتهم وأنه مشروع إسلامي جامع في مواجهة النفوذ الأوروبي، لكنه حمل أبعادًا سياسية وعسكرية أخرى، تتعلق بإحكام السيطرة على الحجاز وتأمين حركة الجيوش داخل الجزيرة العربية.
افتتحت سكة حديد الحجاز سنة ١٩٠٨. لكن هذا المشروع ارتبط بسنوات عبد الحميد الأخيرة؛ ففي عام ١٩٠٩ أُطيح بالسلطان عقب ثورة جمعية الاتحاد والترقي، ودخلت الدولة العثمانية مرحلة جديدة انشغلت فيها إسطنبول بأزماتها الداخلية وتراجع نفوذها في الأطراف، مع تصاعد الصراع على الحجاز بين أشراف مكة وآل سعود.
سيطر عبد العزيز آل سعود على مكة والمدينة بين عامي ١٩٢٤ و١٩٢٥، وعاد معه الخلاف حول شكل الطقس داخل الحرمين وحدود الصوت المسموح به. خلال موسم حج ١٩٢٦، وصل المحمل المصري تصاحبه الفرقة الموسيقية العسكرية، واندلع الاشتباك الذي فتح أزمة سياسية مع مصر.
عقب الحادثة، توقفت مصر عن إرسال الكسوة بين عامي ١٩٢٦ و١٩٣٧، وأعلن الملك فؤاد الأول وقف المحمل والمعونات والصدقات المرسلة إلى الحجاز، رغم محاولة الملك عبد العزيز احتواء الأزمة عبر إرسال ابنه سعود إلى القاهرة لتهدئة الأجواء. ظلت الأزمة قائمة حتى تولي الملك فاروق العرش، حيث عادت مصر إلى إرسال الكسوة مددًا سنة ١٩٣٧، وعادت معها الإعانات المخصصة لفقراء الحجاز.
تزامنت تلك المرحلة مع افتتاح الإذاعة المصرية عام ١٩٣٤، فدخلت أغاني الحج إلى مرحلة جديدة قامت على التسجيل والبث الجماهيري؛ لكن في تلك الفترة طغت الكلاسيكية على أغاني الحج لتصبح أكثر ملاءمةً لتوجّه الإذاعة وقتها الذي لم يكن بعد ملتفتًا إلى الشعبي.
أغاني الحج على الأثير
كانت البداية في ٢٦ أبريل ١٩٣٦ عندما بثت الإذاعة للمرة الأولى أغنية اشتياق الحجيج بصوت وألحان محمد الكحلاوي، وكأنها رسالة مصرية لقرب عودة إرسال الكسوة للكعبة. في عام ١٩٣٧ أقام بنك مصر حفلًا للترويج لباخرتيه زمزم وكوثر غنت فيه نجاة علي عددًا من أغاني الحج مثل يا رايح جدة على زمزم وسيري يا زمزم وياللي رايح تحج البيت، كما غنى صالح عبد الحي ضيف النبي مكروم. في نفس العام غنت حياة محمد يوم عرفات وعودة الحجاج.
في العام التالي غنى فريد الأطرش أغنية محمل الحجاج بناء على طلب من طلعت حرب مؤسس بنك مصر. أعطى فريد بعد ذلك الأغنية لأخته أسمهان بعد طلاقها وقدومها لمصر، في محاولة منه لحماية أخته التي كثرت الشائعات حولها في الصحف المصرية، لكنه غيّر الاسم إلى عليك صلاة الله وسلامه لتختفي نسخة فريد وتبقى نسخة أسمهان.
