في إحدى المجموعات الفيسبوكية المهتمة بالإنشاد الديني، صادفت مقطعًا مصورًا لامرأة خمسينية تُنشد قصيدة شهيرة في مدح الإمام الحسين رضي الله عنه؛ بصوت قوي الحضور، عذب وجذاب. بالإضافة لجمال الأداء، لفتني المقطع لندرته؛ إذ تجلس امرأة بين جمع كبير من الحضور وتُنشد المديح. كوني اعتدت حضور الموالد والاحتفالات الدينية الشعبية في مصر، والتي يُعد المديح عنصرًا أساسيًا فيها، لطالما احتكر المنشدون الذكور هذه المناسبات بلا منافسة تُذكر.
ما أثار فضولي أكثر من الصوت هو التعليقات على المقطع التي انقسمت بين انبهار وإعجاب شديدين بصوت المنشدة، واستنكار لكونها امرأة اقتحمت فضاء من غير المألوف تمحوره حولها.
هذا المقال محاولة لتتبّع ذلك الصوت النسائي، من طقوس الدين الشعبي القديمة إلى حضور المدّاحات والمنشدات اليوم، نساء كنّ في قلب الطقوس الشعبية الدينية لكن قلّما تُذكر أسماؤهن.
في الزار
على مر تاريخ الموسيقى الروحانية المصرية، ظل الزار هو التقليد الوحيد تقريبًا الذي تتولى فيه النساء الأدوار الأهم في أداء الفرقة، سواء بالغناء أو العزف أو القيادة. يعرّف بعض الباحثين الزار باعتباره طقسًا شعبيًا دينيًا روحيًا يُمارس في مساحات مغلقة بهدف استخراج الأرواح الشريرة أو تهدئتها، باستخدام الغناء والرقص والإيقاع الجماعي.
وفقًا للأرشيف المصري للحياة والمأثورات الشعبية، تنظم الزار وطقوسه امرأة تعرف بــ كودية الزار أو الشيخة، التي تقود الطقوس وتحدد نغماته، بينما تُشكل أغانيه، جزءًا من العلاج، ويصاحبها بعض الآلات الموسيقية. تسمى كل أغنية دقة، بحيث تهتز المريضة مع الإيقاع في حركة تُعرف بالتفقير.
لا يزال تاريخ دخول الزار إلى مصر غير محسوم. تشير معظم الدراسات إلى أنه وصل خلال أواخر القرن الثامن عشر أو أوائل القرن التاسع عشر، على يد إماء إثيوبيات كن يُسلين سيدات العائلات الثرية عبر هذه الطقوس الغنائية والروحية.
تعتمد الموسيقيات في أدائهن في طقس الزار على آلات إيقاعية مثل الطبول المتنوعة، الدفوف، صنج الأصابع والناي، وفي ذروة الأداء يؤدين رقصة تُشبه حالة من النشوة أو الارتقاء يعبرن عنها بإيقاعات الطبول.
يرى باحثون أن أحد أسباب تميّز النساء في الزار تجاربهن اليومية الصعبة، التي تمنحهن قدرة أكبر على التعبير العاطفي من خلال الأداء.
على مر السنوات، تطورت بعض فرق الزار، فاصبح يُقدّم أحيانًا كعرض فني معاصر بدل الطقس العلاجي، وإن بقي محافظًا على طابعه الروحي. تُعدّ فرقة مزاهر، المكوّنة من موسيقيات نساء، من أبرز الفرق التي لا تزال تحافظ على طقس الزار بصيغته الشعبية. تقدّم الفرقة عروضها بشكل ثابت في مساحات ثقافية في القاهرة، وتقودها السيدة مديحة الشهيرة بأم سامح، والتي تعد أكبر قائدة زار سنًا في مصر.
في الحجّ الشعبي
في عشرينيات القرن الماضي، كان صوت النساء في القرى المصرية جزءًا أصيلًا من طقوس الحجّ الشعبي، الذي يشمل الدعاء والصلاة، والغناء والإنشاد، حيث تتردّد الألحان التراثية في وداع الحجاج واستقبالهم.
قبل موعد السفر للحجّ بعدة أسابيع، تتجمّع النساء في ساحات القرية أو البيوت، يردّدن أناشيد تحمل قصص الأنبياء، لا سيما قصة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل، ويُودّعن الحجاج بأغانٍ مفعمة بالرجاء والبركة.