امتد حضور أغاني الحج إلى السينما المصرية. في أواخر الأربعينات قدم محمد فوزي أغنية الله أكبر ضمن فيلم حب وجنون كما قدم قصيدة أبو نواس لبيك إن الحمد لك. في فيلم أفراح عام ١٩٥٠، غنت نور الهدى أغنية مبروك يا حاج تبعتها أم كلثوم في عام ١٩٥١ بأغنية إلى عرفات الله وكان قد كتبها أحمد شوقي سنة ١٩١٠ بمناسبة حج الخديوي عباس حلمي الثاني، وبعد أربعة عقود انتقى منها أحمد رامي ٢٥ بيتًا مع بعض التعديلات ليلحنها رياض السنباطي لأم كلثوم.
شهدت أغاني الحج انتعاشة كبيرة في تلك الفترة، فقد أطلق محمد الكحلاوي ما يقرب من ٢٠ أغنية عن الحج ومناسكه، وغنى كارم محمود يا مسعد الحجاج، وقدم سيد إسماعيل بشاير من الحبيب، كذلك أحمد عبد القادر وشافية أحمد.
بعد قيام حركة يوليو ١٩٥٢، قدمت ليلى مراد أغنية يا رايحين للنبي الغالي ضمن أحداث فيلم ليلى بنت الأكابر عام ١٩٥٣ من كلمات أبو السعود الإبياري وألحان رياض السنباطي. جاءت الأغنية في لحظة واجهت فيها ليلى حملة سياسية وإعلامية تتهمها أنها تمد الجيش الإسرائيلي بالأموال للتسليح، بسبب أصولها اليهودية.
نهاية المحمل واستمرار أغانيه
مع استقرار الحكم السعودي في الحجاز، رأى عبد العزيز آل سعود أن صناعة الكسوة ينبغي أن ترتبط مباشرة بالسيادة على الحرمين. لذلك اتجه إلى إنشاء دار خاصة للكسوة في مكة، رغم الأعباء المالية التي كانت تواجهها الدولة السعودية في سنواتها الأولى. يذكر الباحث السعودي أحمد البسام أن الملك عبد العزيز رأى في مسألة الكسوة جزءًا من استقلال القرار السياسي والديني في الحجاز، وأن استمرار وصولها من الخارج كان يمنح الدولة المرسلة حضورًا رمزيًا داخل الحرم.
مع عودة الخلافات بين القاهرة والرياض إثر قيام الجمهورية في مصر، توقفت مصر سنة ١٩٦٢ عن إرسال كسوة الكعبة بصورة نهائية؛ وظلت آخر كسوة مصرية محفوظة داخل دار الخرنفش، بينما انتقلت صناعة الكسوة بالكامل إلى مكة. مع توقف خروج المحمل والكسوة من القاهرة، أسدل الستار على تقليد استمر قرونًا.
رغم توقف المحمل المصري، استمرت طقوس توديع الحجاج وأغانيهم حاضرة في الوجدان الشعبي حتى اليوم. في عام ١٩٧١، ظهرت أنشودة إلى رحاب يثرب في فيلم فجر الإسلام، وفي العام التالي عادت أم كلثوم بأغنية القلب يعشق كل جميل. في الفترة نفسها، أذاعت الإذاعة المصرية أغنية اللي اتوعد يا هناه بصوت محمد قنديل.
بالتوازي مع الأغاني الإذاعية، ظلت الأغنية الشعبية في صدارة استقبال الحجاج وتوديعهم، خصوصًا في الأرياف ومحافظات الصعيد. مع انتشار الكاسيت انتشرت تسجيلات كثيرة بين المغنيين الشعبيين، كان أبرزها ما قدمته فاطمة عيد، مثل:
رايحة فين يا حاجة يا أم الشال قطيفة رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة
تبلورت زفة الحجاج بوصفها طقسًا شعبيًا متكاملًا، تصاحبه الدفوف والزغاريد والتصفيق والمزمار الشعبي. حتى اليوم تصاحب الحجاج في صعيد مصر سيارات تحمل سماعات كبيرة تصدح بأغاني الحج، التي تنوعت بين أناشيد لكبار منشدي الصوفية، أو أغنيات قدمها مطربو الكف، مثل جابر العزب، وربيع البركة، ومحمود جمعة، وغيرهم، من بينها ما يتردد فيها:
يا نبي يا نبي ياما ليك أحبة هملوا عيالهم يا نبي وجولك محبة
كما اتجهت بعض المقاطع إلى مخاطبة السيدة فاطمة بنت النبي محمد، لأنها جزء من المخيال الشعبي المرتبط بزيارة المدينة المنورة، مثل:
يا فاطمة يا فاطمة يا بنت نبينا افتحي البوابة يا فاطمة أبوكي داعينا
يتكرر حضور الباخرة في عدد كبير من أغاني الحج، بعدها أصبحت وسيلة السفر الأوسع استخدامًا لدى الحجاج المصريين خلال القرن العشرين، فظهرت داخل الأغنية كجزء أصيل من مشهد الرحلة.
الأمر ذاته في باقي المحامل ورحلات الحج بالنسبة للدول العربية. في فلسطين تحتفظ الذاكرة الشعبية بأغاني تعبر عن رهبة الطريق، إذ تُعد رحلة بلا عودة إن كان الحاج مسنًا، مثل:
حاجنا طاح البحر في كيله يارب ترده سالم للعيلة حاجنا طاح البحر في إبريق يارب ترده سالم من الطريق
بالإضافة إلى اختلاط مشاعر المقاومة بالروحانية، مثل:
يا زايرين النبي خدوني في محاملكم لا أنا حديد ولا رصاص أثقلكم
يرى محمد شبانة أستاذ الموسيقى الشعبية بأكاديمية الفنون المصرية، أن أغاني الحج اتخذت سمات بيئية وثقافية خاصة بكل منطقة. في المغرب كانت القصائد الأمازيغية هي السائدة في أناشيد الحجاج، كما في أغنية ليبية تقول:
كيف اللي حج على الناقة يا أنا يا عقلي ونجناجة اللي ع الناقة حج وحاجة الدوة في نقناقي أنا
وفي الجزائر، اشتهرت أغنية رابح الدرايسة ذات الطابع الأمازيغي، التي يقول مطلعها:
ودعنا الغالي والعزيز في حب رسول الله من زار الزين سميناه اسمين
يعتقد شبانة أن الغناء الريفي المصري تميز بحمله مضامين إرشادية توجيهية، حيث لعب الغناء الشعبي دور الناصح، فكانت الأغاني تحمل تعليمات دقيقة حول ما يجب أن يحمله الحاج معه في رحلته:
خد أبيض وصافي إن نويت ع الحجاز خد أبيض وصافي خد محارم حرير لعرق العوافي خد أبيض وشيلة عند حرم النبي يا محلا غسيله
وعند عودة الحجاج، تتجدد الطقوس نفسها بصيغ مختلفة يفرضها كل زمن. في عصر المحمل، كان أهل القاهرة يخرجون لاستقبال القوافل على أطراف المدينة بالأغاني والدفوف والزغاريد، وربما النحيب إن كان الحج قد توفى في رحلته. اليوم انتقلت مراسم الاستقبال إلى المطارات والموانئ، مع استمرار حضور الأغاني الشعبية. من تلك الأغاني التي تتردد في استقبال الحجاج:
مبروك مبروك يا حجنا ألفين مبروك يا حج البيت زرت الكعبة وهناك صليت بين الصفا والمروة سعيت وبالسلامة جتلنا مبروك مبروك مبروك يا حجنا
اختفى المحمل من شوارع القاهرة، وتوقفت الطبول العسكرية عن عبور باب النصر، وانتقلت الكسوة إلى مكة، لكن الأغاني بقيت. بقيت أصوات النساء في البيوت، والمداحين في الموالد، والسماعات المعلقة على سيارات الحجاج في قرى الصعيد. تغيرت الدول والتيارات والحدود، بينما ظل الطريق إلى مكة يغني.