وفقًا لما وثقه بعض المستشرقين، كانت المرأة الحاجّة تجهّز نفسها لارتداء أفضل ثيابها البيضاء الزاهية، وتتوافد النساء إلى بيتها للتهنئة والمباركة، ويرددن:
“خدوني معاكم يا رايحين
عند النبي خدوني معاكم
وأغسل ليكم الهدوم
وأسوي غداكم”
يعبّر هذا الغناء عن الحنين والشوق لزيارة الأراضي المقدسة، ووصف تفاصيل المناسك. سُمي هذا اللون من الغناء بـ التحنين لأن الناس يقولون للحاج: “الله يحنن عليك، حج مبرور وذنب مغفور”، في إشارة إلى مشقة السفر ومعاناته.
هو أيضًا تحنين لما فيه من حنين الحاج لأهله، وحنين أهله إليه خلال رحلة كانت تستغرق شهورًا طويلة؛ إذ كان السفر حتى نهاية القرن التاسع عشر على ظهور الإبل.
لإحياء ليالي التحنين، تتجمّع كل ليلة في بيت الحاج أو الحاجة عدد كبير من النساء والصبايا ومن الأقارب والجيران والأصدقاء، بعد صلاة المغرب وحتى وقت متأخر من الليل، يغنين ويترنمن بالكثير من أغاني وأناشيد الحج.
يقود الجلسة النسوة المباركات، يجلسن في قاعة البيت على الحصير، ويطلبن من إحداهن أن تمدح النبي المختار. أثناء رحلات الحجّ كان النسوة الحاجات أنفسهن يترنمن بهذه الأغاني نفسها في أداء جماعي عذب، حيث كانت تهون عليهم مشقة السفر وتساعدهم على تحمّل الطريق.
يُسجّل شحاته عددًا من الأغاني الشعبية التي تؤديها النساء في هذه الطقوس، مثل:
“فوق جبل عرفات ينادي المنادي
روحوا يا حجاج بلغتوا المرادي
فوق جبل عرفات ينادي عطية
روحوا يا حجاج زيارة هنية”
في كتابه فولكلور الحج: الأغنية الشعبية نموذجًا، يصف الباحث محمد رجب النجار هذه الأغاني بأنها تشكّل تصورًا شعبيًا لمراحل رحلة الحج، من لحظة الوداع وحتى العودة.
يسمي النجار هذه الطقوس الغنائية بزفة الحاج، ويؤكد أن لها سمات الأغنية الشعبية التقليدية المتوارثة، ويضيف أن هذا الشكل الغنائي نسوي الأصل، تؤديه النساء، ويتوجهن به غالبًا إلى نساء أخريات.
مع توسّع الممارسة الغنائية النسائية، بدأ حضور النساء يتجاوز الطقوس والفضاءات المغلقة مثل الزار أو الحجّ الشعبي، ليظهر تدريجيًا في فضاءات عامّة مثل المديح والإنشاد الديني، ويترك أثرًا واضحًا في الذاكرة الشعبية؛ وإن بقيت معظم أسماء تلك المنشدات والمداحات خارج التوثيق الرسمي.
في المديح
غالبًا ما يُؤدى المديح بصحبة الدف أو التصفيق الإيقاعي، في حلقات الذكر أو أمام الأضرحة أو داخل البيوت في المناسبات الخاصة. يظهر المديح في أكثر صوره كثافة خلال الموالد الشعبية، التي تمثل واحدًا من أبرز مظاهر التدين الشعبي في مصر.
في أوائل القرن العشرين، كانت مشاركة النساء في المديح محصورة غالبًا في المجالس المنزلية، بعيدًا عن حلقات الذكر والإنشاد الرجالية، حيث تقود المرأة الحلقة وترد الأخريات بأصوات متناغمة أبياتًا في مدح النبي محمد وآل البيت.
يرى باحثون أن هيمنة الرجال في مجال المديح الديني تعود جزئيًا إلى الحركات الإسلامية الإصلاحية في القرن العشرين التي روجت لفكرة أن صوت المرأة عورة شأنه شأن الجسد، لابد أن يُحجب. رغم أن هذا التصور لم يكن سائدًا بين عامة المصريين، إلا أنه ترك أثره في الوعي الجمعي، ما أدى إلى تراجع الصوت النسائي نسبيًا داخل الفضاءات الرسمية الدينية.
غير أن هذا الواقع لم يمنع نساء كثيرات من إثبات حضورهن في المديح، إذا أخذت بعض الأصوات النسائية تبرز تدريجيًا في حلقات الذكر والاحتفالات الشعبية، حتى بدأت أصواتهن تصل إلى الاحتفالات والتوثيقات الإعلامية، كما يظهر في أحد أندر التسجيلات التي توثق الحضور النسائي في المديح، تسجيل لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي حيث تؤدي قارئة القرآن منيرة عبده مديحًا احتفالًا بليلة الإسراء والمعراج:
“أنت مبرأ من كل عيب
كأنك قد خُلقت كما تشاء
قرأنا في الضحى ولسوف يُعطي
فسرّ قلوبنا ذاك العطاء
فسبحان الذي أسراك ليلًا”
لفتت عبده الأنظار بصوتها الآسر، وحققت شهرة واسعة أهلتها لتصبح أول امرأة يُعتمد صوتها لتلاوة القرآن الكريم عبر الإذاعة المصرية بعد انطلاقها عام ١٩٣٤. قدمت عبده أيضًا الابتهالات والتواشيح الدينية والمديح النبوي، إلا أن هذا الحضور لم يدم طويلًا، فمع اندلاع الحرب العالمية الثانية وصدور فتاوى تحرم تلاوة النساء للقرآن عبر الإذاعة، أُقصيت من الإذاعة المصرية.
مع تراجع الأصوات النسائية في الإذاعة والمجال الديني الرسمي، تحول المديح إلى جزء من أداء المغنيات الشعبيات اللواتي قدّمنه في الموالد والأفراح؛ اللواتي أصبحت فاطمة سرحان من أبرزهن. اشتهرت سرحان بامتلاكها سرادقًا خاصًا أو خيمة مدح في منطقة الحسين بالقاهرة، وتميزّ أداؤها بجمعه بين الغناء الشعبي والمديح الديني، ما جعل حضورها لافتًا في الموالد والاحتفالات الدينية.
أيضًا، هناك صاحبة المقطع الذي انطلقت منه رحلتي، التي روت لي حكايتها، لأرى كيف تتواصل تجربة المدّاحة المعاصرة مع تاريخ الصوت النسائي في الطقوس الدينية الشعبية.
كريمة أم منعم هي إحدى المدّاحات المعاصرات اللاتي اتخذن المديح الديني هواية وشغفًا يعبّرن به عن ارتباطهن الروحي، مستمدةً هذا الحب من بيئتها الأسرية. بدأت كريمة رحلتها مع المديح منذ نحو خمسين عامًا في محافظة أسيوط بصعيد مصر، مستمعةً إلى والدتها وهي تُنشد المديح النبوي في تجمعات العائلة. بدأت كريمة تدريجيًا في ترديد هذه الأناشيد حتى تشربت فن المديح وأصبح جزءًا أساسيًا من حياتها.
رغم طول تجربتها في المديح، لم تسعَ كريمة للغناء في الموالد الشعبية، مكتفية بجمهورها الذي تلتقيه في ساحات مقامات آل البيت، أو عبر متابعيها على مواقع التواصل الاجتماعي. تقول الحاجة كريمة إن بداية انتشار صوتها كانت عندما قام أحد الحاضرين بتصويرها أثناء مدحها في مقام السيدة زينب رضي الله عنها، ونشر المقطع على فيسبوك. من هنا توالت زياراتها ومدحها في الأضرحة والمقامات، وفي المناسبات العائلية.
تواجه كريمة انتقادات وتمييزًا، تقول إن مصدرها في الغالب بعض التيارات السلفية المتشددة التي تعتبر صوت المرأة عورة، لكنها لا تعير هذه التعليقات اهتمامًا، خاصةً أنها تقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي، أما جمهورها الحقيقي ممن يلتقونها في المقامات أو لقاءات المديح فلا تسمع منهم سوى كلمات التشجيع والدعم التي تدفعها للاستمرار.
تواجه كثير من الأصوات النسائية في مجال المديح اليوم عقبات مشابهة، بين رفض المجتمع وتشدد التقاليد، والنظر إلى إنشاد النساء علنًا بوصفه أمرًا غير لائق. رغم هذه التحديات، بقي الصوت النسائي حاضرًا ومحافظًا على مكانته كجزء من الذاكرة الحية للتدين الشعبي في مصر.
